محمد رضوان.. باحث مغربي متخصص في شؤون القدس
لا زالت قضية هدم حارة أو حي المغاربة التاريخي بالقدس بالجرافات الإسرائيلية في ذلك اليوم المشؤوم من العام 1967 تثير اهتمام بعض الدارسين والمؤرخين الغربيين على قِلَّتهم.
كان ذلك الحي نابضا بالحياة لمدة ثمان قرون منذ أن وطأت أقدام المغاربة المجاهدين آنذاك (وهم مغاربة، جزائريون، موريتانيون، ليبيون وتونسيون) لنصرة صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس من الصليبيين، قبل أن تقدم قوات الاحتلال الإسرائيلي بتجريف ذلك الحي في ليلة واحدة بعد تهجير سكانه من المقدسيين المغاربة أو هدمه على رؤوس من رفض مفارقة محلة آبائه وأجداده..
بجوار الحي يقع باب المغاربة للمسجد الأقصى الذي سيطرت عليه القوات الإسرائيلية في نفس العام وحولته إلى ثكنة عسكرية بعد أن سرقت سلطات الاحتلال الإسرائيلي مفتاح ذلك الباب..
لكن ضابطا إسرائيليا متقاعدا كان يعمل في سلاح المظليين الإسرائيلي، يُدعى يائير باراك، قام في شهر مايو 2023 بإعادة مفتاح باب المغاربة في البلدة القديمة في القدس إلى دائرة الأوقاف الإسلامية، معلنا أنه كان قد سرقه لدى احتلال المدينة في 1967..
قصة تاريخ المغاربة بالقدس مليئة بالمفاخر، لكن مصير حي وحارة المغاربة (المغاربيين) مليئة بالأوجاع والأشجان لما تعرضت له من مآس هي جزء من نكبة فلسطين.
لكن، وأنا أقوم بمراجعة كتاب (Au pied du Mur) للمؤرخ الفرنسي فانسان لومير (ٍVincent LEMIRE) لمجلة “المقدسية”، وهي مجلة فصلية محكمة تصدر عن مركز دراسات القدس في جامعة القدس، وهي متخصصة بالدراسات حول القدس، وتهدف لكشف الحقائق العلمية بشأنها ماضيا وحاضرا ومستقبلا، تبين أن هناك مأساة أخرى تعرَّض لها حي أو حارة المغاربة/ المغاربيين لا تقل فداحة من تجريفها وهدمها في لحظة ضعف عربية إسلامية، ويتعلق الأمر بمأساة ما واجهته هذه الجريمة الإنسانية من تجاهل ونسيان وإنكار وكأن ثقبا غائرا في الذاكرة ابتلعها. يقول مؤلف الكتاب بما أنه لم يتم كتابة تاريخ ما جرى لهذه الحارة، فلأن هذا التاريخ تتخلله أحداث مؤلمة يجري التستر عليها.
هنا يتجه هذا المؤرخ إلى عُدَّة أرشيفية لترميم أجزاء الصورة المبعثرة للحدث المأساوي، وإعادة تركيب الوقائع كما ترويها المخطوطات والشهادات والوثائق الرسمية في الأرشيفات الفلسطينية والعثماني والفرنسية وحتى الإسرائيلية.
كتاب فانسان لومير مجهود علمي مهم ليس لأنه يغوص في تفاصيل الجريمة ويستشهد بوثائق أرشيفية مبعثرة، وإنما أيضا لأنه يكشف معنى المؤامرة التي أحيطت بهذه الجريمة ويدين أطرافها (الاحتلال الإسرائيلي، فرنسا، بريطانيا..).
الكتاب ترجمه من الفرنسية إلى العربية الباحث داود تلحمي تحت عنوان (تحت وطأة الحائط، حارة المغاربة في القدس: حياتها وموتها 1187- 1967)، فيما تشرفتُ بمراجعة نسخته الفرنسية ونشرها في العدد الأخير لمجلة “المقدسية” الصادر في مارس 2026.





