الاعتراف الصامت: كيف تنهار السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط؟

نحن أمام انتقال نوعي: من مرحلة الهيمنة المفترضة إلى مرحلة العجز المُعترف به ضمنيًا

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

مقدمة:

 لم تكن زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة مجرد مرور عابر في مسار مهني أو أكاديمي، بل كانت بمثابة انغماس معمّق في بنية العقل الاستراتيجي الأمريكي في لحظة ارتباكه التاريخي. ما كشفته تلك الزيارة لم يكن مجرد اختلاف في وجهات النظر أو تنوع في المقاربات، بل تصدعًا صامتًا في البنية المفاهيمية التي طالما حكمت رؤية واشنطن للعالم ولنفسها داخله. في قلب بعض مراكز التفكير، حيث تُصاغ الاستراتيجيات وتُعاد هندسة المعاني، لم يعد النقاش يدور حول تحسين السياسات أو تعديل أدواتها، بل انزلق إلى سؤال أكثر خطورة: هل ما تزال الولايات المتحدة تفهم الشرق الأوسط أصلًا، أم أنها تدير منطقة لم تعد تمتلك مفاتيح قراءتها؟

ما يتشكل هناك ليس مجرد نقد، بل حالة قلق معرفي عميق، يكشف بداية انهيار اليقين الاستراتيجي الذي أسس لعقود من التدخل والتأثير. لم يعد الأمر يتعلق بتقييم نجاح أو فشل عمليات بعينها، بل بتفكيك الإطار الذهني الذي أنتجها. نحن أمام لحظة انتقال حاسمة: من نقد الأداء إلى محاكمة النموذج، ومن مراجعة الوسائل إلى التشكيك في الغايات نفسها.

الأكثر صدمة أن هذا التحول يعكس إدراكًا متأخرًا بأن الإخفاق الأمريكي في الشرق الأوسط لم يكن نتيجة نقص في القوة أو خلل في التنفيذ، بل نتيجة سوء فهم بنيوي لطبيعة المجال الذي حاولت واشنطن إخضاعه. لقد اصطدمت التصورات الأمريكية بواقع أكثر تعقيدًا، وأكثر مقاومة، وأكثر قدرة على إفشال مشاريع إعادة التشكيل، إلى درجة جعلت الكلفة تتجاوز حدود المقبول وتقترب من منطق الاستنزاف.

ولم يعد هذا النقاش حبيس الغرف المغلقة، بل بدأ يتسرب إلى فضاءات إنتاج المعرفة الاستراتيجية، حيث تتبلور تدريجيًا رؤى لا تسعى فقط إلى تصحيح المسار، بل إلى إعادة تعريف الدور الأمريكي ذاته في عالم لم يعد يعترف بالهيمنة، بل يفرض منطق السيولة والتعدد والتنافس المركب.

في هذا السياق، لم تعد السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط مجرد تجربة قابلة للنقد، بل تحولت—داخل بعض الدوائر المؤثرة—إلى نموذج فشل بنيوي، يستدعي إعادة بناء كاملة للرؤية، لا مجرد تعديل في الأدوات. هنا، لم يعد السؤال كيف تُدار المنطقة، بل كيف تُفكك سردية السيطرة نفسها.

أولًا: من وهم الهيمنة إلى واقع العجز

لم يكن تصور الهيمنة الأمريكية في الشرق الأوسط مجرد خطاب سياسي أو ادعاء ظرفي، بل كان بنية ذهنية متكاملة تأسست على قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة تمتلك القدرة ليس فقط على التأثير، بل على إعادة تشكيل المجال الإقليمي وفق رؤيتها ومصالحها. هذا التصور استند إلى تفوق عسكري ساحق، وشبكة تحالفات واسعة، وأدوات ضغط اقتصادية ودبلوماسية متعددة، ما منح واشنطن شعورًا بأنها الفاعل المركزي القادر على ضبط الإيقاع العام للمنطقة.

غير أن هذا “الوهم المنظم” بدأ يتآكل تدريجيًا، ليس بفعل تراجع مفاجئ في القوة، بل نتيجة اصطدامه بواقع إقليمي أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في معادلات السيطرة التقليدية. فالمشكلة لم تكن في نقص الوسائل، بل في محدودية الفهم لطبيعة المجال الذي جرى التعامل معه كفضاء قابل للهندسة من الخارج.

اليوم، يكشف المشهد الإقليمي عن مفارقة بنيوية عميقة، يمكن تفكيكها عبر ثلاث مستويات مترابطة:

  1. انهيار الدولة بدل إعادة بنائها

بدل أن تؤدي التدخلات الأمريكية إلى إنتاج أنظمة مستقرة أو إعادة بناء الدول وفق نماذج قابلة للحياة، ساهمت—بشكل مباشر أو غير مباشر—في تفكيك البنى السياسية والاجتماعية، وفتح المجال أمام ديناميات فوضوية ممتدة. لقد تحولت مشاريع “إعادة الإعمار السياسي” إلى مسارات لإعادة إنتاج الهشاشة، حيث لم تعد الدولة إطارًا ضابطًا، بل ساحة صراع مفتوحة.

  •  تحرر الحلفاء من منطق التبعية

الحلفاء التقليديون، الذين شكّلوا لعقود امتدادًا مباشرًا للنفوذ الأمريكي، لم يعودوا يتحركون ضمن هامش مرسوم من واشنطن. بل باتوا يعيدون تعريف مصالحهم بشكل أكثر استقلالية، وينسجون علاقات متعددة الاتجاهات، حتى مع خصوم الولايات المتحدة، في سياق أصبح فيه ذلك ضرورة تفرضها تنامي وعي شعبي ناقد ومتزايد. ويعكس هذا التحول انتقالًا واضحًا من منطق “التحالف التابع” إلى “الشراكة الانتقائية”، حيث لم تعد الولايات المتحدة المرجعية الوحيدة أو الحاسمة في توجيه الخيارات الاستراتيجية.

  • صعود الخصوم عبر الفراغات الاستراتيجية

في المقابل، لم يكن تراجع الفاعلية الأمريكية فراغًا محايدًا، بل تحول إلى فرصة استراتيجية لقوى منافسة—إقليمية ودولية—لتوسيع نفوذها. لقد استفادت هذه القوى من التردد الأمريكي، ومن إخفاقاته، لتعيد رسم خرائط النفوذ، ليس عبر المواجهة المباشرة، بل عبر التغلغل التدريجي واستثمار الفجوات.

هذا التحول المركب لم يعد مجرد قراءة نقدية من خارج المنظومة الأمريكية، بل أصبح موضوع مراجعة داخلية متزايدة الجرأة. فبعض مراكز التفكير لم تعد تكتفي بتشخيص الاختلالات، بل بدأت في تفكيك الفرضيات التي قامت عليها السياسة الأمريكية ذاتها: هل يمكن فعلًا إخضاع منطقة بهذا التعقيد لمنطق الهيمنة؟ وهل ما زالت أدوات القوة التقليدية قادرة على إنتاج نتائج في بيئة تتسم بالسيولة والتعدد والتشابك؟

هنا، يتجاوز النقاش حدود الفشل العملياتي ليصل إلى أزمة نموذج. لم تعد المسألة تتعلق بسوء إدارة أو أخطاء تكتيكية، بل بانكشاف حدود تصور استراتيجي كامل، كان يفترض أن القوة قادرة على إنتاج النظام، وأن التدخل قادر على فرض الاستقرار. الواقع أثبت العكس: القوة قد تُسقط أنظمة، لكنها لا تبني دولًا، والتدخل قد يفتح المجال، لكنه لا يضمن التحكم في مآلاته.

بهذا المعنى، نحن أمام انتقال نوعي: من مرحلة الهيمنة المفترضة إلى مرحلة العجز المُعترف به ضمنيًا، ومن سردية السيطرة إلى واقع التكيف القسري مع بيئة لم تعد تستجيب لمنطق الإخضاع، بل تفرض قواعدها الخاصة.

ثانياً: مراكز التفكير تكشف ما تخفيه السياسة

الأكثر دلالة في هذا التحول ليس فقط مضمون النقد، بل مصدره. فحين يبدأ التشكيك في جدوى الاستراتيجية الأمريكية في الشرق الأوسط من داخل البنية الفكرية التي طالما شكلت عقلها الاستراتيجي، فإننا لا نكون أمام مجرد مراجعة ظرفية، بل أمام اهتزاز عميق في الأسس التي قامت عليها هذه السياسة لعقود. لم يعد النقد يأتي من خصوم واشنطن أو من خارج دوائرها، بل من داخل مراكز التفكير التي كانت تاريخيًا بمثابة مختبرات إنتاج القرار وصياغة الرؤية الاستراتيجية.

هذا التحول يعكس انتقالًا نوعيًا من مرحلة التبرير إلى مرحلة التفكيك. فهذه المراكز لم تعد تكتفي بتفسير الإخفاقات أو تلطيفها، بل بدأت في إعادة قراءة التجربة الأمريكية في الشرق الأوسط باعتبارها نموذجًا لإدارة أزمات انتهت إلى تعقيدها بدل حلها. لقد أصبح واضحًا في هذه الأدبيات أن التدخلات العسكرية، ومحاولات إعادة هندسة الأنظمة السياسية، وبناء تحالفات ظرفية، لم تؤدِّ إلى استقرار مستدام، بل ساهمت في إنتاج بيئات أكثر هشاشة، وأكثر قابلية للانفجار.

الأهم من ذلك أن هذا النقد لم يعد جزئيًا أو تقنيًا، بل أصبح بنيويًا، يستهدف منطق السياسة ذاته. فالسؤال لم يعد: لماذا فشلت هذه السياسة في حالة معينة؟ بل: هل كانت الفرضيات التي قامت عليها هذه السياسة صحيحة من الأساس؟

في هذا السياق، بدأت هذه المراكز في بلورة تصورات بديلة تعكس تحولًا تدريجيًا في التفكير الاستراتيجي الأمريكي، يمكن تلخيص أبرز ملامحه فيما يلي:

  • الدعوة إلى تقليص الانخراط العسكري المباشر، ليس فقط بسبب كلفته البشرية والمادية، بل لأنه أثبت محدوديته في تحقيق أهداف سياسية طويلة الأمد، بل وأحيانًا أدى إلى نتائج عكسية.
  • إعادة ترتيب الأولويات الاستراتيجية، عبر نقل مركز الثقل من الشرق الأوسط إلى مناطق تعتبر أكثر حيوية في الصراع الدولي القادم، وعلى رأسها آسيا والمحيط الهادئ، حيث يتصاعد التنافس مع الصين.
  • التحول نحو نموذج “الإدارة غير المباشرة”، من خلال الاعتماد على الفاعلين الإقليميين لإدارة التوازنات، بدل محاولة التحكم المباشر في مساراتها، وهو ما يعكس اعترافًا ضمنيًا بحدود القدرة الأمريكية على الضبط.
  • لانتقال من منطق الهيمنة الشاملة إلى منطق إدارة النفوذ، أي القبول بواقع دولي متعدد الأقطاب، حيث لم تعد الولايات المتحدة الفاعل الوحيد القادر على فرض قواعد اللعبة.
  • إعادة تعريف مفهوم الأمن، بحيث لا يقتصر على البعد العسكري، بل يشمل الأبعاد الاقتصادية والتكنولوجية والمعرفية، وهو ما يفرض أدوات جديدة للتأثير تتجاوز القوة الصلبة التقليدية.

غير أن هذه التحولات الفكرية، رغم عمقها، لا تزال في طور التشكل، ولم تتحول بعد إلى سياسات رسمية واضحة. فهي تصطدم بعوامل متعددة، من بينها ثقل المؤسسات، وتضارب المصالح داخل النخبة الأمريكية، واستمرار بعض الرهانات التقليدية التي لم يتم التخلي عنها بالكامل.

ومع ذلك، فإن مجرد بروز هذا النقاش داخل بعض مراكز التفكير يعكس بداية تفكك السردية التقليدية التي حكمت الحضور الأمريكي في الشرق الأوسط، تلك السردية التي قامت على افتراض القدرة على التحكم، وإمكانية إعادة تشكيل المنطقة وفق رؤية خارجية. اليوم، يبدو أن هذه القناعة تتآكل تدريجيًا، لتحل محلها رؤية أكثر حذرًا، وأكثر إدراكًا لتعقيدات الواقع، ولكن أيضًا أكثر اعترافًا بحدود القوة الأمريكية في عالم يتغير بسرعة.

ثالثاً: الشرق الأوسط كمرآة لأزمة النموذج الأمريكي

لم يعد ما يجري في الشرق الأوسط مجرد سلسلة من الإخفاقات التكتيكية أو سوء تقدير ظرفي في إدارة الأزمات، بل أصبح يعكس أزمة أعمق تمس جوهر النموذج الأمريكي ذاته في فهم العالم والتعامل معه. فالنموذج الذي تأسست عليه السياسة الخارجية الأمريكية منذ نهاية الحرب الباردة—والقائم على فرضية القدرة على إعادة هندسة المجتمعات من الخارج، وتصدير نماذج سياسية جاهزة باعتبارها صالحة للتعميم—يواجه اليوم اختبارًا وجوديًا في بيئة إقليمية معقدة ومتشابكة.

لقد افترض هذا النموذج أن التفوق العسكري والتكنولوجي، مقرونًا بالقوة الاقتصادية والرمزية، كفيل بإعادة تشكيل التوازنات الداخلية للدول، وإنتاج أنظمة سياسية مستقرة ومتوافقة مع المصالح الأمريكية. غير أن الواقع الشرق أوسطي كشف حدود هذه الفرضية، حيث اصطدمت هذه المقاربة بعوامل بنيوية لم تؤخذ بالقدر الكافي من الجدية، من بينها عمق البنى الاجتماعية والثقافية، وتشابك الهويات، وتعدد الفاعلين غير الدولتيين، فضلًا عن ديناميات الصراع التاريخية التي لا يمكن اختزالها في معادلات خارجية.

في هذا السياق، لم يعد الفشل مجرد نتيجة عرضية، بل أصبح مؤشرًا على خلل في منطق الفعل ذاته. فمحاولات إعادة بناء الدول، أو فرض نماذج حكم معينة، لم تؤدِّ إلى الاستقرار المنشود، بل ساهمت في تفكيك الهياكل القائمة دون القدرة على بناء بدائل قابلة للحياة. وهكذا، تحولت بعض التدخلات إلى عوامل إنتاج للفوضى بدل احتوائها، وإلى محفزات لإعادة تشكيل الصراعات بدل إنهائها.

وقد تجلت نتائج هذا الاختلال البنيوي في مجموعة من المظاهر المتداخلة:

  • تآكل المصداقية الأمريكية: حيث أصبح التناقض بين الخطاب القائم على نشر الديمقراطية وحقوق الإنسان، والممارسات الفعلية التي تحكمها اعتبارات براغماتية وانتقائية، عاملًا رئيسيًا في فقدان الثقة، سواء لدى الحلفاء أو الخصوم.
  • فقدان القدرة على الحسم الاستراتيجي: رغم التفوق العسكري والتكنولوجي، لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض نتائج نهائية في النزاعات، بل أصبحت تدخل في دوامات طويلة من الاستنزاف دون تحقيق أهداف واضحة ومستدامة.
  • صعود قوى دولية منافسة: استغلت قوى مثل الصين وروسيا الفراغات التي خلفها التراجع النسبي للدور الأمريكي، ونجحت في بناء أشكال جديدة من النفوذ تقوم على أدوات مختلفة، أقل صدامية وأكثر براغماتية في بعض الأحيان.
  • تفكك المجال الإقليمي: تحول الشرق الأوسط من فضاء كان يُنظر إليه كمجال نفوذ شبه حصري للولايات المتحدة، إلى ساحة مفتوحة لتعدد الفاعلين وتداخل الأجندات، حيث تتقاطع المصالح الدولية والإقليمية بشكل غير مسبوق.
  • إعادة تعريف الفاعلية السياسية: لم تعد الدولة وحدها هي الفاعل المركزي، بل برزت قوى غير دولتيّة—من جماعات مسلحة إلى شبكات اقتصادية عابرة للحدود—تفرض معادلات جديدة تعجز الأدوات التقليدية عن التعامل معها.

بهذا المعنى، يصبح الشرق الأوسط مختبرًا حيًا يكشف حدود القوة الأمريكية، ليس فقط في بعدها العسكري، بل في قدرتها على إنتاج نظام إقليمي مستقر وفق رؤيتها. إنه فضاء يعكس انتقال العالم من مرحلة الهيمنة الأحادية إلى مرحلة أكثر سيولة وتعقيدًا، حيث لم تعد القوة تُمارس من مركز واحد، بل تتوزع عبر شبكات متعددة من الفاعلين والمصالح.

وعليه، فإن الأزمة التي يكشفها الشرق الأوسط ليست أزمة سياسة بقدر ما هي أزمة نموذج: نموذج يفترض قابلية العالم لإعادة التشكيل وفق إرادة خارجية، في حين أن الواقع يثبت أن التفاعلات المحلية والإقليمية تمتلك من الدينامية ما يجعلها عصية على الضبط الكامل. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي الذي تواجهه الولايات المتحدة اليوم لا يكمن فقط في تعديل أدواتها، بل في إعادة التفكير في الأسس التي قامت عليها رؤيتها للعالم، وفي حدود قدرتها على التأثير فيه في زمن يتجه بثبات نحو التعددية.

رابعاً: بداية نهاية مرحلة الهيمنة

ما يُناقش اليوم داخل مراكز التفكير وبعض الأوساط الأكاديمية في الولايات المتحدة لم يعد يقتصر على مراجعات تقنية أو تصحيحات ظرفية لمسار السياسات، بل يتجه نحو تفكيك أعمق للسردية التي حكمت الدور الأمريكي لعقود. نحن أمام لحظة إدراك متنامٍ بأن نموذج الهيمنة الأحادية لم يعد قابلًا للاستمرار، ليس فقط بسبب صعود قوى منافسة، بل أيضًا نتيجة حدود داخلية في القدرة الأمريكية على الاستمرار في تحمل كلفة القيادة العالمية بالشكل التقليدي.

هذا التحول لا يعكس مجرد تراجع في النفوذ، بل يعبر عن أزمة في تعريف الدور ذاته: هل تظل الولايات المتحدة قوة مهيمنة تسعى إلى فرض النظام، أم تتحول إلى قوة مُديرة للتوازنات ضمن نظام متعدد الأقطاب؟ هذا السؤال لم يعد نظريًا، بل أصبح محورًا لنقاشات استراتيجية تعيد صياغة أولويات السياسة الخارجية الأمريكية.

في هذا السياق، تتبلور ملامح مقاربة جديدة تقوم على إعادة هندسة الحضور الأمريكي بدل توسيعه، وعلى الانتقال من منطق السيطرة المباشرة إلى منطق التأثير غير المباشر. ويمكن رصد أبرز مرتكزات هذا التحول في:

  • تقليص الكلفة الاستراتيجية: عبر الحد من التدخلات العسكرية المباشرة، والاعتماد أكثر على الشراكات والتحالفات المرنة، بما يقلل من الاستنزاف المالي والبشري.
    • إعادة تعريف أدوات النفوذ: من القوة الصلبة إلى مزيج أكثر تعقيدًا يشمل الاقتصاد، التكنولوجيا، والتحكم في الشبكات العالمية.
    • تعزيز المرونة الاستراتيجية: من خلال التعامل البراغماتي مع الفاعلين الإقليميين، حتى أولئك الذين لا ينسجمون بالكامل مع الرؤية الأمريكية التقليدية.
    • القبول بتعدد مراكز القوة: حيث لم يعد ممكنًا احتكار القرار الدولي، بل أصبح من الضروري التكيف مع واقع تتوزع فيه القوة بين عدة فاعلين دوليين وإقليميين.
    • إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية: عبر نقل مركز الثقل نحو مناطق أخرى، خاصة آسيا والمحيط الهادئ، باعتبارها ساحة التنافس الكبرى في المستقبل.

غير أن هذا التحول لا يخلو من تناقضات، إذ تحاول الولايات المتحدة في الوقت ذاته الحفاظ على موقعها القيادي دون تحمل كلفة القيادة الكاملة، وهو ما يخلق حالة من “الهيمنة المترددة” أو “القيادة الانتقائية”، حيث تتدخل في بعض الملفات وتتراجع في أخرى، وفق حسابات معقدة تتداخل فيها الاعتبارات الداخلية والخارجية.

إننا أمام لحظة انتقالية دقيقة، تتحول فيها الولايات المتحدة من فاعل مهيمن يسعى إلى فرض النظام، إلى فاعل يحاول إدارة تراجعه النسبي بذكاء، عبر إعادة توزيع أدواره وأدواته، دون الانسحاب الكامل من مسرح التأثير.

خاتمة:

ما يتشكل اليوم داخل الولايات المتحدة لا يمكن اختزاله في مجرد مراجعة تقنية للسياسات الخارجية، بل يعكس تحولًا بنيويًا في الوعي الاستراتيجي الأمريكي. إنه اعتراف غير معلن—لكنه متزايد الوضوح—بأن النموذج الذي حكم التدخل الأمريكي في الشرق الأوسط قد بلغ حدوده القصوى، وأن الاستمرار فيه لم يعد ممكنًا دون كلفة باهظة وغير مضمونة النتائج.

هذا الاعتراف لا يُصاغ في بيانات رسمية، بل يتجلى في التحولات الفكرية داخل مراكز التفكير، وفي إعادة طرح الأسئلة الكبرى حول معنى القوة، وحدودها، وأهداف استخدامها. فالسؤال لم يعد كيف تفرض الولايات المتحدة إرادتها على المنطقة، بل كيف تعيد تعريف حضورها في بيئة لم تعد تستجيب لمنطق الهيمنة.

وبينما لم يتحول هذا الإدراك بعد إلى سياسة حاسمة ومتماسكة، إلا أن اتجاهه العام واضح: السياسة الخارجية الأمريكية في الشرق الأوسط دخلت مرحلة ما بعد الهيمنة. إنها مرحلة تتسم بالغموض، والتردد، وإعادة التكيف، حيث تحاول واشنطن التوفيق بين إرث الهيمنة ومتطلبات عالم جديد يقوم على التعدد والتوازن.

في هذا العالم، لم تعد السيطرة هدفًا واقعيًا، بل أصبح التكيف هو الاستراتيجية الأكثر عقلانية. ومن هنا، فإن مستقبل الدور الأمريكي لن يُقاس بقدرته على فرض النظام، بل بقدرته على التعايش مع نظام لم يعد من صنعه وحده.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى