
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
لقد سبق أن تطرقتُ في مقالات سابقة إلى موضوع السيادة الفلاحية، انطلاقًا من قناعة راسخة مفادها أن الفلاحة ليست قطاعًا اقتصاديًا عادياً، بل هي أحد أبرز مرتكزات السيادة الاستراتيجية للمغرب، وأحد مفاتيح فهم قوة الدولة أو هشاشتها في العمق.
في ظل الاستعدادات الجارية لموسم الحصاد الفلاحي، وبالاستناد إلى منطق يعتبر أن ما يشهده القطاع الفلاحي المغربي اليوم لا يمكن اختزاله في حدث موسمي مرتبط بتقلبات الإنتاج أو مجرد توقعات ظرفية للحصاد.
هذا النوع من القراءة السطحية، رغم هيمنته على الخطاب العام، يُنتج نوعًا من “الطمأنة الوهمية”، لأنه يُحوّل بنية معقدة إلى مجرد “موسم”، بينما الحقيقة أن الأمر يتعلق بـ مسار تاريخي ممتد، تشكّل عبر اختيارات سياسية واقتصادية منذ الاستقلال.
في العمق، نحن أمام بنية فلاحية تأسست على منطلقات سياسية واستراتيجية محددة، لم تُراجع مراجعة جذرية رغم التحولات الكبرى التي عرفها المغرب: مناخيًا، ديمغرافيًا، ومائيًا واقتصاديًا.
وهذه المنطلقات، بدل أن تُنتج سيادة غذائية، أنتجت تدريجيًا معادلة معكوسة:
فلاحة قادرة على تحقيق أداء في بعض القطاعات، لكنها عاجزة عن ضمان الاكتفاء في المواد الغذائية الأساسية.
وهنا يجب تفكيك الوهم المركزي دون مواربة:
ليست المشكلة في موسم ضعيف أو سنة مطرية أو تذبذب ظرفي في الإنتاج، بل في هندسة كاملة للسياسات الفلاحية نفسها منذ البداية.
تفكيك المعنى: الفلاحة من قطاع اقتصادي إلى مرآة للسيادة الوطنية
التحول الذي يجب إدراكه بوضوح وبدون التباس هو أن الفلاحة لم تعد مجرد قطاع إنتاجي داخل الاقتصاد الوطني، يمكن قياسه بالأرقام أو تقييمه بمعدلات النمو الموسمي.
لقد تجاوزت هذا المستوى بكثير، لتصبح اليوم مؤشرًا بنيويًا دقيقًا على درجة السيادة الفعلية للدولة، لا على صورتها الخطابية.
بمعنى آخر، الفلاحة لم تعد “قطاعًا اقتصاديًا” فقط، بل أصبحت اختبارًا عمليًا لقدرة الدولة على الاستقلال في أحد أكثر المجالات حساسية: الغذاء.
أولًا: لماذا لم يعد السؤال تقنيًا؟
السؤال التقليدي الذي ظل يهيمن على النقاش الفلاحي لعقود طويلة —
كم ننتج؟ وكم نصدر؟ — يبدو في ظاهره سؤالًا منطقيًا وبديهيًا، لكنه في العمق لم يعد كافيًا، بل لم يعد قادرًا على تفسير ما يجري فعليًا.
ذلك أن هذا النوع من الأسئلة يقوم على افتراض ضمني بسيط لكنه مُضلِّل: أن الإشكال الأساسي هو “حجم الإنتاج”، وأن الحل يكمن في زيادته أو تحسينه. غير أن الواقع يكشف طبقات أعمق بكثير من هذا التصور السطحي.
فقد نكون أمام وضع ننتج فيه كميات مهمة، لكن ضمن محاصيل لا تمس صميم الأمن الغذائي. وقد نحقق أرقامًا مرتفعة في التصدير، لكن على حساب تراجع القدرة على تغطية الحاجيات الداخلية. وقد تتحسن المؤشرات الإحصائية من سنة إلى أخرى، بينما تتعمق في الخلفية نفسها أشكال التبعية الغذائية والارتباط بالخارج.
وهنا يتضح أن الإشكال ليس كميًا في جوهره، بل هو إشكال اختيار وتوجيه وبنية قرار؛ أي: ماذا نزرع؟ ولماذا نزرع؟ ولصالح من يُعاد تشكيل الخريطة الإنتاجية؟
ومن هذه الزاوية، لم يعد السؤال الإنتاجي التقليدي قادرًا على كشف الحقيقة الكاملة، لأنه يتعامل مع النتائج دون مساءلة المنطق الذي أنتجها.
ثانيًا: انتقال مركز الثقل — من الاقتصاد إلى السيادة
ما يحدث فعليًا هو انتقال هادئ وعميق للفلاحة من كونها مجرد مكوّن داخل المنظومة الاقتصادية، إلى كونها عنصرًا حاسمًا في معادلة السيادة الوطنية نفسها.
فالغذاء، في هذا السياق، لا يمكن اختزاله في كونه سلعة قابلة للتبادل التجاري، لأنه يحمل وظائف أعمق وأكثر حساسية، فهو:
- شرط مباشر للاستقرار الاجتماعي
- قاعدة للأمن الداخلي والطمأنينة المجتمعية
- أحد أعمدة الاستقلال الاستراتيجي للدولة
وعندما يُفهم الغذاء بهذه الدلالة، يتغير منطق التحليل جذريًا. إذ لم يعد السؤال:
كم ننتج؟
بل يصبح أكثر عمقًا:
- من يقرر ما الذي نزرعه أصلًا؟
- من يتحكم في مسارات وسلاسل التوريد؟
- من يحدد إيقاع وأسعار الغذاء داخل السوق الوطني؟
- وإلى أي حد يبقى الداخل مرتبطًا بالخارج لتأمين حاجاته الأساسية؟
في هذه النقطة تحديدًا، تنتقل الفلاحة من ملف اقتصادي تقني إلى ملف سيادي بامتياز، لأنها تصبح جزءًا من بنية القرار الوطني لا مجرد نشاط إنتاجي.
ثالثًا: السؤال الاستراتيجي الحقيقي — من الإنتاج إلى التحكم
عندما يُعاد بناء السؤال بمنطق استراتيجي صلب، يتضح أن الإشكال لم يعد يدور حول ما إذا كنا نحقق الاكتفاء في سنة معينة أو لا.
بل يصبح السؤال أعمق وأكثر حسمًا:
هل نملك فعليًا القدرة البنيوية على التحكم في غذائنا الأساسي، أم أن جزءًا جوهريًا من هذا الغذاء يُحدد خارج حدودنا، عبر السوق الدولية وتقلباتها وشروطها؟
هذا التحول في زاوية النظر يغيّر الإطار بالكامل، لأنه يكشف أن القضية ليست مرتبطة بنتائج موسم فلاحي، بل بما هو أعمق:
- هيكل الاستيراد نفسه
- طبيعة التبعية الغذائية المتراكمة
- ومكانة القرار الغذائي داخل السياسات العمومية
بمعنى أدق، نحن لا نتحدث فقط عن الإنتاج، بل عمن يمتلك سلطة القرار النهائي فيما نأكله وكيف نضمنه ومتى نتعرض لندرة أو وفرة مصطنعة.
رابعًا: لماذا هذا هو جوهر الذكاء الاستراتيجي؟
من منظور الذكاء الاستراتيجي، لا تُقاس قوة الدول بما تنتجه فحسب، بل بما يلي:
- ما تستطيع الاستغناء عنه دون تهديد استقرارها
- وما لا يمكن إجبارها على استيراده تحت الضغط أو الحاجة
- وما لا يستطيع الخارج التحكم فيه عند الأزمات والتحولات
ومن هذا المنظور، تصبح الفلاحة قطاعًا كاشفًا بامتياز، لأنها تُظهر بوضوح:
- مستوى الاستقلال الحقيقي للدولة
- درجة هشاشتها أمام الصدمات الخارجية (أسعار، جفاف، حروب، اضطرابات الأسواق)
- عمق ارتباطها البنيوي بالمنظومة الاقتصادية العالمية
ولهذا، فإن الدولة التي لا تتحكم في غذائها الأساسي، مهما بلغت مؤشرات نموها أو تطورها القطاعي، تظل في النهاية دولة ذات سيادة منقوصة في أحد أكثر أبعادها حساسية وعمقًا.
خامسًا: منهج المعنى — نقل النقاش من “كم” إلى “لماذا”
وهنا تحديدًا يتجلى ما نسميه منهج المعنى، باعتباره لحظة انقلاب هادئ في طريقة التفكير أكثر مما هو مجرد تعديل في أدوات التحليل. إنه انتقال من الاكتفاء بسؤال الظاهر، إلى مساءلة البنية التي تُنتج هذا الظاهر، ومن الانشغال بما هو مُعلن إلى تفكيك ما هو مُؤسس في العمق.
فبدل أن نبقى أسرى الأسئلة التقليدية التي تُقاس بها السياسات الفلاحية:
- كم ننتج؟
- وكم نصدر؟
نجد أنفسنا أمام ضرورة طرح أسئلة من طبيعة مختلفة تمامًا، أسئلة لا تبحث عن الحجم بل عن الاتجاه، ولا تهتم بالكم بقدر ما تهتم بالمنطق الذي يحكم الاختيار نفسه:
- لماذا نُنتج هذا المحصول تحديدًا بدل غيره؟
- من الذي يستفيد فعليًا من هذا التوجيه الإنتاجي؟
- هل تعكس هذه الاختيارات أولوية السيادة الغذائية أم منطق السوق وحده؟
- وإلى أي حد تقرّبنا هذه السياسات من الاستقلال، أم أنها تعيد إنتاج الارتباط البنيوي بالخارج ولكن بصيغ أكثر نعومة وتعقيدًا؟
إن هذا التحول في زاوية النظر ليس تفصيلًا نظريًا، بل هو في جوهره انتقال جذري من مستوى الوصف إلى مستوى الفهم، ومن إدارة الأرقام إلى تفكيك المعاني التي تُنتجها.
وهكذا يصبح الفرق واضحًا وحاسمًا بين نموذجين:
- سياسة فلاحية تقنية تُقاس بالكميات، المؤشرات، ومعدلات النمو
و - سياسة فلاحية سيادية تُقاس بقدرة الدولة على التحكم في غذائها، وفي اختياراتها الإنتاجية، وفي حدود تبعيتها أو استقلالها
إنه الفرق بين إدارة قطاع… وبناء سيادة.
في النهاية، الفلاحة لم تعد مجرد رقم يُسجَّل في تقارير الإنتاج، ولا قطاعًا اقتصاديًا يُقاس بأدوات المحاسبة التقليدية.
لقد تحولت إلى اختبار يومي مباشر لمدى قدرة الدولة على امتلاك قرارها الغذائي والسيادي في آن واحد.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي لم يعد بسيطًا أو تقنيًا كما كان يُطرح سابقًا:
- ماذا ننتج؟
بل أصبح سؤالًا أكثر عمقًا وحرجًا:
هل نتحكم في شروط بقائنا الغذائي، أم أننا نعيش ضمن شروط تُصاغ خارج حدودنا؟
وهذا التحول في طبيعة السؤال ليس تفصيلًا لغويًا، بل هو انعكاس لتحول أعمق في زاوية النظر إلى الفلاحة نفسها:
من مجرد قطاع يُقاس بالأرقام والمؤشرات، إلى منظومة تُقاس بقدرتها على إنتاج السيادة أو تكريس التبعية.
ومن هنا بالضبط ننتقل من مستوى الوصف العام إلى مستوى التفكيك الاستراتيجي الأعمق، حيث لا يعود السؤال مرتبطًا بكمية الاستثمار أو حجمه، بل بمدى انعكاسه على ميزان القوة والسيادة الغذائية.
وهذا ما يقودنا مباشرة إلى تفكيك المفارقة الأساسية:
استثمار ضخم ومتواصل… في مقابل سيادة غذائية تتراجع بدل أن تتعزز.
تفكيك المفارقة الاستراتيجية: استثمار ضخم مقابل سيادة متراجعة
رغم حجم الاستثمارات الكبيرة التي ضُخت في القطاع الفلاحي المغربي خلال العقود الأخيرة، ورغم تعدد البرامج الكبرى مثل مخطط المغرب الأخضر ثم استراتيجية الجيل الأخضر، ورغم ما رافقها من إعادة هيكلة للسياسات العمومية، فإن المؤشر البنيوي الأكثر دلالة ظل شبه ثابت في جوهره:
استمرار العجز في تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي في المواد الأساسية، وعلى رأسها الحبوب.
وهنا تتجلى المفارقة الاستراتيجية بوضوح شديد:
- توسع كبير في حجم الاستثمار والدعم العمومي
- مقابل انتقال محدود وضعيف نحو السيادة الغذائية الفعلية
أي أن العلاقة بين “المدخلات” (الاستثمارات، البرامج، الدعم التقني) و“المخرجات” (الاكتفاء الغذائي والسيادة) ليست علاقة تلقائية أو ميكانيكية كما يفترض الخطاب الرسمي، بل علاقة مختلة بنيويًا، تكشف أن حجم الجهد المالي لم يتحول إلى مكسب سيادي مماثل.
ومن هنا يبرز الاستنتاج المركزي:
الإشكال لا يكمن في حجم التمويل، بل في المنظور الاستراتيجي الذي وُجّهت على أساسه السياسات الفلاحية منذ البداية.
أولًا: معطى بنيوي ثابت — التبعية الغذائية كواقع ممتد
تؤكد الدراسات الأكاديمية المنشورة، من بينها أبحاث في المجلة الأوروبية للتنمية المستدامة (European Journal[1] ) of Sustainable Development)،) إضافة إلى تقارير منظمة الأغذية والزراعة (Food and Agriculture Organization – FAO) والبنك الدولي (World Bank)، أن المغرب يعيش تحوّلًا تاريخيًا واضحًا:
من وضع قريب نسبيًا من الاكتفاء في منتصف القرن الماضي، إلى تبعية غذائية هيكلية متزايدة، خصوصًا في الحبوب.
وتشير دراسة علمية منشورة في المجلة الأوروبية نفسها إلى أن:
- معدل التبعية في الحبوب بلغ حوالي 39.8% مقابل 60.2% من الاكتفاء الذاتي في بعض الفترات
- الإنتاج الفلاحي يعرف تذبذبًا شديدًا تصل نسبته إلى 46% كمعامل تغير بسبب الجفاف
- واردات الحبوب ارتفعت بشكل كبير منذ الاستقلال، مع تضاعف الاعتماد على السوق الدولية
كما تؤكد منظمة الأغذية والزراعة أن الأمن الغذائي في المغرب يرتكز أساسًا على الحبوب، وأن هذا القطاع يظل الأكثر حساسية للتقلبات المناخية والسوقية.
ثانيًا: حجم التبعية بالأرقام — الحبوب كنقطة ضعف استراتيجية
تكشف المعطيات التجارية الحديثة حجم الارتباط البنيوي بالخارج:
وفق بيانات وزارة الزراعة الأمريكية (USDA)[2] وقاعدة بيانات الأمم المتحدة للتجارة الدولية [3](UN Comtrade).
- واردات القمح تمثل سنويًا ما بين 1.5 إلى 2.5 مليار دولار
- المغرب يعتمد على الاتحاد الأوروبي وروسيا وأوكرانيا بنسبة تفوق 70% من وارداته في سنوات الاستقرار التجاري
- في بعض سنوات الجفاف، قد يغطي الاستيراد ما بين 40% إلى 60% من الحاجيات الوطنية من الحبوب
وتؤكد دراسات حديثة في مجال الأمن الغذائي (منظمة الأغذية والزراعة –البنك الدولي-) أن:
- المواطن المغربي يستهلك ما يقارب 250 كغ من الحبوب سنويًا (خصوصًا القمح)
- وهو معدل يفوق المعدل العالمي بأكثر من 3 إلى 4 مرات
هذه الأرقام لا تعكس مجرد تجارة، بل تكشف أن:
الغذاء الأساسي للمغاربة مرتبط مباشرة بسلاسل توريد خارجية تتحكم فيها أسواق دولية متقلبة.
ثالثًا: المفارقة الكبرى — استثمارات ضخمة دون انتقال سيادي
رغم هذا الوضع البنيوي، ضُخت استثمارات ضخمة في القطاع:
- حوالي 140 مليار درهم في إطار مخطط المغرب الأخضر
- وأكثر من 110 مليار درهم مبرمجة في استراتيجية الجيل الأخضر
لكن تقارير التقييم الدولية (البنك الدولي / منظمة الأغذية والزراعة / منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية) [4]تؤكد أن:
- الإنتاج الفلاحي ما يزال شديد الارتباط بالتساقطات المطرية
- أكثر من 70% إلى 80% من الزراعة ما تزال بورية تعتمد على المطر
- الجفاف يؤدي إلى تراجعات في الإنتاج قد تتجاوز 30% إلى 50% في بعض المواسم.
وهناك دراسة حديثة في المجلة الأوروبية لعلم الزراعة (2026) تشير إلى أن[5]:
- الفلاحين في المغرب لا يحققون سوى حوالي 48% من القدرة الإنتاجية الممكنة في القمح تحت الظروف الحالية
وهنا تتجلى المفارقة:
استثمارات ضخمة لم تُحدث انتقالًا مماثلًا في مستوى السيادة الغذائية.
رابعًا: تفسير الاختلال — حين لا تتحول الموارد إلى سيادة
المفارقة ليست مالية، بل استراتيجية بامتياز:
- استثمارات مرتفعة
- لكن مردودية سيادية محدودة
والسبب، كما تُظهر الدراسات، يعود إلى توجيه هذه الاستثمارات نحو:
- زراعات تصديرية ذات قيمة سوقية عالية
- أنظمة إنتاج كثيفة الاستهلاك للماء
- دعم فئات إنتاج كبرى على حساب المحاصيل الأساسية
في حين بقيت الحبوب والقطاني — أي العمود الفقري للأمن الغذائي — أقل استفادة من التحول الاستثماري.
وهنا يصبح الاستنتاج أكثر دقة:
المشكل ليس في الموارد، بل في طبيعة الاختيارات وهندسة توجيهها.
خامسًا: الجذر العميق — خطأ في المنطلقات لا في النتائج
انطلاقًا من منطق الذكاء الاستراتيجي الذي يؤطر هذا التحليل، لا يمكن قراءة النتائج أو تفسيرها بمعزل عن الفرضيات التي تأسست عليها منذ البداية.
فما يظهر اليوم من مخرجات ليس سوى انعكاس مباشر لتلك المنطلقات الأصلية.
ومن هذا المنظور، فإن الفرضية التي وجّهت السياسات الفلاحية تاريخيًا يمكن تلخيصها في: الفلاحة كقطاع اقتصادي للنمو والتصدير
في حين لم تُبنَ بشكل كافٍ على كونها:
قطاعًا سياديًا مرتبطًا مباشرة بالأمن الغذائي واستقرار الدولة.
هذا الانزياح لم يكن مجرد تحول في الخطاب، بل أعاد تشكيل بنية النظام الغذائي برمّته، وأنتج ثلاث نتائج مترابطة تعزّز بعضها بعضًا في حلقة يصعب كسرها:
- استمرار التبعية في المواد الغذائية الأساسية
لم يعد الاستيراد خيارًا تكميليًا لتغطية النقص الظرفي، بل تحوّل إلى ركيزة دائمة لتأمين الحاجيات الأساسية، خاصة الحبوب والزيوت والسكر. وهذا يعني أن توازن السوق الداخلية لم يعد يُحسم فقط داخل الحدود الوطنية، بل أصبح مرتبطًا بما يُنتَج ويُسعَّر خارجها. - هشاشة شديدة أمام الجفاف وتقلبات المناخ
بفعل هيمنة الفلاحة البورية واعتماد جزء كبير من الإنتاج على التساقطات، أصبح النظام الغذائي عرضة لتقلبات حادة من موسم إلى آخر. فكل تراجع في الأمطار يتحول مباشرة إلى انخفاض في الإنتاج، ثم إلى ارتفاع في الواردات، بما يضع الأمن الغذائي في حالة تأرجح دائم بين الوفرة والعجز. - ارتباط مباشر بالأسواق العالمية في مواد استراتيجية
هذا الوضع يرسّخ اندماجًا قسريًا في سلاسل التوريد الدولية، حيث تؤثر تقلبات الأسعار، والأزمات الجيوسياسية، واضطرابات الإمداد بشكل مباشر على القدرة الوطنية في تأمين الغذاء. وهكذا يصبح الاستقرار الغذائي الداخلي رهينًا بتوازنات خارجية لا يتحكم فيها البلد.
وبذلك يصبح ما نعيشه اليوم ليس فشلًا ظرفيًا، بل:
امتدادًا منطقيًا لاختيارات تأسيسية لم تُراجع في ضوء التحولات المناخية والجيوسياسية.
سادسًا: التفسير البنيوي — لماذا يستمر العجز رغم الاستثمار؟
تُجمع الدراسات الدولية، الصادرة عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) والبنك الدولي (World Bank) وصندوق النقد الدولي (IMF)، على مجموعة من الحقائق البنيوية التي تؤطر وضع الأمن الغذائي في المغرب، ويمكن تلخيصها وتفسيرها على النحو التالي:
- المغرب من الدول الأكثر عرضة لتقلبات المناخ في شمال إفريقيا
تشير هذه التقارير إلى أن الموقع الجغرافي للمغرب ضمن الحزام شبه الجاف يجعله من أكثر البلدان هشاشة أمام التغيرات المناخية، حيث تتسم التساقطات بعدم الانتظام والتذبذب الحاد. وهذا يعني أن أي اختلال مناخي — ولو كان ظرفيًا — ينعكس مباشرة على الإنتاج الفلاحي، خاصة في الزراعات الأساسية.- اعتماد كبير على الزراعة البورية (المطرية)
جزء مهم من الفلاحة المغربية ما يزال قائمًا على الأمطار، وليس على الري المنتظم، وهو ما يُعرف بالزراعة البورية. هذا النمط يجعل الإنتاج رهينًا بالكامل بالتساقطات، بحيث يتحول الموسم الفلاحي إلى معادلة غير مستقرة:
سنة ممطرة تعني وفرة نسبية، وسنة جافة تعني تراجعًا حادًا في الإنتاج، خصوصًا في الحبوب. وبالتالي، فإن القدرة على التخطيط الغذائي تبقى محدودة أمام هذا الارتباط الطبيعي غير المتحكم فيه.
- ارتباط مباشر بين الأمن الغذائي وتقلبات الأسواق العالمية
بفعل هذا التذبذب الداخلي، يلجأ المغرب إلى السوق الدولية لتعويض النقص، خاصة في المواد الأساسية. لكن هذا الارتباط لا يتم في بيئة مستقرة، بل في سياق عالمي متقلب تتحكم فيه أسعار البورصات، والأزمات الجيوسياسية، واضطرابات سلاسل التوريد.
وهكذا يصبح الأمن الغذائي الوطني مرتبطًا بعاملين خارجيين في آن واحد:
المناخ العالمي من جهة، والسوق الدولية من جهة أخرى.
- اعتماد كبير على الزراعة البورية (المطرية)
هذه المعطيات تكشف أن الإشكال لا يتعلق فقط بالإنتاج، بل ببنية نظام غذائي كامل يقوم على توازن هش بين الطبيعة والسوق.
فحين يجتمع اعتماد داخلي على المطر مع اعتماد خارجي على الاستيراد، يصبح الأمن الغذائي في وضعية مزدوجة من الهشاشة، يصعب معها تحقيق سيادة فعلية دون إعادة النظر في الأسس التي يقوم عليها النموذج الفلاحي ككل.
وهذا يقود إلى خلاصة حاسمة:
ليست هناك أزمة إنتاج فقط، بل أزمة تصور للسياسات الفلاحية نفسها.
خاتمة: من تراكم الأرقام إلى إعادة تأسيس المعنى
إن الاستمرار في تقديم “النجاحات الفلاحية” من زاوية الأرقام وحجم الإنتاج، دون ربطها بسؤال الاكتفاء الغذائي والسيادة الغذائية، لا يعكس حقيقة الواقع بقدر ما يعيد إنتاجه في صورة ناقصة ومضلِّلة. فالأرقام قد تُظهر دينامية معينة، لكنها لا تكشف بالضرورة وجهة هذه الدينامية ولا مدى ارتباطها بالاستقلال الغذائي الحقيقي.
والخلاصة التي تؤكدها مختلف التقارير والمعطيات الدولية واضحة ولا تحتمل اللبس:
المغرب، رغم حجم الاستثمارات وتراكم البرامج والسياسات، لا يزال يعتمد بشكل بنيوي على الخارج في تأمين جزء أساسي من غذائه، خصوصًا في المواد الاستراتيجية.
وهذا المعطى لا يُفسَّر بضعف في التمويل أو نقص في الجهد، بل يكشف حدود النموذج نفسه، لأنه تأسس منذ البداية على منطق اقتصادي إنتاجي، أكثر مما تأسس على منطق سيادي يضع الغذاء في قلب الأمن الوطني.
ومن هنا، فإن الإشكال يتجاوز البعد التقني والإجرائي ليصل إلى مستوى أعمق، يتعلق بـ معنى السياسة الفلاحية نفسها:
أي سؤال من أي نوع من الفلاحة نريد؟
وهنا يتبلور التحول الحقيقي:
- هل المطلوب هو فقط تحسين مردودية نفس النموذج القائم؟
- أم أن المطلوب هو إعادة بناء هذا النموذج من أساسه على منطلقات جديدة؟
وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحاسم ليس:
كيف نُنتج أكثر؟
بل:
كيف نُنتج معنى مختلفًا للفلاحة نفسها، يجعلها أداة سيادة وعدالة قبل أن تكون أداة إنتاج؟
وعليه، فإن المخرج الحقيقي لا يكمن في زيادة الأرقام فقط، بل في إعادة تعريف جوهر السياسات الفلاحية على أساس سؤال مركزي واضح:
كيف نؤسس لفلاحة سيادية عادلة؟
فالحل لا يمر فقط عبر الاستثمار، بل عبر إعادة توجيه هذا الاستثمار نحو إصلاح زراعي جذري يقوم على:
- إرساء عدالة اجتماعية مجالية وفلاحية
- إنصاف صغار ومتوسطي الفلاحين باعتبارهم العمود الفقري للإنتاج الغذائي الحقيقي
- ترشيد واستعمال عقلاني وعادل للموارد والأراضي الفلاحية بمختلف أنواعها
- وإعادة توجيه الدعم نحو ما يخدم الأمن الغذائي الداخلي قبل منطق السوق والتصدير
إنها لحظة انتقال من منطق “تراكم الإنتاج” إلى منطق “تأسيس السيادة”، ومن منطق “الفلاحة كقطاع اقتصادي” إلى منطق الفلاحة كرافعة للعدالة والسيادة والاستقرار الاجتماعي.
وبذلك يصبح الرهان الحقيقي واضحًا:
ليس فقط أن نُحسن ما ننتجه، بل أن نُعيد تعريف لماذا ننتجه، ولمن ننتجه، وعلى أي أساس نوزع ثمار هذا الإنتاج.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
[1]. European Journal of Sustainable Development, Belmahi, M. et al. (2023). Sustainability assessment of cereal production and import dependency in Morocco. Vol. 12, No. 2.
DOI: https://doi.org/10.14207/ejsd.2023.v12n2p135
[2]. Foreign Agricultural Trade of the United States (FATUS) ,Global Agricultural Trade System (GATS) https://www.fas.usda.gov/data -https://apps.fas.usda.gov/gats/default.aspxhttps://www.fas.usda.gov/regions/morocco
[3]. UN Comtrade Database (أكبر قاعدة بيانات تجارية عالمية) , https://comtrade.un.org/ https://comtradeplus.un.org/
[4]. Morocco Climate and Agriculture Risk Profile -Morocco Economic Monitor (عدة إصدارات سنوية) – Climate-Smart Agriculture in Morocco (Reports & Briefs), https://www.fao.org/countryprofiles/index/en/?iso3=MAR
[5]. Process-based assessment of wheat yield gap in Mediterranean rainfed conditions: Cultivar, nutrient, and sowing optimization, European Journal of Agronomy, Volume 174, March 2026.
DOI: https://doi.org/10.1016/j.eja.2025.127967
