
بقلم: عبد السلام الأثوري..
كان يوماً جميلاً قضيناه مع الأخ والزميل رقيب نور الدين، الذي اصطحبني في جولة طويلة طاف بي خلالها في الرباط وسلا وتمارة، وعلى امتداد الطريق الساحلي باتجاه الصخيرات.
كانت جولة ممتعة، لكنها في الوقت نفسه كانت فرصة لأرى عن قرب حجم التحولات الكبيرة والضخمة التي شهدتها هذه المناطق، من عمران ومشروعات وبنية تحتية وطرق ومرافق وخدمات.
وقد أعادت هذه الجولة إلى ذاكرتي سنوات بعيدة؛ فقد درست في المغرب وأكملت دراستي الجامعية أواخر الثمانينات من القرن الماضي . ولذلك فإن علاقتي بهذا البلد ليست علاقة سائح يراه للمرة الأولى، وإنما علاقة قديمة ببلد عشت فيه جزءاً مهماً من شبابي، وعرفت مدنه وشوارعه وحياته في ذلك الزمن.
كان المغرب في تلك السنوات بلداً جميلاً ومتطوراً بمقاييس عصره. كانت الرباط والدار البيضاء ومراكش وطنجة مدناً لها حضورها وجمالها، وكانت الحياة فيها تحمل كثيراً من مظاهر الحداثة والتنظيم مقارنة بكثير من بلدان المنطقة.
لكن مغرب اليوم شيء آخر.
خلال سبعة وعشرين يوماً تنقلت بين مراكش والدار البيضاء والرباط وطنجة، وتجولت في سلا وتمارة ونواحي الرباط، وما رأيته لم يكن مجرد تغيرات عابرة، بل تحولاً واسعاً امتد إلى العمران والبنية التحتية والمواصلات والخدمات والمرافق العامة والمشروعات السياحية والاستثمارية.
وأنت تنتقل بين المدن والمناطق، تلفت انتباهك الطرق الحديثة، واتساع الامتداد العمراني، والمشروعات الجديدة، وتنظيم المدن، وتنوع الخدمات. وفي بعض المواقع تشعر أنك أمام مدن أعيد تشكيلها بالكامل خلال سنوات قليلة.
واللافت أن هذا التطور لم يلغِ شخصية المدن المغربية. فما زالت الرباط هي الرباط، ومراكش هي مراكش، وطنجة هي طنجة، لكن هذه المدن أضافت إلى تاريخها وخصوصيتها وجهاً حديثاً ومتطوراً.
ولعل أكثر ما أثار اهتمامي أنني كنت أرى المكان بعينين في وقت واحد: عين الطالب الذي عرف المغرب في الثمانينات من القرن الماضي وعين الزائر الذي يراه اليوم بعد نحو أربعة عقود. ولهذا كانت المقارنة حاضرة في كل جولة وكل شارع وكل مشروع جديد.
ما شاهدته جعلني أدرك أن التنمية الحقيقية لا تظهر في مشروع واحد، وإنما في تراكم طويل من المشاريع والسياسات والاستثمارات التي تغير شكل المدن وتنعكس في النهاية على حياة الناس.
لقد عدت إلى المغرب بعد سنوات طويلة، فوجدت بلداً أعرفه جيداً، لكنه في الوقت نفسه أصبح مختلفاً إلى حد كبير. وهذا ربما هو أجمل ما يمكن أن يراه الإنسان عندما يعود إلى مكان ترك فيه جزءاً من شبابه؛ أن يجد أن المكان الذي أحبه لم يتوقف عند ذكرياته، بل واصل طريقه إلى الأمام.
كان المغرب جميلاً ومتطوراً عندما عرفته طالباً في ثمانينيات القرن الماضي، لكن مغرب اليوم شيء آخر؛ مغرب أكثر اتساعاً وحداثة، وأكثر قدرة على صناعة المستقبل، مع احتفاظه بجذوره وهويته.
وأنا مدين للأخ والزميل رقيب نور الدين بهذه الجولة الجميلة التي جعلتني أرى الرباط وسلا وتمارة وما حولها بعيون جديدة، وأستعيد في الوقت نفسه ذكريات المغرب الذي عرفته قبل نحو أربعة عقود.
بعض البلدان نغادرها ونحن نظن أننا تركناها خلفنا، ثم نعود إليها بعد سنوات فنكتشف أنها لم تتوقف عن التقدم.
