المغرب وإسبانيا: حين تفرض الجغرافيا شراكة استراتيجية وتتطلب الحكمة تسوية ملفات التاريخ

نحو عقيدة استراتيجية جديدة تتجاوز الظرفية، وتحوّل مضيق جبل طارق من خطّ تماس إلى محور حضاري بين أوروبا وأفريقيا

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

هناك علاقات بين الدول تصنعها الحكومات، وعلاقات تصنعها المصالح، وعلاقات أعمق تصنعها الجغرافيا والتاريخ.

أما العلاقة بين المغرب وإسبانيا، فهي من النوع الثالث.

إنها علاقة لا تستطيع السياسة أن تبدأها، ولا تستطيع السياسة نفسها أن تنهيها.

فالمغرب وإسبانيا لم يختارا الجوار؛ لقد فرضته عليهما الجغرافيا. ولم يخترعا تاريخهما المشترك؛ لقد صنعته قرون من التفاعل والصراع والتبادل والهجرة والحروب والتجارة والثقافة. أما المصالح الاستراتيجية المعاصرة، فقد جاءت لتضيف إلى هذه الحقيقة التاريخية حقيقة جديدة: أن أمن أحد البلدين واستقراره وازدهاره أصبح، في مجالات عديدة، متشابكاً مع أمن الآخر واستقراره وازدهاره.

ومن هنا ينطلق هذا المقال بطرح قد يبدو جريئا، لكنه في تقديري أصبح ضروريا:

العلاقة المغربية–الإسبانية لا ينبغي أن تُدار بوصفها علاقة ثنائية عادية، ولا بوصفها سلسلة من الأزمات والتهدئات؛ بل ينبغي أن تتحول إلى عقيدة استراتيجية طويلة المدى، تتعامل مع الجغرافيا باعتبارها ثابتاً، ومع التاريخ باعتباره مسؤولية، ومع المستقبل باعتباره مشروعاً مشتركاً.

والأهم من ذلك: أن هذه العقيدة لا يمكن أن تكون مكتملة ما لم تمتلك شجاعة النظر في الملفات التي ظل الطرفان يؤجلانها، وفي مقدمتها ملف سبتة ومليلية والجزر والصخور الواقعة على الساحل المغربي.

ليس بهدف تفجير العلاقة. بل ربما، للمفارقة، بهدف تحريرها من أكثر ما يهددها: الملفات المؤجلة.

المشكلة ليست في الخلاف… بل في أن يصبح الخلاف هو تعريف العلاقة

من السهل أن تُقرأ العلاقات المغربية–الإسبانية من خلال أزماتها المتعاقبة: من أزمة الهجرة إلى أزمة جزيرة ليلى، ومن تداعيات استقبال إبراهيم غالي إلى فترات التوتر الدبلوماسي، مروراً بالخلافات الاقتصادية وملفات الصيد البحري وتباين المواقف السياسية بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية. وهذه القراءة، وإن كانت تلتقط جانباً من حقيقة العلاقة وتوثق لحظات التوتر والانفراج فيها، فإنها تظل، من منظور استراتيجي، أسيرة للسطح المتغير للأحداث، لأنها تنظر إلى العلاقة من خلال ما يتبدل، لا من خلال ما يبقى؛ ومن خلال الظرفي والعابر، لا من خلال البنية العميقة التي تمنح العلاقة معناها واستمراريتها.

والتفكير الاستراتيجي يبدأ تحديداً من هنا: من القدرة على التمييز بين ما يتغير وما لا يتغير، وبين ما تفرضه اللحظة وما تفرضه الجغرافيا والتاريخ والمصالح بعيدة المدى. فالحكومات تتعاقب، والأحزاب تصل إلى السلطة ثم تغادرها، والسياسات الاقتصادية تتبدل تبعاً للظروف، وأسعار الطاقة ترتفع وتنخفض، وأولويات الاتحاد الأوروبي تتغير مع تحولات النظام الدولي، كما أن ملفات الهجرة والأمن والتجارة التي تحتل صدارة الاهتمام اليوم قد تتخذ غداً أشكالاً مختلفة تماماً. لكن، خلف كل هذه التحولات، تظل هناك حقائق أكثر عمقاً وأشد رسوخاً، لا تستطيع الظرفيات السياسية ولا التقلبات الاقتصادية أن تلغيها.

والسؤال الاستراتيجي، لذلك، ليس فقط ماذا يحدث الآن بين الرباط ومدريد، وإنما ماذا سيبقى بينهما عندما تنتهي هذه الحكومة، وتتغير هذه الأحزاب، وتتبدل أولويات أوروبا، وتتغير خرائط الطاقة والتجارة والأمن، وتصبح القضايا التي تستأثر باهتمامنا اليوم جزءاً من تاريخ الأمس؟

عند هذه النقطة تحديداً تتكشف حقيقة العلاقة في بعدها الأعمق: ستبقى الجغرافيا، وسيبقى المضيق، وسيبقى التاريخ، وسيبقى الجوار، وستبقى المصالح الاستراتيجية المشتركة.

وهذه ليست مجرد ثوابت صامتة، بل هي البنية العميقة التي تجعل من العلاقة المغربية–الإسبانية علاقة لا يمكن اختزالها في حكومة عابرة، أو أزمة دبلوماسية مؤقتة، أو خلاف حول ملف محدد. فمهما تغيرت الوجوه في الرباط ومدريد، ومهما تبدلت الحسابات السياسية والاقتصادية، سيظل البلدان يلتقيان في المكان نفسه، ويتقابلان على الضفتين نفسيهما، ويتقاسمان فضاءً جغرافياً واحداً، وتجمعهما شبكة متراكمة من المصالح والتفاعلات البشرية والاقتصادية والأمنية والثقافية.

ومن هنا، فإن الحكمة الاستراتيجية تقتضي ألا نسمح للظرفي بأن يعيد تعريف الاستراتيجي، وألا نسمح للحدث، مهما كان صاخباً، بأن يحجب البنية العميقة للعلاقة. فالأزمات تأتي وتذهب، أما الجغرافيا فلا ترحل؛ والحكومات تتغير، أما الجوار فلا يتغير؛ والمصالح قد يعاد ترتيبها، لكنها لا تختفي؛ والتاريخ قد تتعدد قراءاته، لكنه لا يُمحى.

ولهذا ينبغي أن يكون الثابت الحقيقي في العلاقة المغربية–الإسبانية هو هذه الحقيقة العميقة: أن البلدين، بحكم الجغرافيا والتاريخ وتشابك المصالح، محكومان ليس فقط بالتعايش، وإنما بالبحث عن صيغة أكثر نضجاً واستدامة للشراكة، صيغة تتجاوز منطق الظرفية وتؤسس للمستقبل.

الجغرافيا لا تعرف الانتخابات

تستطيع الحكومات أن تتغير، وتستطيع الأحزاب أن تتبدل، وقد تتغير لغة الخطاب السياسي من مرحلة إلى أخرى، كما قد تتبدل الأولويات الاقتصادية والاستراتيجية تبعاً لتحولات الداخل والخارج. لكن ثمة حقيقة واحدة لا تخضع لكل هذه التحولات: لا أحد يستطيع أن يغيّر موقع المغرب وإسبانيا على الخريطة.

وهذه ليست مجرد حقيقة جغرافية عابرة، بل إنها، في جوهرها، قاعدة استراتيجية مؤسسة للعلاقة بين البلدين.

فمضيق جبل طارق ليس مجرد مساحة بحرية تفصل بين ضفتين، ولا مجرد حد جغرافي بين دولتين متجاورتين. إنه نقطة التقاء واحدة من أكثر المناطق حساسية في النظام الجيوسياسي العالمي: هنا يلتقي البحر المتوسط بالمحيط الأطلسي، وهنا تتقابل أوروبا وأفريقيا، وهنا يتجاور الشمال والجنوب في واحدة من أضيق المساحات وأكثرها كثافة بالمصالح والتفاعلات والتحديات.

ولهذا فإن المغرب وإسبانيا لا يقفان، في الحقيقة، على جانبي حدود فحسب؛ إنهما يتحركان داخل مجال جيوسياسي واحد، تتقاطع فيه اعتبارات الأمن والاقتصاد والطاقة والتجارة والهجرة والملاحة والبيئة والاستقرار الإقليمي.

ومن هذه الزاوية تحديداً، يصبح مضيق جبل طارق أقل شبهاً بحدّ يفصل بين بلدين، وأكثر شبهاً بمفصل جغرافي يربط بين عالمين.

ولعل أكثر ما يكشف عن هذه الحقيقة أن البلدين فكرا، منذ عقود، في تحويل هذا الفاصل الجغرافي إلى وسيلة للوصل. فقد تطور التعاون المغربي–الإسباني حول مشروع الربط القار عبر مضيق جبل طارق منذ سبعينيات القرن الماضي، وتوج باتفاقات في 1979 و1980 ثم 1989، في تصور كان يتجاوز، منذ البداية، مجرد إنشاء بنية تحتية، ليجعل من المضيق جسراً بين أوروبا وأفريقيا، ومن هذا الربط أداة لتقريب الضفتين وتعزيز المبادلات والتفاهم والتعاون.

وهنا تبرز إحدى أكثر المفارقات دلالة في العلاقة المغربية–الإسبانية:

لقد امتلك البلدان منذ عقود الرؤية التقنية لبناء جسر تحت المضيق، لكنهما لم يمتلكا، بالقدر نفسه، بعدُ، العقيدة السياسية والاستراتيجية التي تجعل العلاقة فوق تقلبات السياسة وتغير الحكومات.

لقد فكرا في كيفية عبور المضيق، لكن السؤال الأعمق الذي لا يزال ينتظر جواباً هو: كيف نعبر معاً من منطق الجوار إلى منطق الشراكة التاريخية؟

أليس هذا هو السؤال الذي ينبغي أن ينشغل به التفكير الاستراتيجي في البلدين؟

من مضيق يفصل إلى مضيق يصل

ربما حان الوقت لكي نعيد النظر في موقع مضيق جبل طارق داخل المخيال الاستراتيجي المغربي والإسباني.

أن نتوقف عن النظر إليه باعتباره مجرد حد.

وأن نبدأ في النظر إليه باعتباره محوراً.

أن نتوقف عن رؤيته كخط يفصل أوروبا عن أفريقيا.

وأن نراه باعتباره المكان الذي يمكن أن تبدأ منه شراكة جديدة بين القارتين.

فحين تتحول الجغرافيا من حاجز إلى جسر، فإن الذي يتغير قبل المكان هو معناه. فالمكان ليس مجرد امتداد مادي على الخريطة؛ إنه قيمة ودلالة ووظيفة، تتحدد بقدر ما نمنحه من معنى وما نبتكره له من أدوار. وحين يتغير معنى الجغرافيا، تتغير وظيفة الدول التي تتموضع فيها: من حراسة الحدود إلى صناعة الروابط، ومن إدارة الفواصل إلى بناء المجالات، ومن الدفاع عن الموقع إلى استثمار دلالته الاستراتيجية. وبذلك لا يعود مضيق جبل طارق مجرد مساحة تفصل ضفتين، بل يتحول، في الوعي الاستراتيجي الجديد، إلى معنى جيوسياسي: مكاناً تلتقي فيه أوروبا وأفريقيا، ويتقاطع فيه المتوسط والأطلسي، وتلتقي فيه جغرافيا المغرب بامتدادها الأفريقي مع جغرافيا إسبانيا بامتدادها الأوروبي. وهنا يصبح السؤال الحقيقي ليس: أين يقع المضيق؟ وإنما: ما المعنى الذي نريد أن نعطيه لهذا الموقع، وما المستقبل الذي يمكن أن نصنعه انطلاقاً منه؟ ومن هنا يمكن للمغرب وإسبانيا أن ينتقلا من مجرد دولتين تتعاملان مع حدود مشتركة إلى دولتين قادرتين على صياغة نموذج جديد للعلاقة بين أوروبا وأفريقيا.

فالمغرب يحمل معه عمقه الأفريقي والعربي والمتوسطي، ويتمتع بموقع يجعله أحد المداخل الطبيعية لأفريقيا بالنسبة إلى أوروبا.

وإسبانيا، من جهتها، تحمل موقعها الأوروبي والمتوسطي، وشبكة واسعة من الروابط الاقتصادية والثقافية والتاريخية، بما يجعلها أحد أهم الجسور الأوروبية نحو جنوب المتوسط.

وإذا التقت هذه المقومات مع الموانئ والبنى اللوجستية، والطاقة المتجددة، والاقتصاد الأزرق، والتكنولوجيا، والبحث العلمي، والذكاء الاصطناعي، والصناعات المستقبلية، فإننا لا نكون أمام مجرد تعاون ثنائي بين دولتين متجاورتين.

نكون أمام إمكانية بناء محور جيو–اقتصادي جديد يصل أوروبا بأفريقيا عبر غرب المتوسط.

وهنا ينبغي أن يتغير السؤال نفسه.

لا ينبغي أن يكون:

ماذا يستطيع المغرب أن يحصل عليه من إسبانيا؟

ولا:

ماذا تستطيع إسبانيا أن تحصل عليه من المغرب؟

فهذان سؤالان ينتميان إلى منطق التفاوض التقليدي.

أما السؤال الذي ينتمي إلى منطق الاستراتيجية فهو:

ماذا يستطيع المغرب وإسبانيا أن يبنيا معاً، ولا يستطيع أي منهما أن يبنيه منفرداً؟

ذلك هو السؤال الذي ينقل العلاقة من حساب المكاسب المتبادلة إلى صناعة القوة المشتركة.

ومن هنا يبدأ التفكير في الشراكة الحقيقية.

التاريخ ليس سجناً… لكنه أيضاً ليس صفحة يمكن تمزيقها

لكن الجغرافيا وحدها لا تكفي لفهم العلاقة. فخلف الخريطة يقف تاريخ طويل، معقد ومتشابك، لا يمكن اختزاله في رواية واحدة ولا اختصاره في لحظة واحدة.

إن تاريخ المغرب وإسبانيا هو تاريخ الحروب والصراعات والاحتلال والمقاومة، ولكنه، في الوقت نفسه، تاريخ التجارة والتبادل والهجرة والتأثير الثقافي والتفاعل الحضاري والتواصل الإنساني.

ومن الصعب، بل من المستحيل، فهم شمال المغرب اليوم من دون استحضار هذا التاريخ، كما يصعب فهم تاريخ إسبانيا والمتوسط دون استحضار التفاعلات التي ربطت الضفتين على امتداد قرون.

وفي هذا السياق تكتسب سبتة ومليلية دلالة خاصة؛ فهما ليستا مجرد نقطتين على الخريطة، وإنما نتاج لمسار تاريخي طويل جعل منهما، في مرحلة لاحقة، فضاءين عسكريين وتجاريين ثم جيبين إسبانيين على الساحل الأفريقي.

وتشير المعطيات التاريخية إلى أن سبتة وقعت تحت السيطرة البرتغالية سنة 1415، قبل أن تنتقل لاحقاً إلى التاج الإسباني في خضم التحولات التي شهدتها شبه الجزيرة الإيبيرية، في حين خضعت مليلية للسيطرة الإسبانية منذ أواخر القرن الخامس عشر. ومع حصول المغرب على استقلاله سنة 1956، برز في سياق سياسي جديد سؤال إرث الحدود الاستعمارية وموقع هذين الجيبين ضمن الدولة المغربية المستقلة، التي واصلت المطالبة باستعادتهما وإعادتهما إلى حضن الوطن الأم.

لكن هنا تحديداً ينبغي أن نتوقف عند مسألة بالغة الأهمية.

التاريخ لا ينبغي أن يتحول إلى سلاح في مواجهة الآخر، كما لا ينبغي أن يتحول إلى ذريعة لمحو الذاكرة.

فالأمم التي تستخدم التاريخ لإدانة حاضرها قد تتحول إلى أسيرة له.

والأمم التي تحاول محو التاريخ خوفاً من أسئلته، لا تستطيع في النهاية أن تتحرر منه.

أما الأمم التي تمتلك الشجاعة للنظر إلى تاريخها كما هو، بكل تناقضاته وأبعاده ومراحله، فإنها تصبح أكثر قدرة على تجاوزه وبناء مستقبل مختلف.

ولهذا، فإن المطلوب بين المغرب وإسبانيا ليس فتح حرب جديدة حول الماضي، ولا إعادة إنتاج صراعات القرون السابقة بلغة القرن الحادي والعشرين.

والمطلوب، في المقابل، ليس دفن الأسئلة التاريخية الكبرى تحت ركام المصالح الاقتصادية أو الظرفيات السياسية.

المطلوب هو تحرير التاريخ من الاستخدام الظرفي، وتحويله من مصدر للتوتر إلى مادة للحوار، ومن عبء موروث إلى مدخل لصناعة المستقبل.

وهنا تحديداً يبدأ الفرق بين إدارة التاريخ وصناعة التاريخ.

إدارة التاريخ تعني أن نبقى أسرى لما حدث.

أما صناعة التاريخ فتعني أن نمتلك الشجاعة لكي نسأل:

ماذا يمكن أن نفعل اليوم حتى لا يرث أبناؤنا خلافات الأمس بالطريقة نفسها التي ورثناها نحن؟

ذلك هو السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل سؤال آخر.

وهو أيضاً السؤال الذي يمكن أن يجعل من العلاقة المغربية–الإسبانية، بكل ما تحمله من تعقيدات، ليس فقط علاقة بين دولتين متجاورتين، وإنما تجربة تاريخية في كيفية تحويل جغرافيا الصدام إلى جغرافيا للتكامل، وتحويل إرث الماضي إلى رأسمال استراتيجي للمستقبل.

سبتة ومليلية: السؤال الذي لا يجوز أن يختفي

هنا نصل إلى الجزء الأكثر حساسية في العلاقة المغربية–الإسبانية، وربما أيضاً إلى الجزء الذي يتطلب أكبر قدر من الشجاعة الفكرية والحنكة الاستراتيجية. فإذا كنا نريد بالفعل بناء علاقة مغربية–إسبانية استراتيجية، طويلة الأمد، عميقة وغير قابلة للاهتزاز بتغير الظروف السياسية، فلا يمكن أن تقوم هذه العلاقة على قاعدة واحدة مفادها: نتعاون في كل شيء، ونترك القضايا التاريخية الكبرى خارج دائرة النقاش.

ذلك ليس حلاً، بل مجرد تأجيل. والتأجيل في العلاقات الدولية لا يلغي المشكلة، وإنما يؤجل عودتها إلى الواجهة، وغالباً في اللحظة الأكثر سوءاً.

وتؤكد الدراسات الأكاديمية حول الحدود المغربية–الإسبانية أن سبتة ومليلية أصبحتا، بعد نهاية الاستعمار الإسباني والفرنسي للمغرب، جزءاً من إشكالية جيوسياسية جديدة؛ فالمغرب ظل يعتبرهما جزءاً من ترابه الوطني، في حين تعتبرهما إسبانيا جزءاً من أراضيها.

ومن هنا، ينبغي أن نتجاوز الثنائية العقيمة التي تختزل المسألة في خيارين متناقضين: إما أن تتنازل إسبانيا الآن، وإما ألا يكون هناك حديث في الموضوع؛ أو أن يتخلى المغرب عن مطالبته، وإلا فلا مجال للتعاون. مثل هذا التفكير لا يصنع استراتيجية، بل يعيد إنتاج الأزمة بصورة دائمة.

الاستراتيجية الحقيقية تبدأ عندما نمتلك الجرأة على استيعاب المعنى المؤسِّس للإشكالية، والانطلاق منه لطرح سؤال مختلف: هل نستطيع أن نبحث معاً عن حل تاريخي لا يجعل من أحد الطرفين خاسراً، بل يفتح أمامهما معاً أفقاً جديداً؟

المفارقة الكبرى: يمكن أن تكون سبتة ومليلية جزءاً من المشكلة… وجزءاً من الحل

هذه الفكرة تحديداً تستحق، في تقديري، أن تصبح محوراً جديداً في التفكير المغربي–الإسباني. فلماذا نفترض أن نهاية النزاع حول الوضع السيادي لسبتة ومليلية يجب أن تعني بالضرورة بداية صراع جديد حول السكان والاقتصاد والحدود والمصالح؟

لماذا لا نفكر في الاتجاه المعاكس؟ لماذا لا تتحول المناطق التي يظل وضعها السيادي موضع خلاف إلى مختبر لنموذج جديد في العلاقات بين الدول؟ ولماذا لا تصبح سبتة ومليلية، في أفق سياسي بعيد، نموذجاً لتحويل الإرث الاستعماري من مصدر للتوتر إلى فرصة لتعاون تاريخي أكثر عمقاً؟

يمكن التفكير في صيغ انتقالية وترتيبات خاصة، وضمانات واضحة للسكان، وتكامل اقتصادي، وإدارة مشتركة لبعض المصالح، ومراحل زمنية متدرجة، ومسارات تفاوضية طويلة النفس. وليس المقصود من ذلك تقديم حل جاهز، ولا الدعوة إلى تنازل عن الموقف المغربي، ولا القبول بالموقف الإسباني، وإنما فتح المجال أمام تفكير أكثر نضجاً وواقعية.

فالانتقال المطلوب هو من سؤال واحد: لمن تنتمي الأرض؟ إلى سؤالين متلازمين: كيف تُحسم مسألة السيادة؟ وكيف نضمن، في الوقت نفسه، أن يكون المستقبل أفضل للسكان وللعلاقات المغربية–الإسبانية؟

عندها تصبح الدبلوماسية صناعة للمستقبل، لا مجرد إدارة للماضي.

الثورة الحقيقية: أن نتخيل ما لم نتخيله من قبل

لقد اعتدنا، في العلاقات الدولية، أن نفكر داخل الصناديق التي صنعتها الأجيال السابقة، وأن نبحث عن إجابات جديدة لأسئلة قديمة. غير أن التحولات الكبرى لا تحدث دائماً بهذه الطريقة؛ فهي تبدأ أحياناً عندما نمتلك الجرأة لطرح أسئلة جديدة لم تكن مطروحة من قبل.

لماذا لا نتصور، مثلاً، أن تصبح سبتة ومليلية مستقبلاً جزءاً من فضاء اقتصادي مغربي–إسباني خاص، أياً كان الشكل السياسي الذي قد تنتهي إليه المفاوضات؟ ولماذا لا تتحول المدينتان إلى بوابتين استثنائيتين للتجارة الأوروبية–الأفريقية؟

ولماذا لا يكون لسكانهما دور مركزي في أي تسوية مستقبلية، باعتبارهم أصحاب مصالح وذاكرة ومستقبل، لا مجرد موضوع للتفاوض بين الحكومات؟

ولماذا لا يتحول شمال المغرب وجنوب إسبانيا إلى مختبر متقدم للتكامل في مجالات الطاقة والمياه والاقتصاد الأزرق والذكاء الاصطناعي والنقل والبحث العلمي والانصهار الحضاري؟ ولماذا لا يصبح المضيق نفسه أحد أهم فضاءات التعاون العلمي والبيئي والتكنولوجي بين أوروبا وأفريقيا؟

إن التفكير الاستراتيجي الحقيقي لا يبدأ فقط من الممكن، بل من سؤال أكثر جرأة: ما الذي يبدو اليوم مستحيلاً، لكنه قد يصبح بعد ثلاثين عاماً أمراً بديهياً؟

منطق القرن العشرين انتهى

سيكون من الخطأ أن نحاول بناء العلاقة المغربية–الإسبانية في القرن الحادي والعشرين باستخدام أدوات القرن العشرين. فالعالم تغير، والسيادة نفسها بدأت تتغير وظائفها، والقوة لم تعد عسكرية فقط، والحدود لم تعد قادرة وحدها على منع التدفقات، فيما أصبح الاقتصاد أكثر ترابطاً وشبكية، والأمن عابراً للحدود، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل مفاهيم القوة والمعرفة والتنافس.

وفي عالم كهذا، فإن الدولة التي تتمسك فقط بخطوطها على الخريطة، من دون أن تبني في الوقت نفسه شبكات النفوذ والمعرفة والتكنولوجيا والاقتصاد، قد تجد نفسها عاجلاً أو آجلاً مالكة للأرض، لكنها خاسرة للمستقبل.

ولهذا يحتاج المغرب وإسبانيا إلى قفزة استراتيجية مشتركة، تتجاوز البديهيات الراسخة في المخيال السياسي والحزبي والشعبي في البلدين.

ولا يعني ذلك التخلي عن الثوابت، بل يعني التمييز بوضوح بين الثابت الذي يجب حمايته، والتصور الذي يجب تجديده.

لا ينبغي أن تصبح العلاقة رهينة لمدريد أو الرباط وحدهما

ثمة خطر آخر لا يقل أهمية، يتمثل في أن تظل العلاقة المغربية–الإسبانية رهينة للتفاعلات الداخلية في كل عاصمة. فالحكومات تتغير، والأحزاب تتبدل، والانتخابات تأتي وتذهب، لكن العلاقة الاستراتيجية ينبغي أن تستمر وتتجاوز هذه التحولات.

وهذا يتطلب بناء بنية مؤسساتية دائمة للعلاقة، تضم مجلساً مغربياً–إسبانياً أعلى للاستراتيجية، ومنتدى دائماً للبرلمانيين، وشبكة من الجامعات ومراكز التفكير، ومجالس لرجال الأعمال، وآلية للحوار الأمني والاستراتيجي، ومنصة مشتركة للاستشراف، ومنتدى للشباب، إلى جانب مسار منتظم للحوار حول الملفات التاريخية.

بهذه الطريقة، لا يبدأ الحوار مع وصول حكومة جديدة، ولا ينتهي بخروج حكومة من السلطة.

فالعلاقات الاستراتيجية لا ينبغي أن تكون ملكاً للحكومات وحدها، بل يجب أن تتحول إلى رصيد مشترك للدولة والمجتمع والنخب والمؤسسات.

والخطر الأكبر: أن تأتي قوى من خارج المجال لتعيد رسمه

هناك بعد آخر لا يمكن تجاهله. فغرب المتوسط ليس فراغاً جيوسياسياً، وكلما ضعف التنسيق بين دول المنطقة، ظهرت قوى أخرى لملء الفراغ وإعادة رسم التوازنات وفق مصالحها.

ومن هنا ينبغي للمغرب وإسبانيا أن يدركا أن التحدي لا يكمن فقط في خلافاتهما الثنائية، وإنما أيضاً في احتمال تحول غرب المتوسط إلى ساحة لتنافس استراتيجيات وقوى بعيدة عن المصالح المباشرة لشعوب المنطقة.

والمطلوب هنا ليس إغلاق المنطقة أمام الآخرين، وإنما بناء قدرة إقليمية ذاتية على تحديد الأولويات وصياغة الأجندة.

فالمغرب وإسبانيا، بحكم موقعهما الجغرافي والاستراتيجي، قادران على أن يكونا شريكين في صياغة أجندة غرب المتوسط، لا مجرد متلقين لأجندات الآخرين.

وهذا يعني توسيع التعاون ليشمل أمن المضيق والمجال البحري، والطاقة والربط الكهربائي، والموانئ واللوجستيك، والأمن السيبراني، والذكاء الاصطناعي، والهجرة والتنمية، والأمن الغذائي والمائي، والتغير المناخي، ومكافحة الجريمة المنظمة، واستقرار الساحل، وتعزيز الربط بين أوروبا وأفريقيا.

هذه ليست ملفات ثانوية، بل تمثل في مجموعها هندسة القوة في القرن الحادي والعشرين.

من «عمق» إلى «عمق»

ثمة فكرة استراتيجية تستحق أن تُقال بوضوح: لماذا لا يصبح المغرب عمقاً إسبانياً نحو أفريقيا والعالم العربي، وتصبح إسبانيا في المقابل عمقاً مغربياً نحو أوروبا؟

هذا لا يعني التبعية، بل يعني التكامل.

فالمغرب قادر على أن يمنح إسبانيا وأوروبا موقعاً أكثر عمقاً في أفريقيا، بينما تستطيع إسبانيا أن تمنح المغرب وأفريقيا بوابة أوروبية أكثر قرباً وفاعلية. وبذلك يصبح كل بلد مضاعفاً للقوة الاستراتيجية للآخر.

وهنا تتجاوز الشراكة منطق التجارة والمبادلات الاقتصادية إلى منطق أوسع يقوم على التكامل الجغرافي والاستراتيجي، بما يجعلها أكثر قدرة على الصمود أمام تغير الحكومات وتقلبات الأزمات. غير أن ترسيخ هذا المستوى من الشراكة لا يمكن أن يظل رهيناً بالمبادرات الظرفية أو الاتفاقيات القطاعية، بل يقتضي الانتقال إلى بناء رؤية استراتيجية بعيدة المدى، تستشرف شكل العلاقة وموقعها في العقود المقبلة.

نحو «عقيدة استراتيجية مغربية–إسبانية» لأربعين أو خمسين عاماً

أعتقد أن الوقت قد حان للانتقال من منطق الاتفاقيات القطاعية إلى تصور أكثر طموحاً يتمثل في صياغة ميثاق استراتيجي مغربي–إسباني للمستقبل.

ميثاق لا ينظر فقط إلى السنوات القليلة المقبلة، بل يمتد لأربعين أو خمسين عاماً، ويخاطب الجيل الذي يولد اليوم، والذي سيجد نفسه بعد عقود أمام واقع جيوسياسي واقتصادي وتكنولوجي مختلف تماماً.

وينبغي لهذا الميثاق أن يجيب عن مجموعة من الأسئلة الكبرى:

كيف نريد أن يكون غرب المتوسط في عامي 2050 و2070؟ وكيف يمكن تحويل المضيق من حدود إلى محور؟ وكيف نجعل إسبانيا بوابة مغربية وعربية وأفريقية إلى أوروبا، والمغرب بوابة إسبانية وأوروبية إلى أفريقيا والعالم العربي؟

وكيف يمكن تحويل البلدين إلى مركز أوروبي–أفريقي للطاقة واللوجستيك والتكنولوجيا؟ وكيف نحمي غرب المتوسط من التحول إلى ساحة لصراعات القوى البعيدة؟ وكيف نبني أمننا المشترك؟ وكيف نستثمر في الذكاء الاصطناعي والمعرفة؟ وكيف نواجه تغير المناخ وشح المياه؟ وكيف ندير الهجرة باعتبارها قضية تنمية وأمن وإنسانية، لا مجرد قضية حدود؟

ثم يأتي السؤال الأكثر جرأة: كيف نصل، بهدوء وحكمة وعلى مراحل، إلى تسوية تاريخية للملفات الترابية العالقة، من دون أن ندمر الشراكة التي نريد بناءها؟

لا نريد شراكة تخاف من التاريخ

العلاقة الناضجة ليست تلك التي تتفق على كل شيء، وإنما تلك التي تستطيع أن تختلف دون أن تنهار.

ولهذا، فإن المغرب لا يحتاج إلى التخلي عن ذاكرته التاريخية أو التفريط في سيادته الترابية حتى يكون شريكاً استراتيجياً لإسبانيا، كما أن إسبانيا لا تحتاج إلى التخلي عن مصالحها لكي تنخرط مع المغرب في حوار تاريخي جاد ومقاربة بناءة تفتح المجال أمام تفاهمات أكثر عمقاً واستدامة.

ما يحتاجه الطرفان هو شيء أعمق: التحرر من الخوف من المستقبل.

فالتسوية التاريخية لا تعني بالضرورة أن أحد الطرفين خسر. وأحياناً تكون أعظم الانتصارات هي تلك التي لا تترك مهزوماً، كما أن أحد أعمق أشكال السيادة يتمثل في القدرة على صناعة المستقبل بدلاً من البقاء أسيراً للماضي.

منطقة الخلاف يمكن أن تصبح منطقة الريادة

ربما تكمن أعظم المفارقات في أن المناطق التي تمثل اليوم أكثر نقاط العلاقة حساسية يمكن أن تصبح غداً أكثر نقاطها إشعاعاً.

فسبتة ومليلية يمكن أن تتحولا من رمز للنزاع إلى رمز للتسوية، والمضيق من خط فصل إلى محور للربط، والشريط الساحلي من حدود أمنية إلى فضاء اقتصادي وعلمي، فيما يمكن للذاكرة التاريخية أن تنتقل من كونها مصدراً للتوتر إلى مجال للحوار الأكاديمي المشترك.

وعندها يستطيع المغرب وإسبانيا أن يقدما للعالم نموذجاً نادراً لكيفية تحول تاريخ طويل من الصراع إلى قاعدة لبناء مستقبل مشترك.

وسيكون ذلك، في حد ذاته، إنجازاً حضارياً يتجاوز حدود البلدين.

الثابت الحقيقي ليس الوضع القائم

هنا علينا أن نعيد النظر في معنى كلمة «الثابت». فالثابت ليس بالضرورة هو الوضع القائم، لأن الوضع القائم يمكن أن يتغير. أما الثابت الحقيقي فهو المصلحة الاستراتيجية طويلة المدى، وهو الجوار، والمصير المتداخل، والحاجة المتبادلة.

والثابت أيضاً أن أوروبا لن تصبح أكثر أمناً وازدهاراً إذا بقيت أفريقيا على هامشها، كما أن أفريقيا لن تبني نهضتها بمعزل عن أوروبا. والمغرب وإسبانيا يقفان تحديداً في النقطة التي يلتقي فيها هذان العالمان.

ولهذا فإن أكبر خطأ يمكن ارتكابه هو السماح لقضية ظرفية، مهما بلغت حساسيتها، بأن تهدم بنية استراتيجية تراكمت عبر عقود وقرون.

لكن الخطأ المقابل لا يقل خطورة: أن نحافظ على العلاقة عبر دفن القضايا التي ستظل، عاجلاً أو آجلاً، تعود إلى السطح.

ومن هنا تقع الاستراتيجية الحقيقية بين هذين الخطأين: لا هدم للعلاقة بسبب الخلاف، ولا دفن للخلاف باسم العلاقة.

المستقبل لا يُورث… بل يُصنع

يقف المغرب وإسبانيا أمام خيار تاريخي. فإما أن يظلا أسيرين للماضي، فتستمر الأزمات في العودة بأسماء وأشكال مختلفة، وإما أن يقررا أن الماضي يجب أن يُفهم، والحاضر يجب أن يُدار، والمستقبل يجب أن يُصنع.

وهنا تكمن الثورة الهادئة التي تحتاج إليها العلاقة. ليست الثورة في رفع سقف الخطاب، ولا في التصعيد، ولا في إنكار مصالح الطرف الآخر، وإنما في امتلاك الشجاعة للانتقال من إدارة الممكن إلى صناعة ممكن جديد.

نحن بحاجة إلى جيل جديد من التفكير الاستراتيجي المغربي–الإسباني، جيل لا يسأل فقط: ماذا نختلف عليه؟ بل يسأل أيضاً: ماذا يمكن أن نبني معاً؟

ولا يسأل فقط: من يملك الماضي؟ بل: من يملك القدرة على صناعة المستقبل؟

ولا يسأل فقط: كيف نحافظ على الحدود؟ بل: كيف نجعل الحدود أقل أهمية من المصالح المشتركة؟

الخلاصة: شراكة لا تهزمها الظرفية

إن المغرب وإسبانيا لا يحتاجان إلى علاقة مثالية، بقدر ما يحتاجان إلى علاقة ناضجة؛ علاقة قادرة على تحمل الاختلاف، واستيعاب الأزمات، وحماية المصالح، واحترام السيادة، والاعتراف بالتاريخ، والتفكير في المستقبل.

ولهذا فإن الثابت الذي ينبغي أن يحكم العلاقة في القرن الحادي والعشرين وما بعده ليس مجرد «حسن الجوار»، بل الشراكة الاستراتيجية التاريخية.

شراكة تجعل من الجغرافيا فرصة، ومن التاريخ درساً، ومن الخلاف مجالاً للتفاوض، ومن المضيق جسراً، ومن سبتة ومليلية والجزر، في أفق حل تاريخي متفاوض عليه، رموزاً لماضٍ متنازع عليه يمكن أن تتحول إلى جسور لمستقبل مشترك.

ويستطيع المغرب وإسبانيا أن يقدما نموذجاً مختلفاً للعلاقات الدولية؛ نموذجاً لا يقوم على محو الذاكرة، ولا على البقاء أسرى لها، ولا على فرض المنتصر لإرادته، ولا على استسلام الطرف الآخر، وإنما على تسوية تحفظ الكرامة، وتصون المصالح، وتفتح الطريق أمام المستقبل.

ولعل هذه هي المعادلة التي ينبغي أن تحكم العقود المقبلة: ألا يسمح المغرب وإسبانيا للظرفي بأن يهدم الاستراتيجي، وألا يسمحا للمؤجل بأن يتحول إلى انفجار مستقبلي، وألا يسمحا للتاريخ بأن يصبح سجناً، ولا للجغرافيا بأن تتحول إلى قدر سلبي.

فالجغرافيا حكمت بأن يكون البلدان جارين، والتاريخ جعلهما شريكين في فضاء حضاري واحد، وإن كان هذا التاريخ حافلاً أيضاً بالصراع. أما المستقبل، فلا ينبغي أن يكون مجرد امتداد لما سبق.

المستقبل فرصة لكي يصبح المغرب وإسبانيا صانعي فضاء استراتيجي جديد، فضاء يمتد من أوروبا إلى أفريقيا، ومن المتوسط إلى الأطلسي، ويجعل من غرب المتوسط ليس خطاً على هامش أوروبا، ولا حافة على هامش أفريقيا، بل أحد المراكز المهمة في صناعة النظام الدولي الجديد.

وهنا تحديداً تكمن الرؤية التي تستحق أن تُطرح على مدريد والرباط: ليس كيف نتعايش مع خلافاتنا إلى الأبد، بل كيف نصنع معاً واقعاً استراتيجياً جديداً يجعل حل خلافاتنا جزءاً من بناء مستقبل أكبر منها.

ذلك ليس حلماً مستحيلاً، بل مشروعاً يمكن أن يصبح، إذا امتلكت الدولتان الشجاعة السياسية والعقل الاستراتيجي، واحداً من أكثر المشاريع الجيوسياسية طموحاً في غرب المتوسط خلال القرن الحادي والعشرين.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى