
د. محمد السنوسي..
بقلم: د. محمد السنوسي
لم يكن تدهور منظومة التعليم في المغرب نتاج لحظة عابرة أو خطأ إداري عارض، بل هو نتيجة منطقية لبنية مشروخة أُسست منذ ما بعد الاستعمار واستمرت في التصدع مع مرور العقود. لقد ورث المغرب نظامًا تعليمياً استعماريًا مزدوجًا، صُمم لخدمة مشروع استعماري لا وطني، حيث تم إرساء تعليم نخبوي موجه لفئة محدودة بلغة المستعمر، مهيأ للتعامل مع الخارج، وتعليم تقني أو ديني هش موجه لبقية الشعب، لا يهدف إلى التمكين المعرفي بل إلى التحكم الاجتماعي.
عند لحظة الاستقلال، فشلت الدولة الوطنية في تفكيك هذا الإرث، بل عملت على إعادة إنتاجه ضمن منطق سلطوي جديد. لم تُبنَ سياسة تعليمية شاملة تعيد الاعتبار للغة العربية وللهوية المغربية الجامعة، بل استمر التمييز اللغوي والمعرفي عبر تكريس الفرنسية في التعليم العالي والعلوم والإدارة، مقابل إضعاف اللغة الوطنية بحجج واهية مثل “الانفتاح” و”العالمية”. بهذا، تحوّلت المدرسة من فضاء لتحرير المواطن إلى أداة لإعادة إنتاج النخبة الفرنكوفونية والتمييز الطبقي.
ومع مطلع السبعينيات والثمانينيات، زاد الوضع تعقيدًا مع تطبيق سياسات التقويم الهيكلي التي فرضتها المؤسسات المالية الدولية، والتي أجهزت على المدرسة العمومية من خلال تقليص الإنفاق، وتجميد التوظيف، وإدخال منطق السوق في قطاع حيوي يفترض أن تحكمه القيم العمومية لا التوازنات المالية. هذه الإجراءات أفرغت المدرسة من محتواها التربوي، وشرّعت الباب أمام تغول التعليم الخاص الذي تأسس خارج أطر المراقبة والجودة، ليصبح هو القاطرة التي يركبها أبناء الميسورين نحو المستقبل، بينما يُترك أبناء الشعب في قاطرة معطلة.
في هذا السياق، تحولت الجامعة من فضاء حرّ للمعرفة والابتكار إلى ساحة صراع سياسي ومصلحي، حيث فرضت السلطة تدخلات مباشرة في التعيينات والتسيير، بعيدًا عن الكفاءة والبحث العلمي. تم تجفيف منابع البحث، وتهميش النخب الحقيقية، وفتح المجال أمام الزبونية، ما أنتج مؤسسات جامعية هشة، عاجزة عن مواكبة تحولات المجتمع أو الانخراط في مشروع تنموي وطني.
ورغم المبادرات الإصلاحية المتتالية، من الميثاق الوطني إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030، إلا أن التنفيذ ظل يعاني من أمراض مزمنة: غياب الإرادة السياسية الحقيقية، تداخل المصالح، سيطرة المقاربة التقنية على حساب الحكامة الديمقراطية، وانعدام المحاسبة. الإصلاح كان غالبًا مجرد شعارات، لأن البنية العميقة للنظام لم تتغير.
أخلاقيًا، تراجع منسوب القيم داخل المنظومة بشكل لافت. الغش في الامتحانات، بيع الشهادات، الجنس مقابل النقاط، المال مقابل الولوج إلى الماستر أو الدكتوراه… كلها ممارسات موثقة لم تعد استثناءً، بل صارت، في بعض الفضاءات، “نمط تسيير”. وهذه الظواهر ليست فقط انحرافات فردية، بل هي تعبير عن انهيار أخلاقي ومؤسساتي يعكس ضعف الردع وغياب الثقافة الأكاديمية الحقيقية.
إن الجهات المسؤولة عن هذا الوضع لا تقتصر على فاعلين داخليين، بل تشمل كذلك قوى خارجية ساهمت، عبر الشروط المرفقة بالمساعدات المالية أو من خلال فرض أجندات تعليمية لا تنسجم مع خصوصية المغرب، في تكريس التبعية. مؤسسات مثل البنك الدولي والوكالة الفرنسية للتنمية لم تكن تسعى دائمًا إلى دعم تعليم وطني سيادي، بل إلى تسويق نموذج تعليمي يفرز كفاءات ملائمة للسوق الدولي لا للاقتصاد المحلي.
اليوم، تقف منظومة التعليم في المغرب عند مفترق طرق حاد، إذ تكشف المؤشرات بوضوح عن واقع مأزوم: نسب مرتفعة للهدر المدرسي تجاوزت في بعض السنوات 300 ألف تلميذ، بطالة واسعة في صفوف خريجي الجامعات، تراجع حاد في ترتيب المغرب في اختبارات دولية كـPISA وTIMSS، وفقدان شبه تام للثقة المجتمعية في المدرسة العمومية. هذه النتائج لم تكن عرضية أو ثمرة أخطاء تقنية، بل تعكس اختلالًا بنيويًا عميقًا: التعليم لم يكن يومًا مشروعًا وطنيًا استراتيجيًا حقيقيًا، بل ظل على الدوام حقلًا لتصفية التوازنات السياسية، ومجالاً للتفاوض الضمني بين السلطة والمجتمع بدل أن يكون أداة لتحرير الإنسان وتنمية الوطن.
بخلاف التجارب الدولية الناجحة، لم يبنِ المغرب سياسة تعليمية تستند إلى عقد اجتماعي واضح يحدد ما الذي نريد أن ينجزه التعليم، لمن؟ وكيف؟ ففي فنلندا، على سبيل المثال، صُمّم التعليم باعتباره مكوّنًا جوهريًا في مشروع الدولة الوطنية الحديثة، يخضع لتوافق سياسي طويل الأمد، وتُبنى مناهجه على مبادئ العدالة والاندماج والجودة. ومنذ السبعينيات، اعتمدت فنلندا سياسة “مدرسة واحدة للجميع”، تلغي الفوارق بين الأغنياء والفقراء، وتُوجَّه نحو الابتكار لا الحفظ، ما أفضى إلى نتائج نوعية دون اللجوء إلى القطاع الخاص أو تدريس بلغات استعمارية.
أما في كوريا الجنوبية، فقد اعتُبر التعليم بعد الحرب الكورية ركيزة لإعادة بناء الأمة. تم ربط المدرسة بحاجيات الاقتصاد، فاستُثمر بكثافة في تأهيل الأساتذة وتحسين البنيات، وربط المناهج بحاجيات الابتكار والصناعة، مع رقابة صارمة ومتابعة حقيقية لكل مراحل الإصلاح. النجاح الكوري لم يكن ناتجًا عن تمويل خارجي مشروط، بل عن إرادة سيادية تربط بين التعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية بشكل عضوي.
في المقابل، ظل التعليم في المغرب حبيس مقاربات ظرفية ومتناقضة. تارةً يُطرح كشعار إصلاحي، وتارةً أخرى يُفرّغ من مضمونه عبر سياسات التقشف أو خوصصة غير مراقبة. لم تُبنَ استراتيجيات بعيدة المدى، ولم تُفعّل آليات التقييم والمحاسبة. الخطط الإصلاحية الكبرى – من الميثاق الوطني للتربية والتكوين سنة 1999 إلى الرؤية الاستراتيجية 2015-2030 – بقيت في الغالب حبرًا على ورق، لأنها افتقرت إلى إرادة سياسية مستقرة، واصطدمت بعقليات بيروقراطية تُدير التعليم كإدارة لا كرسالة وطنية.
إن الخطأ الجوهري هو أن المدرسة في المغرب لم تُطرح كأداة للعدالة الاجتماعية أو للتنمية البشرية، بل كآلية لاحتواء المجتمع وتدجينه. فبدل تكافؤ الفرص، سادت الثنائية التعليمية: قطاع خاص موجه للنخب ومبني على اللغات الأجنبية والانفتاح نحو الخارج، مقابل قطاع عمومي مفقر، مقطوع عن التكنولوجيا والمعرفة الحية، موجه لباقي أبناء الشعب. هذا التقسيم أسس منذ البداية لفشل هيكلي لا يمكن ترقيعه.
بالتالي، فإن إصلاح التعليم في المغرب لا يعني مجرد تغيير المناهج أو رفع الميزانية، بل يتطلب قلب المنطق برمّته: تحويل التعليم من ملف إداري إلى قضية وطنية سيادية، تُطرح بجرأة في قلب النقاش السياسي، وتُبنى على أساس الهوية اللغوية والثقافية للمجتمع، مع الانفتاح الذكي على العالم، لا الخضوع له. المطلوب ليس فقط إصلاح البرامج، بل إصلاح فلسفة التعليم وأدواره في بناء الدولة والمواطن.
وحتى يبدأ هذا التحول، لا بد من الاعتراف أولاً أن ما نعيشه ليس فقط نتيجة إهمال، بل نتيجة اختيار سياسي مستمر جعل من التعليم ملفًا ثانويًا، تُرك في مهب الفساد والتدخلات الأجنبية، بدل أن يكون رافعة لبناء مغرب مستقل، متعلم، وعادل.
ولكي تستعيد المدرسة المغربية دورها التاريخي كمحرك للعدالة الاجتماعية وبوصلة للنهضة الوطنية، لا يكفي الترقي أو التجميل المؤقت، بل نحتاج إلى تحول جذري، ثورة تربوية حقيقية تمس العمق لا السطح. الأمر يبدأ أولًا بتطهير شامل للمنظومة من الفساد الذي استشرى في مفاصلها، سواء من داخل المؤسسات أو من المحيط السياسي الذي يحكمها، عبر تفعيل صارم لآليات المحاسبة وربط المسؤولية بالعقاب، لا بالمحاباة والولاءات. لا يمكن بناء تعليم نزيه في بيئة تطبع مع الإفلات من العقاب وتكرّس ثقافة الريع التربوي.
في قلب هذا التحول يجب أن توضع اللغة الوطنية – العربية والأمازيغية – في صلب مشروع السيادة المعرفية، لا باعتبارها فقط وسيلة تواصل، بل كحامل لهوية جماعية وأداة لتحرير الفكر والانتماء. لا تنمية ممكنة في ظل ازدواج لغوي مفروض يُقصي الأوسع فهمًا ويُعلي من شأن الاستلاب الثقافي. الجرأة مطلوبة في مواجهة هذا التناقض المزمن، والقطع مع الهيمنة اللغوية الأجنبية في مفاصل التعليم العمومي، خاصة في المواد العلمية والتقنية، حيث يتم توجيه أبناء الشعب إلى الفشل بلغة لم تُعلَّم لهم أصلًا.
من الضروري كذلك تحقيق استقلال فعلي للمؤسسات التعليمية، وخاصة الجامعات، بعيدًا عن التحكم السياسي والتعيينات الزبونية، وفتح أبواب التسيير الداخلي أمام الكفاءات لا الحسابات الضيقة. الجامعة لا يمكن أن تكون مختبرًا للتجاذبات الحزبية، بل ينبغي أن تستعيد دورها كمجال حرّ لإنتاج المعرفة، والحوار، والبحث النقدي، وهذا لن يتم ما دامت غارقة في البيروقراطية وتُدار بمنطق إداري جامد.
وبالتوازي مع ذلك، لا بد من ترسيخ القيم التربوية والأخلاقية في قلب العملية التعليمية، من محاربة الغش والمحاباة إلى بناء ثقافة الاستحقاق والتكوين الجاد. وهذا يمر عبر تأهيل فعلي للأساتذة، دعمًا وتكوينًا وتحفيزًا، لأن أي إصلاح يُبنى على موارد بشرية منهكة ومهمشة، هو إصلاح محكوم عليه بالفشل قبل أن يبدأ.
أما على المستوى الدولي، فينبغي إعادة النظر في الشراكات التي تؤطر السياسات التعليمية، بحيث تُبنى على قاعدة المصالح الوطنية لا على وصفات جاهزة تُفرض من مؤسسات التمويل الدولية، غالبًا دون استيعاب للخصوصية الاجتماعية والثقافية المغربية. التعليم يجب أن يُدار برؤية سيادية، تنفتح على العالم ولكن تنطلق من الواقع، وتخدم مشروعًا تنمويًا مغربيًا خالصًا.
ولن يتحقق كل هذا إلا عبر إشراك فعلي وحقيقي لكل الفاعلين في الحقل التربوي: النقابات، الجمعيات، الأساتذة، الطلبة، والمجتمع المدني، في وضع السياسات لا في تنفيذها فقط. فالمعرفة لا تُفرض من فوق، بل تُبنى جماعيًا، ضمن تعاقد وطني شفاف، يضع مصلحة المتعلم فوق كل الحسابات.
في المحصلة، فإن لحظة إصلاح التعليم ليست مجرد لحظة تقنية أو إدارية، بل لحظة سياسية بامتياز. لا يمكن الحديث عن دولة ديمقراطية أو اقتصاد تنافسي أو مجتمع مندمج دون تعليم عمومي قوي، منصف، مبدع، وحر. استمرار الوضع الحالي لا يعني فقط فشل التلاميذ والطلبة، بل انهيار ما تبقى من أمل في مستقبل أفضل. المسؤولية جماعية نعم، لكن المحاسبة يجب أن تبدأ من الأعلى، من مراكز القرار التي حولت التعليم إلى ورقة سياسية، أو صفقة تجارية، بدل أن تجعله أداة لبناء الإنسان المغربي القادر على الإبداع والقيادة والمشاركة. إصلاح التعليم لم يعد ترفًا، بل قرار وجودي لا يقبل التأجيل.
Bas du formulaire




