من ينقذ السياسة من السياسة؟ المغرب والحاجة إلى طبقة جديدة من التفكير بمنهج المعنى

السياسة يمكن أن تكون شديدة الحركة، كثيرة القرارات، غزيرة الخطابات، متخمة بالبرامج والمبادرات، ومع ذلك تكون فقيرة في المعنى

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

ليست السياسة هي البداية.

قبل السياسة توجد فكرة الإنسان، وقبل المؤسسات توجد غاية وجودها، وقبل القوانين توجد فلسفة العدل التي تمنحها مشروعيتها، وقبل الدولة في صورتها الإجرائية يوجد المعنى الذي يجعل الاجتماع السياسي ممكنًا وذا قيمة. لذلك فإن السؤال عن السياسة، حين يبلغ مداه الأعمق، لا يبدأ من السياسيين ولا من الأحزاب ولا من المؤسسات، وإنما يبدأ من سؤال أكثر تأسيسًا: ما المعنى الذي من أجله توجد السياسة أصلًا؟

من هنا يكتسب سؤال من ينقذ السياسة من السياسة؟ معناه الحقيقي.

فالمقصود ليس إنقاذ السياسة من السياسيين، ولا استبدال السياسة بالتكنوقراط، ولا الهروب من المؤسسات إلى فضاء مثالي منفصل عن الواقع. المقصود هو إنقاذ السياسة من اختزالها في ذاتها؛ من أن تتحول الوسيلة إلى غاية، والتدبير إلى مشروع، والمنافسة على السلطة إلى بديل عن السؤال الذي يسبق السلطة: أي إنسان؟ وأي مجتمع؟ وأي دولة؟ وأي مستقبل نريد أن نبني؟

إن السياسة، بهذا المعنى، ليست أصل المشروع، وإنما هي إحدى أدوات تجسيده.

وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى منهج المعنى: ذلك المنهج الذي لا يبدأ بالسؤال “ماذا نفعل؟”، وإنما بالسؤال الأسبق: من أجل ماذا نفعل؟؛ لأن الجواب عن الأول يظل ناقصًا ما لم يستند إلى الثاني.

وفي الحالة المغربية، تزداد أهمية هذا السؤال لأننا لا نعيش مجرد مرحلة إصلاح عادي أو تحسين تدريجي للسياسات العمومية، وإنما نقف أمام تحول تاريخي يعيد ترتيب شروط الاقتصاد والمجتمع والمعرفة والدولة وموقع المغرب في العالم. والدولة، في المقابل، تواجه أسئلة المصير لا فقط أسئلة التدبير.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نمتلك أدوات أكثر كفاءة؛ نحتاج أولًا إلى أن نعرف المعنى المؤسس الذي ينبغي أن تنتظم حوله هذه الأدوات كلها.

أولًا: قبل أن نسأل كيف تُدار السياسة، علينا أن نسأل: من أجل ماذا توجد؟

أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه السياسة هو أن تنسى أنها ليست غاية في ذاتها. فالسياسة لا توجد لكي تدور حول السلطة، ولا لكي تعيد إنتاج النخب، ولا لكي تنشغل إلى ما لا نهاية بتدبير التوازنات والمواقع والمصالح؛ إنها توجد من أجل غاية أسبق منها، ومن أجل معنى مؤسس يجعل السلطة أداة، والدولة إطارًا، والمؤسسات وسائل، والتنمية طريقًا نحو بناء الإنسان والمجتمع والمستقبل.

وحين تنفصل السياسة عن هذا الأصل المؤسس، يبدأ اختلالها من الداخل. يصبح السؤال السياسي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ومن يملك النفوذ؟ ومن يربح المعركة؟ ومن يحتل الموقع؟ بينما يتراجع السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الأسئلة: من أجل ماذا نحكم أصلًا؟ وما الغاية التي ينبغي أن تخدمها السلطة؟

وهنا يبدأ المأزق الحقيقي.

لأن السياسة يمكن أن تكون شديدة الحركة، كثيرة القرارات، غزيرة الخطابات، متخمة بالبرامج والمبادرات، ومع ذلك تكون فقيرة في المعنى. يمكن أن تتحرك مؤسسات الدولة، وتُسن القوانين، وتُطلق المشاريع، وتُرصد الموارد، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يشعر الإنسان المغربي أن كل هذا يصنع له مستقبلًا يريد أن يكون جزءًا منه؟

وهنا بالذات ينبغي أن نقرأ بعض الظواهر التي يعيشها المغرب اليوم لا باعتبارها مشكلات منفصلة، وإنما باعتبارها إشارات إلى أزمة أعمق في العلاقة بين السياسة ومعناها المؤسس.

فحين يصل جزء من الشباب المغربي إلى درجة الشعور بأن مستقبله قد يكون في مكان آخر، وأن الهجرة ليست فقط بحثًا عن فرصة اقتصادية وإنما أحيانًا بحثًا عن أفق واعتراف وكرامة وإمكانات للحياة، فإن المسألة تتجاوز مشكلة التشغيل وحدها. وحين يصبح حلم بعض الشباب هو مغادرة البلد بدل تغيير البلد، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم فرصة عمل نحتاج؟ وإنما: أي معنى للحياة المشتركة نقدمه لهذا الجيل حتى يشعر أن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغادره بعض أبنائه، فالهجرة ظاهرة تاريخية ومعقدة، وإنما أن تتحول فكرة المغادرة إلى مخيلة جماعية للمستقبل؛ أي أن يصبح الخارج، في وعي جزء من الشباب، أكثر قدرة على تحقيق الذات من الداخل.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: التنمية لا يمكن أن تختزل في الناتج الداخلي، والبنية التحتية، والاستثمار، ومؤشرات النمو. كل هذه ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأكثر عمقًا: هل يشعر الإنسان بأن له مكانًا ذا معنى داخل المستقبل الذي تبنيه الدولة؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما تتراكم مظاهر فقدان الثقة، أو عندما يشعر المواطن بأن بعض النخب قد حولت الموقع العام من مسؤولية إلى امتياز، أو أن جزءًا من النخب السياسية والاقتصادية والإدارية قد أصبح أكثر انشغالًا بحماية مصالحه ومواقعه من الانشغال بإنتاج حلول للمجتمع.

فالفساد، في مستواه الأعمق، ليس مجرد مخالفة للقانون أو اختلاس للمال العام؛ إنه خيانة للمعنى الذي يجعل السلطة مسؤولية. وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للمنفعة الخاصة، لا يُنهب المال وحده، بل يُنهب شيء أكثر خطورة: الثقة في فكرة الدولة نفسها.

ومن هنا فإن مواجهة الفساد لا ينبغي أن تكون فقط معركة قانونية ورقابية، على أهميتها، وإنما ينبغي أن تكون أيضًا معركة لإعادة تعريف معنى المسؤولية العامة، بحيث يصبح الموقع تكليفًا لا امتيازًا، والسلطة أمانة لا ملكية، والنجاح السياسي قدرة على خدمة الصالح العام لا القدرة على البقاء في دوائر النفوذ.

والأمر نفسه ينطبق على ما يتعرض له المغرب من ضغوط وتحديات واستهدافات في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. فالدول لا تُستهدف فقط عندما تكون ضعيفة، وإنما قد تصبح موضع استهداف أيضًا عندما تصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا ومنافسة في مجالات معينة. ولذلك فإن التعامل مع الضغوط الخارجية لا يمكن أن يقوم فقط على ردود الفعل الظرفية؛ بل يحتاج إلى وعي استراتيجي بالذات وبالمصالح وبموقع المغرب وبعناصر قوته ومكامن هشاشته.

فالدولة التي لا تعرف معناها الاستراتيجي، ولا تعرف ما الذي تريد أن تكونه في العالم، تصبح أكثر عرضة لأن تُفرض عليها أجندات الآخرين، أو أن تجد نفسها تتحرك داخل خرائط جيوسياسية لم ترسمها هي.

ومن هنا يصبح المعنى المؤسس مسألة سيادة أيضًا.

فما الذي نريد أن يكون عليه المغرب؟
ما الذي نعتبره غير قابل للمساومة في شخصيته ومصالحه ووحدته ومستقبله؟
ما نوع الدولة التي نريد بناءها؟
أي مواطن نريد تكوينه؟
وأي علاقة نريدها بين الدولة والمجتمع؟
وأي مكان نريد للمغرب أن يحتله في عالم يتغير بسرعة؟

هذه ليست أسئلة فلسفية منفصلة عن الواقع، بل هي أسئلة أمن وتنمية وسيادة واستقرار ومستقبل.

ولهذا فإن المعنى الذي نتحدث عنه ليس شعارًا وطنيًا يرفع في المناسبات، ولا خطابًا سياسيًا يوظف لتبرير القرارات، ولا مجموعة من القيم التي تضاف بعد بناء السياسات. إنه أسبق من ذلك كله؛ إنه الأساس الذي يحدد لماذا نريد الدولة أصلًا، ولماذا نريد التنمية، ولماذا نريد المؤسسات، وما الذي نعنيه بالحرية والعدالة والكرامة والتقدم، وأي إنسان نريد أن يكون محور المشروع الوطني.

ومن دون هذا المستوى التأسيسي، تصبح السياسة شبيهة ببناء متقن فوق أرض لم يُحسم اتجاهها.

ولهذا فإن أزمة السياسة في المغرب لا ينبغي أن تُختزل في أداء حكومة، أو ضعف حزب، أو خلل مؤسسة، أو عجز قطاع عمومي بعينه. هذه كلها قد تكون أعراضًا، لكن المرض الأعمق يبدأ عندما تفقد السياسة قدرتها على الإجابة عن سؤال الغاية.

وعندما لا تستطيع السياسة أن تمنح الشباب سببًا مقنعًا للبقاء والمشاركة والبناء؛ وعندما تتحول بعض النخب إلى طبقات مغلقة تدافع عن مواقعها؛ وعندما تصبح الدولة مطالبة باستمرار بإثبات جدوى مؤسساتها أمام مواطن يريد أن يرى أثرها في حياته؛ وعندما تتعرض البلاد لضغوط خارجية تحتاج إلى وعي استراتيجي يتجاوز رد الفعل؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يعود إلى مركز التفكير هو: ما المعنى الذي تنتظم حوله كل هذه المعارك؟

هنا تحديدًا يصبح الذكاء الاستراتيجي ضرورة، لا ترفًا فكريًا.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد القدرة على توقع المخاطر أو قراءة المؤشرات أو إعداد السيناريوهات. إنه، في مستواه الأعمق، القدرة على العودة إلى الجذور التي تنتظم حولها القرارات كلها؛ أن نعرف ما الذي ينبغي أن نحميه، وما الذي ينبغي أن نغيره، وما الذي ينبغي أن نتجاوزه، وما الذي ينبغي أن نبنيه، وأن نميز باستمرار بين الوسيلة والغاية، وبين العارض والمؤسس، وبين ما يمكن تأجيله وما لا يحتمل التأجيل.

ومن هنا، فإن الذكاء الاستراتيجي المغربي المطلوب اليوم ينبغي أن يكون قادرًا على قراءة ظاهرة هجرة الشباب، وأزمة الثقة، والفساد، والتحولات الاقتصادية، والضغط الخارجي، والتحول التكنولوجي، ليس كملفات منفصلة، وإنما كأجزاء من سؤال واحد حول قدرة المشروع الوطني على إنتاج مستقبل ذي معنى.

فالذكاء الاستراتيجي الحقيقي لا يبدأ من السؤال: كيف نربح المستقبل؟

بل يبدأ من السؤال الأسبق:

أي مستقبل يستحق أن نربحه؟

ثم يذهب إلى السؤال الأكثر حساسية:

ما الذي ينبغي أن يتغير فينا وفي مؤسساتنا وسياساتنا حتى يصبح ذلك المستقبل ممكنًا؟

وعند هذه النقطة فقط تنتقل السياسة من إدارة الأزمات إلى صناعة الاتجاه، وتنتقل الدولة من تدبير الحاضر إلى بناء المستقبل، وتنتقل النخبة من حماية مواقعها إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية.

لأن المشكلة في النهاية ليست أن المغرب يفتقر إلى المشاريع أو الكفاءات أو الطاقات، بقدر ما تكمن في الحاجة إلى إعادة جمع هذه الطاقات داخل معنى مؤسس قادر على أن يجعل من المستقبل سببًا للبقاء، ومن الدولة مجالًا للكرامة، ومن السياسة فعلًا للمسؤولية، ومن النخبة قوة لبناء الممكن لا قوة لحراسة الموجود.

ثانيًا: إذا كان المعنى سابقًا للسياسة، فإن بناء النخبة هو بناء القدرة على حمل هذا المعنى إلى المستقبل

إذا انتهينا هنا، إلى أن أزمة السياسة تبدأ حين تنفصل عن معناها المؤسس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مباشرة هو: من القادر على إعادة وصل السياسة بهذا المعنى؟ ومن يستطيع أن يحول هذا المعنى من أساس مجرد إلى رؤية، ومن رؤية إلى مشروع، ومن مشروع إلى قدرة على الفعل؟

هنا تحديدًا تصبح قضية النخبة في قلب السؤال المغربي.

إن الإشكالات التي كشفنا عنها، من قلق الشباب على المستقبل وتراجع الثقة، إلى فساد بعض النخب والضغوط والاستهدافات الخارجية، وصولًا إلى حاجة الدولة إلى مزيد من القدرة على الاستباق، لا يمكن معالجتها بمجرد إنتاج سياسات جديدة. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في غياب السياسات، بل في الرؤية التي تقف وراءها والمعنى الذي يوجهها. والسياسات، مهما بلغت دقتها ونجاعتها، تظل بحاجة إلى عقل قادر على إنتاجها، ورؤية تحدد اتجاهها، ونخبة تمتلك القدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يتغير وما ينبغي أن يستمر، وبين ما يمثل غاية وما ليس سوى وسيلة لبلوغها.

ولهذا فإن المغرب لا يحتاج فقط إلى نخب أكثر كفاءة، بل إلى نخب أكثر وعيًا بالمعنى الذي ينبغي أن تنتظم حوله الكفاءة نفسها.

وهنا ينبغي إعادة النظر جذريًا في مفهوم النخبة.

فالنخبة ليست، بالضرورة، الأكثر تعليمًا، ولا الأكثر حصولًا على الشهادات، ولا الأكثر خبرة تقنية، ولا الأكثر قربًا من دوائر القرار، ولا الأكثر حضورًا في الإعلام. كل هؤلاء يمكن أن يكونوا عناصر من النخبة، لكن لا شيء من ذلك يكفي وحده لصناعة نخبة بالمعنى التاريخي والاستراتيجي.

النخبة الحقيقية هي التي تمتلك القدرة على رؤية ما وراء الوقائع، وفهم ما وراء الأزمات، واستيعاب المعنى المؤسس الذي ينبغي أن يمنح للمجتمع اتجاهه.

إنها ليست جماعة تحتكر الحقيقة، ولا فئة تمنح نفسها حق تعريف مستقبل المجتمع من فوقه، وليست من يخترع المعنى من فراغ؛ لأن المعنى المؤسس أعمق من إرادة الأفراد والنخب. إنه يتشكل في التاريخ، وفي تجربة المجتمع، وفي تصوراته العميقة للإنسان والدولة والكرامة والعدالة والانتماء والمستقبل.

لكن النخبة التي نحتاجها هي التي تستطيع أن تقرأ هذا المعنى، وتكشف طبقاته، وتجعله موضوعًا للوعي، ثم تبلوره في رؤية تاريخية واستراتيجية قادرة على توجيه الفعل العام.

وهذا هو الفارق الجوهري بين النخبة بوصفها موقعًا اجتماعيًا، والنخبة بوصفها وظيفة تاريخية.

فالنخبة لا تصنع المعنى المؤسس، وإنما تتحمل مسؤولية كشفه و الوعي به.

ولا تفرض على المجتمع معنى مستوردًا، وإنما تستخرج من تجربته التاريخية ما يستطيع أن يمنحه القدرة على مواجهة المستقبل.

ولا تكتفي بتفسير الواقع، وإنما تسأل: ما الذي ينبغي أن يصبح عليه هذا الواقع؟

ومن هنا يصبح بناء النخبة امتدادًا لبناء المعنى.

فإذا كان ما سبق قد كشف أن جانبًا من مأزق المغرب يرتبط بسؤال المستقبل، فإن الأمر يقتضي الذهاب أبعد من مجرد التفكير في كيفية الوصول إليه؛ إذ لا يمكن للمستقبل أن يمتلك اتجاهًا واضحًا ما لم توجد نخبة قادرة على التفكير في المعنى المؤسس الذي ينبغي أن يوجه هذا الاتجاه ويحدد غايته..

وهنا تتضح إحدى المفارقات الكبرى التي ينبغي للمغرب أن يواجهها.

لدينا خبراء في الاقتصاد، والقانون، والإدارة، والتكنولوجيا، والمالية، والعلاقات الدولية، ولدينا كفاءات قادرة على معالجة ملفات شديدة التعقيد. لكن امتلاك الخبرات المتخصصة لا يعني بالضرورة امتلاك الرؤية التي تربط هذه الخبرات داخل مشروع واحد.

فالخبير الاقتصادي يستطيع أن يخبرنا كيف نرفع النمو، والخبراء في الإدارة يستطيعون أن يقترحوا كيف نحسن الأداء، وخبراء التكنولوجيا يستطيعون أن يشرحوا كيف نواكب التحول الرقمي، والخبراء في السياسة الخارجية يستطيعون أن يقدموا خيارات للتعامل مع البيئة الدولية.

لكن من يسأل السؤال الذي يسبق كل هذه الأسئلة:

النمو من أجل ماذا؟
الإدارة في خدمة أي نموذج للدولة؟
التكنولوجيا لصناعة أي إنسان وأي مجتمع؟
والقوة الخارجية لحماية أي مشروع وطني؟

هنا تبدأ وظيفة النخبة الحقيقية.

لأن التخصص يجيب غالبًا عن سؤال كيف؟، بينما الرؤية الاستراتيجية تبدأ من سؤال لماذا؟.

والخبير يستطيع أن يقول لنا كيف نصل إلى الهدف، لكن النخبة الحقيقية هي التي تمتلك الشجاعة الفكرية لتسأل قبل ذلك:

هل هذا هو الهدف الذي ينبغي أن نصل إليه أصلًا؟

وهذا السؤال ليس ترفًا فلسفيًا، بل هو صميم المعنى.

فقد تنجح دولة في تحقيق أهداف وضعتها لنفسها، ثم تكتشف أنها لم تقترب من الغاية التي يحتاجها مجتمعها. وقد تحقق مؤشرات اقتصادية إيجابية، بينما يظل جزء من شبابها غير قادر على رؤية مستقبله داخلها. وقد تطور مؤسساتها، بينما تستمر أزمة الثقة. وقد تراكم المشاريع، بينما يبقى السؤال عن المعنى الذي تنتظم حوله هذه المشاريع بلا جواب واضح.

وهنا تظهر المسؤولية التاريخية للنخبة: أن تمنع الوسائل من أن تتحول إلى غايات، وأن تمنع المؤشرات من أن تصبح بديلًا عن المعنى، وأن تمنع السياسة من أن تنشغل بإدارة نجاحاتها الجزئية بينما يتسع السؤال حول الغاية الكبرى.

إن النخبة التي يحتاجها المغرب اليوم هي نخبة تستطيع أن ترى العلاقة بين الأشياء التي تبدو منفصلة: أن ترى في قلق الشباب سؤالًا عن المستقبل، وفي الهجرة سؤالًا عن جاذبية الوطن، وفي الفساد سؤالًا عن معنى المسؤولية العامة، وفي أزمة الثقة سؤالًا عن علاقة المواطن بالدولة، وفي الاستهداف الخارجي سؤالًا عن القدرة على إنتاج تصور مستقل للمصلحة الوطنية، وفي التحولات الاقتصادية سؤالًا عن النموذج الذي نريد أن نبني عليه المجتمع المقبل.

هذه هي الرؤية المركبة التي يتطلبها الذكاء الاستراتيجي.

فالمغرب لا يحتاج إلى عقول كثيرة تعمل كل واحدة داخل جزيرتها المعرفية، بقدر ما يحتاج إلى عقول قادرة على بناء الجسور بين المعرفة والمعنى، وبين التخصص والرؤية، وبين الحاضر والمستقبل.

ولهذا فإن بناء النخبة لا ينبغي أن يكون مجرد عملية لإنتاج الكفاءات، بل عملية لإنتاج القدرة على تركيب الكفاءات داخل رؤية.

فالبلد الذي يمتلك خبراء كثيرين ولا يمتلك رؤية قد يصبح أكثر كفاءة في إدارة أزماته، لكنه لن يصبح بالضرورة أكثر قدرة على تجاوزها.

أما البلد الذي يستطيع أن يجمع المعرفة والرؤية والمعنى، فإنه يمتلك شيئًا أكثر أهمية من الخبرة: يمتلك قدرة استراتيجية على تحديد الاتجاه.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يمثل فساد بعض النخب خطرًا يتجاوز الفساد في حد ذاته. فحين تستعمل النخبة المعرفة أو الموقع أو النفوذ لحماية مصالحها الخاصة، فإنها لا تسيء فقط إلى القانون أو المال العام، وإنما تفشل في أداء وظيفتها التاريخية. إنها تنقل النخبة من موقع حمل المعنى العام إلى موقع حراسة المصلحة الخاصة.

وهذا أحد أخطر أشكال الانحراف؛ لأن النخبة حين تنفصل عن مسؤوليتها، لا تفقد المجتمع فقط بعض موارده، بل تفقده جزءًا من قدرته على إنتاج المستقبل.

ولذلك فإن معركة بناء النخبة ليست معركة لإنتاج طبقة جديدة من أصحاب النفوذ، وإنما معركة لإنتاج طبقة جديدة من المسؤولية الفكرية والتاريخية.

نخبة لا تسأل أولًا: ماذا سأحصل عليه من الدولة؟

بل: ماذا أستطيع أن أضيف إلى مستقبلها؟

لا تسأل: أين سيكون موقعي؟

بل: ما الموقع الذي ينبغي أن يحتله المغرب؟

لا تسأل فقط: كيف نحافظ على ما تحقق؟

بل: ماذا ينبغي أن نغير حتى لا يتحول ما تحقق إلى سقف يمنع ما يمكن أن يتحقق؟

وهنا تحديدًا تصبح النخبة جسرًا بين المعنى والسياسة.

إنها التي تمنح المعنى المؤسس قدرة على الظهور في شكل رؤية، والرؤية قدرة على التحول إلى استراتيجية، والاستراتيجية قدرة على الترجمة إلى سياسات ومؤسسات.

وبذلك يصبح بناء النخبة امتدادًا لبناء المعنى، وبناء المعنى شرطًا لبناء المستقبل.

ومن دون هذه السلسلة، قد نمتلك السياسة دون بوصلة، والخبرة دون رؤية، والمؤسسات دون غاية، والمشاريع دون مشروع.

أما إذا استطعنا بناء نخبة واعية بالمعنى المؤسس، فإننا لا نبني فقط طبقة جديدة من المفكرين أو الخبراء، وإنما نبني قدرة المغرب على التفكير في نفسه، وفهم موقعه، وتحديد مستقبله، ومقاومة أن يُعرَّف له هذا المستقبل من خارج إرادته.

وهنا تنتقل قضية النخبة من كونها قضية اجتماعية أو سياسية إلى كونها قضية استراتيجية مرتبطة مباشرة بمصير الدولة والمجتمع.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يدير المغرب، وإنما حول من يمتلك القدرة على التفكير في المغرب الذي نريد أن يكون.

وهذه هي النقطة التي تقودنا إلى السؤال الثالث والأكثر حسمًا: إذا كان المعنى سابقًا للسياسة، وإذا كانت النخبة هي القادرة على الوعي بهذا المعنى وحمله إلى مجال الفعل، فكيف يمكن تحويل ذلك كله إلى قدرة استراتيجية تنقذ السياسة من الدوران حول ذاتها، وتعيد توجيه الدولة والمجتمع نحو المستقبل؟

 

ثالثًا: إنقاذ السياسة من السياسة: حين تستعيد السياسة معناها المؤسس وتستعيد الدولة قدرتها على صناعة المستقبل

إذا كنا قد خلصنا إلى أن مأزق السياسة يبدأ حين تنفصل عن الغاية التي تبرر وجودها، وأن بناء النخبة يعني بناء القدرة على الوعي بالمعنى المؤسس وترجمته إلى فعل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نعيد هذا المعنى إلى السياسة، بحيث تستعيد الدولة اتجاهها، وتستعيد النخبة وظيفتها، ويستعيد المجتمع ثقته في المستقبل؟

هنا بالضبط يصبح إنقاذ السياسة من السياسة أكثر من مجرد عنوان؛ يصبح مشروعًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الغاية والوسيلة، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الحاضر والمستقبل.

إن إنقاذ السياسة من السياسة لا يعني الخروج من السياسة، ولا إلغاء التنافس السياسي، ولا تجاوز المؤسسات، وإنما يعني تحرير السياسة من أسر ذاتها وإعادتها إلى أصلها المؤسس؛ أي إلى ذلك المعنى السابق عليها الذي يمنحها مشروعيتها ويحدد وظيفتها ويضع لها حدودها وغاياتها.

فالسلطة لا تستمد قيمتها من امتلاكها، وإنما من الغاية التي توظف من أجلها.

والدولة لا تكون قوية فقط لأنها قادرة على إصدار القرار، وإنما لأنها تعرف لماذا تصدره، ولصالح من، وإلى أي مستقبل يقود.

والمؤسسات لا تكون ناجحة فقط لأنها تعمل، وإنما لأنها تعمل في اتجاه يخدم المعنى العام للمشروع الوطني.

والتنمية لا تكون تنمية حقيقية فقط لأنها تنتج الثروة، وإنما لأنها توسع إمكانات الإنسان في الحياة، وتمنحه القدرة على أن يرى نفسه ومستقبله داخل وطنه.

وهنا تحديدًا يصبح الامتحان المغربي امتحانًا للنخبة بقدر ما هو امتحان للدولة.

فالمغرب استطاع، خلال مساره، أن يراكم مؤسسات ومشاريع وبنيات تحتية وتجارب تنموية، وأن يحقق تحولات مهمة في أكثر من مجال. لكن حجم التحولات التي يعيشها اليوم يفرض الانتقال من سؤال ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد أن نصنع من خلال ما أنجزناه؟

فالطرق والموانئ والمدن والمشاريع والمؤسسات ليست هي الغاية في ذاتها. إنها أدوات.

والسؤال الذي لا تستطيع المشاريع وحدها الإجابة عنه هو: أي حياة نريد أن تجعل هذه المشاريع ممكنة؟ وأي إنسان نريد أن يكون في مركز هذا التحول؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما ننظر إلى قلق الشباب، وإلى اتساع الرغبة في الهجرة لدى فئات منهم، وإلى أزمة الثقة، وإلى الإحساس لدى بعض المواطنين بأن ثمار التقدم لا تتوزع دائمًا بالقدر الذي يجعلهم يشعرون بأنهم شركاء فيه، وإلى فساد بعض النخب حين يتحول الموقع العام إلى منفعة خاصة، وإلى التحديات الخارجية التي تفرض على المغرب أن يكون أكثر وعيًا بمصالحه وأكثر قدرة على حماية قراره وموقعه.

هذه ليست ملفات منفصلة.

إنها، في العمق، أسئلة عن قدرة المشروع الوطني على إنتاج مستقبل ذي معنى.

وهنا تتجاوز المسألة حدود التدبير اليومي لتصبح مسألة تأسيسية.

ففي اللحظة التي تواجه فيها الدولة أسئلة المصير، لا يعود كافيًا أن تكون لديها قدرة على التدبير؛ تحتاج إلى قدرة على تحديد الاتجاه.

ولا يعود كافيًا أن تمتلك خبراء في القطاعات المختلفة؛ تحتاج إلى نخبة قادرة على رؤية الكل وربط أجزائه.

ولا يعود كافيًا أن تنتج سياسات عمومية متعددة؛ تحتاج إلى رؤية تجعل هذه السياسات أجزاء مترابطة من مشروع واحد، لا مجرد استجابات متجاورة لمشكلات متفرقة.

ولا يعود كافيًا أن تحارب الأزمات واحدة بعد أخرى؛ تحتاج إلى القدرة على فهم الشروط التي تنتج الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات.

وهنا يتخذ الذكاء الاستراتيجي معناه الأعمق.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد استشراف للمستقبل، ولا مجرد إنتاج السيناريوهات، ولا مجرد رصد المخاطر. إنه، في مستواه الأعلى، القدرة على حماية المعنى المؤسس من أن تبتلعه التفاصيل.

إنه القدرة على أن نعرف، وسط آلاف القرارات والملفات والضغوط اليومية، ما الذي يجب ألا ننساه.

أن نعرف ما الذي ينبغي أن يتغير، وما الذي ينبغي أن يستمر.

ما الذي يمثل مصلحة ظرفية، وما الذي يمثل مصلحة تاريخية.

ما الذي يمكن التفاوض حوله، وما الذي يرتبط بجوهر المشروع الوطني.

وما الذي ينبغي أن نربحه اليوم، وما الذي يجب ألا نخسره من أجل ربح اللحظة.

فالاستراتيجية التي تنفصل عن الغاية تتحول إلى براعة في الحركة بلا اتجاه.

والسياسة التي تنفصل عن المعنى تتحول إلى إدارة للمصالح والتوازنات.

والنخبة التي تنفصل عن مسؤوليتها التاريخية تتحول إلى طبقة اجتماعية تبحث عن موقعها داخل الدولة بدل أن تبحث عن موقع الدولة والمجتمع داخل المستقبل.

أما حين يعود المعنى إلى موقعه التأسيسي، فإن العلاقة بين الأشياء تبدأ في الانتظام.

تصبح السياسة وسيلة لا غاية.

وتصبح السلطة مسؤولية لا امتيازًا.

وتصبح الدولة إطارًا لتحقيق غاية مشتركة لا مجرد جهاز لإدارة المجتمع.

وتصبح المؤسسات أدوات لتجسيد المعنى واستمراره.

وتصبح النخبة مسؤولة عن الوعي بالاتجاه، لا عن حماية المواقع.

وتصبح المعرفة أمانة عامة، لا رأس مال شخصيًا.

وتصبح التنمية تعبيرًا عن تصور للإنسان والمجتمع، لا مجرد تراكم للمؤشرات.

وتصبح الاستراتيجية وسيلة لحماية المشروع من تقلبات اللحظة ومن ضغوط الداخل والخارج.

عندها فقط يمكن أن نفهم لماذا لا يكفي أن نصلح السياسة بأدوات السياسة وحدها.

لأن المشكلة ليست دائمًا في الأداة؛ قد تكون في الغاية التي تستخدم الأداة من أجلها.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية في المغرب اليوم ليست فقط معركة إصلاح السياسات أو تحسين الأداء المؤسساتي، على أهمية ذلك كله، وإنما هي معركة أعمق: استعادة الأساس الذي يجعل السياسة ذات معنى، والدولة ذات غاية، والنخبة ذات مسؤولية، والمستقبل جديرًا بالبناء.

وهذا يقتضي ظهور طبقة جديدة من التفكير.

طبقة لا تبدأ من المصالح، بل من الغايات.

لا تبدأ من المواقع، بل من المسؤولية.

لا تبدأ من السؤال: كيف نحافظ على الموجود؟ بل من السؤال: ما الذي ينبغي أن نبنيه؟

لا تبدأ من الأدوات، بل من المعنى الذي يحدد وظيفة الأدوات.

ولا تنظر إلى المغرب باعتباره مجموع قطاعات وملفات ومؤشرات، وإنما باعتباره مشروعًا تاريخيًا له شخصية ومصالح وذاكرة وأفق ومستقبل.

هذه الطبقة الجديدة من التفكير لا ينبغي أن تكون نخبة مغلقة، ولا طبقة فوق المجتمع، وإنما شبكة واسعة من العقول والكفاءات والمسؤولين والمثقفين والباحثين ورجال الدولة والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين والاجتماعيين، يجمعها شيء واحد: الإحساس بأن المعرفة مسؤولية تجاه المستقبل، وأن الموقع تكليف، وأن السياسة ليست طريقًا إلى النفوذ وإنما وسيلة لخدمة معنى أسبق منها.

وهنا يعود بناء النخبة إلى صلب المشروع.

فحين تمتلك الأمة نخبة واعية بالمعنى المؤسس، تستطيع أن تحول هذا المعنى إلى رؤية، والرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى مؤسسات وسياسات، والسياسات إلى واقع يلمسه المواطن.

وحين تغيب هذه الحلقة، تصبح السياسة أسيرة السياسة: تدور حول نفسها، وتنتج خطابها وأدواتها ومواقعها، لكنها تفقد شيئًا أساسيًا: القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يمنح كل ذلك معناه.

ومن هنا فإن المطلوب ليس أن ننتج سياسة أكثر، وإنما أن ننتج سياسة أكثر اتصالًا بالغاية.

وليس المطلوب أن ننتج نخبًا أكثر، وإنما أن ننتج نخبًا أكثر وعيًا بمسؤوليتها التاريخية.

وليس المطلوب أن نبني مستقبلًا بأي ثمن، وإنما أن نحدد أولًا أي مستقبل يستحق أن نبنيه.

ذلك أن المعنى المؤسس يسبق الدولة والسياسة والمؤسسات والنخب والاستراتيجيات؛ وهو الذي يمنح كل واحد منها وظيفته وحدوده واتجاهه.

وعندما يعود هذا المعنى إلى مركز التفكير، يمكن للسياسة أن تستعيد دورها الحقيقي: لا أن تدير الحاضر فقط، ولا أن تستجيب للمشكلات بعد وقوعها، وإنما أن تصنع شروط المستقبل قبل أن يفرض المستقبل شروطه علينا.

وهنا فقط يصبح إنقاذ السياسة من السياسة ممكنًا.

أن نعيد السياسة من أسر اللحظة إلى أفق التاريخ.

ومن منطق السلطة إلى معنى المسؤولية.

ومن إدارة الموجود إلى بناء الممكن.

ومن حماية المواقع إلى صناعة الموقع الذي ينبغي أن يحتله المجتمع والدولة في المستقبل.

ومن سؤال من يحكم؟ إلى السؤال الأسبق الذي ينبغي أن يظل حاضرًا فوق كل سلطة وكل نخبة وكل مؤسسة:

من أجل ماذا نحكم؟

ثم إلى السؤال الذي يختبر صدق الإجابة كلها:

أي إنسان نريد أن يكونه المغربي في المستقبل؟ وأي مغرب نريد أن نتركه للأجيال التي لم تولد بعد؟

فإذا استطعنا أن نجيب عن هذين السؤالين بوضوح، فإننا لا نكون قد أصلحنا السياسة فقط؛ نكون قد أعدنا إليها معناها المؤسس، وأعدنا إلى النخبة وظيفتها التاريخية، وإلى الدولة قدرتها على صناعة الاتجاه، وإلى المجتمع سببًا جديدًا للثقة بالمستقبل.

وهنا يبدأ، في العمق، إنقاذ السياسة من السياسة.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

من ينقذ السياسة من السياسة؟

المغرب والحاجة إلى طبقة جديدة من التفكير بمنهج المعنى

بقلم: د. محمد السنوسي (*)

ليست السياسة هي البداية.

قبل السياسة توجد فكرة الإنسان، وقبل المؤسسات توجد غاية وجودها، وقبل القوانين توجد فلسفة العدل التي تمنحها مشروعيتها، وقبل الدولة في صورتها الإجرائية يوجد المعنى الذي يجعل الاجتماع السياسي ممكنًا وذا قيمة. لذلك فإن السؤال عن السياسة، حين يبلغ مداه الأعمق، لا يبدأ من السياسيين ولا من الأحزاب ولا من المؤسسات، وإنما يبدأ من سؤال أكثر تأسيسًا: ما المعنى الذي من أجله توجد السياسة أصلًا؟

من هنا يكتسب سؤال من ينقذ السياسة من السياسة؟ معناه الحقيقي.

فالمقصود ليس إنقاذ السياسة من السياسيين، ولا استبدال السياسة بالتكنوقراط، ولا الهروب من المؤسسات إلى فضاء مثالي منفصل عن الواقع. المقصود هو إنقاذ السياسة من اختزالها في ذاتها؛ من أن تتحول الوسيلة إلى غاية، والتدبير إلى مشروع، والمنافسة على السلطة إلى بديل عن السؤال الذي يسبق السلطة: أي إنسان؟ وأي مجتمع؟ وأي دولة؟ وأي مستقبل نريد أن نبني؟

إن السياسة، بهذا المعنى، ليست أصل المشروع، وإنما هي إحدى أدوات تجسيده.

وهنا تحديدًا تظهر الحاجة إلى منهج المعنى: ذلك المنهج الذي لا يبدأ بالسؤال “ماذا نفعل؟”، وإنما بالسؤال الأسبق: من أجل ماذا نفعل؟؛ لأن الجواب عن الأول يظل ناقصًا ما لم يستند إلى الثاني.

وفي الحالة المغربية، تزداد أهمية هذا السؤال لأننا لا نعيش مجرد مرحلة إصلاح عادي أو تحسين تدريجي للسياسات العمومية، وإنما نقف أمام تحول تاريخي يعيد ترتيب شروط الاقتصاد والمجتمع والمعرفة والدولة وموقع المغرب في العالم. والدولة، في المقابل، تواجه أسئلة المصير لا فقط أسئلة التدبير.

وفي مثل هذه اللحظات، لا يكفي أن نمتلك أدوات أكثر كفاءة؛ نحتاج أولًا إلى أن نعرف المعنى المؤسس الذي ينبغي أن تنتظم حوله هذه الأدوات كلها.

أولًا: قبل أن نسأل كيف تُدار السياسة، علينا أن نسأل: من أجل ماذا توجد؟

أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه السياسة هو أن تنسى أنها ليست غاية في ذاتها. فالسياسة لا توجد لكي تدور حول السلطة، ولا لكي تعيد إنتاج النخب، ولا لكي تنشغل إلى ما لا نهاية بتدبير التوازنات والمواقع والمصالح؛ إنها توجد من أجل غاية أسبق منها، ومن أجل معنى مؤسس يجعل السلطة أداة، والدولة إطارًا، والمؤسسات وسائل، والتنمية طريقًا نحو بناء الإنسان والمجتمع والمستقبل.

وحين تنفصل السياسة عن هذا الأصل المؤسس، يبدأ اختلالها من الداخل. يصبح السؤال السياسي: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ومن يملك النفوذ؟ ومن يربح المعركة؟ ومن يحتل الموقع؟ بينما يتراجع السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه الأسئلة: من أجل ماذا نحكم أصلًا؟ وما الغاية التي ينبغي أن تخدمها السلطة؟

وهنا يبدأ المأزق الحقيقي.

لأن السياسة يمكن أن تكون شديدة الحركة، كثيرة القرارات، غزيرة الخطابات، متخمة بالبرامج والمبادرات، ومع ذلك تكون فقيرة في المعنى. يمكن أن تتحرك مؤسسات الدولة، وتُسن القوانين، وتُطلق المشاريع، وتُرصد الموارد، بينما يبقى السؤال الأكبر معلقًا: هل يشعر الإنسان المغربي أن كل هذا يصنع له مستقبلًا يريد أن يكون جزءًا منه؟

وهنا بالذات ينبغي أن نقرأ بعض الظواهر التي يعيشها المغرب اليوم لا باعتبارها مشكلات منفصلة، وإنما باعتبارها إشارات إلى أزمة أعمق في العلاقة بين السياسة ومعناها المؤسس.

فحين يصل جزء من الشباب المغربي إلى درجة الشعور بأن مستقبله قد يكون في مكان آخر، وأن الهجرة ليست فقط بحثًا عن فرصة اقتصادية وإنما أحيانًا بحثًا عن أفق واعتراف وكرامة وإمكانات للحياة، فإن المسألة تتجاوز مشكلة التشغيل وحدها. وحين يصبح حلم بعض الشباب هو مغادرة البلد بدل تغيير البلد، فإن السؤال لا ينبغي أن يكون فقط: كم فرصة عمل نحتاج؟ وإنما: أي معنى للحياة المشتركة نقدمه لهذا الجيل حتى يشعر أن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا؟

إن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن يغادره بعض أبنائه، فالهجرة ظاهرة تاريخية ومعقدة، وإنما أن تتحول فكرة المغادرة إلى مخيلة جماعية للمستقبل؛ أي أن يصبح الخارج، في وعي جزء من الشباب، أكثر قدرة على تحقيق الذات من الداخل.

وهنا نصل إلى جوهر المسألة: التنمية لا يمكن أن تختزل في الناتج الداخلي، والبنية التحتية، والاستثمار، ومؤشرات النمو. كل هذه ضرورية، لكنها لا تجيب وحدها عن السؤال الأكثر عمقًا: هل يشعر الإنسان بأن له مكانًا ذا معنى داخل المستقبل الذي تبنيه الدولة؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما تتراكم مظاهر فقدان الثقة، أو عندما يشعر المواطن بأن بعض النخب قد حولت الموقع العام من مسؤولية إلى امتياز، أو أن جزءًا من النخب السياسية والاقتصادية والإدارية قد أصبح أكثر انشغالًا بحماية مصالحه ومواقعه من الانشغال بإنتاج حلول للمجتمع.

فالفساد، في مستواه الأعمق، ليس مجرد مخالفة للقانون أو اختلاس للمال العام؛ إنه خيانة للمعنى الذي يجعل السلطة مسؤولية. وعندما تتحول الوظيفة العامة إلى وسيلة للمنفعة الخاصة، لا يُنهب المال وحده، بل يُنهب شيء أكثر خطورة: الثقة في فكرة الدولة نفسها.

ومن هنا فإن مواجهة الفساد لا ينبغي أن تكون فقط معركة قانونية ورقابية، على أهميتها، وإنما ينبغي أن تكون أيضًا معركة لإعادة تعريف معنى المسؤولية العامة، بحيث يصبح الموقع تكليفًا لا امتيازًا، والسلطة أمانة لا ملكية، والنجاح السياسي قدرة على خدمة الصالح العام لا القدرة على البقاء في دوائر النفوذ.

والأمر نفسه ينطبق على ما يتعرض له المغرب من ضغوط وتحديات واستهدافات في محيط إقليمي ودولي شديد التعقيد. فالدول لا تُستهدف فقط عندما تكون ضعيفة، وإنما قد تصبح موضع استهداف أيضًا عندما تصبح أكثر حضورًا وتأثيرًا ومنافسة في مجالات معينة. ولذلك فإن التعامل مع الضغوط الخارجية لا يمكن أن يقوم فقط على ردود الفعل الظرفية؛ بل يحتاج إلى وعي استراتيجي بالذات وبالمصالح وبموقع المغرب وبعناصر قوته ومكامن هشاشته.

فالدولة التي لا تعرف معناها الاستراتيجي، ولا تعرف ما الذي تريد أن تكونه في العالم، تصبح أكثر عرضة لأن تُفرض عليها أجندات الآخرين، أو أن تجد نفسها تتحرك داخل خرائط جيوسياسية لم ترسمها هي.

ومن هنا يصبح المعنى المؤسس مسألة سيادة أيضًا.

فما الذي نريد أن يكون عليه المغرب؟
ما الذي نعتبره غير قابل للمساومة في شخصيته ومصالحه ووحدته ومستقبله؟
ما نوع الدولة التي نريد بناءها؟
أي مواطن نريد تكوينه؟
وأي علاقة نريدها بين الدولة والمجتمع؟
وأي مكان نريد للمغرب أن يحتله في عالم يتغير بسرعة؟

هذه ليست أسئلة فلسفية منفصلة عن الواقع، بل هي أسئلة أمن وتنمية وسيادة واستقرار ومستقبل.

ولهذا فإن المعنى الذي نتحدث عنه ليس شعارًا وطنيًا يرفع في المناسبات، ولا خطابًا سياسيًا يوظف لتبرير القرارات، ولا مجموعة من القيم التي تضاف بعد بناء السياسات. إنه أسبق من ذلك كله؛ إنه الأساس الذي يحدد لماذا نريد الدولة أصلًا، ولماذا نريد التنمية، ولماذا نريد المؤسسات، وما الذي نعنيه بالحرية والعدالة والكرامة والتقدم، وأي إنسان نريد أن يكون محور المشروع الوطني.

ومن دون هذا المستوى التأسيسي، تصبح السياسة شبيهة ببناء متقن فوق أرض لم يُحسم اتجاهها.

ولهذا فإن أزمة السياسة في المغرب لا ينبغي أن تُختزل في أداء حكومة، أو ضعف حزب، أو خلل مؤسسة، أو عجز قطاع عمومي بعينه. هذه كلها قد تكون أعراضًا، لكن المرض الأعمق يبدأ عندما تفقد السياسة قدرتها على الإجابة عن سؤال الغاية.

وعندما لا تستطيع السياسة أن تمنح الشباب سببًا مقنعًا للبقاء والمشاركة والبناء؛ وعندما تتحول بعض النخب إلى طبقات مغلقة تدافع عن مواقعها؛ وعندما تصبح الدولة مطالبة باستمرار بإثبات جدوى مؤسساتها أمام مواطن يريد أن يرى أثرها في حياته؛ وعندما تتعرض البلاد لضغوط خارجية تحتاج إلى وعي استراتيجي يتجاوز رد الفعل؛ فإن السؤال الذي ينبغي أن يعود إلى مركز التفكير هو: ما المعنى الذي تنتظم حوله كل هذه المعارك؟

هنا تحديدًا يصبح الذكاء الاستراتيجي ضرورة، لا ترفًا فكريًا.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد القدرة على توقع المخاطر أو قراءة المؤشرات أو إعداد السيناريوهات. إنه، في مستواه الأعمق، القدرة على العودة إلى الجذور التي تنتظم حولها القرارات كلها؛ أن نعرف ما الذي ينبغي أن نحميه، وما الذي ينبغي أن نغيره، وما الذي ينبغي أن نتجاوزه، وما الذي ينبغي أن نبنيه، وأن نميز باستمرار بين الوسيلة والغاية، وبين العارض والمؤسس، وبين ما يمكن تأجيله وما لا يحتمل التأجيل.

ومن هنا، فإن الذكاء الاستراتيجي المغربي المطلوب اليوم ينبغي أن يكون قادرًا على قراءة ظاهرة هجرة الشباب، وأزمة الثقة، والفساد، والتحولات الاقتصادية، والضغط الخارجي، والتحول التكنولوجي، ليس كملفات منفصلة، وإنما كأجزاء من سؤال واحد حول قدرة المشروع الوطني على إنتاج مستقبل ذي معنى.

فالذكاء الاستراتيجي الحقيقي لا يبدأ من السؤال: كيف نربح المستقبل؟

بل يبدأ من السؤال الأسبق:

أي مستقبل يستحق أن نربحه؟

ثم يذهب إلى السؤال الأكثر حساسية:

ما الذي ينبغي أن يتغير فينا وفي مؤسساتنا وسياساتنا حتى يصبح ذلك المستقبل ممكنًا؟

وعند هذه النقطة فقط تنتقل السياسة من إدارة الأزمات إلى صناعة الاتجاه، وتنتقل الدولة من تدبير الحاضر إلى بناء المستقبل، وتنتقل النخبة من حماية مواقعها إلى تحمل مسؤوليتها التاريخية.

لأن المشكلة في النهاية ليست أن المغرب يفتقر إلى المشاريع أو الكفاءات أو الطاقات، بقدر ما تكمن في الحاجة إلى إعادة جمع هذه الطاقات داخل معنى مؤسس قادر على أن يجعل من المستقبل سببًا للبقاء، ومن الدولة مجالًا للكرامة، ومن السياسة فعلًا للمسؤولية، ومن النخبة قوة لبناء الممكن لا قوة لحراسة الموجود.

ثانيًا: إذا كان المعنى سابقًا للسياسة، فإن بناء النخبة هو بناء القدرة على حمل هذا المعنى إلى المستقبل

إذا انتهينا هنا، إلى أن أزمة السياسة تبدأ حين تنفصل عن معناها المؤسس، فإن السؤال الذي يفرض نفسه مباشرة هو: من القادر على إعادة وصل السياسة بهذا المعنى؟ ومن يستطيع أن يحول هذا المعنى من أساس مجرد إلى رؤية، ومن رؤية إلى مشروع، ومن مشروع إلى قدرة على الفعل؟

هنا تحديدًا تصبح قضية النخبة في قلب السؤال المغربي.

إن الإشكالات التي كشفنا عنها، من قلق الشباب على المستقبل وتراجع الثقة، إلى فساد بعض النخب والضغوط والاستهدافات الخارجية، وصولًا إلى حاجة الدولة إلى مزيد من القدرة على الاستباق، لا يمكن معالجتها بمجرد إنتاج سياسات جديدة. فالمشكلة لا تكمن دائمًا في غياب السياسات، بل في الرؤية التي تقف وراءها والمعنى الذي يوجهها. والسياسات، مهما بلغت دقتها ونجاعتها، تظل بحاجة إلى عقل قادر على إنتاجها، ورؤية تحدد اتجاهها، ونخبة تمتلك القدرة على التمييز بين ما ينبغي أن يتغير وما ينبغي أن يستمر، وبين ما يمثل غاية وما ليس سوى وسيلة لبلوغها.

ولهذا فإن المغرب لا يحتاج فقط إلى نخب أكثر كفاءة، بل إلى نخب أكثر وعيًا بالمعنى الذي ينبغي أن تنتظم حوله الكفاءة نفسها.

وهنا ينبغي إعادة النظر جذريًا في مفهوم النخبة.

فالنخبة ليست، بالضرورة، الأكثر تعليمًا، ولا الأكثر حصولًا على الشهادات، ولا الأكثر خبرة تقنية، ولا الأكثر قربًا من دوائر القرار، ولا الأكثر حضورًا في الإعلام. كل هؤلاء يمكن أن يكونوا عناصر من النخبة، لكن لا شيء من ذلك يكفي وحده لصناعة نخبة بالمعنى التاريخي والاستراتيجي.

النخبة الحقيقية هي التي تمتلك القدرة على رؤية ما وراء الوقائع، وفهم ما وراء الأزمات، واستيعاب المعنى المؤسس الذي ينبغي أن يمنح للمجتمع اتجاهه.

إنها ليست جماعة تحتكر الحقيقة، ولا فئة تمنح نفسها حق تعريف مستقبل المجتمع من فوقه، وليست من يخترع المعنى من فراغ؛ لأن المعنى المؤسس أعمق من إرادة الأفراد والنخب. إنه يتشكل في التاريخ، وفي تجربة المجتمع، وفي تصوراته العميقة للإنسان والدولة والكرامة والعدالة والانتماء والمستقبل.

لكن النخبة التي نحتاجها هي التي تستطيع أن تقرأ هذا المعنى، وتكشف طبقاته، وتجعله موضوعًا للوعي، ثم تبلوره في رؤية تاريخية واستراتيجية قادرة على توجيه الفعل العام.

وهذا هو الفارق الجوهري بين النخبة بوصفها موقعًا اجتماعيًا، والنخبة بوصفها وظيفة تاريخية.

فالنخبة لا تصنع المعنى المؤسس، وإنما تتحمل مسؤولية كشفه و الوعي به.

ولا تفرض على المجتمع معنى مستوردًا، وإنما تستخرج من تجربته التاريخية ما يستطيع أن يمنحه القدرة على مواجهة المستقبل.

ولا تكتفي بتفسير الواقع، وإنما تسأل: ما الذي ينبغي أن يصبح عليه هذا الواقع؟

ومن هنا يصبح بناء النخبة امتدادًا لبناء المعنى.

فإذا كان ما سبق قد كشف أن جانبًا من مأزق المغرب يرتبط بسؤال المستقبل، فإن الأمر يقتضي الذهاب أبعد من مجرد التفكير في كيفية الوصول إليه؛ إذ لا يمكن للمستقبل أن يمتلك اتجاهًا واضحًا ما لم توجد نخبة قادرة على التفكير في المعنى المؤسس الذي ينبغي أن يوجه هذا الاتجاه ويحدد غايته..

وهنا تتضح إحدى المفارقات الكبرى التي ينبغي للمغرب أن يواجهها.

لدينا خبراء في الاقتصاد، والقانون، والإدارة، والتكنولوجيا، والمالية، والعلاقات الدولية، ولدينا كفاءات قادرة على معالجة ملفات شديدة التعقيد. لكن امتلاك الخبرات المتخصصة لا يعني بالضرورة امتلاك الرؤية التي تربط هذه الخبرات داخل مشروع واحد.

فالخبير الاقتصادي يستطيع أن يخبرنا كيف نرفع النمو، والخبراء في الإدارة يستطيعون أن يقترحوا كيف نحسن الأداء، وخبراء التكنولوجيا يستطيعون أن يشرحوا كيف نواكب التحول الرقمي، والخبراء في السياسة الخارجية يستطيعون أن يقدموا خيارات للتعامل مع البيئة الدولية.

لكن من يسأل السؤال الذي يسبق كل هذه الأسئلة:

النمو من أجل ماذا؟
الإدارة في خدمة أي نموذج للدولة؟
التكنولوجيا لصناعة أي إنسان وأي مجتمع؟
والقوة الخارجية لحماية أي مشروع وطني؟

هنا تبدأ وظيفة النخبة الحقيقية.

لأن التخصص يجيب غالبًا عن سؤال كيف؟، بينما الرؤية الاستراتيجية تبدأ من سؤال لماذا؟.

والخبير يستطيع أن يقول لنا كيف نصل إلى الهدف، لكن النخبة الحقيقية هي التي تمتلك الشجاعة الفكرية لتسأل قبل ذلك:

هل هذا هو الهدف الذي ينبغي أن نصل إليه أصلًا؟

وهذا السؤال ليس ترفًا فلسفيًا، بل هو صميم المعنى.

فقد تنجح دولة في تحقيق أهداف وضعتها لنفسها، ثم تكتشف أنها لم تقترب من الغاية التي يحتاجها مجتمعها. وقد تحقق مؤشرات اقتصادية إيجابية، بينما يظل جزء من شبابها غير قادر على رؤية مستقبله داخلها. وقد تطور مؤسساتها، بينما تستمر أزمة الثقة. وقد تراكم المشاريع، بينما يبقى السؤال عن المعنى الذي تنتظم حوله هذه المشاريع بلا جواب واضح.

وهنا تظهر المسؤولية التاريخية للنخبة: أن تمنع الوسائل من أن تتحول إلى غايات، وأن تمنع المؤشرات من أن تصبح بديلًا عن المعنى، وأن تمنع السياسة من أن تنشغل بإدارة نجاحاتها الجزئية بينما يتسع السؤال حول الغاية الكبرى.

إن النخبة التي يحتاجها المغرب اليوم هي نخبة تستطيع أن ترى العلاقة بين الأشياء التي تبدو منفصلة: أن ترى في قلق الشباب سؤالًا عن المستقبل، وفي الهجرة سؤالًا عن جاذبية الوطن، وفي الفساد سؤالًا عن معنى المسؤولية العامة، وفي أزمة الثقة سؤالًا عن علاقة المواطن بالدولة، وفي الاستهداف الخارجي سؤالًا عن القدرة على إنتاج تصور مستقل للمصلحة الوطنية، وفي التحولات الاقتصادية سؤالًا عن النموذج الذي نريد أن نبني عليه المجتمع المقبل.

هذه هي الرؤية المركبة التي يتطلبها الذكاء الاستراتيجي.

فالمغرب لا يحتاج إلى عقول كثيرة تعمل كل واحدة داخل جزيرتها المعرفية، بقدر ما يحتاج إلى عقول قادرة على بناء الجسور بين المعرفة والمعنى، وبين التخصص والرؤية، وبين الحاضر والمستقبل.

ولهذا فإن بناء النخبة لا ينبغي أن يكون مجرد عملية لإنتاج الكفاءات، بل عملية لإنتاج القدرة على تركيب الكفاءات داخل رؤية.

فالبلد الذي يمتلك خبراء كثيرين ولا يمتلك رؤية قد يصبح أكثر كفاءة في إدارة أزماته، لكنه لن يصبح بالضرورة أكثر قدرة على تجاوزها.

أما البلد الذي يستطيع أن يجمع المعرفة والرؤية والمعنى، فإنه يمتلك شيئًا أكثر أهمية من الخبرة: يمتلك قدرة استراتيجية على تحديد الاتجاه.

ومن هنا يمكن أن نفهم لماذا يمثل فساد بعض النخب خطرًا يتجاوز الفساد في حد ذاته. فحين تستعمل النخبة المعرفة أو الموقع أو النفوذ لحماية مصالحها الخاصة، فإنها لا تسيء فقط إلى القانون أو المال العام، وإنما تفشل في أداء وظيفتها التاريخية. إنها تنقل النخبة من موقع حمل المعنى العام إلى موقع حراسة المصلحة الخاصة.

وهذا أحد أخطر أشكال الانحراف؛ لأن النخبة حين تنفصل عن مسؤوليتها، لا تفقد المجتمع فقط بعض موارده، بل تفقده جزءًا من قدرته على إنتاج المستقبل.

ولذلك فإن معركة بناء النخبة ليست معركة لإنتاج طبقة جديدة من أصحاب النفوذ، وإنما معركة لإنتاج طبقة جديدة من المسؤولية الفكرية والتاريخية.

نخبة لا تسأل أولًا: ماذا سأحصل عليه من الدولة؟

بل: ماذا أستطيع أن أضيف إلى مستقبلها؟

لا تسأل: أين سيكون موقعي؟

بل: ما الموقع الذي ينبغي أن يحتله المغرب؟

لا تسأل فقط: كيف نحافظ على ما تحقق؟

بل: ماذا ينبغي أن نغير حتى لا يتحول ما تحقق إلى سقف يمنع ما يمكن أن يتحقق؟

وهنا تحديدًا تصبح النخبة جسرًا بين المعنى والسياسة.

إنها التي تمنح المعنى المؤسس قدرة على الظهور في شكل رؤية، والرؤية قدرة على التحول إلى استراتيجية، والاستراتيجية قدرة على الترجمة إلى سياسات ومؤسسات.

وبذلك يصبح بناء النخبة امتدادًا لبناء المعنى، وبناء المعنى شرطًا لبناء المستقبل.

ومن دون هذه السلسلة، قد نمتلك السياسة دون بوصلة، والخبرة دون رؤية، والمؤسسات دون غاية، والمشاريع دون مشروع.

أما إذا استطعنا بناء نخبة واعية بالمعنى المؤسس، فإننا لا نبني فقط طبقة جديدة من المفكرين أو الخبراء، وإنما نبني قدرة المغرب على التفكير في نفسه، وفهم موقعه، وتحديد مستقبله، ومقاومة أن يُعرَّف له هذا المستقبل من خارج إرادته.

وهنا تنتقل قضية النخبة من كونها قضية اجتماعية أو سياسية إلى كونها قضية استراتيجية مرتبطة مباشرة بمصير الدولة والمجتمع.

فالمعركة الحقيقية ليست فقط حول من يدير المغرب، وإنما حول من يمتلك القدرة على التفكير في المغرب الذي نريد أن يكون.

وهذه هي النقطة التي تقودنا إلى السؤال الثالث والأكثر حسمًا: إذا كان المعنى سابقًا للسياسة، وإذا كانت النخبة هي القادرة على الوعي بهذا المعنى وحمله إلى مجال الفعل، فكيف يمكن تحويل ذلك كله إلى قدرة استراتيجية تنقذ السياسة من الدوران حول ذاتها، وتعيد توجيه الدولة والمجتمع نحو المستقبل؟

 

ثالثًا: إنقاذ السياسة من السياسة: حين تستعيد السياسة معناها المؤسس وتستعيد الدولة قدرتها على صناعة المستقبل

إذا كنا قد خلصنا إلى أن مأزق السياسة يبدأ حين تنفصل عن الغاية التي تبرر وجودها، وأن بناء النخبة يعني بناء القدرة على الوعي بالمعنى المؤسس وترجمته إلى فعل، فإن السؤال الذي يفرض نفسه الآن هو: كيف نعيد هذا المعنى إلى السياسة، بحيث تستعيد الدولة اتجاهها، وتستعيد النخبة وظيفتها، ويستعيد المجتمع ثقته في المستقبل؟

هنا بالضبط يصبح إنقاذ السياسة من السياسة أكثر من مجرد عنوان؛ يصبح مشروعًا لإعادة ترتيب العلاقة بين الغاية والوسيلة، وبين الدولة والمجتمع، وبين السلطة والمسؤولية، وبين الحاضر والمستقبل.

إن إنقاذ السياسة من السياسة لا يعني الخروج من السياسة، ولا إلغاء التنافس السياسي، ولا تجاوز المؤسسات، وإنما يعني تحرير السياسة من أسر ذاتها وإعادتها إلى أصلها المؤسس؛ أي إلى ذلك المعنى السابق عليها الذي يمنحها مشروعيتها ويحدد وظيفتها ويضع لها حدودها وغاياتها.

فالسلطة لا تستمد قيمتها من امتلاكها، وإنما من الغاية التي توظف من أجلها.

والدولة لا تكون قوية فقط لأنها قادرة على إصدار القرار، وإنما لأنها تعرف لماذا تصدره، ولصالح من، وإلى أي مستقبل يقود.

والمؤسسات لا تكون ناجحة فقط لأنها تعمل، وإنما لأنها تعمل في اتجاه يخدم المعنى العام للمشروع الوطني.

والتنمية لا تكون تنمية حقيقية فقط لأنها تنتج الثروة، وإنما لأنها توسع إمكانات الإنسان في الحياة، وتمنحه القدرة على أن يرى نفسه ومستقبله داخل وطنه.

وهنا تحديدًا يصبح الامتحان المغربي امتحانًا للنخبة بقدر ما هو امتحان للدولة.

فالمغرب استطاع، خلال مساره، أن يراكم مؤسسات ومشاريع وبنيات تحتية وتجارب تنموية، وأن يحقق تحولات مهمة في أكثر من مجال. لكن حجم التحولات التي يعيشها اليوم يفرض الانتقال من سؤال ماذا أنجزنا؟ إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد أن نصنع من خلال ما أنجزناه؟

فالطرق والموانئ والمدن والمشاريع والمؤسسات ليست هي الغاية في ذاتها. إنها أدوات.

والسؤال الذي لا تستطيع المشاريع وحدها الإجابة عنه هو: أي حياة نريد أن تجعل هذه المشاريع ممكنة؟ وأي إنسان نريد أن يكون في مركز هذا التحول؟

وهذا السؤال يصبح أكثر إلحاحًا عندما ننظر إلى قلق الشباب، وإلى اتساع الرغبة في الهجرة لدى فئات منهم، وإلى أزمة الثقة، وإلى الإحساس لدى بعض المواطنين بأن ثمار التقدم لا تتوزع دائمًا بالقدر الذي يجعلهم يشعرون بأنهم شركاء فيه، وإلى فساد بعض النخب حين يتحول الموقع العام إلى منفعة خاصة، وإلى التحديات الخارجية التي تفرض على المغرب أن يكون أكثر وعيًا بمصالحه وأكثر قدرة على حماية قراره وموقعه.

هذه ليست ملفات منفصلة.

إنها، في العمق، أسئلة عن قدرة المشروع الوطني على إنتاج مستقبل ذي معنى.

وهنا تتجاوز المسألة حدود التدبير اليومي لتصبح مسألة تأسيسية.

ففي اللحظة التي تواجه فيها الدولة أسئلة المصير، لا يعود كافيًا أن تكون لديها قدرة على التدبير؛ تحتاج إلى قدرة على تحديد الاتجاه.

ولا يعود كافيًا أن تمتلك خبراء في القطاعات المختلفة؛ تحتاج إلى نخبة قادرة على رؤية الكل وربط أجزائه.

ولا يعود كافيًا أن تنتج سياسات عمومية متعددة؛ تحتاج إلى رؤية تجعل هذه السياسات أجزاء مترابطة من مشروع واحد، لا مجرد استجابات متجاورة لمشكلات متفرقة.

ولا يعود كافيًا أن تحارب الأزمات واحدة بعد أخرى؛ تحتاج إلى القدرة على فهم الشروط التي تنتج الأزمات قبل أن تتحول إلى أزمات.

وهنا يتخذ الذكاء الاستراتيجي معناه الأعمق.

فالذكاء الاستراتيجي ليس مجرد استشراف للمستقبل، ولا مجرد إنتاج السيناريوهات، ولا مجرد رصد المخاطر. إنه، في مستواه الأعلى، القدرة على حماية المعنى المؤسس من أن تبتلعه التفاصيل.

إنه القدرة على أن نعرف، وسط آلاف القرارات والملفات والضغوط اليومية، ما الذي يجب ألا ننساه.

أن نعرف ما الذي ينبغي أن يتغير، وما الذي ينبغي أن يستمر.

ما الذي يمثل مصلحة ظرفية، وما الذي يمثل مصلحة تاريخية.

ما الذي يمكن التفاوض حوله، وما الذي يرتبط بجوهر المشروع الوطني.

وما الذي ينبغي أن نربحه اليوم، وما الذي يجب ألا نخسره من أجل ربح اللحظة.

فالاستراتيجية التي تنفصل عن الغاية تتحول إلى براعة في الحركة بلا اتجاه.

والسياسة التي تنفصل عن المعنى تتحول إلى إدارة للمصالح والتوازنات.

والنخبة التي تنفصل عن مسؤوليتها التاريخية تتحول إلى طبقة اجتماعية تبحث عن موقعها داخل الدولة بدل أن تبحث عن موقع الدولة والمجتمع داخل المستقبل.

أما حين يعود المعنى إلى موقعه التأسيسي، فإن العلاقة بين الأشياء تبدأ في الانتظام.

تصبح السياسة وسيلة لا غاية.

وتصبح السلطة مسؤولية لا امتيازًا.

وتصبح الدولة إطارًا لتحقيق غاية مشتركة لا مجرد جهاز لإدارة المجتمع.

وتصبح المؤسسات أدوات لتجسيد المعنى واستمراره.

وتصبح النخبة مسؤولة عن الوعي بالاتجاه، لا عن حماية المواقع.

وتصبح المعرفة أمانة عامة، لا رأس مال شخصيًا.

وتصبح التنمية تعبيرًا عن تصور للإنسان والمجتمع، لا مجرد تراكم للمؤشرات.

وتصبح الاستراتيجية وسيلة لحماية المشروع من تقلبات اللحظة ومن ضغوط الداخل والخارج.

عندها فقط يمكن أن نفهم لماذا لا يكفي أن نصلح السياسة بأدوات السياسة وحدها.

لأن المشكلة ليست دائمًا في الأداة؛ قد تكون في الغاية التي تستخدم الأداة من أجلها.

ولذلك فإن المعركة الحقيقية في المغرب اليوم ليست فقط معركة إصلاح السياسات أو تحسين الأداء المؤسساتي، على أهمية ذلك كله، وإنما هي معركة أعمق: استعادة الأساس الذي يجعل السياسة ذات معنى، والدولة ذات غاية، والنخبة ذات مسؤولية، والمستقبل جديرًا بالبناء.

وهذا يقتضي ظهور طبقة جديدة من التفكير.

طبقة لا تبدأ من المصالح، بل من الغايات.

لا تبدأ من المواقع، بل من المسؤولية.

لا تبدأ من السؤال: كيف نحافظ على الموجود؟ بل من السؤال: ما الذي ينبغي أن نبنيه؟

لا تبدأ من الأدوات، بل من المعنى الذي يحدد وظيفة الأدوات.

ولا تنظر إلى المغرب باعتباره مجموع قطاعات وملفات ومؤشرات، وإنما باعتباره مشروعًا تاريخيًا له شخصية ومصالح وذاكرة وأفق ومستقبل.

هذه الطبقة الجديدة من التفكير لا ينبغي أن تكون نخبة مغلقة، ولا طبقة فوق المجتمع، وإنما شبكة واسعة من العقول والكفاءات والمسؤولين والمثقفين والباحثين ورجال الدولة والفاعلين الاقتصاديين والثقافيين والاجتماعيين، يجمعها شيء واحد: الإحساس بأن المعرفة مسؤولية تجاه المستقبل، وأن الموقع تكليف، وأن السياسة ليست طريقًا إلى النفوذ وإنما وسيلة لخدمة معنى أسبق منها.

وهنا يعود بناء النخبة إلى صلب المشروع.

فحين تمتلك الأمة نخبة واعية بالمعنى المؤسس، تستطيع أن تحول هذا المعنى إلى رؤية، والرؤية إلى استراتيجية، والاستراتيجية إلى مؤسسات وسياسات، والسياسات إلى واقع يلمسه المواطن.

وحين تغيب هذه الحلقة، تصبح السياسة أسيرة السياسة: تدور حول نفسها، وتنتج خطابها وأدواتها ومواقعها، لكنها تفقد شيئًا أساسيًا: القدرة على الإجابة عن السؤال الذي يمنح كل ذلك معناه.

ومن هنا فإن المطلوب ليس أن ننتج سياسة أكثر، وإنما أن ننتج سياسة أكثر اتصالًا بالغاية.

وليس المطلوب أن ننتج نخبًا أكثر، وإنما أن ننتج نخبًا أكثر وعيًا بمسؤوليتها التاريخية.

وليس المطلوب أن نبني مستقبلًا بأي ثمن، وإنما أن نحدد أولًا أي مستقبل يستحق أن نبنيه.

ذلك أن المعنى المؤسس يسبق الدولة والسياسة والمؤسسات والنخب والاستراتيجيات؛ وهو الذي يمنح كل واحد منها وظيفته وحدوده واتجاهه.

وعندما يعود هذا المعنى إلى مركز التفكير، يمكن للسياسة أن تستعيد دورها الحقيقي: لا أن تدير الحاضر فقط، ولا أن تستجيب للمشكلات بعد وقوعها، وإنما أن تصنع شروط المستقبل قبل أن يفرض المستقبل شروطه علينا.

وهنا فقط يصبح إنقاذ السياسة من السياسة ممكنًا.

أن نعيد السياسة من أسر اللحظة إلى أفق التاريخ.

ومن منطق السلطة إلى معنى المسؤولية.

ومن إدارة الموجود إلى بناء الممكن.

ومن حماية المواقع إلى صناعة الموقع الذي ينبغي أن يحتله المجتمع والدولة في المستقبل.

ومن سؤال من يحكم؟ إلى السؤال الأسبق الذي ينبغي أن يظل حاضرًا فوق كل سلطة وكل نخبة وكل مؤسسة:

من أجل ماذا نحكم؟

ثم إلى السؤال الذي يختبر صدق الإجابة كلها:

أي إنسان نريد أن يكونه المغربي في المستقبل؟ وأي مغرب نريد أن نتركه للأجيال التي لم تولد بعد؟

فإذا استطعنا أن نجيب عن هذين السؤالين بوضوح، فإننا لا نكون قد أصلحنا السياسة فقط؛ نكون قد أعدنا إليها معناها المؤسس، وأعدنا إلى النخبة وظيفتها التاريخية، وإلى الدولة قدرتها على صناعة الاتجاه، وإلى المجتمع سببًا جديدًا للثقة بالمستقبل.

وهنا يبدأ، في العمق، إنقاذ السياسة من السياسة.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى