من تفكيك العدو المصنوع إلى مساءلة الوعي المستلب:قراءة نقدية في هندسة السرديات واختلال موقع النخب العربية

أخطر ما في السرديات ليس تحيزها فقط، بل قدرتها على التحول إلى بداهة

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

في اليوم الأول من زيارتي إلى الولايات المتحدة، حرصت – كما دأبت على ذلك في باريس – أن أستهل برنامجي بزيارة مكتبة كبرى. لم يكن هذا الاختيار مجرد طقس ثقافي عابر، بل مدخلاً منهجياً لقراءة خرائط إنتاج المعرفة داخل فضاء لا يكتفي بتصدير الكتب، بل يحتكر – إلى حد بعيد – شروط إنتاج المعنى ذاته. هناك، حيث تتدفق آلاف العناوين سنوياً، لا تُنتج المعرفة بوصفها معرفة محايدة، بل تُصاغ باعتبارها أداة لإعادة ترتيب العالم إدراكياً، وتحديد ما يجب أن يُرى وكيف يُفهم.

وسط هذا الزخم، استوقفتني مجموعة من الكتب التي تلتقي عند مفهوم محوري: “صناعة العدو”. غير أن ما بدا في ظاهره موضوعاً بحثياً محدداً، كشف – عند التمحيص – عن بنية أعمق: منظومة سردية متكاملة، تشتغل داخلها النخب على إنتاج “الآخر” بوصفه ضرورة وظيفية، لا مجرد انعكاس لواقع موضوعي. هنا، لا يعود السؤال: من هو العدو؟ بل: كيف يُنتج؟ ولماذا يُعاد إنتاجه باستمرار؟

أولاً: الأطروحة – العدو كوظيفة بنيوية لا كمعطى موضوعي
ضمن منظور نقدي-استراتيجي، لا يمكن فهم “العدو” بوصفه كياناً قائماً بذاته، بل باعتباره نتاجاً لوظيفة داخل بنية سياسية ومعرفية. فكما يشير كارل شميت[1]، فإن التمييز بين “الصديق” و”العدو” ليس توصيفاً للواقع، بل فعل تأسيسي له. غير أن الإشكال لا يكمن فقط في هذا التمييز، بل في تحوله إلى آلية لإعادة إنتاج النظام ذاته عبر تصدير التوترات إلى الخارج.

في هذا السياق، تتحول السردية إلى أداة هيمنة ناعمة: لا تكتفي بوصف الواقع، بل تعيد تشكيله وفق منطق انتقائي. فالواقع لا يُقدَّم كما هو، بل كما تسمح به شروط الخطاب. وكما يبين بول ريكور[2]، فإن الزمن ذاته لا يُفهم إلا عبر السرد، ما يعني أن التحكم في الحكاية هو تحكم في إدراك الزمن والمعنى معاً. وهنا، يصبح الإنسان – كما يرى جيروم برونر[3] – كائناً سردياً، يتلقى العالم من خلال القصص التي تُبنى له، لا من خلال الوقائع في حد ذاتها.

ثانياً: النقيض – هشاشة السردية رغم سطوتها
غير أن هذه السرديات، رغم تماسكها الظاهري، ليست بريئة ولا مكتملة. فهي تقوم على انتقاء، وإقصاء، وإعادة ترتيب للوقائع بما يخدم غايات محددة. وهنا تنكشف طبيعتها الأداتية: إذ يتم تأطير التهديدات ضمن قوالب جاهزة، كما يوضح ديفيد كامبل[4]، حيث لا يُكتب الأمن بوصفه استجابة، بل بوصفه إنتاجاً مستمراً لـ”الآخر المهدِّد”.

تلعب وسائل الإعلام دوراً مركزياً في هذا المسار، ليس فقط عبر نقل المعلومات، بل عبر تصنيع القبول، كما يبين نعوم تشومسكي وإدوارد هيرمان[5]. فالمتلقي لا يُقنع فقط، بل يُعاد تشكيل وعيه ضمن منظومة متكاملة من التكرار والتكثيف.

وفي هذا الإطار، تتجلى إحدى أبرز حالات الاختزال في تمثيل الإسلام، حيث يكشف إدوارد سعيد أن صورة الشرق لم تُبْنَ بوصفها معرفة، بل بوصفها أداة ضمن علاقة قوة. ويتعزز هذا الطرح بما يرصده جاك شاهين من دور السينما في ترسيخ صورة نمطية تجعل من العربي والمسلم “عدواً قابلاً للتصديق”.

غير أن أخطر ما في هذه السرديات ليس تحيزها فقط، بل قدرتها على التحول إلى بداهة: إلى “حقيقة” لا تُناقش، لأنها لم تعد تُرى كسردية أصلاً.

ثالثاً: التركيب – النخب العربية بين العجز والتواطؤ المعرفي
إذا كان “العدو” يُنتج داخل منظومة سردية محكمة، فإن جوهر الإشكال لا يتوقف عند قوة هذه المنظومة أو تماسكها، بل يتجلى أساساً في موقع النخب العربية، ومنها النخبة المغربية، داخلها. فهذه النخب، في جزء غير يسير منها، لم تقف عند حدود العجز عن بلورة سرديات بديلة، بل انخرطت – بوعي أو بدونه – في إعادة تدوير نفس السرديات التي تُقصيها، وتعيد تثبيت موقعها كموضوع داخل خطاب لا تملك شروط إنتاجه.

هنا، لا نتحدث فقط عن “تأخر معرفي”، بل عن شكل من الاستتباع البنيوي، حيث تتحول النخبة إلى وسيط لإعادة تدوير المعنى القادم من الخارج، دون مساءلة شروط إنتاجه. وهو ما يلتقي مع ما أشار إليه محمد عابد الجابري من ضرورة إخضاع العقل العربي لنقد جذري يكشف بنيته الداخلية، لا الاكتفاء باستيراد مفاهيم جاهزة.

وفي السياق ذاته، يؤكد عبد الله العروي أن أزمة الفكر العربي ليست أزمة أدوات فقط، بل أزمة وعي تاريخي؛ أي عجز عن إدراك الذات خارج القوالب التي صاغها الآخر. ومن هنا، فإن الخلل لا يكمن في نقص المعرفة، بل في غياب الاستقلال في إنتاجها.

الأكثر إشكالاً أن هذا الاستتباع لا يظهر دائماً في شكل خضوع صريح، بل في هيئة “تفكير علمي” يعيد إنتاج نفس الفرضيات المهيمنة. وهنا تتجلى قوة السردية: فهي لا تُفرض فقط، بل تُستبطن، وتتحول إلى إطار غير مرئي يُفكَّر من خلاله.

رابعاً: الرهان الاستراتيجي – من وهم الوعي إلى فعل الإنتاج

لا يكمن التحدي الحقيقي أمام النخب العربية في “امتلاك الوعي” كما يُتداول في الخطاب العام، بل في تجاوز وهم هذا الوعي ذاته. فالكثير مما يُقدَّم باعتباره وعياً نقدياً قد لا يكون في حقيقته سوى إعادة صياغة داخل نفس الأطر التي أنتجت الاختلال ابتداءً. بمعنى آخر، قد يبدو الخطاب نقدياً في لغته، لكنه يظل أسير البنية التي يدّعي تفكيكها. ومن هنا، فإن استعادة الوعي لا تبدأ من إعلان امتلاكه، بل من مساءلته: كيف يتشكل؟ ومن أين يستمد مفاهيمه؟ وتحت أي شروط يُنتج؟

إن الانتقال من موقع التلقي إلى موقع الإنتاج لا يعني مجرد زيادة في حجم الكتابة أو الخطاب، بل تحوّلاً نوعياً في طبيعة العلاقة مع المعرفة. فالتلقي لا يتمثل فقط في استيراد الأفكار، بل في القبول الضمني بمفاهيمها وإطاراتها التفسيرية باعتبارها بديهية. لذلك، فإن أول خطوة في هذا التحول ليست إنتاج خطاب جديد، بل تفكيك “شروط الإمكان” التي تجعل خطاباً ما يبدو مقنعاً أو مشروعاً.

غير أن هذا المسار يقتضي الاعتراف بحقيقة مقلقة: أن جزءاً من النخب العربية يشتغل داخل ما يمكن تسميته بـ”الوعي الموجَّه”، أي وعي يتصور نفسه مستقلاً، لكنه يتحرك ضمن حدود مرسومة سلفاً. وهذا ما يجعل كثيراً من محاولات النقد تدور في حلقة مغلقة؛ إذ يتم نقد النتائج دون الاقتراب من البنية التي تنتجها.

ومن هنا، فإن امتلاك أدوات تفكيك الخطاب لا يمثل ترفاً نظرياً، بل شرطاً تأسيسياً لأي محاولة إنتاج معرفي. لأن الخطاب الذي لا يفكك ذاته، يعيد إنتاج ما يسعى إلى تجاوزه. والتفكيك هنا لا يعني الهدم، بل الكشف: الكشف عن الافتراضات الضمنية، عن المسكوت عنه، عن العلاقات غير المرئية بين المعرفة والسلطة.

لكن في المقابل، لا يكفي تفكيك السرديات المهيمنة إذا لم يترافق ذلك مع قدرة على البناء. وهنا تبرز إحدى الإشكاليات الكبرى: الخلط بين “السردية البديلة” و”السردية المضادة”. فالأولى تسعى إلى الفهم وإعادة التركيب، بينما الثانية تظل حبيسة منطق رد الفعل، تُعرّف ذاتها انطلاقاً من خصمها، وتبقى مرتبطة به حتى في معارضته. لذلك، فإن الرهان الحقيقي ليس في إنتاج خطاب يواجه خطاباً، بل في إنتاج معرفة تتجاوز منطق المواجهة ذاته، نحو أفق أكثر تركيباً واستقلالاً.

وفي هذا الإطار، يصبح التحدي مزدوجاً ومعقداً:
من جهة أولى، تفكيك السرديات المهيمنة، لا باعتبارها مجرد خطابات منحازة، بل كبُنى معرفية تنتج الحقيقة وفق شروط محددة.
ومن جهة ثانية، مساءلة الذات المعرفية العربية، لا بوصفها ضحية فقط، بل بوصفها أحياناً طرفاً مساهماً – بشكل مباشر أو غير مباشر – في إعادة إنتاج نفس أنماط التفكير التي تحدّ من قدرتها على الاستقلال.

وهنا تتجلى إحدى أخطر آليات الهيمنة: تلك التي لا تُفرض من الخارج، بل تُمارَس من الداخل، عندما يتحول الإطار الذي فُرض في الأصل إلى أداة تفكير ذاتية. في هذه اللحظة، لا يعود القيد مرئياً، لأنه لم يعد يُدرك كقيد.

لذلك، فإن الانتقال إلى “فعل الإنتاج” يمر عبر ثلاث لحظات مترابطة:
أولاً، تفكيك نقدي جذري لا يكتفي بالسطح، بل ينفذ إلى البنية.
ثانياً، إعادة بناء مفاهيمي يحرر أدوات التفكير من التبعية غير المرئية.
ثالثاً، إنتاج معرفة قادرة على تفسير الواقع في تعقيده، دون الوقوع في اختزال دفاعي أو تبريري.

إن الرهان الاستراتيجي، في جوهره، ليس فقط في امتلاك خطاب، بل في امتلاك القدرة على تحديد شروط إنتاج الخطاب نفسه. فالمعركة لم تعد تدور حول “ما يُقال” فقط، بل حول “من يحدد ما يمكن قوله”، و”ما الذي يُعتبر معرفة مشروعة”.

وعليه، فإن الخروج من وهم الوعي إلى فعل الإنتاج لا يعني مجرد الانتقال من موقع إلى آخر، بل إعادة تموضع كاملة داخل خريطة المعرفة العالمية؛ حيث لا تكون النخب مجرد مستهلك للمعنى، بل فاعلاً في إنتاجه، ومشاركاً في تحديد أفقه وحدوده.

خاتمة: من نقد العدو إلى نقد شروط إنتاجه
لم تكن تلك الزيارة للمكتبة مجرد تجربة ثقافية، بل لحظة مواجهة مع بنية عميقة تحكم العالم المعاصر: حيث لا يُنتج الواقع كما هو، بل كما يُروى. وحيث لا تكمن القوة فقط في امتلاك الموارد، بل في امتلاك القدرة على تعريف المعنى.

غير أن الرهان الحقيقي لا يكمن في كشف أن “العدو” مصنوع، بل في فهم الشروط التي تجعل صناعته ممكنة ومقبولة. لأن تفكيك الصورة لا يكفي، ما لم يُصاحبه تفكيك للمنظومة التي أنتجتها.

ومن هنا، يتخذ السؤال بعداً أكثر حدة:
هل تستطيع النخب العربية أن تتحرر من موقع “الموضوع” داخل سرديات الآخرين، لتصبح فاعلاً في إنتاج سرديتها الخاصة؟
أم أنها ستظل تتحرك داخل أفق مرسوم لها، مهما بدا خطابها نقدياً؟

إن الانتقال من “العدو المصنوع” إلى “الوعي المستعاد” لا يمكن اختزاله في مجرد تعديلٍ لمحتوى الخطاب أو استبدال مفرداته، بل يقتضي إعادة تأسيس جذرية لشروط إنتاجه، أي إعادة النظر في المنظومة التي تُنتج المعنى ذاته، لا فقط في الصيغ التي يُعبَّر بها عنه. فالقضية لم تعد في “ماذا نقول؟” بقدر ما أصبحت في “كيف يُنتج ما نقول؟” و”ضمن أي أفق دلالي يُفهم؟”.

هنا يتقدم مفهوم المعنى بوصفه محوراً منهجياً حاسماً، لا كنتاج لاحق للخطاب، بل كحقل صراع سابق عليه ومؤسس له. فالمعنى لا يُولد بريئاً ولا محايداً، بل يُصاغ داخل بنى سردية ومعرفية تحدد مسبقاً ما يمكن أن يُرى، وما يُقصى، وما يُمنح صفة “الحقيقة”. وبذلك، فإن من يمتلك القدرة على إنتاج المعنى لا يكتفي بوصف الواقع، بل يحدد حدوده، ويرسم أفق تأويله، ويوجه طرق إدراكه.

وعليه، فإن الرهان لم يعد محصوراً في امتلاك خطاب مضاد داخل نفس الحقل الدلالي، لأن ذلك يظل – في جوهره – إعادة تموضع داخل لعبة لا نملك قواعدها. بل إن التحدي الحقيقي يكمن في القدرة على تفكيك هذه القواعد ذاتها، وكشف آليات اشتغالها، ثم إعادة بناء أفق دلالي مستقل، يُمكّن من إنتاج المعنى خارج ثنائيات مفروضة سلفاً.

بهذا المعنى، يتحول “الوعي المستعاد” من مجرد إدراك نقدي إلى فعل إنتاجي للمعنى: أي قدرة على إعادة تعريف الذات والعالم وفق منطق نابع من الداخل، لا كردّ فعل على تعريفات الخارج. وهذا يستلزم الانتقال من موقع تفسير ما يُقال، إلى موقع تحديد ما يمكن أن يُقال أصلاً.

ومن هنا، يتضح أن الصراع في عالم اليوم لم يعد فقط على من يملك أدوات القوة أو وسائل التأثير، بل على من يملك سلطة تعريف الواقع: أي من يحدد ما يُعدّ حقيقة، وما يُعتبر تهديداً، وما يُصنّف كقيمة أو انحراف. والأخطر من ذلك، من يملك القدرة على جعل هذه التعريفات تبدو بديهية، غير قابلة للمساءلة.

لذلك، فإن الجرأة الحقيقية لا تكمن فقط في معارضة هذه التعريفات، بل في مساءلة الحق ذاته في إنتاجها: من أين يستمد شرعيته؟ ومن يمنحه سلطة التحول إلى مرجعية كونية؟
وهنا تحديداً يبدأ تأسيس “المعنى” كمنهج: ليس بوصفه نتيجة للخطاب، بل كشرط لإمكانه، وكفضاء استراتيجي يتحدد داخله موقع الفاعلين في العالم.

وبذلك، فإن الانتقال من “العدو المصنوع” إلى “الوعي المستعاد” يصبح، في جوهره، انتقالاً من الاستهلاك الدلالي إلى السيادة على إنتاج المعنى؛ أي من موقع يُعرَّف فيه الواقع، إلى موقع يُعاد فيه تعريفه.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

الهوامش

  1. Carl Schmitt, The Concept of the Political, trans. George Schwab (Chicago: University of Chicago Press, 2007).
  2. Paul Ricoeur, Time and Narrative, vol. 1 (Chicago: University of Chicago Press, 1984).
  3. Jerome Bruner, Making Stories: Law, Literature, Life (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2002).
  4. David Campbell, Writing Security: United States Foreign Policy and the Politics of Identity (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1998).
  5. Noam Chomsky and Edward S. Herman, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon Books, 1988).

[1]. Carl Schmitt, The Concept of the Political, trans. George Schwab (Chicago: University of Chicago Press, 2007).

[2]. Carl Schmitt, The Concept of the Political, trans. George Schwab (Chicago: University of Chicago Press, 2007).

[3]. Jerome Bruner, Making Stories: Law, Literature, Life (Cambridge, MA: Harvard University Press, 2002).

[4]. David Campbell, Writing Security: United States Foreign Policy and the Politics of Identity (Minneapolis: University of Minnesota Press, 1998).

[5]. Noam Chomsky and Edward S. Herman, Manufacturing Consent: The Political Economy of the Mass Media (New York: Pantheon Books, 1988).

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى