
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
يأتي هذا المقال استكمالاً لما طرحناه في مقالنا السابق: «المغرب وإسبانيا: حين تفرض الجغرافيا شراكة استراتيجية وتتطلب الحكمة تسوية ملفات التاريخ»، حيث انطلقنا من حقيقة تبدو عصية على التجاهل: أن الجغرافيا لا تترك للمغرب وإسبانيا ترف اختيار طبيعة العلاقة بينهما، بقدر ما تفرض عليهما بناء شراكة استراتيجية بعيدة المدى، تتجاوز تقلبات الظرفية السياسية وتستند إلى المصالح العميقة والمشتركة.
فمضيق جبل طارق ليس مجرد خط يفصل بين ضفتين، ولا مجرد مجال جغرافي تتجاور عنده قارتان؛ إنه أحد أكثر المفاتيح حساسية في معادلة المتوسط، ونقطة التقاء بين أوروبا وأفريقيا، وممر تتقاطع عنده اعتبارات الأمن والاقتصاد والطاقة والهجرة والتجارة والجغرافيا السياسية. ومن ثم، فإن العلاقة المغربية الإسبانية، بحكم موقعها، تتجاوز في جوهرها حدود العلاقة الثنائية لتلامس أفقاً أوسع يتعلق بمستقبل الفضاء المتوسطي والأوروبي-الأفريقي برمته.
غير أن شراكة بهذا العمق لا يمكن أن تكتمل إذا ظلت بعض صفحات التاريخ مفتوحة على أسئلة السيادة والذاكرة والهوية. وفي مقدمة هذه الملفات تبرز قضية سبتة ومليلية، بما تختزنه من أبعاد تاريخية وسياسية وقانونية وأمنية، وبما تثيره من حساسيات تتجاوز الجغرافيا لتلامس جوهر التصورات التي يحملها كل طرف عن ماضيه ومصالحه ومستقبله.
وليس من الواقعية السياسية افتراض أن هذه القضية يمكن أن تجد تسوية فورية أو نهائية بمجرد توفر الإرادة السياسية. لكن ربما يكون السؤال الأكثر نضجاً، والأكثر جدوى من الناحية الاستراتيجية، ليس: متى وكيف تُحسم قضية سبتة ومليلية؟ وإنما سؤالاً يسبق ذلك ويؤسس له: كيف نبني، منذ الآن، الشروط الفكرية والسياسية والاستراتيجية التي تجعل تسوية هذه القضية ممكنة عندما تنضج الظروف؟
ذلك أن التاريخ السياسي يعلمنا أن القضايا المستعصية ليست بالضرورة قضايا مستحيلة. فبعضها لا يحتاج إلى مزيد من التصريحات، وإنما إلى زمن مختلف؛ وبعضها لا تنقصه الحلول بقدر ما ينقصه الإطار الذي يجعل التفكير فيها ممكناً. وهناك قضايا لا يمكن الانتقال بها من دائرة الصراع إلى دائرة التسوية إلا بعد أن تتغير اللغة التي تُطرح بها، والأدوات التي تُدار من خلالها، والصورة التي يتخيل بها كل طرف مستقبل علاقته بالطرف الآخر.
ولعل قضية سبتة ومليلية تنتمي، بدرجة كبيرة، إلى هذا النوع من القضايا. فهي لم تعد مجرد خلاف حول نقطتين جغرافيتين، وإنما أصبحت مع مرور الزمن حاملاً لطبقات متراكمة من المعاني: السيادة والهوية، التاريخ والذاكرة، الأمن والمصالح، القانون والسياسة، فضلاً عن ارتباطها بالسياق الأوروبي الأوسع وبموقع إسبانيا داخله.
ومن هنا، فإن أي تفكير جدي في مستقبل هذه القضية لا ينبغي أن يبدأ بالبحث المتعجل عن صيغة للحل، بل بالتوقف أولاً عند المعنى الذي تمثله القضية بالنسبة إلى كل طرف.
فبالنسبة إلى المغرب، ترتبط سبتة ومليلية بالتراب الوطني وبذاكرة تاريخية وسياسية ترى في وجود المدينتين امتداداً لواقع لم يُغلق ملفه بعد. أما بالنسبة إلى إسبانيا، فإن التعامل معهما يجري ضمن منظومة متشابكة من الاعتبارات التاريخية والقانونية والسياسية والأمنية، فضلاً عن اندراجهما في بنية الدولة الإسبانية وفي المجال الأوروبي الذي أصبحت حدوده ومصالحه وأمنه جزءاً من المعادلة.
وبين هذين التصورين المتداخلين والمتعارضين، استقر وضع قائم لعقود طويلة، حتى بدا في بعض الأحيان وكأنه قدر سياسي دائم، لا مجرد مرحلة تاريخية قابلة لإعادة النظر.
لكن هل ينبغي أن نظل أسرى لهذا الوضع القائم؟
وهل يمكن أن نتصور أن العلاقة المغربية الإسبانية قادرة على الانتقال من منطق إدارة الملفات العالقة إلى منطق إعادة تعريف العلاقة نفسها، بحيث لا تصبح قضية سبتة ومليلية عنواناً دائماً للتوتر، وإنما جزءاً من مسار أوسع لإعادة بناء الثقة وتوسيع المصالح المشتركة وتهيئة شروط تسوية تاريخية أكثر نضجاً واستدامة؟
هنا تحديداً يبدأ التفكير الاستراتيجي الحقيقي.
فالتفكير الاستراتيجي لا يبدأ دائماً من السؤال عن الحل الممكن الآن، وإنما يبدأ أحياناً من سؤال أكثر عمقاً: ما الذي ينبغي أن يتغير في الواقع وفي الوعي وفي بنية العلاقة حتى يصبح الحل ممكناً غداً؟
وهذا التحول في صياغة السؤال ليس مجرد تمرين لغوي؛ إنه انتقال من منطق انتظار اللحظة المناسبة إلى منطق صناعة شروطها، ومن محاولة كسر المواقف المتصلبة إلى إعادة تشكيل البيئة التي تجعل التوافق أقل كلفة وأكثر قابلية للحياة.
ولذلك، فإن مستقبل سبتة ومليلية قد لا يُحسم بالضرورة في لحظة سياسية واحدة، ولا عبر صفقة منفردة، وإنما قد يتشكل تدريجياً من خلال تراكم الثقة، وتوسيع الاعتماد المتبادل، وإعادة تعريف المصالح المشتركة، وتطوير آليات للحوار الاستراتيجي، وصولاً إلى بناء تصور جديد للعلاقة بين المغرب وإسبانيا يجعل ما كان يبدو مستحيلاً اليوم قابلاً للنقاش غداً.
فالتسويات التاريخية الكبرى لا تولد عادة عندما تختفي الخلافات، وإنما عندما تصبح إدارة الخلاف أقل أهمية من بناء المستقبل المشترك.
ومن هذه الزاوية، فإن السؤال حول سبتة ومليلية لا ينبغي أن يُطرح فقط باعتباره سؤالاً عن نهاية وضع تاريخي، وإنما باعتباره سؤالاً عن شكل العلاقة التي نريد بناءها بعد هذا الوضع.
وهنا تكمن المسألة الأعمق:
هل يستطيع المغرب وإسبانيا أن ينتقلا من إدارة إرث التاريخ إلى صناعة مستقبل يتجاوز هذا الإرث؟
إذا كان الجواب نعم، فإن البحث في قضية سبتة ومليلية لن يعود بحثاً عن تسوية مستحيلة، وإنما بحثاً عن الطريق الطويل الذي يجعل التسوية ممكنة.
وهنا، تحديداً، يبدأ الرهان الحقيقي: ليس كيف نُنهي خلافاً عمره قرون، وإنما كيف نبني علاقة تجعل إنهاء هذا الخلاف جزءاً من منطق التاريخ المقبل، لا أسيراً لتاريخ الأمس.
عندما لا تكون المشكلة في الحل وإنما في معنى المشكلة
كل قضية سياسية طويلة الأمد تتحول، مع مرور الزمن، من مجرد وقائع إلى منظومة من المعاني.
الأرض تصبح ذاكرة.
والحدود تصبح هوية.
والسيادة تصبح رمزاً.
والخلاف يتحول إلى جزء من الوعي الوطني.
وعندما يحدث ذلك، يصبح تغيير الواقع أصعب بكثير من مجرد تغيير صيغة سياسية.
لأنك لا تتعامل فقط مع مصالح متعارضة، بل مع معانٍ متعارضة.
ومن هنا فإن التفكير الاستراتيجي الجاد لا ينبغي أن يبدأ مباشرة بالسؤال: ما الحل؟
بل ينبغي أن يعود خطوة إلى الوراء ويسأل:
ما معنى المشكلة أصلاً؟
وهذه ليست مسألة فلسفية بعيدة عن السياسة.
إنها في صميم الذكاء الاستراتيجي.
لأن من يحدد معنى المشكلة يحدد، بصورة غير مباشرة، دائرة الحلول الممكنة.
إذا كان معنى سبتة ومليلية هو أن هناك أرضاً يحتفظ بها طرف ويطالب بها طرف آخر، فإن مساحة التفكير ستظل محصورة في سؤال السيادة وحده.
أما إذا أصبح معنى المسألة أنها إرث تاريخي معقد، يتداخل فيه التراب والسيادة والذاكرة والسكان والأمن والاقتصاد والموقع الجيوسياسي، وأن المطلوب هو تحويل هذا الإرث إلى مستقبل مستقر، فإن دائرة الحلول تتسع بصورة هائلة.
وهنا يبدأ الفرق بين إدارة المشكلة وإعادة تعريف المشكلة.
الأولى تبحث عن كيفية احتواء التوتر.
أما الثانية فتبحث عن كيفية تغيير الشروط التي تجعل التوتر قابلاً لإعادة إنتاج نفسه.
من إدارة الخلاف إلى صناعة شروط الحل
لقد اعتدنا في العلاقات المغربية–الإسبانية على معادلة بسيطة:
عندما تبرز الملفات الحساسة، يجري احتواؤها.
وعندما تهدأ، يتم تجاوزها.
وعندما تعود إلى الواجهة، تبدأ جولة جديدة من إدارة الأزمة.
وهكذا تستمر العلاقة.
لكن إدارة الخلاف ليست هي حل الخلاف.
والتأجيل المتكرر قد يكون أحياناً أخطر من المواجهة نفسها، لأنه لا يزيل المشكلة وإنما ينقلها إلى المستقبل، حيث قد تعود في ظروف أكثر تعقيداً.
لذلك فإن البديل لا ينبغي أن يكون فتح مواجهة جديدة حول السيادة، ولا مطالبة أي طرف بالتخلي عن مواقفه.
هناك مساحة ثالثة أكثر ذكاءً:
صناعة شروط الحل قبل التفاوض حول الحل.
وهذا يعني أن السؤال الذي ينبغي أن يشغل التفكير المغربي–الإسباني اليوم ليس فقط: ماذا سنفعل بسبتة ومليلية؟
بل:
كيف نريد أن تكون منطقة المضيق بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟
ما طبيعة العلاقة التي نريدها بين شمال المغرب وجنوب إسبانيا؟
كيف يمكن أن يصبح المضيق مجالاً للطاقة والنقل والاقتصاد الأزرق والمياه والبحث العلمي والتكنولوجيا؟
كيف يمكن أن تتحول الجغرافيا من مصدر للحساسية إلى مصدر للقوة؟
وكيف يمكن معالجة الملفات التاريخية من دون أن تتحول التسوية نفسها إلى مصدر جديد لعدم الاستقرار؟
هذه الأسئلة لا تحتاج في بدايتها إلى مفاوضين رسميين.
إنها تحتاج إلى مفكرين وباحثين وخبراء ودبلوماسيين سابقين يستطيعون التفكير بحرية في الاحتمالات التي قد تكون الحكومات، لأسباب مفهومة، غير قادرة على طرحها علناً في هذه المرحلة.
لماذا دبلوماسية الفكر؟
لأن السياسة الرسمية تتحرك داخل حدود محددة.
هناك الموقف الوطني، وهناك الرأي العام، وهناك البرلمان، وهناك الانتخابات، وهناك التحالفات، وهناك الاعتبارات الأمنية، وهناك اللغة التي تستطيع الحكومة أن تستخدمها من دون أن تخلق أزمة داخلية.
أما مراكز التفكير والجامعات، فلديها مساحة مختلفة.
يمكنها أن تختبر الفرضيات، أن تقارن التجارب الدولية، أن تدرس السيناريوهات، أن تضع الاحتمالات القصوى، أن تفكر في الحلول الانتقالية، أن تستضيف المختلفين.
وأن تقول ما لا تستطيع الحكومات أن تقوله بسهولة.
ولهذا فإن دبلوماسية الفكر لا تنافس الدبلوماسية الرسمية، وإنما تسبقها.
فالتسويات التاريخية الكبرى لا تولد دائماً في قاعات التفاوض.
كثير منها يبدأ في دوائر الفكر، وفي الجامعات، وفي مراكز الدراسات، وفي اللقاءات المغلقة التي تتيح للأفكار أن تُختبر بعيداً عن ضجيج السياسة.
إن أقصر طريق إلى السياسة قد يكون أحياناً هو الطريق الذي يمر أولاً عبر الفكر.
التفكير خارج الصندوق: لماذا نبدأ بالمضيق لا بسبتة ومليلية؟
قد يكون من الخطأ الاستراتيجي أن نضع سبتة ومليلية في مركز الحوار منذ اللحظة الأولى.
ليس لأنهما غير مهمتين، بل لأن حساسيتهما قد تغلق النقاش قبل أن يبدأ.
ولهذا يمكن أن يكون التفكير خارج الصندوق هو أن نبدأ من شيء لا يختلف عليه الطرفان:
الجغرافيا المشتركة.
لنبدأ بالسؤال:
كيف نريد أن تكون منطقة المضيق سنة 2050؟
فجأة تتغير طبيعة النقاش.
هل سيكون المضيق منطقة حدود فقط؟
أم محوراً استراتيجياً بين أوروبا وأفريقيا؟
هل سيكون شمال المغرب وجنوب إسبانيا مجرد منطقتين متجاورتين؟
أم يمكن أن يتحولا إلى أحد أكثر فضاءات التكامل الاقتصادي والتكنولوجي والطاقي في غرب المتوسط؟
هل يمكن أن يصبح المغرب عمقاً إسبانياً وأوروبياً نحو أفريقيا والعالم العربي؟
وهل يمكن أن تصبح إسبانيا عمقاً مغربياً وأفريقياً نحو أوروبا؟
هل يمكن تحويل الموقع الجغرافي للبلدين من مصدر للحساسيات إلى مضاعف للقوة المشتركة؟
ثم، بعد بناء هذه الصورة المستقبلية، يأتي السؤال الأكثر حساسية:
أين ستكون سبتة ومليلية داخل هذا المستقبل؟
وهنا نكون قد قلبنا طريقة التفكير.
لم نعد نبحث عن مستقبل للمضيق انطلاقاً من خلافاته.
بل نبحث عن مستقبل للخلافات داخل تصور أوسع للمضيق.
وهذه نقلة استراتيجية أساسية.
من «من يملك الماضي؟» إلى «ما المستقبل الذي نريده؟»
لا يحتاج المغرب إلى التخلي عن ذاكرته التاريخية أو عن موقفه السيادي لكي يكون شريكاً لإسبانيا.
وبالمثل، لا تحتاج إسبانيا إلى التخلي عن مصالحها أو قناعاتها لكي تدخل في حوار تاريخي وبناء مع المغرب.
المطلوب ليس تنازلاً مسبقاً.
بل شيء أكثر صعوبة وأكثر نضجاً:
القبول بأن الوضع القائم ليس بالضرورة أفضل مستقبل ممكن.
وهنا يمكن لمنهج المعنى أن يفتح باباً جديداً.
فبدلاً من أن نسأل:
هل تتنازل إسبانيا؟
أو:
هل يتخلى المغرب عن مطالبته؟
يمكن أن نسأل:
ما معنى التسوية التي نريدها؟
إذا كان معناها أن يخرج طرف منتصراً وآخر مهزوماً، فسوف تكون التسوية نفسها مصدراً لمقاومة مستقبلية.
أما إذا كان معناها إنهاء إرث تاريخي من التوتر، وحماية مصالح السكان، وصيانة الكرامة والسيادة، وتحقيق الاستقرار، وتحويل المضيق إلى فضاء للتكامل، فإن البحث عن الحل سيأخذ اتجاهاً مختلفاً.
هنا يصبح المعنى سابقاً على الصيغة.
ولا تعود الصيغة هدفاً في حد ذاتها.
بل تصبح وسيلة لتحقيق معنى أكبر.
لا نحتاج إلى حل جاهز… بل إلى مختبر للحلول
هذه النقطة في غاية الأهمية. ليس المطلوب اليوم أن نقترح صيغة نهائية لسبتة ومليلية.
لأن طرح حل جاهز قبل نضج الظروف قد يؤدي إلى العكس تماماً.
المطلوب هو إنشاء مختبر للحلول.
مختبر مغربي–إسباني مستقل، يضم باحثين في القانون الدولي، والاستراتيجية، والاقتصاد، والأمن، والعلوم السياسية، وعلم الاجتماع، إضافة إلى دبلوماسيين سابقين وشخصيات من المجتمع المدني والقطاع الاقتصادي.
وظيفة هذا المختبر ليست التفاوض.
بل استكشاف فضاء الحلول.
ما النماذج الدولية التي يمكن دراستها؟
ما إمكانات الترتيبات الخاصة؟
ما الصيغ الانتقالية؟
ما أشكال التكامل الاقتصادي التي يمكن أن تتجاوز الحدود السياسية؟
ما الضمانات التي يمكن أن تحمي السكان؟
ما الدور الذي يمكن أن يؤديه الاتحاد الأوروبي؟
ما المخاطر في كل سيناريو؟
وما الشروط التي تجعل كل خيار قابلاً للحياة؟
إن دراسة هذه الخيارات لا تعني تبنيها.
بل إن عدم دراستها قد يكون هو الأخطر.
فالدولة التي لا تدرس سيناريوهات المستقبل لا تحافظ على خياراتها؛ إنها تتنازل عنها من حيث لا تدري.
الذكاء الاستراتيجي لا يبحث عن «الحل الأمثل» بل عن «الحل الممكن تاريخياً»
وهنا ينبغي أن نكون أكثر واقعية.
في القضايا الكبرى، قد لا يكون الحل الأفضل نظرياً هو الحل الممكن سياسياً.
والذكاء الاستراتيجي لا يتجاهل هذه الحقيقة.
بل يبحث عن المسافة بين ما نريده وما يمكن تحقيقه، ثم يعمل على تقليصها عبر الزمن.
لذلك يمكن التفكير في التسوية باعتبارها مساراً، لا لحظة.
مرحلة لبناء الثقة.
ثم مرحلة لتوسيع التكامل.
ثم مرحلة لإنتاج ترتيبات خاصة.
ثم مرحلة لإشراك السكان.
ثم مرحلة لإيجاد ضمانات قانونية ومؤسساتية.
ثم، عندما تنضج البيئة السياسية، يمكن الانتقال إلى الملفات السيادية الأكثر حساسية.
بهذه الطريقة لا يكون الزمن عائقاً.
بل يصبح أداة استراتيجية.
وهذا هو التفكير خارج الصندوق الحقيقي الذي ندعو الى تبنيه:
ألا نسأل فقط كيف نحل المشكلة الآن، وإنما كيف نغير البيئة بحيث يصبح حلها غداً أسهل مما هو عليه اليوم.
السكان: من موضوع للتسوية إلى شريك في المستقبل
هناك بعد آخر ينبغي ألا يغيب.
أي تسوية مستقبلية لا يمكن أن تكون مجرد تفاوض بين دولتين فوق رؤوس السكان.
فالناس الذين يعيشون في سبتة ومليلية ليسوا رقماً في معادلة السيادة.
لهم مصالح اقتصادية واجتماعية وثقافية.
لهم ذاكرة.
ولهم مخاوف.
ولهم مستقبل.
ولهذا ينبغي أن يكون أحد المعاني المؤسسة لأي تسوية مستقبلية هو:
لا تغيير تاريخي من دون ضمان تاريخي لمصالح الإنسان.
وهذا يفتح مجالاً واسعاً أمام التفكير في الضمانات الاقتصادية والاجتماعية والقانونية، وفي آليات الانتقال، وفي حماية الحقوق، وفي استمرار الروابط الاقتصادية والاجتماعية، وفي منع أي تسوية من إنتاج حالة جديدة من القلق أو عدم الاستقرار.
إن نجاح التسوية لا يقاس فقط بمن يحصل على ماذا.
بل يقاس أيضاً بما إذا كان الناس سيشعرون أن المستقبل الذي جاءت به أفضل من الماضي الذي عرفوه.
من المغرب وإسبانيا إلى أوروبا: توسيع دائرة الحل
لا ينبغي أن يبقى التفكير في مستقبل سبتة ومليلية محصوراً في إطار ثنائي.
فالمغرب وإسبانيا يتحركان داخل فضاء أوروبي ومتوسطي وأفريقي متداخل.
والمضيق ليس مجرد حد فاصل بين بلدين.
إنه إحدى أهم نقاط الالتقاء بين قارتين.
ولهذا فإن أي تحول في طبيعة العلاقة بين المغرب وإسبانيا ستكون له انعكاسات تتجاوزهما.
وهنا يمكن أن يصبح الاتحاد الأوروبي جزءاً من التفكير في الحل، لا باعتباره حكماً بين طرفين، وإنما باعتباره فضاءً يمكن أن يوفر ضمانات وآليات اقتصادية ومؤسساتية لأي ترتيبات مستقبلية.
وهذه نقطة مهمة.
فبدلاً من تقديم قضية سبتة ومليلية إلى أوروبا باعتبارها مشكلة إضافية، يمكن تقديمها في أفق بعيد باعتبارها اختباراً لقدرة أوروبا على التفكير في نموذج جديد للعلاقات بين ضفتي المتوسط.
أي تحويل الملف من سؤال حدودي إلى سؤال أوروبي–أفريقي أوسع.
وهذه، مرة أخرى، هي قوة تغيير المعنى.
من مراكز التفكير إلى صناعة التأثير
إذا كان لهذا المشروع أن ينجح، فلا ينبغي أن يبدأ بمحاولة إقناع الجميع، ولا بطرح قضية سبتة ومليلية باعتبارها معركة مواقف، وإنما ببناء شبكة من المعرفة والثقة والمصالح المشتركة.
يبدأ ذلك بعدد محدود من الباحثين المغاربة والإسبان، ثم يمتد إلى مراكز التفكير والجامعات، فالدبلوماسيين السابقين ورجال الأعمال والبرلمانيين، إلى أن تتراكم المعرفة والثقة بما يكفي لتصل الأفكار، بصورة طبيعية، إلى دوائر القرار والمؤسسات الرسمية.
وفي هذا المسار، يمكن لمؤسسات مغربية، مثل مركز مكين للذكاء الاستراتيجي والمجلس المغربي للشؤون الخارجية، أن تؤدي دوراً نوعياً وغيرهما؛ لا باعتبارها ممثلة للدولة أو طرفاً في أي مفاوضات، وإنما باعتبارها منصات مغربية لإنتاج المعرفة الاستراتيجية، وفتح قنوات الحوار وبناء الجسور مع مراكز التفكير الإسبانية والأوروبية.
والأهم أن تكون المبادرة المغربية مبادرة اقتراح لا مبادرة ضغط. فلا نقول للباحث الإسباني: تعال واقبل موقفنا، وإنما نقول له: تعال لنفكر معاً في صورة المستقبل الذي سيجد المغرب وإسبانيا نفسيهما، بحكم الجغرافيا والمصالح والتاريخ، شريكين في بنائه.
وهذه اللغة أكثر ذكاءً وواقعية؛ لأنها لا تطلب من الآخر التخلي عن هويته أو مواقفه، وإنما تدعوه إلى التفكير في مستقبله ومصلحته، وفي طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تجمعه بالمغرب.
ومن هنا، نوجه الدعوة إلى الطرف الإسباني للانخراط في هذه الدينامية، بعيداً عن السجال المتكرر حول المواقف السيادية، وضمن نقاش استراتيجي هادئ حول مستقبل العلاقة المغربية–الإسبانية ومستقبل منطقة المضيق. وهناك في إسبانيا فضاءات فكرية وأكاديمية قادرة على احتضان هذا النقاش، في مقدمتها المعهد الملكي إلكانو (Real Instituto Elcano)، وجامعة قادس ومشروع جيوإستريتشو (GEOESTRECHO)، إلى جانب باحثين من طينة أليخاندرو ديل فايي غالفيس (Alejandro del Valle Gálvez) وإينماكولادا غونثالث غارسيا (Inmaculada González García)، ومؤسسات مثل مؤسسة ألترناتيفاس (Fundación Alternativas) ومركز برشلونة للشؤون الدولية (CIDOB).
وتبقى الدعوة مفتوحة أمام كل من يريد الالتحاق بهذه الدينامية، من المغاربة والإسبان، والمساهمة في بناء جسور جديدة للحوار والتفكير المشترك، بما يخدم مستقبلاً أكثر استقراراً وتكاملاً بين البلدين.
ولا يتعلق الأمر بالبحث عن أصوات إسبانية تتبنى الموقف المغربي، وإنما عن شركاء قادرين على التفكير في القضية خارج منطق الأزمة الدورية، ووضع سبتة ومليلية ضمن رؤية أوسع لمستقبل المضيق والعلاقات المغربية–الإسبانية–الأوروبية.
فالمطلوب ليس أن نبدأ بالسؤال: كيف تُحسم القضية؟ بل بسؤال أكثر عمقاً واستشرافاً: كيف نبني معاً الشروط السياسية والاقتصادية والاستراتيجية التي تجعل تسويتها ممكنة عندما تنضج الظروف؟
فالمستقبل المشترك لا يُبنى بتجاوز الخلافات دفعة واحدة، وإنما ببناء ما يكفي من الثقة والمصالح والمعرفة المشتركة حتى يصبح تجاوزها، في لحظة ما، نتيجة طبيعية لمسار طويل.
«المضيق 2050»: من فكرة إلى مشروع استراتيجي لصناعة المستقبل
يمكن لهذه الرؤية أن تنتقل من مستوى الفكرة إلى مستوى المشروع، ومن التأمل في المستقبل إلى المساهمة في صناعته، من خلال إطلاق مبادرة مغربية–إسبانية تحت عنوان: «المضيق 2050: مبادرة لصناعة المستقبل».
وتنطلق المبادرة من سؤال يبدو بسيطاً في صياغته، لكنه عميق في دلالته: كيف نريد أن يكون غرب المتوسط سنة 2050؟
ومن هذا السؤال الكبير تتفرع ورشات عمل متخصصة حول القضايا التي ستحدد مستقبل المنطقة: الأمن البحري، والطاقة والربط الكهربائي، والمياه، والموانئ واللوجستيك، والهجرة والتنمية، والاقتصاد الأزرق، والذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، والتغير المناخي، والبحث العلمي.
وبعد بناء أرضية مشتركة حول هذه الملفات، يمكن الانتقال إلى الأكثر حساسية: الملفات التاريخية والترابية، وفي مقدمتها سبتة ومليلية.
لكن المقاربة هنا يجب أن تكون مختلفة. فلا نبدأ بالسؤال: ما صيغة التسوية؟ وإنما بالسؤال الذي يسبق كل تسوية: ما المستقبل الذي نريد أن تحققه؟
ما الذي ينبغي أن تضيفه التسوية إلى أمن المغرب وإسبانيا واستقرارهما وازدهارهما؟ وما الشكل الذي نريده للعلاقة بين البلدين ولمنطقة المضيق؟ ثم تُبنى السيناريوهات الممكنة، وتُختبر مخاطرها وكلفتها، وتُدرس شروط الانتقال إليها.
بهذا المنهج، لا تعود التسوية صفقة سياسية مفاجئة رهينة بلحظة عابرة، وإنما تتحول إلى مسار استراتيجي متعدد المراحل، تتقدم فيه المعرفة قبل السياسة، وتتراكم فيه الثقة قبل التفاوض، وتتقاطع فيه المصالح قبل صياغة الاتفاقات.
تغيير البيئة قبل انتظار التسوية
علينا أن نكون متواضعين أمام التاريخ. فلا مركز تفكير، ولا مبادرة بحثية، تستطيع أن تحل في سنوات قليلة قضية تراكمت عبر قرون.
لكن ما يمكن فعله، وربما يكون أكثر أهمية، هو تغيير البيئة الفكرية التي تجعل الحل مستحيلاً.
أن يصبح النقاش حول السيناريوهات ممكناً ومشروعاً. وأن تتشكل شبكة من الباحثين المغاربة والإسبان يعرف بعضهم بعضاً، وتتراكم بينهم الثقة والخبرة المشتركة. وأن تنشأ لغة جديدة للحوار، وتتوسع الدراسات، وتُختبر الخيارات، وتُفهم مخاوف كل طرف قبل أن يصل السياسيون إلى طاولة التفاوض.
وعندما تأتي اللحظة السياسية المناسبة، لن تبدأ الدول من الصفر؛ ستجد أمامها بنية فكرية واستراتيجية ناضجة، صاغتها سنوات من البحث والحوار والاختبار.
وهنا تصبح مراكز التفكير أكثر من مجرد مؤسسات تراقب التاريخ؛ تصبح جزءاً من صناعة شروطه المقبلة.
الجسر الفكري يسبق الجسر السياسي
من أكبر الأخطاء الاستراتيجية أن ننتظر اللحظة السياسية حتى نبدأ في التفكير. الأصح هو أن نبدأ التفكير الآن حتى تكون السياسة مستعدة عندما تأتي اللحظة.
فالجسور السياسية لا تُبنى في يوم واحد. أساسها المعرفة، ثم الثقة، ثم الحوار، ثم السيناريوهات، ثم اللغة المشتركة، ثم الخيارات.
ومن هنا يمكن أن تتحول دبلوماسية الفكر إلى إحدى أدوات الذكاء الاستراتيجي المغربي: دبلوماسية لا تعمل ضد إسبانيا، وإنما تفتح معها مجالاً للتفكير؛ ولا تنتقص من المصالح الوطنية، وإنما تبحث عن تأمينها داخل أفق أبعد؛ ولا تسعى إلى دفن التاريخ، وإنما إلى تحرير المستقبل من أن يبقى أسيراً له.
من «من يملك الماضي؟» إلى «من يصنع المستقبل؟»
ربما تكون أهم خطوة هي تغيير السؤال نفسه.
فبدلاً من أن نسأل: من يملك الماضي؟، علينا أن نسأل: من يملك القدرة على صناعة المستقبل؟
وبدلاً من الاقتصار على سؤال: من ينتصر في ملف السيادة؟، يمكن أن نسأل: ما المستقبل الذي يجعل المغرب وإسبانيا أكثر أمناً واستقراراً وازدهاراً؟
عندها لا تعود الحدود مجرد خطوط تفصل بين مجالين، بل تتحول إلى نقاط تتقاطع عندها المصالح، ولا يعود التاريخ قيداً يشل الحركة، وإنما يصبح مادة لفهم أسباب الخلاف وكيفية تجاوزه.
وهنا يتجاوز التفكير الاستراتيجي وظيفته التقليدية في تفسير الواقع، ليصبح أداة لإعادة تشكيل معنى الواقع نفسه. وعندما يتغير معنى العلاقة، يتغير موقع التاريخ داخلها: فلا يعود عبئاً يهدد المستقبل، بل إرثاً يمكن فهمه وإدارته وتجاوزه. ومن هنا تبدأ ملامح العلاقة التي نحتاج إلى بنائها: علاقة لا تخاف من تاريخها.
علاقة لا تخاف من تاريخها
العلاقة الناضجة ليست تلك التي تتفق على كل شيء، وإنما تلك التي تستطيع أن تختلف دون أن تنهار.
والمغرب لا يحتاج إلى التخلي عن ذاكرته التاريخية أو موقفه السيادي حتى يكون شريكاً لإسبانيا، كما أن إسبانيا لا تحتاج إلى التخلي عن مصالحها وقناعاتها حتى تنخرط في حوار تاريخي وبناء مع المغرب.
ما يحتاجه الطرفان هو تجاوز فكرة أن الاعتراف بمصالح الآخر يمثل بالضرورة تنازلاً عن الذات.
فالتسوية ليست دائماً هزيمة، بل قد تكون، في لحظات معينة، أعلى أشكال القوة السياسية؛ لأنها تضع حداً لنزاع قد ترثه أجيال لم تكن هي التي صنعته.
والنجاح الحقيقي ليس أن يشعر طرف بأنه انتصر والآخر بأنه خسر، وإنما أن نصل إلى مستقبل لا يحتاج فيه أي طرف إلى هزيمة الآخر حتى يشعر بالأمان.
من منطقة الخلاف إلى منطقة الريادة
وربما تكمن المفارقة الكبرى في أن أكثر نقاط العلاقة حساسية اليوم يمكن أن تصبح غداً أكثرها إشعاعاً.
فسبتة ومليلية يمكن، في أفق تسوية تاريخية، أن تنتقلا من رمز للخلاف إلى نموذج للتكامل. ويمكن للمضيق أن يتحول من خط فصل إلى محور للربط، وللساحلين أن يصبحا فضاءً اقتصادياً وعلمياً وتكنولوجياً متكاملاً، كما يمكن للذاكرة التاريخية أن تنتقل من ساحة للتجاذب حول الروايات إلى مجال للبحث الأكاديمي المشترك.
وإذا تحقق ذلك، فلن يكون المغرب وإسبانيا قد عالجا قضية ثنائية فحسب، بل سيكونان قد قدما للعالم نموذجاً مختلفاً في تحويل إرث الصراع إلى بنية للتعاون، وتحويل أكثر الملفات حساسية إلى مدخل لصناعة المستقبل.
المستقبل لا يُورث… بل يُهندس
نحن بحاجة اليوم إلى شجاعة استراتيجية من نوع مختلف؛ ليست شجاعة رفع سقف الخطاب، ولا شجاعة التصعيد، ولا شجاعة إنكار مصالح الآخر، وإنما شجاعة التفكير فيما لم نفكر فيه من قبل.
أن نسأل عن المستقبل قبل أن نتشاجر حول الماضي.
أن نبني السيناريوهات قبل أن نختار الحلول.
أن ننتج المعرفة قبل أن نطلب من السياسة اتخاذ القرار.
وأن نعيد بناء معنى العلاقة قبل أن نطلب منها أن تحمل تسوية تاريخية.
ومن هنا يمكن لمشروع «المضيق 2050» أن يتجاوز كونه مبادرة بحثية ليصبح مختبراً للذكاء الاستراتيجي المغربي–الإسباني؛ مختبراً لا يبحث فقط عن حل لسبتة ومليلية، وإنما عن إعادة تعريف المنطقة التي توجدان فيها، والعلاقة التي تربط البلدين، والمصالح التي تجمعهما، والمستقبل الذي يستطيعان أن يصنعاه معاً.
فالمسألة في النهاية ليست فقط: كيف نحل خلافاً عمره قرون؟
بل السؤال الأكبر: كيف نبني مستقبلاً يجعل هذا الخلاف، بعد أن كان عنواناً للصراع، جزءاً من قصة نجاح مشتركة؟
ذلك هو الرهان الحقيقي لـ«المضيق 2050»: أن ننتقل من إدارة إرث التاريخ إلى هندسة المستقبل.
الخلاصة: حين يصبح الحل نتيجة لمعنى جديد
إن السؤال الحقيقي الذي ينبغي أن يواجه المغرب وإسبانيا اليوم ليس فقط: كيف نحافظ على علاقتنا رغم الخلاف؟ بل السؤال الأعمق والأكثر استراتيجية: كيف نعيد بناء هذه العلاقة بطريقة تجعل معالجة الخلاف جزءاً من تطورها الطبيعي، لا عائقاً دائماً أمام مستقبلها؟
من هنا يصبح «المعنى» نقطة البداية. فإذا ظل معنى العلاقة محصوراً في حسن الجوار وإدارة الأزمات، فإن الخلافات التاريخية ستظل قادرة على العودة كلما تبدلت الظروف. أما إذا أعيد تعريفها باعتبارها شراكة استراتيجية تاريخية في بناء فضاء أوروبي–أفريقي–عربي جديد، فإن الملفات العالقة ستجد نفسها، تلقائياً، داخل إطار أكبر منها، وستتحول من مصادر للتوتر إلى قضايا ينبغي إيجاد مكان لها داخل هندسة مستقبلية مشتركة.
وعندها لن يكون المطلوب أن نحل التاريخ أولاً حتى نتمكن من بناء المستقبل، بل أن نبني المستقبل بطريقة تجعل حل التاريخ ممكناً.
وهنا يكمن جوهر الذكاء الاستراتيجي: ألا نحاول فقط تغيير النتائج، بل أن نعيد تشكيل الشروط التي تنتج تلك النتائج.
لذلك، فإن المبادرة التي يمكن أن تبدأ اليوم لا ينبغي أن تحمل عنوان «حل سبتة ومليلية»، لأن ذلك سيضعها منذ البداية داخل أكثر دوائر الخلاف حساسية. الأجدى أن تبدأ بعنوان أوسع وأكثر استشرافاً: «المضيق 2050: نحو معنى استراتيجي جديد للعلاقة المغربية–الإسبانية».
ومن داخل هذا الإطار يمكن إعادة قراءة كل العناصر التي تصنع مستقبل المنطقة: الجغرافيا، والاقتصاد، والأمن، والطاقة، والمياه، والسكان، والحدود، والتاريخ والسيادة. ثم نطرح السؤال الحاسم: ما الحلول التي يقتضيها المستقبل الذي نريد بناءه؟
عندها يصبح الحل نتيجة للمسار، لا نقطة انطلاق له؛ وتصبح التسوية التاريخية جزءاً من هندسة استراتيجية أوسع، لا صفقة منفصلة يمكن أن تهددها أول أزمة سياسية.
وقد لا يكون الإنجاز التاريخي الذي نستطيع تحقيقه اليوم هو توقيع اتفاق بشأن سبتة ومليلية، وإنما بناء البيئة التي تجعل مثل هذا الاتفاق، عندما تنضج شروطه، قابلاً للتصور والتفاوض والقبول.
فالتسويات الكبرى لا تبدأ يوم يجلس السياسيون إلى الطاولة. إنها تبدأ قبل ذلك بكثير: حين تتغير الأسئلة، وتتغير اللغة، وتتسع دائرة الممكن، ويتعلم المختلفون أن يفكروا معاً من دون أن يطلب أحد منهم التخلي عن هويته أو مواقفه.
وعندما يصبح المستقبل الذي نريد بناءه أقوى من الخلاف الذي ورثناه، تتحول التسوية من حلم سياسي بعيد إلى احتمال استراتيجي قابل للتحقق.
لقد حكمت الجغرافيا بأن يكون المغرب وإسبانيا جارين، وجعل التاريخ منهما، في مراحل كثيرة، خصمين وشريكين في آن واحد. أما المستقبل، فلم يُكتب بعد.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن تطرحه الرباط ومدريد اليوم ليس: كيف نتعايش مع خلافاتنا إلى الأبد؟ بل: كيف نصنع معاً واقعاً استراتيجياً جديداً يجعل حل خلافاتنا جزءاً من بناء مستقبل أكبر منها؟
وربما يكون هذا هو الطريق الأكثر واقعية نحو تسوية تاريخية لا يبحث فيها أحد عن مهزوم أو منتصر؛ لأن الرهان الحقيقي لن يكون على انتصار طرف على آخر، وإنما على انتصار المستقبل على إرث الصراع.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط




