غزة.. السينما تتحرك

محمد رضوان..

هناك نقاش حادٌّ حاليا في الثقافة الأوروبية حول الموقف المناسب الذي ينبغي اتخاذه من قضية الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وخاصة بعد أحداث السابع من أكتوبر 2023، ولا سيما في مجال الفن والسينما.

في خضم هذا النقاش ظهر اتجاهان رئيسيان؛ الأول يرى أن السينما يجب ان تكون شاهدة على ما يحدث، وألا تتجاهل السردية الفلسطينية في هذه القضية، بينما يدافع الاتجاه المقابل عن سردية المحتل لكن بحجة الفصل بين الفن والموقف السياسي.

غير أن عددا متزايدا من المخرجين في أوروبا والعالم، بمن فيهم بعض المشاهير، وجدوا أنفسهم أكثرا ميلا واتساقا مع الاتجاه الأول، باعتبار أن كيان الاحتلال له من القوة الإعلامية والمالية والدعم السياسي والعسكري ما يجعل سرديته تهيمن على العروض الثقافية رغم بشاعة الإبادة التي يرتكبها في حق أصحاب الأرض.

من هنا أخذنا نلاحظ بداية تشكُّل ظاهرة سينمائية أوروبية تتجه نحو الانفتاح أكثر على الحكاية الفلسطينية، ورواية الفلسطينيين ومعاناتهم تحت الاحتلال. وانتقلت هذه الظاهرة إلى المهرجانات العالمية التي أضحت تشهد حضورا متزايدا للأفلام التي تتناول الفلسطينيين والاحتلال والتهجير والحرب.

وحتى في بعض البلدان الأوروبية التي يدعم موقفُها الرسمي كيان الاحتلال، أخذت القضية الفلسطينية تجد لها موقعا قويا داخل مؤسساتها الثقافية وعروضها الفنية والسينمائية، ليس فقط من خلال أفلام فلسطينية، وإنما أيضاً عبر أفلام ينتجها أو يشارك في إنتاجها سينمائيون أوروبيون.

وكمثال على ذلك ما حدث قبل يومين (الخميس 13 غشت 2026) في سويسرا التي لا تؤيد الرواية الفلسطينية، لكن بعض المخرجين السينمائيين في هذا البلد لهم موقف آخر قوي ومؤثر في رؤيته لما يحدث في غزة، الأمر الذي جعل سويسرا توافق على ترشيح فيلم وثائقي عن ناجين من إبادة غزة لتمثيلها في سباق الأوسكار.

الفيلم الوثائقي المذكور يحمل عنوان “من لا يزال حيّاً”  (Qui vit encore)  ، وهو من إخراج المخرج المقيم في جنيف نيكولا واديموف، تم اختياره لتمثيل سويسرا في المنافسة على جوائز الأوسكار، ضمن فئة أفضل فيلم دولي طويل.

ويوثق الفيلم شهادات وتجارب عدد من الناجين من الحرب في غزة، مسلطاً الضوء على آثار الفقد والاقتلاع والبحث عن الانتماء.

ويتناول هذا العرض الفني بصورة مباشرة وعميقة مشاعر الهوية، والخسارة والنزوح، وهي القضايا التي تشكل محور العمل الوثائقي.

وسبق لهذا الشريط أن تُوج بجائزة، وهي من أبرز وأرفع الجوائز السينمائية في سويسرا، وذلك في مهرجان سولوتورن السينمائي في وقت سابق من هذا العام.

وبهذا الاختيار، أصبح «من لا يزال حيّاً» الفيلم الرسمي الذي ستقدمه سويسرا للمنافسة على جائزة الأوسكار في فئة أفضل فيلم دولي طويل.

وبذلك يدخل الفيلم السويسري رحلة المنافسة العالمية، حاملاً إلى سباق الأوسكار شهادات إنسانية من غزة، في عمل يضع تجربة الناجين من الحرب في قلب قصة سينمائية تتجاوز حدود المكان لتطرح أسئلة الفقد والذاكرة والهوية والانتماء.

إذن، نحن الآن أمام ما يمكن وصفه بظاهرة سينمائية أوروبية داعمة بشكل قوي ومؤثر للقضية الفلسطينية، وخاصة منذ حرب غزة.

وهناك نماذج بارزة لهذه الظاهرة السينمائية أيضا، ومنها شريط “لا أرض أخرى” (No Other Land) الذي عُرض في مهرجان برلين السينمائي 2024، وفاز بجائزة أفضل فيلم وثائقي في المهرجان، ثم حصل على جائزة الفيلم الوثائقي الأوروبية، قبل أن يفوز بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي عام 2025. وتعتبره الأكاديمية الأوروبية للسينما أحد أبرز الأمثلة الحديثة على صعود السينما الفلسطينية إلى قلب المؤسسات السينمائية الأوروبية والدولية.

ولا ننسى أيضا فيلم المخرجة التونسية كوثر بن هنية “صوت هند رجب” (The Voice of Hind Rajab)، الذي حظي باهتمام دولي واسع وخاصة في مهرجان البندقية السينمائي 2025، وحظي باهتمام دولي واسع

وهناك مشروع «From Ground Zero» الذي حوّل السينما إلى أرشيف غزة، وهذا المشروع الذي أشرف عليه المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي، وضم 22 فيلماً قصيراً أنجزها مخرجون من غزة خلال الحرب.

المشروع مهم لأنه لا يكتفي بتصوير الفلسطينيين من الخارج، وإنما يمنح سكان غزة أنفسهم فرصة إنتاج الصورة ورواية قصصهم.

وقد عرض المشروع في مهرجانات دولية، وأصبح من أبرز المشاريع السينمائية التي وثقت الحياة اليومية في غزة أثناء الحرب.

كما اختير الفيلم ممثلاً لفلسطين في سباق أوسكار 2025، ووصل إلى القائمة المختصرة للأفلام الدولية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى