
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
هناك أسئلة تبدو في ظاهرها اجتماعية، لكنها في حقيقتها أسئلة سيادة وأمن استراتيجي. وسؤال الشباب المغربي واحد منها.
حين نتحدث عن البطالة، والهجرة، والعزوف السياسي، وضعف الثقة، وتراجع جاذبية المدرسة والجامعة، نميل إلى تفكيك الظواهر واحدةً واحدة: هنا مشكلة في التعليم، وهناك خلل في سوق العمل، وهنا أزمة في الأحزاب، وهناك ضعف في الإعلام. لكن التفكير الاستراتيجي يبدأ من مكان آخر: ماذا لو كانت هذه الظواهر المختلفة ليست أزمات متفرقة، بل أعراضاً لخلل واحد أعمق؟
خلل يتعلق بعلاقة جيل كامل بالمستقبل.
فالمشكلة ليست أن شاباً مغربياً لا يجد وظيفة فقط، ولا أن آخر يريد الهجرة، ولا أن ثالثاً فقد ثقته في السياسة. المشكلة الأخطر هي أن يتشكل داخل جيل كامل شعور بأن المستقبل شيء يُنتظر أو يُستورد أو يُعاش في مكان آخر، وليس شيئاً يمكن إنتاجه هنا.
وهنا يصبح السؤال أكثر قسوة:
من سرق المستقبل من الشباب المغربي؟
لا أقصد شخصاً، ولا حكومة، ولا حزباً، ولا مؤسسة. فالمستقبل لم يسرقه لص واحد. لقد استنزفته، على مدى سنوات، منظومة كاملة لم تعد تنتج بالسرعة نفسها التي ينتج بها الشباب طموحاتهم وتوقعاتهم وأسئلتهم الجديدة.
والمفارقة أن المغرب لم يتوقف عن البناء. على العكس، لقد تغير كثيراً، وراكم بنيات ومشاريع واستثمارات ومؤسسات، ووسع حضوره الإقليمي والدولي. لكن التنمية لا تُقاس فقط بما نراه من طرق وموانئ وملاعب ومناطق صناعية، بل أيضاً بما إذا كان الشاب الذي يقف في آخر السلسلة يشعر أن هذه التحولات فتحت له باباً إلى الغد.
وهنا يبدأ السؤال الحقيقي.
- حين يتقدم البلد أسرع من الإحساس بالمستقبل
قد يكون البلد في حالة تقدم، بينما يشعر جزء من مواطنيه بأنهم واقفون في مكانهم. وهذه ليست مفارقة عابرة، بل واحدة من أخطر المشكلات الاستراتيجية التي يمكن أن تواجهها دولة.
فالتنمية لها مستويان: مستوى تقيسه الأرقام والمشاريع، ومستوى يعيشه الإنسان في حياته اليومية.
قد يرتفع الاستثمار، وتتطور البنية التحتية، وتتسع المدن، وتتقدم التكنولوجيا، لكن إذا بقي الشاب عاجزاً عن الإجابة عن أسئلة بسيطة وحاسمة: ماذا سأصبح؟ أين سأعمل؟ هل سيكافأ اجتهادي؟ هل أستطيع أن أعيش بكرامة؟ هل يمكنني أن أؤسس أسرة؟ هل أستطيع أن أبني مشروعاً؟ هل يمكن أن أصعد اجتماعياً دون أن أملك شبكة نفوذ؟، فإن شيئاً جوهرياً في معادلة التنمية يكون قد تعطل.
وهنا لا تكفي الأرقام.
لأن الشاب لا يعيش في الناتج الداخلي الخام. يعيش في إحساسه بإمكانية الغد.
وهذا ما يجعل البطالة أكثر من مجرد مؤشر اقتصادي. إنها، في بعض الحالات، تعطيل لمسار الحياة. ويصبح الأمر أكثر خطورة حين يقترن بطول الانتظار، وعدم وضوح المسار، والشعور بأن الشهادة لا تضمن المكانة، وأن الكفاءة لا تجد دائماً منفذاً، وأن الهجرة تبدو أحياناً أقل مخاطرة من البقاء.
عند هذه النقطة يتحول السؤال من:
كيف نوفر للشباب وظائف؟
إلى:
كيف نعيد بناء علاقة الشباب بالمستقبل؟
وهذا فرق استراتيجي هائل.
فالوظيفة تحل مشكلة اليوم، أما المسار فيبني علاقة بالسنوات القادمة.
والمغرب لا يحتاج فقط إلى تشغيل شبابه؛ يحتاج إلى أن يجعلهم يرون أنفسهم فاعلين في صناعة المرحلة المقبلة.
وهنا تظهر الحلقة الأولى من الأزمة: المدرسة.
فالمدرسة ليست مؤسسة لتوزيع الشهادات. إنها المكان الذي يتعلم فيه الإنسان، لأول مرة، إن كان المستقبل مفتوحاً أمامه أم مغلقاً.
إذا خرج الشاب من المدرسة وهو يعرف كيف يجيب عن أسئلة الامتحان، لكنه لا يعرف كيف يطرح السؤال الصحيح على العالم، فنحن لم نبنِ رأس مال بشرياً للمستقبل، بل دربنا جيلاً على اجتياز الماضي.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، تصبح هذه الفجوة أكثر خطورة. فالمعرفة التي تستطيع الآلة الوصول إليها في ثوانٍ لن تكون وحدها مصدر القيمة؛ لأن القيمة الحقيقية ستنتقل إلى القدرة على إنتاج «المعنى المؤسس» الذي يسبق المعرفة ويوجّهها: معنى يحدد ما الذي يستحق أن نعرفه، ولماذا نعرفه، وكيف نربط بين المعارف، وما الذي نفعله بها. ومن هنا تصبح القدرة على الفهم والتحليل والتمييز والابتكار وصياغة الأسئلة وربط المعارف واتخاذ القرار مجرد حلقات في منظومة أعمق، قاعدتها معنى مؤسس يحدد الغاية، ويبني الرؤية، ويوجّه المعرفة نحو الفعل والقرار. فالذكاء الاصطناعي قد ينتج إجابات لا نهائية، لكنه لا يعفي الإنسان من السؤال الأهم: أي مستقبل نريد أن نصنع، ولأي معنى؟
وهذا يعني أن إصلاح التعليم لا يمكن أن يكون مجرد إصلاح للمناهج. نحن بحاجة إلى تغيير السؤال نفسه:
هل نريد مدرسة تعلم الشباب كيف يجدون وظيفة، أم مدرسة تعلمهم كيف يصنعون المستقبل؟
لكن حتى أفضل تعليم في العالم يفقد جزءاً من قيمته إذا دخل خريجوه سوقاً لا يستطيع أن يستوعب طموحاتهم.
وهنا نصل إلى الحلقة الثانية.
- حين يتعلم الشباب لغة المستقبل ويجدون سوقاً يعيش في الماضي
المشكلة ليست أن الشباب المغربي لا يريد العمل. المشكلة أن جزءاً من الاقتصاد لا يزال عاجزاً عن تحويل الطموح والمهارة إلى مسار اجتماعي واقتصادي قابل للحياة.
الشاب لا يريد فقط راتباً في نهاية الشهر. يريد أن يعرف ماذا سيحدث بعد خمس سنوات من دخوله سوق العمل.
هل سيزداد دخله؟
هل ستزداد مهاراته؟
هل يستطيع تأسيس مشروع؟
هل يمكنه امتلاك مسكن؟
هل يمكنه بناء أسرة؟
هل يستطيع أن يصعد اجتماعياً اعتماداً على الكفاءة؟
إن لم تكن الإجابة واضحة، فإن الوظيفة تتحول إلى محطة انتظار، ويصبح الاقتصاد نفسه عاجزاً عن إنتاج أفق اجتماعي.
وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة: لا يمكن بناء اقتصاد مستقبلي بعقلية تعتبر الشباب مجرد طالبي شغل.
الشباب ليسوا كتلة من الباحثين عن وظائف.
إنهم رأس المال الاستراتيجي للمغرب.
والمطلوب ليس فقط خلق فرص لهم، بل خلق بيئة يستطيعون فيها تحويل المعرفة إلى قيمة، والفكرة إلى مشروع، والمشروع إلى مؤسسة، والمؤسسة إلى وظيفة، والوظيفة إلى مسار حياة.
لكن الاقتصاد وحده لا يستطيع فعل ذلك.
هناك طبقة أخرى أكثر حساسية: النخب.
وهنا تبدأ المشكلة التي لا يحب كثيرون الحديث عنها.
النخبة المغربية ليست عديمة الكفاءة. هذا تبسيط ظالم. المغرب يملك كفاءات رفيعة في الإدارة والاقتصاد والجامعة والعلوم والدبلوماسية والثقافة.
لكن الكفاءة الفردية شيء، وقدرة النخبة على إنتاج رؤية جماعية للمستقبل شيء آخر.
السؤال الحقيقي ليس: هل لدينا خبراء؟
بل:
هل لدينا منظومة تفكير استراتيجي تنتج الأسئلة قبل أن تتحول إلى أزمات؟
هل نعرف كيف سيبدو سوق العمل بعد عشر سنوات؟
كيف سيغير الذكاء الاصطناعي الإدارة والتعليم والإعلام؟
ما الذي سيحدث للمدن؟
كيف سيتغير معنى الجامعة؟
كيف سيعاد توزيع القوة الاقتصادية في عالم تحكمه البيانات؟
ما نوع المواطن الذي يحتاجه المغرب في 2040؟
وما نوع المؤسسات التي يحتاجها هذا المواطن؟
إذا كانت هذه الأسئلة لا تنتجها مراكز التفكير والجامعات والإعلام والنخب السياسية والاقتصادية والثقافية بشكل مستمر، فإننا نكون قد تركنا المستقبل بلا مصنع للأفكار.
والفراغ الفكري، مثل الفراغ الجيوسياسي، لا يبقى فراغاً.
حين لا تنتج أنت تصورك للمستقبل، سيأتي آخرون ليبيعوك تصورهم.
وهنا تبدأ أخطر طبقات المسألة: معركة المعنى.
ففي الماضي كانت الدول تحرس حدودها.
أما اليوم فعليها أن تحرس أيضاً مجالها المعرفي والنفسي والرقمي.
الاختراق لم يعد بالضرورة دبابة تعبر الحدود. قد يكون خوارزمية تدخل هاتف شاب، أو سردية تنتشر في دقائق، أو منصة تحدد ما الذي يراه، أو محتوى يعيد تعريف النجاح في ذهنه، أو نموذج حياة يجعله يرى بلده دائماً من زاوية النقص، ويرى الخارج دائماً من زاوية الفرصة.
ليس المقصود هنا صناعة نظرية مؤامرة.
المقصود إدراك قاعدة استراتيجية بسيطة:
كل من يملك قدرة أكبر على تشكيل انتباه الناس، يملك قدرة أكبر على التأثير في خياراتهم.
وفي عصر الذكاء الاصطناعي، ستصبح المعركة على الانتباه والمعنى أشد من أي وقت مضى. ومن لا ينتج روايته عن نفسه، سيجد نفسه يستهلك روايات الآخرين عنه؛ ومن لا يملك القدرة على تأسيس المعنى الذي يفسّر واقعه ويمنحه اتجاهاً، سيترك للآخرين مهمة تفسيره وتحديد ما يستحق أن يراه ويصدقه ويرغب فيه. وهنا لا تعود المسألة مجرد معركة على المعلومات أو الصورة، بل تصبح معركة على المستقبل نفسه؛ لأن الإنسان لا يتحرك بما يعرفه فقط، وإنما بما يعتقد أن له معنى ويستحق أن يُعاش. ومن هنا تحديداً يبدأ السؤال الأكثر إزعاجاً: ماذا يحدث عندما يصبح المستقبل نفسه عاجزاً عن إقناع الشباب؟
- المشكلة ليست أن الشباب غاضبون… بل أن المستقبل لم يعد يقنعهم
ربما تكون هذه هي أخطر نقطة في القصة كلها.
الغضب، في حد ذاته، ليس كارثة.
الغاضب ما يزال يريد شيئاً.
أما الذي لا يعود يرى معنى للمشاركة، ولا جدوى من الانتظار، ولا جدوى من الاحتجاج، ولا جدوى من البقاء، فهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.
تظهر هذه المسافة في ضعف الثقة السياسية، وفي العزوف، وفي الهجرة، وفي الانسحاب من المجال العام، وفي شعور بعض الشباب بأن القرار يصنع بعيداً عنهم.
لكن الخطأ هو تفسير ذلك كله باعتباره «تمرداً على المجتمع».
قد يكون جزء منه، في الحقيقة، بحثاً عن الاعتراف.
الشاب يريد أن يشعر بأن بلده يراه.
أن كفاءته مرئية.
أن صوته له معنى.
أن نجاحه ممكن.
أن الطريق ليس مغلقاً.
وهنا تتحمل النخب مسؤولية تاريخية خطيرة.
لأن النخبة التي لا تقدم للشباب رواية مقنعة عن المستقبل تترك المجال لروايات أخرى.
والإعلام الذي يستهلك الغضب أكثر مما ينتج المعرفة يضاعف الإحساس بالعجز.
والأسرة التي تخاف على أبنائها من الفشل قد تدفعهم، دون قصد، إلى البحث عن الأمان خارج الوطن.
والسياسة التي تتعامل مع الشباب باعتبارهم جمهوراً انتخابياً لا شريكاً في صناعة القرار تزيد المسافة.
والاقتصاد الذي يريد منهم المهارات دون أن يوفر لهم مسارات للنمو يخلق الإحباط.
والتعليم الذي يمنحهم الشهادات دون أدوات المستقبل يضاعف المفارقة.
كل منظومة تقدم جزءاً من المشكلة، ولذلك لا يمكن لأي منظومة منفردة أن تقدم الحل.
وهنا تحديداً يجب أن يتدخل الذكاء الاستراتيجي.
فالذكاء الاستراتيجي لا يسأل فقط: من أخطأ؟
بل يسأل:
كيف تفاعلت الأخطاء الصغيرة داخل منظومة واحدة حتى أنتجت نتيجة لم يقصدها أحد؟
هذه هي النقلة الفكرية الضرورية.
فربما لم يقرر أحد أن يجعل الشباب أقل إيماناً بالمستقبل.
لكن مدرسة هنا، وسوق عمل هناك، وخطاب سياسي في مكان ثالث، ومحتوى إعلامي، ونمط ثقافي، وتأخر مؤسساتي، وضعف في المشاركة، وتفاوت في الفرص… كلها اجتمعت تدريجياً لتنتج شيئاً خطيراً:
جيل يعرف أن العالم يتغير بسرعة، لكنه لا يشعر أن موقعه فيه يتغير بالسرعة نفسها.
وهنا يصبح السؤال عن المستقبل سؤالاً عن السيادة.
لأن الدولة التي لا تمنح شبابها دوراً في إنتاج المستقبل ستضطر، عاجلاً أو آجلاً، إلى استهلاك مستقبل ينتجه الآخرون.
ومن هنا تبدأ المعركة الحقيقية
لا أعتقد أن المغرب يحتاج إلى خطاب جديد عن الشباب.
يحتاج إلى عقد جديد مع الشباب.
عقد لا يعاملهم باعتبارهم مشكلة اجتماعية ينبغي احتواؤها، ولا كتلة انتخابية ينبغي استمالتها، ولا طاقة بشرية ينبغي تشغيلها فقط.
بل باعتبارهم شركاء في إنتاج القوة المغربية الجديدة.
القوة التي سيحتاجها المغرب في العقود المقبلة لن تقاس فقط بحجم بنيتها التحتية، ولا بعدد الاستثمارات، ولا بموقعها الجغرافي، ولا بقدرتها على جذب رؤوس الأموال.
ستقاس أيضاً بعدد الشباب الذين يستطيعون أن يقولوا:
أنا أرى مستقبلي هنا، لأنني أستطيع أن أشارك في صناعته هنا.
هذه الجملة أهم من آلاف الشعارات.
لأن الشاب الذي يرى مستقبله في وطنه يصبح منتجاً، ومبتكراً، ومستثمراً، ومواطناً، وربما قائداً.
أما الشاب الذي لا يرى نفسه في مستقبل بلده، فقد يبدأ أولاً بالانسحاب النفسي، ثم الاجتماعي، ثم الاقتصادي، وربما الجغرافي.
لذلك فإن أخطر ما يمكن أن يخسره المغرب ليس اليد العاملة، ولا الكفاءات، ولا حتى جزءاً من شبابه.
أخطر ما يمكن أن يخسره هو الخيال.
وأقول الخيال تحديداً، لأن الأمم لا تُبنى بالموارد وحدها، بل بالقدرة على تخيل ما يمكن أن تصبح عليه. وحين يفقد جيل كامل القدرة على تخيل مستقبل أفضل داخل وطنه، تبدأ الخسارة قبل أن تبدأ الهجرة.
أن يخسر الشاب خياله يعني أن يتوقف عن الإيمان بأن المغرب يمكن أن يكون أفضل.
أن يقتنع بأن المستقبل الجيد يوجد دائماً في مكان آخر.
أن يرى النجاح امتيازاً محجوزاً لا حقاً يمكن الوصول إليه بالكفاءة والعمل.
أن يرى الدولة جهازاً يدبر حياته، لا فضاءً يستطيع أن يشارك في تشكيله.
وأن يرى الوطن مكاناً يولد فيه ويعيش داخله، لا مشروعاً مفتوحاً يستطيع أن يضيف إليه ويترك فيه أثراً.
وهنا تحديداً تكمن الكارثة الاستراتيجية: حين لا يعود الوطن قادراً على احتكار خيال مستقبله.
لذلك لا ينبغي أن يكون السؤال:
كيف نمنع الشباب من الهجرة؟
هذا سؤال دفاعي، لأنه يتعامل مع النتيجة.
السؤال الاستراتيجي هو:
كيف نبني مغرباً يجعل البقاء فيه أكثر إقناعاً من الرحيل عنه؟
ولا ينبغي أن نسأل فقط:
كيف نوفر للشباب وظائف؟
بل:
كيف نبني اقتصاداً يحول طموحهم إلى قيمة، ومعرفتهم إلى قوة، وأفكارهم إلى مشاريع، ومشاريعهم إلى مسارات حياة؟
ولا ينبغي أن نسأل فقط:
كيف نعيد الثقة في المؤسسات؟
بل السؤال الأكثر إزعاجاً:
كيف نبني مؤسسات لا تطلب الثقة، بل تستحقها؟
ولا ينبغي أن ينحصر سؤالنا في كيفية مواجهة التضليل وخطابات الكراهية ومحاولات الاختراق.
السؤال الأعمق هو:
كيف ننتج رواية مغربية عن أنفسنا تكون أقوى من الروايات التي ينتجها الآخرون عنا؟
رواية لا تقوم على التجميل ولا على الإنكار ولا على الدعاية، بل على معنى مؤسس: يفسر من نحن، وإلى أين نريد أن نذهب، ولماذا يستحق هذا المستقبل أن يُبنى هنا.
هنا فقط ينتقل النقاش من تدبير أزمة الشباب إلى صناعة مستقبل المغرب.
هنا يتضح أن عنوان هذا المقال، «من سرق المستقبل من الشباب المغربي؟»، ليس سؤالاً عن الماضي بقدر ما هو سؤال عن مسؤوليتنا تجاه المستقبل. فالمستقبل لم يسرقه شخص واحد، ولم تنتزعه جهة بعينها؛ لكنه، على امتداد سنوات، ظل يتأخر عن جيل يتغير بوتيرة أسرع من مؤسساته. تأخرت المدرسة عن عالم جديد، وتأخر الاقتصاد عن طموحات جيل أكثر تعليماً واتصالاً بالعالم، وتأخرت النخب عن إنتاج الأسئلة الكبرى التي تستبق التحولات بدل أن تلحق بها، وتأخر الخطاب السياسي عن التقاط التحول العميق في وعي الشباب، بينما انشغل الإعلام باستهلاك الغضب أكثر من صناعة الخيال، وظلت المؤسسات تتعامل مع الشباب باعتبارهم موضوعاً للسياسات أكثر من كونهم شركاء في صياغتها وصناعة القرار بشأنها.
لكن الأخطر ليس أن تكون المنظومة قد تأخرت؛ الأخطر أن يتحول هذا التأخر إلى تأجيل دائم للمستقبل. وهنا تحديداً لا نملك ترف الانتظار. فنحن أمام جيل يعيش في قلب أكبر تحول تكنولوجي ومعرفي عرفه العالم الحديث؛ جيل يتغير عالمه كل يوم، بينما لا يمكن لمؤسساته أن تستمر في التفكير بمنطق الأمس. الذكاء الاصطناعي لن ينتظر، والاقتصاد العالمي لن ينتظر، والتحولات الجيوسياسية لن تنتظر، والأسواق لن تنتظر، والأهم من ذلك كله: الشباب أنفسهم لن ينتظروا.
لذلك لا يبدأ الحل بمطالبة الشباب بأن يؤمنوا بالمستقبل الذي نعدهم به، بل بأن نعيد إليهم حقهم في المشاركة في صناعة المستقبل الذي سيعيشونه. أن ننتقل من مخاطبتهم إلى الإصغاء إليهم، ومن تشغيلهم إلى تمكينهم، ومن محاولة احتواء غضبهم إلى فهم ما الذي أنتجه، ومن الخوف من هجرة الكفاءات إلى بناء شروط تجعل طاقتها أكثر قيمة داخل الوطن، ومن صناعة السياسات من أجل الشباب إلى صناعة السياسات مع الشباب.
فالمستقبل ليس منحة تمنحها الدولة لجيل، ولا وعداً يمكن تأجيله إلى دورة انتخابية أو خطة خمسية مقبلة. المستقبل قوة تُنتج، ومعنى يُؤسس، ومعرفة تُحوَّل إلى قرار، وقرار يتحول إلى فعل. ومن لا ينتج مستقبله لا يملك شروطه، ومن لا يملك شروط مستقبله سيجد نفسه، عاجلاً أم آجلاً، يعيش وفق الشروط التي يصنعها الآخرون.
لهذا فإن المعركة الحقيقية ليست معركة إبقاء الشباب داخل الحدود، ولا معركة إقناعهم بمزيد من الصبر، ولا حتى مجرد معركة لاستعادة الثقة. إنها معركة أعمق بكثير: معركة استعادة حق جيل كامل في أن يتخيل مستقبلاً مغربياً يستحق أن يُعاش، وأن يمتلك المعرفة والأدوات والفرص والقرار للمساهمة في صناعته.
وعندما يصبح الشاب المغربي قادراً على أن يرى نفسه داخل صورة المغرب الذي سيأتي، لا خارجها؛ وحين يشعر أن طموحه يمكن أن يتحول إلى قيمة، وفكرته إلى مشروع، وكفاءته إلى مكانة، وصوته إلى أثر، عندها فقط نستطيع القول إننا لم نعد ندير أزمة الشباب، بل بدأنا نبني مستقبل المغرب.
لأن معركة المستقبل لا تبدأ بمنع الشباب من الرحيل، بل بجعل البقاء خياراً يستحق أن يُختار.
وهذه، في النهاية، ليست معركة الشباب وحدهم.
إنها معركة المغرب على مستقبله.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
