
بقلم: أ.د. محمد السنوسي (*)
مقدمة: من الصراع على الأرض إلى الصراع على المعنى
يأتي هذا المقال بوصفه توسيعًا نقديًا وتحليلًا تفكيكيًا معمّقًا لمداخلة علمية قُدّمت في إطار ملتقى جذور الشبابي الدولي الثاني انعقد هذا الأسبوع بمدينة إسطنبول بتركيا .
ويهدف هذا العمل إلى مساءلة المسلّمات التي تحكم فهمنا المعاصر للصراع، عبر تفكيك البُنى الخطابية والمعرفية التي تُنتج المعنى وتُطَبِّعه، لا الاكتفاء بوصف مظاهره الظاهرة.
يندرج تنظيم هذا الملتقى في سياق تتكثّف فيه أشكال الهيمنة غير المباشرة، حيث لم تعد السيطرة تُمارَس حصريًا عبر العنف المادي، بل عبر إعادة تنظيم الوعي، وتوجيه أنماط الفهم، وتطبيع أنساق دلالية بعينها بوصفها بديهية أو طبيعية. وفي هذا الإطار، لا يُستهدف الشباب بوصفهم فئة اجتماعية فقط، بل بوصفهم حيّزًا دلاليًا يُعاد تشكيله، وتفريغه، وإعادة شحنه بمعانٍ تخدم منطق السيطرة.
تنطلق هذه المقاربة من فرضية تفكيكية مركزية مفادها أن الصراع المعاصر لا يدور حول الوقائع في ذاتها، بل حول الشروط التي تجعل الوقائع قابلة للتأويل بطريقة دون أخرى. فالشباب، في هذا السياق، لا يُختزلون في موقع المتلقّي، بل يتموضعون داخل شبكة معقّدة من الخطابات التي تنتجهم بوصفهم موضوعًا للاستهداف الرمزي، وفي الوقت ذاته تفتح لهم إمكانية التحوّل إلى فاعلين في إعادة إنتاج المعنى وكسر ثبات السرديات.
ويكشف التحليل التفكيكي أن التحوّل في طبيعة الصراعات لا يتمثل في الانتقال من الأرض إلى المعنى فحسب، بل في تفكيك هذا التقابل ذاته. فالأرض لا تُدرَك خارج اللغة، والوقائع لا تكتسب معناها إلا داخل بنية سردية تسبقها وتؤطرها. وعليه، فإن السيطرة على الجغرافيا تظل رهينة بالقدرة على التحكم في خطابها، وتسميتها، وتبرير ما يُمارَس فوقها.
في هذا الإطار، لم تعد القوة تُفهم بوصفها إكراهًا مباشرًا، بل باعتبارها قدرة على إنتاج المعنى وإخفاء آلياته. فالهيمنة الأكثر فاعلية ليست تلك التي تُمارَس بالقوة، بل تلك التي تنجح في تقديم ذاتها بوصفها منطقًا طبيعيًا أو ضرورة تاريخية. وهنا تصبح السرديات موقعًا مركزيًا للصراع، لأنها لا تصف الواقع، بل تُعيد بناءه عبر تحديد من يُسمّى ضحية، ومن يُوصَف عنيفًا، وما الذي يُمنَح شرعية وما يُجرَّد منها.
وتزداد تعقيدات هذا المشهد مع صعود الفضاء الرقمي، حيث لا تُعاد صياغة الخطاب فقط، بل يُعاد ترتيب إمكانات ظهوره وانتشاره وفق منطق خوارزمي يضبط ما يُرى وما يُهمَّش. وفي هذا السياق، يُنتَج الشباب في موقع مزدوج: فهم من جهة موضوع لعمليات توجيه وتطبيع رمزي كثيف، ومن جهة أخرى يمتلكون إمكانية تفكيك الخطاب السائد من داخله، وإعادة فتح دلالاته، وكشف ما يسعى إلى إخفائه.
انطلاقًا من ذلك، يسعى هذا المقال إلى تفكيك مفهوم الصراع على المعنى بوصفه بنية خطابية ومعرفية، لا مجرد ساحة مواجهة رمزية، وطرح إشكالية مركزية تتمثل في:
كيف يمكن للشباب الانتقال من موقع يُنتَجون فيه داخل السرديات المهيمنة، إلى موقع يُعيدون فيه إنتاج المعنى على نحو نقدي؟
وكيف يمكن بناء نموذج لمقاومة معرفية عابرة للحدود، لا تستبدل سردية بأخرى، بل تُزعزع منطق الهيمنة ذاته، وتعيد فتح أفق التفكير والفعل؟
الإطار النظري: الهيمنة الرمزية والصراع على إنتاج الحقيقة
تنطلق الورقة من فرضية نظرية مفادها أن السلطة في العصر الحديث تُمارَس بدرجة متزايدة عبر إنتاج المعرفة وتوجيه الخطاب، لا عبر الإكراه المباشر وحده. فالهيمنة لا تتجلى فقط في السيطرة المادية، بل في القدرة على جعل نمط معين من تفسير الواقع يبدو طبيعيًا، وبديهيًا، وخارج نطاق المساءلة.
يساعد مفهوم الهيمنة الرمزية على فهم الكيفية التي تُطبَّع بها علاقات القوة داخل الوعي الجمعي، بحيث تُقبل من قبل الخاضعين لها دون حاجة دائمة إلى العنف. كما يبرز مفهوم السلطة/المعرفة بوصفه إطارًا يوضح كيف تُنتَج «الحقيقة» اجتماعيًا من خلال الخطاب، والمؤسسات، والإعلام، والتكنولوجيا.
في هذا السياق، لا تُعد السرديات مجرد انعكاس محايد للواقع، بل أداة فاعلة في صناعته، إذ تحدد ما يُرى وما يُخفى، وما يُقدَّم بوصفه أخلاقيًا أو غير أخلاقي. ومن ثم، فإن الصراع على المعنى هو في جوهره صراع على تعريف الحقيقة ذاتها، وعلى الإطار الذي تُفهم من خلاله الأحداث والفاعلون.
المنهجية: التفكيك والاستشراف كإطار ناظم للتحليل
تنطلق هذه الدراسة من منهج نوعي تحليلي يقوم على الجمع بين المقاربة التفكيكية والمقاربة الاستشرافية بوصفهما أداتين معرفيتين متكاملتين، لا تعملان بمعزل عن بعضهما، بل في علاقة جدلية تسمح بفهم الحاضر وكشف بنيته العميقة، وفي الوقت ذاته باستشراف مآلاته المستقبلية. فالتفكيك لا يكتفي بقراءة ما هو ظاهر في الخطاب، بل يسعى إلى كشف ما يستبطنه من افتراضات ضمنية وعلاقات قوة تُعاد صياغتها خلف ادعاءات الحياد أو القيم الكونية. ومن خلال هذا المسار، يصبح بالإمكان تتبع الكيفية التي يُعاد فيها تعريف مفاهيم مركزية، مثل الشرعية والعنف والعدالة، بما يخدم منظومات الهيمنة الرمزية ويضمن استمراريتها.
غير أن الوقوف عند حدود التفكيك وحده يظل قاصرًا عن الإحاطة بطبيعة الصراع المعاصر، وهو ما يستدعي استكماله بمقاربة استشرافية تُعنى بتحليل الاتجاهات المستقبلية للصراع على المعنى. فمع التحولات الرقمية المتسارعة، وصعود الخوارزميات، واقتصاد الانتباه، باتت منصات التواصل الاجتماعي فضاءات مركزية لإنتاج الوعي وإعادة تشكيله. ومن هنا، تنتمي هذه الدراسة إلى حقل الدراسات النقدية متعددة التخصصات، جامعةً بين الفلسفة السياسية، ودراسات الخطاب، ودراسات الإعلام الجديد، ضمن إطار تحليلي يسعى إلى فهم البنية الرمزية للهيمنة، وشروط تفكيكها، وإمكانات تجاوزها.
الشباب: من موضوع للخطاب إلى فاعل في إنتاج المعنى
في ضوء هذا الإطار المنهجي، تنتقل الدراسة إلى مساءلة الموقع الذي يُنتج فيه الخطاب المهيمن تمثلاته عن الشباب. فغالبًا ما يُختزل الشباب في الخطابات السائدة بوصفهم فئة عمرية متجانسة أو جمهورًا سلبيًا يتلقى الرسائل الإعلامية، أو أداة قابلة للاستغلال الرمزي والتعبوي. غير أن هذا التمثيل، على بساطته الظاهرية، يخفي بعدًا معرفيًا حاسمًا، يتمثل في أن الشباب ليسوا مجرد “مستقبل مؤجل”، بل هم حاضر ديناميكي يمتلك القدرة على مساءلة المسلّمات، وكسر البنى الرمزية المهيمنة، وإعادة تعريف الواقع.
ومن هنا، يصبح من الضروري الانتقال من التعامل مع الشباب كموضوع للخطاب إلى النظر إليهم بوصفهم حالة معرفية متحركة. فالشباب لا يمثلون مرحلة عمرية عابرة بقدر ما يجسدون موقعًا نقديًا قادرًا على استيعاب التعقيد، وتفكيك القيم السائدة، وتوليد معرفة نقدية تنقلهم من موقع التلقي إلى موقع الفاعلية. تاريخيًا، شكّل الشباب قوة دافعة في التحولات الكبرى، سواء عبر الحركات الاجتماعية أو الثورات الثقافية أو إعادة صياغة الفعل السياسي. إلا أن ما يميز اللحظة الراهنة هو أن الفعل الشبابي لم يعد محصورًا في الميدان أو التعبئة المباشرة، بل بات يتمركز، على نحو متزايد، في إنتاج المعنى ذاته بوصفه ساحة الصراع الأساسية.
التموقع الرقمي: بين الاستهداف والفاعلية
ويكتسب هذا التحول بعده الأوضح عند النظر إلى الفضاء الرقمي، الذي أصبح الميدان الرئيس للصراع على وعي الشباب. فمن جهة، يشكل هذا الفضاء أداة مركزية لإعادة إنتاج الهيمنة الرمزية، حيث يُستهدف الشباب عبر الخوارزميات، والتوجيه الإعلامي، واقتصاد الانتباه، بما يسمح بإعادة تدوير السرديات المهيمنة بكفاءة عالية. ومن جهة أخرى، تتيح الأدوات الرقمية ذاتها إمكانات غير مسبوقة للشباب لإنتاج سرديات بديلة، وإعادة تأطير النقاش العام، وبناء شبكات وعي تتجاوز الحدود الجغرافية والسياسية والتنظيمية التقليدية.
هذه الازدواجية — بين الاستهداف والفاعلية — تجعل من الشباب ساحة استراتيجية للصراع على المعنى، حيث لا يُحسم التفوق بالقوة المادية وحدها، بل بالقدرة على تعريف المفاهيم، وضبط الأطر الرمزية، وتوجيه الوعي الجمعي. ومن هذا المنطلق، يصبح الشباب فاعلين تاريخيين محتملين في إعادة إنتاج المعنى، لا مجرد أدوات ضمن صراعات أكبر منهم.
الشباب كقوة تفكيك وإعادة إنتاج للمعنى
عندما يُنظر إلى الشباب بوصفهم فاعلين معرفيين، تتكشف قدرتهم على تجاوز الفعل اللحظي أو التفاعل العاطفي مع الأحداث. فهم يمتلكون قابلية لإعادة تعريف المفاهيم المركزية، مثل العدالة والشرعية والضحية والعنف، وتحويلها من أدوات تبرير أو تعبئة إلى أدوات تحليل وتفكيك. كما يستطيعون تفكيك البنية الرمزية للسرديات المهيمنة عبر كشف تناقضاتها الداخلية، وتسليط الضوء على ما تخفيه من انحيازات وأطر أخلاقية انتقائية.
وعبر هذا المسار، لا يقتصر الفعل الشبابي على مقاومة مباشرة أو احتجاج آني، بل يمتد إلى إنتاج أشكال جديدة من الفعل السياسي والثقافي، قادرة على التأثير في الوعي الجمعي على المدى الطويل. غير أن تحقق هذه الإمكانية يظل مشروطًا بتمكين الشباب معرفيًا وتقنيًا، وربطهم بشبكات معرفية عابرة للحدود.
من التمكين إلى إعادة تعريف المقاومة
يقتضي هذا التحول التفكير في استراتيجيات تمكين تتجاوز المقاربات التقليدية، وذلك عبر تمكين معرفي يركز على مهارات التفكير النقدي وتحليل الخطاب، وتمكين رقمي يتيح فهم آليات الخوارزميات واقتصاد الانتباه، إضافة إلى بناء شبكات تعاون عالمية تضمن تراكم الأثر المعرفي. كما يستدعي الأمر توظيف الخبرة التاريخية، لا بوصفها نموذجًا يُستنسخ، بل كمخزون تحليلي يُعاد تفكيكه واستلهامه بما يتلاءم مع شروط العصر الرقمي.
ومن هنا، تنتقل الدراسة إلى نقد أنماط المقاومة التقليدية، ليس بهدف نفي قيمتها الرمزية أو التاريخية، بل لمساءلة حدود فعاليتها في مواجهة هيمنة باتت تقوم، في جوهرها، على السيطرة على المعنى لا على الأرض وحدها. فالكثير من أشكال المقاومة المباشرة تظل أسيرة الفعل اللحظي ورد الفعل العاطفي، وتنجح غالبًا في إحداث صدى رمزي قصير الأمد، لكنها تعجز عن اختراق البنية المعرفية العميقة التي تعيد إنتاج الهيمنة.
من التضحية الاستنزافية إلى المشروع المعرفي التراكمي
في هذا السياق، تبرز الحاجة إلى إعادة تعريف مفهوم التضحية، بحيث لا يُختزل في بعدها الجسدي أو الرمزي، بل يُعاد إدراجه ضمن أفق معرفي تراكمي طويل الأمد. فالعطاء، وفق هذا التصور، يشمل إنتاج المعرفة، والتوثيق المنهجي، وبناء خطاب بديل، وتفكيك السرديات المهيمنة. وبهذا المعنى، يتحول العمل المعرفي إلى شكل عميق من أشكال الفعل السياسي، قادر على إعادة تشكيل الوعي العالمي، وتحويل المقاومة من استجابة ظرفية إلى مبادرة تاريخية مستدامة.
نحو نموذج المقاومة المعرفية العابرة للحدود
استنادًا إلى هذا التحليل، تقترح الدراسة نموذجًا للمقاومة المعرفية العابرة للحدود، يقوم على تفكيك السرديات المهيمنة، وإعادة تعريف المفاهيم المركزية، وإنتاج معرفة نقدية مستقلة، وبناء شبكات وعي رقمية تتجاوز الحدود التقليدية. ولا يسعى هذا النموذج إلى إلغاء أشكال الفعل الأخرى، بل إلى تزويدها ببنية معرفية عميقة تمنحها الاستمرارية والتأثير طويل الأمد.
البعد الاستشرافي: الشباب وصناعة المستقبل
ومن منظور استشرافي، يتضح أن مستقبل الصراع على المعنى سيتحدد بقدرة الفاعلين، وخصوصًا الشباب، على امتلاك أدوات إنتاج المعرفة لا مجرد استهلاكها. ففي عالم تحكمه الخوارزميات وتدفقات المعلومات، يصبح التحكم في المعنى شرطًا أساسيًا للتأثير في مسارات التاريخ. وعليه، فإن تمكين الشباب معرفيًا ورقميًا لا يمثل خيارًا أخلاقيًا فحسب، بل ضرورة استراتيجية لصناعة مستقبل أكثر عدالة وفاعلية.
خاتمة
تخلص هذه الدراسة إلى أن الصراع المركزي في العالم المعاصر هو صراع على المعنى، لا على السلطة المادية وحدها. وفي هذا السياق، يشكّل الشباب الفاعل التاريخي الأقدر على كسر الهيمنة الرمزية وإعادة تشكيل الفضاء المعرفي، شرط الانتقال من أنماط المقاومة اللحظية إلى مشروع معرفي تراكمي عابر للحدود. فامتلاك أدوات إنتاج المعنى هو ما يحوّل الشباب من فئة مستهدفة إلى قوة تاريخية قادرة على صناعة المستقبل، لا مجرد التكيف مع شروطه المفروضة.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط




