اتجاهات التفكير الاستراتيجي في إسبانيا تجاه المغرب من الذاكرة التاريخية إلى استشراف المستقبل

 قراءة في النخب الفكرية والدبلوماسية والأمنية بمنهج الذكاء الاستراتيجي

بقلم: د. محمد السنوسي (*)..

 مقدمة: ليست القضية ماذا تقول إسبانيا عن المغرب، بل كيف تفكر فيه؟

قد يبدو للوهلة الأولى أن فهم العلاقات المغربية الإسبانية مسألة سهلة: نقرأ تصريحات الحكومات، ونرصد الاتفاقيات الموقعة، ونتابع الأزمات الدبلوماسية، ثم نستخلص موقف مدريد من الرباط. غير أن هذا المدخل، على أهميته، يظل قاصرًا عن تفسير التحولات العميقة التي عرفتها هذه العلاقة خلال العقود الأخيرة.

فالدول لا تتحرك فقط وفق ما تعلنه حكوماتها في المؤتمرات الصحفية، وإنما تتحرك أيضًا وفق صور ذهنية وتقديرات استراتيجية ومصالح وطنية تتشكل داخل مؤسساتها ونخبها السياسية والفكرية والدبلوماسية والأمنية. وما يظهر في نهاية المطاف على شكل قرار حكومي، يكون غالبًا نتيجة مسار أطول يبدأ في مراكز التفكير والجامعات، ويمر عبر دوائر الدبلوماسية والدفاع والأمن، قبل أن يتحول إلى سياسة رسمية.

من هنا، فإن السؤال الذي يستحق أن يكون مدخلًا لفهم العلاقة المغربية الإسبانية ليس فقط: ما موقف إسبانيا من المغرب؟ وإنما السؤال الأعمق هو: كيف تفكر إسبانيا في المغرب؟

كيف تنظر إليه اليوم؟ وكيف تنظر إلى موقعه في محيطها الجغرافي والأمني؟ وما الذي بقي من صور الماضي في العقل الاستراتيجي الإسباني؟ وما الذي تغير؟ ثم، والأهم، إلى أين يمكن أن يتجه هذا التفكير خلال السنوات المقبلة؟

هذه الأسئلة تكتسب أهمية مضاعفة في مرحلة تشهد فيها البيئة الدولية تحولًا واضحًا من مرحلة التفاؤل بالعولمة والتعاون الدولي إلى مرحلة تتقدم فيها اعتبارات القوة والتنافس الجيوسياسي وحسابات الأمن الوطني. وهذا ما تعكسه بوضوح استراتيجية العمل الخارجي الإسبانية 2025–2028، التي تقر بأن النظام الدولي يعيش تحولات عميقة، وأن إسبانيا مطالبة بتعزيز قدراتها وأمنها، وبناء أوروبا أكثر قدرة على حماية مصالحها ومواجهة بيئة استراتيجية أكثر اضطرابًا (وزارة الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية، استراتيجية العمل الخارجي 2025–2028).[1]

وفي هذا السياق، يحتل المغرب موقعًا لا يمكن تجاهله في الحسابات الإسبانية. فالمغرب ليس مجرد دولة جنوب المتوسط، بل هو جار جغرافي مباشر، وشريك اقتصادي، وفاعل مغاربي وإفريقي، وشريك في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب، وفي الوقت نفسه دولة ترتبط مع إسبانيا بملفات حساسة لم تُحسم تاريخيًا، وفي مقدمتها سبتة ومليلية والجزر.

وهنا تكمن المفارقة الأساسية في العلاقة: كلما ازدادت أهمية المغرب بالنسبة إلى إسبانيا، ازدادت الحاجة الإسبانية إلى التعاون معه، لكن في الوقت نفسه يزداد الاهتمام الإسباني بفهم قدراته وطموحاته وحدود نفوذه الإقليمي. ولذلك فإن صعود المغرب لا يؤدي بالضرورة إلى تبسيط العلاقة مع مدريد، بل قد يجعلها أكثر أهمية وأكثر تعقيدًا في آن واحد.

لقد كشفت التحولات التي شهدتها العلاقات منذ سنة 2022 أن مدريد أعادت ترتيب عدد من أولوياتها. فقد أعلنت الحكومة الإسبانية آنذاك الدخول في «مرحلة جديدة» مع المغرب، وأكدت أن البلدين بحاجة إلى بناء علاقة تقوم على الاحترام المتبادل والتعاون المستمر، بينما وصف رئيس الحكومة بيدرو سانشيز المغرب بأنه شريك استراتيجي لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في عدد من الملفات الحيوية، من الهجرة إلى مكافحة الإرهاب والتجارة والاستثمار (رئاسة الحكومة الإسبانية، مارس–أبريل 2022).[2]

غير أن هذا التحول لا ينبغي قراءته باعتباره نهاية للخلافات، ولا باعتباره انتقالًا بالعلاقة من المنافسة إلى التحالف. الأصح أنه يعكس إعادة تعريف للمصلحة الوطنية الإسبانية في ضوء المتغيرات الجديدة.

وهذا ما يجعل دراسة النخب الإسبانية أمرًا ضروريًا.

فبينما تنظر النخبة الفكرية إلى المغرب من زاوية التحولات الجيوسياسية وموازين القوى، تتعامل النخبة الدبلوماسية معه من زاوية إدارة المصالح والأزمات وبناء الشراكات، بينما تنظر المؤسسة الأمنية والاستخباراتية والعسكرية إليه من زاوية مختلفة: القدرات، والنوايا، ومصادر المخاطر، والسيناريوهات المحتملة.

هذه الدوائر الثلاث لا تتحدث دائمًا بصوت واحد، ولا ينبغي الخلط بينها. فقد يختلف الباحث في مركز الدراسات عن الدبلوماسي، وقد يختلف الدبلوماسي عن العسكري، وقد يكون موقف الحكومة أكثر براغماتية من مواقف قطاعات من الرأي العام أو النخب السياسية.

وهنا تحديدًا تبرز قيمة الذكاء الاستراتيجي كمنهج لفهم العلاقة.

فالذكاء الاستراتيجي لا يكتفي بجمع المعلومات، وإنما يسعى إلى تحويلها إلى معرفة قابلة للاستخدام في اتخاذ القرار. ولذلك فإننا لن نتعامل مع التصريحات والوثائق الإسبانية باعتبارها مجرد معلومات منفصلة، وإنما سنحاول قراءة ما بينها من أنماط واتجاهات، والبحث عن الفجوة بين الخطاب والمصلحة، وبين المعلن والمضمر، وبين الماضي والحاضر، وبين ما هو قائم وما يمكن أن يكون.

وسننظر إلى التفكير الاستراتيجي الإسباني من خلال أربعة مفاتيح مترابطة:

الإدراك: كيف ترى إسبانيا المغرب، وكيف تشكلت هذه الصورة تاريخيًا؟

المصلحة: ما الذي تعتبره إسبانيا مصالح حيوية في علاقتها مع المغرب؟

القدرة: كيف تقرأ المؤسسات الإسبانية تطور القدرات الاقتصادية والأمنية والعسكرية والإقليمية للمغرب؟

الاستشراف: كيف يمكن أن تتطور هذه العلاقة إذا استمرت الاتجاهات الحالية أو تغيرت البيئة الإقليمية والدولية؟

وبهذا المعنى، فإن المقال لا يسعى إلى تقديم صورة نمطية عن «التفكير الإسباني»، لأن التفكير الإسباني ليس كتلة واحدة، وإنما هو مجال للتفاعل بين مدارس ومؤسسات ونخب ومصالح متعددة.

المطلوب، إذن، هو اكتشاف الاتجاهات الكبرى التي تتحرك داخل هذا المجتمع الاستراتيجي.

ومن هنا سنعود أولًا إلى الماضي، لا باعتباره مجرد سجل للأحداث، وإنما باعتباره خزانًا للصور والذاكرة والمخاوف التي لا تزال تؤثر في الإدراك الإسباني للمغرب.

ثم ننتقل إلى الحاضر، حيث تبدو العلاقة أكثر براغماتية، وأكثر ارتباطًا بالمصالح المشتركة، ولكن أيضًا أكثر حساسية تجاه قضايا السيادة والأمن.

وأخيرًا سنحاول استشراف المستقبل: هل تتجه إسبانيا والمغرب نحو شراكة استراتيجية أكثر عمقًا؟ أم نحو علاقة تجمع التعاون والمنافسة في الوقت نفسه؟ وهل يمكن أن يتحول المغرب، في الإدراك الإسباني، من مجرد «جار مهم» إلى فاعل إقليمي ينبغي بناء علاقة استراتيجية طويلة الأمد معه، مع الاحتفاظ في الوقت ذاته بخطط للتعامل مع حالات الاختلاف والأزمات؟

إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح لنا بالانتقال من قراءة السياسة الإسبانية تجاه المغرب إلى قراءة أعمق تتمثل في فهم العقل الاستراتيجي الإسباني عندما ينظر إلى المغرب.

وهذه، في تقديري، هي الزاوية الأكثر أهمية؛ لأن الدول لا تصنع سياساتها فقط بناءً على ما يفعله الآخر، وإنما بناءً على الصورة التي تكونها عن الآخر، وعلى تقديرها لما يمكن أن يفعله في المستقبل.

ومن ثم، فإن فهم كيف تفكر إسبانيا في المغرب قد يكون، بالنسبة إلى المغرب، أكثر أهمية من معرفة ما تقوله إسبانيا عنه اليوم.

أولًا: الماضي — حين تتحول الذاكرة التاريخية إلى إدراك استراتيجي

لا يمكن قراءة طريقة تفكير إسبانيا تجاه المغرب من دون العودة إلى التاريخ، ليس باعتباره مجرد مجموعة من الوقائع التي انتهت، وإنما باعتباره ذاكرة استراتيجية ما زالت تؤثر، بدرجات مختلفة، في طريقة إدراك الجار الجنوبي.

فالعلاقة المغربية الإسبانية تحمل إرثًا تاريخيًا مركبًا، من الحماية والاستعمار وحرب الريف والوجود الإسباني في شمال المغرب، إلى انسحاب إسبانيا من الصحراء الغربية سنة 1975، ثم أزمات أكثر حداثة، من جزيرة ليلى سنة 2002 إلى أزمة سبتة سنة 2021، وصولًا إلى موجة العبور الجماعي غير المسبوقة التي شهدتها سبتة يومي 30 و31 يوليوز 2026. وقد أعادت هذه الأخيرة، بحجمها وتداعياتها، ملف الحدود والهجرة إلى صدارة الحسابات الإسبانية، وأظهرت أن البعد الجغرافي لا يزال يتحول سريعًا إلى عامل أمني وسيادي في العلاقة مع المغرب.

ولا تكمن أهمية هذه المحطات في تشابه أسبابها، فهي مختلفة في سياقاتها ودوافعها، وإنما في أثرها التراكمي على الإدراك الاستراتيجي الإسباني. فكل أزمة جديدة تضيف طبقة إلى الذاكرة التي تتشكل من خلالها نظرة المؤسسات الإسبانية إلى حدودها الجنوبية، وتجعل قضايا السيادة والهجرة والأمن جزءًا ثابتًا من حساباتها تجاه المغرب. ومن منظور الذكاء الاستراتيجي، فإن أهمية أحداث 2026 لا تكمن فقط في كونها أزمة هجرة، بل في احتمال أن تتحول إلى مؤشر يعيد تشكيل تقديرات إسبانيا بشأن أمن سبتة ومليلية وطبيعة اعتمادها على التعاون الأمني مع الرباط.

لكن التاريخ، من هذا المنظور، لا تهمنا فيه الأحداث بقدر ما تهمنا الصور الذهنية التي خلفتها هذه الأحداث.

فالدولة لا تتعامل مع محيطها الجغرافي انطلاقًا من الوقائع وحدها، وإنما انطلاقًا من الطريقة التي تفسر بها تلك الوقائع. ولهذا فإن أحد الأسئلة التي ينبغي طرحها هو: ما الصورة التي ترسخت داخل النخب الإسبانية عن المغرب نتيجة هذا التاريخ المشترك؟

يبدو أن الإجابة ليست أحادية. فالمغرب يظهر في الإدراك الإسباني في صور متعددة في الوقت نفسه: جار لا يمكن تغييره، وشريك لا يمكن الاستغناء عنه، وفاعل إقليمي متزايد الأهمية، وفي الوقت ذاته طرف توجد معه ملفات سيادية وأمنية حساسة لم تجد طريقها إلى التسوية النهائية.

وهذه الازدواجية هي التي تجعل العلاقة أكثر تعقيدًا من مجرد علاقة حسن جوار أو شراكة اقتصادية.

وتقدم دراسة حديثة للمعهد الملكي إلكانو حول خمسين عامًا من السياسة الإسبانية تجاه الصحراء الغربية مثالًا واضحًا على هذه الازدواجية. فالباحثان إغناسيو مولينا وبابلو دل آمو يربطان تطور الموقف الإسباني بالتوتر المستمر بين المبادئ والمصلحة الوطنية، ويبرزان أهمية عوامل مثل العلاقات مع المغرب والجزائر، ومصالح إسبانيا في سبتة ومليلية وجزر الكناري، واستقرار جوارها الجنوبي (مولينا، إغناسيو، وبابلو دل آمو. 2026)[3]

والدلالة الاستراتيجية لهذا الاستنتاج تتجاوز قضية الصحراء نفسها. فهي تشير إلى أن السياسة الإسبانية تجاه المغرب لا يمكن فهمها فقط من خلال الخطاب القانوني أو المواقف المبدئية، وإنما من خلال ترتيب المصالح الوطنية وتقدير المخاطر وحساب كلفة البدائل.

بعبارة أخرى، قد يكون التاريخ هو الذي صنع الذاكرة، لكن المصلحة هي التي تعيد تفسير الذاكرة كلما تغيرت البيئة الاستراتيجية.

وهنا تبدأ أهمية التحول الذي عرفته العلاقة خلال السنوات الأخيرة.

ثانيًا: الصحراء المغربية — حين يصبح الملف اختبارًا للعقل الاستراتيجي الإسباني

إذا كان الماضي قد صنع جزءًا من الإدراك الإسباني للمغرب، فإن قضية الصحراء المغربية تمثل واحدة من أهم النوافذ التي يمكن من خلالها مراقبة كيف تتحول الأفكار إلى حسابات استراتيجية.

فهذا الملف لا يختبر فقط الموقف الإسباني من قضية تقرير المصير، وإنما يكشف أيضًا التوتر بين ما تقوله قطاعات من المجتمع والنخب السياسية والفكرية، وبين ما قد تعتبره مؤسسات الدولة ضروريًا لحماية مصالحها.

وهنا تكتسب دراسة المعهد الملكي إلكانو أهميتها؛ لأنها لا تتعامل مع «إسبانيا» باعتبارها صوتًا واحدًا، وإنما تميز بين مستويات مختلفة من التأثير: الرأي العام، والنخب السياسية والفكرية، وجهاز الدولة الذي يضم الدبلوماسيين والعسكريين والمسؤولين، ثم الحكومة باعتبارها صاحبة القرار السياسي النهائي [4].

وهذا التفريق ليس تفصيلًا منهجيًا، بل هو مفتاح لفهم السياسة الإسبانية.

فقد يكون الرأي العام متمسكًا بموقف مبدئي تجاه الصحراء المغربية، بينما تنظر المؤسسات الحكومية إلى الملف من زاوية أوسع، يدخل فيها الأمن، والهجرة، والعلاقات مع المغرب والجزائر، والمصالح الاقتصادية، وموقع إسبانيا داخل الاتحاد الأوروبي.

ومن هنا يظهر أحد أهم دروس التي يمكن استخلاصها باعتماد منهجنا في الذكاء الاستراتيجي:

ليس بالضرورة أن يكون ما تؤمن به المجتمعات هو نفسه ما تعتبره الدول مصلحة حيوية لها.

فالدولة، عندما تتخذ قرارًا استراتيجيًا، لا تسأل فقط: «ما الموقف الصحيح من الناحية المبدئية؟»، وإنما تسأل أيضًا: «ما الذي يخدم مصالحنا؟ وما كلفة عدم فعله؟ وما البدائل المتاحة أمامنا؟».

ومن هذه الزاوية يمكن فهم التحول الإسباني تجاه المغرب باعتباره نتيجة إعادة وزن للمصالح أكثر من كونه مجرد تغيير مفاجئ في الموقف السياسي.

وهذا تحديدًا ما يجعل سنة 2022 لحظة مفصلية في قراءة العلاقة.

ثالثًا: 2022 — من إدارة التوازنات إلى إعادة ترتيب الأولويات

كان عام 2022 نقطة تحول واضحة في العلاقات المغربية الإسبانية، ليس لأن الخلافات اختفت، وإنما لأن مدريد أعلنت بصورة صريحة أنها تريد الانتقال إلى صيغة جديدة لإدارة العلاقة.

ففي مارس 2022 أعلنت الحكومة الإسبانية الدخول في «مرحلة جديدة» مع المغرب، تقوم على الاحترام المتبادل والشفافية والتواصل المستمر والامتناع عن الإجراءات الأحادية، مع التأكيد على التعاون في مواجهة التحديات المشتركة، وفي مقدمتها الهجرة والأمن (رئاسة الحكومة الإسبانية، 18 مارس 2022).[5]

ثم جاء لقاء رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز بالملك محمد السادس في أبريل من السنة نفسها ليمنح هذا التحول بعدًا سياسيًا أوضح، حين تحدث سانشيز عن بناء «شراكة حقيقية للقرن الحادي والعشرين» (رئاسة الحكومة الإسبانية، 7 أبريل 2022).[6]

لكن القيمة الحقيقية لهذا التحول لا تكمن في العبارات الدبلوماسية وحدها، وإنما في السؤال الذي تطرحه من زاوية الذكاء الاستراتيجي: لماذا اختارت مدريد إعادة ترتيب علاقتها مع الرباط في تلك اللحظة؟

الجواب لا يمكن اختزاله في عامل واحد.

فإسبانيا كانت أمام بيئة إقليمية ودولية تتغير بسرعة: الحرب في أوكرانيا، تصاعد التنافس الدولي، التحولات في شمال إفريقيا، تنامي أهمية أمن الطاقة، استمرار تحديات الهجرة، وتزايد الحاجة الأوروبية إلى شركاء موثوقين في الضفة الجنوبية للمتوسط.

وفي هذه البيئة، أصبح استقرار العلاقة مع المغرب أكثر ارتباطًا بالمصلحة الوطنية الإسبانية.

ولهذا فإن التحول الإسباني يمكن قراءته باعتباره انتقالًا من إدارة التوازن بين المصالح المتعارضة إلى محاولة بناء علاقة أكثر استقرارًا مع المغرب، من دون أن يعني ذلك التخلي عن الملفات التي تعتبرها إسبانيا حساسة.

وهنا تظهر إحدى أهم خصائص التفكير الاستراتيجي: الدول لا تغير مواقفها بالضرورة لأنها غيرت قناعاتها، وإنما قد تغير أولوياتها عندما تتغير البيئة المحيطة بها.

فما تغير بعد 2022 ليس بالضرورة كل عناصر النظرة الإسبانية إلى المغرب، وإنما تغيرت الأوزان النسبية للمصالح.

أصبحت قضايا مثل الهجرة، والأمن، والتجارة، والاستقرار الإقليمي، والتعاون الاقتصادي أكثر حضورًا في الحسابات الإسبانية، وهو ما انعكس في الخطاب الرسمي الذي وصف المغرب بأنه شريك استراتيجي لا غنى عنه لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في عدد من المجالات.

وهذا يتقاطع مع قراءة المعهد الملكي إلكانو للتحول الإسباني، الذي يربطه بتطور مفهوم المصلحة الوطنية الإسبانية وبالأهمية المتزايدة لعلاقة مستقرة ووظيفية مع المغرب.[7]

لكن هنا يجب الانتباه إلى نقطة أساسية: الشراكة لا تعني اختفاء المنافسة، والتقارب لا يعني زوال الخلافات.

فإسبانيا تستطيع أن تعتبر المغرب شريكًا استراتيجيًا في الهجرة والأمن والتجارة، وفي الوقت نفسه تحتفظ بحسابات خاصة تجاه سبتة ومليلية، وتراقب التحولات العسكرية والاقتصادية والإقليمية للمغرب.

وهذا ليس تناقضًا في التفكير الاستراتيجي، بل هو أمر طبيعي في العلاقات بين الدول.

فالاستراتيجية لا تقوم على ثنائية «صديق/عدو»، وإنما على القدرة على التعاون في المجالات التي تتقاطع فيها المصالح، وإدارة التنافس في المجالات التي تتعارض فيها المصالح، والاستعداد للسيناريوهات التي قد تنتج عنها أزمات.

ومن هنا يمكن القول إن التحول الذي بدأ سنة 2022 لم يضع حدًا للعقل الاستراتيجي الإسباني التقليدي تجاه المغرب، وإنما أعاد صياغته.

فالمغرب الذي كان يُنظر إليه تاريخيًا من خلال ثنائية الجوار والمخاطر، أصبح يُنظر إليه بصورة متزايدة من خلال ثلاثية أكثر تعقيدًا:

الشريك — الفاعل الإقليمي — والمنافس المحتمل في بعض المجالات.

وهذه الثلاثية هي التي ستحدد، إلى حد كبير، اتجاهات التفكير الإسباني في المرحلة المقبلة.

رابعًا: النخبة الفكرية — من «المغرب الجار» إلى «المغرب الفاعل جيوسياسيًا»

تمثل مراكز الدراسات الإسبانية نافذة أساسية لفهم ما يمكن تسميته المجتمع الاستراتيجي الإسباني.

ومن أهم هذه المؤسسات المعهد الملكي إلكانو، الذي لا يكتفي بتحليل العلاقات المغربية الإسبانية من زاوية ثنائية، وإنما يربطها بالأمن الأوروبي، وشمال إفريقيا، والهجرة، والطاقة، والتنافس المغربي الجزائري، والتحولات الدولية.

وفي دراسة منشورة سنة [8]2025، يقترح الباحث أليخاندرو دل بايي غالفث إعادة بناء الخطاب الإسباني حول سبتة ومليلية، مع التركيز على تقديم المدينتين باعتبارهما فضاءين أوروبيين ديمقراطيين، وعلى تطوير خطاب إسباني أكثر فعالية داخليًا ودوليًا بشأن «إسبانيتهما»

هذه الدراسة لا تعكس بالضرورة موقف الحكومة الإسبانية، لكنها مهمة لأنها تكشف كيفية إعادة إنتاج قضية سبتة ومليلية داخل النخبة الفكرية الإسبانية.

وهنا نصل إلى استنتاج مهم:

لم تعد المسألة في التفكير الإسباني مجرد «هل سبتة ومليلية إسبانيتان؟»، وإنما أصبحت أيضًا:

كيف ينبغي لإسبانيا أن تبني رواية استراتيجية تجعل وضع المدينتين أكثر رسوخًا داخل الوعي الإسباني والأوروبي والدولي؟

وهذا انتقال من الدفاع عن السيادة إلى إدارة الإدراك الاستراتيجي للسيادة.

خامسًا: سبتة ومليلية — من ملف ثنائي إلى مسألة أوروبية

الجغرافيا تجعل سبتة ومليلية عنصرًا دائمًا في الحسابات الإسبانية.

فإسبانيا لا تنظر إلى المدينتين فقط من زاوية علاقتها الثنائية مع المغرب، بل أيضًا باعتبارهما جزءًا من المجال الأوروبي.

وهنا تظهر أهمية استراتيجية العمل الخارجي الإسبانية 2025–2028، التي تجعل بناء أوروبا أقوى وأكثر قدرة على العمل الجماعي أحد محاور السياسة الخارجية الإسبانية، وتربط الأمن الإسباني بالأمن الأوروبي وبالقدرة على مواجهة التهديدات الجديدة [9].

ومن ثم يمكن فهم اتجاه داخل التفكير الإسباني يسعى إلى أوربة بعض عناصر الأمن المرتبطة بالجنوب الإسباني.

وهذا مهم بالنسبة إلى المغرب، لأن نقل قضية ما من المستوى الثنائي إلى المستوى الأوروبي يغير طبيعة ميزان التفاوض.

سادسًا: النخبة الدبلوماسية — البراغماتية بوصفها أداة استراتيجية

إذا كانت مراكز التفكير تصوغ المفاهيم، فإن الدبلوماسية تحولها إلى خيارات. وتقدم الوثائق الحكومية الإسبانية منذ مارس 2022 مثالًا واضحًا على هذا التحول.

فالحكومة الإسبانية لم تكتفِ بوصف المغرب بأنه «جار وصديق»، بل وصفته أيضًا بأنه شريك استراتيجي لا غنى عنه لإسبانيا والاتحاد الأوروبي في مجالات مراقبة الهجرة ومكافحة الإرهاب والعلاقات الاقتصادية والتجارية.

هذه العبارة الرسمية تستحق التوقف عندها.

فمصطلح «شريك استراتيجي لا غنى عنه» لا يعني مجرد تحسن في العلاقات الدبلوماسية؛ بل يعكس إدراكًا بأن هناك مصالح إسبانية لا يمكن تحقيقها بالكفاءة نفسها من دون التعاون مع المغرب.

وفي لغة الذكاء الاستراتيجي، هذا يسمى الاعتماد المتبادل.

والاعتماد المتبادل يخلق في الوقت نفسه فرصة ومصدر هشاشة:

كلما احتاج طرف إلى الآخر، ازدادت قيمة العلاقة؛ لكن كلما زاد الاعتماد، ازدادت حساسية الطرف تجاه احتمال استخدام هذا الاعتماد كأداة ضغط.

وهنا يمكن تفسير جزء من الحساسية الأمنية الإسبانية تجاه المغرب.

سابعًا: المؤسسة الأمنية — عندما تتحول العلاقة إلى سؤال «القدرات والنوايا»

في الدبلوماسية يكون السؤال عادة: كيف نحقق التعاون؟

أما في المؤسسة الأمنية والاستخباراتية، فالسؤال يصبح مختلفًا:

ما الذي يستطيع الطرف الآخر فعله؟ وما الذي قد يرغب في فعله؟ وما الأدوات التي يمكن أن يستخدمها؟

وهنا تظهر أهمية الاستراتيجية الإسبانية الجديدة للعمل الخارجي، التي تعتبر الأمن الوطني أولوية، وتدعو إلى زيادة القدرات الإسبانية وتعزيز الدفاع الجماعي ومكافحة الإرهاب، كما تشدد على حماية المرونة الديمقراطية في مواجهة التضليل والاستخدامات الخبيثة للتكنولوجيات الناشئة (وزارة الخارجية الإسبانية، 2025–2028).

هذه النقطة مهمة لأنها تكشف توسع مفهوم الأمن في العقل الاستراتيجي الإسباني.

لم يعد الأمن يعني فقط القوات المسلحة والحدود.

بل أصبح مفهوم الأمن أكثر اتساعًا، فلم يعد مقتصرًا على حماية الحدود والدفاع العسكري، بل بات يشمل قضايا الهجرة، والأمن السيبراني، ومواجهة التضليل، ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة، وحماية البنية التحتية الحيوية، وتعزيز الأمن الاقتصادي.

ومن ثم فإن تقييم المغرب داخل المؤسسة الأمنية لا يحتاج بالضرورة إلى وصفه بأنه «عدو» حتى يصبح موضوعًا للمراقبة الاستراتيجية.

فالذكاء الأمني يعمل على أساس القدرة والاحتمال، وليس فقط على أساس النية المعلنة.

ثامنًا: جورج ديسكايار — نموذج للنخبة الواقعة بين الدبلوماسية والاستخبارات

تكتسب تصريحات خورخي ديسكايار في هذا السياق، أهمية خاصة بسبب مساره المهني؛ فقد شغل منصب مدير المركز الوطني للاستخبارات الإسباني، كما عمل سفيرًا لإسبانيا لدى المغرب والولايات المتحدة وغيرها.

ولهذا فإن مواقفه تصلح كمؤشر على جزء من الثقافة الاستراتيجية داخل النخبة الدبلوماسية والأمنية الإسبانية، مع ضرورة التأكيد على أنها لا تمثل موقف الحكومة الإسبانية الرسمي.

في تصريحاته حول سبتة ومليلية، شدد ديسكايار على أن المطالب المغربية تجاه المدينتين لن تختفي، وأن إسبانيا بدورها لن تتخلى عن سيادتها عليهما.

من منظورنا، الأهمية هنا ليست في التصريح نفسه، وإنما في المنطق الذي يعكسه:

التعاون مع المغرب لا يلغي وجود خلافات سيادية استراتيجية طويلة الأمد.

وبالتالي فإن المدرسة الواقعية داخل النخبة الإسبانية تبدو وكأنها تنظر إلى العلاقة من مستويين متوازيين:

التعاون حيث تتقاطع المصالح، والاستعداد حيث توجد خطوط حمراء.

تاسعًا: الصحراء المغربية — الاختبار الأوضح لتقدم «المصلحة الوطنية»

تكشف دراسة إلكانو لعام 2026 أن التحول الإسباني منذ 2022 لم يكن انقلابًا مفاجئًا بقدر ما كان نتيجة لتراكم طويل من التغيرات في البيئة الدولية والإقليمية، ولإدراك إسباني متزايد لأهمية المغرب في الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي.

واللافت في الدراسة أنها تؤكد أن العلاقة مع المغرب أصبحت، بالنسبة إلى إسبانيا، ذات أولوية استراتيجية، وأن قدرة الرباط على التأثير في قضايا الأمن والهجرة والتعاون الاقتصادي تفوق قدرة الجزائر في بعض المجالات ذات الصلة المباشرة بالمصالح الإسبانية.

وهنا يظهر جوهر التحول:

لم تتغير فقط نظرة مدريد إلى الصحراء؛ بل تغيرت قيمة المغرب داخل معادلة المصلحة الوطنية الإسبانية.

وهذا فارق مهم.

عاشرًا: المغرب والجزائر — التنافس المغاربي في الحساب الإسباني

لا يمكن فهم التفكير الإسباني تجاه المغرب دون وضعه في سياق التنافس المغربي الجزائري.

فإسبانيا لا تتعامل مع المغرب باعتباره فاعلًا منفصلًا عن البيئة المغاربية، بل ضمن منطقة تتقاطع فيها المصالح المغربية والجزائرية والأوروبية.

وهذا يجعل مدريد أمام معادلة معقدة:

المغرب مهم في الهجرة والأمن والاقتصاد، والجزائر مهمة في الطاقة وفي التوازن الإقليمي.

ومن منظورنا، فإن قدرة إسبانيا على المناورة بين البلدين تعتمد على قدرتها على الفصل بين الملفات، وعدم السماح بأن يتحول الخلاف المغربي الجزائري إلى قيد كامل على السياسة الإسبانية.

الحادي عشر: الحاضر: من منطق الشراكة إلى «التعاون التنافسي»

إذا أردنا اختزال طبيعة المرحلة الراهنة في مفهوم واحد، فإن «التعاون التنافسي» يبدو أكثر دقة من مفهومي «التحالف» أو «الخصومة». فالعلاقة المغربية الإسبانية لم تعد قابلة للفهم من خلال ثنائية الصديق والخصم، وإنما أصبحت تقوم على معادلة أكثر تعقيدًا تتجاور فيها المصالح المشتركة مع عناصر التنافس، ويصبح فيها التعاون نفسه أداة لإدارة الاختلاف وليس بالضرورة تعبيرًا عن تطابق كامل في الرؤى والمصالح.

ففي المجالات التي تتقاطع فيها المصالح بصورة مباشرة، تبدو الحاجة إلى التعاون واضحة، خصوصًا في الهجرة ومراقبة الحدود ومكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة والتجارة والاستثمار، فضلًا عن عدد من الملفات المرتبطة بالأمن المتوسطي والقضايا الأوروبية والإفريقية. وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن استقرار هذه الملفات يخدم الطرفين، وأن كلفة القطيعة أو التوتر فيها يمكن أن تكون مرتفعة بالنسبة إلى المغرب وإسبانيا معًا.

لكن هذا التقارب لا يلغي وجود ملفات ذات طبيعة استراتيجية أكثر حساسية، في مقدمتها سبتة ومليلية، وقضية الصحراء المغربية، والتوازنات الأمنية والعسكرية، وتطور الدور الإقليمي للمغرب، إضافة إلى بعض أدوات الضغط غير المباشر. وهذه الملفات لا تنتمي بالضرورة إلى المستوى نفسه من الخلاف، لكنها تكشف أن الشراكة لا تعني اختفاء الحسابات الوطنية المتعارضة.

ومن منظورنا، تكمن أهمية هذه المعادلة في أن التعاون والتنافس لا يستبعد أحدهما الآخر. فقد تتعاون دولتان بشكل وثيق في مكافحة الإرهاب والهجرة، بينما تختلفان في قضايا السيادة والنفوذ الإقليمي؛ وقد تتوسع المبادلات التجارية والاستثمارات في الوقت الذي تواصل فيه المؤسسات الأمنية مراقبة تطور قدرات الطرف الآخر وتحليل اتجاهاته المستقبلية.

بل إن المفارقة الأهم هي أن نجاح التعاون قد يؤدي أحيانًا إلى زيادة أهمية التنافس؛ فكلما أصبحت الدولة أكثر اعتمادًا على شريكها في ملفات حيوية، ازدادت قيمة هذا الشريك، لكن ازدادت في الوقت نفسه حساسية الدولة تجاه قدراته وخياراته المستقبلية. ولذلك يمكن أن نجد في التفكير الإسباني تجاه المغرب صورتين متزامنتين: المغرب بوصفه شريكًا لا غنى عنه في عدد من الملفات، والمغرب بوصفه فاعلًا إقليميًا صاعدًا يستحق المتابعة والتقدير الاستراتيجي.

وعليه، فإن «التعاون التنافسي» ليس حالة انتقالية بالضرورة، بل قد يكون هو الشكل الأكثر استقرارًا للعلاقة في المستقبل المنظور. فالجغرافيا تفرض الجوار، والمصالح تفرض التعاون، بينما تفرض اختلافات المصالح والرهانات الإقليمية استمرار المنافسة. والقدرة الحقيقية على إدارة هذه العلاقة لن تقاس بغياب الخلافات، وإنما بقدرة الطرفين على احتواء التنافس، ومنع تحوله إلى أزمة، وتحويل الاعتماد المتبادل من مصدر هشاشة إلى مصدر استقرار.

ومن هذه الزاوية، فإن السؤال الاستراتيجي بالنسبة إلى المغرب لا ينبغي أن يكون: هل تنظر إليه إسبانيا باعتباره شريكًا أم منافسًا؟ وإنما: كيف يمكن للمغرب أن يجعل الشراكة هي الإطار الذي تُدار داخله المنافسة، بدل أن تصبح المنافسة هي الإطار الذي يحدد مستقبل الشراكة؟ وهذه النقطة تمثل، في تقديري، أحد أهم مفاتيح قراءة مستقبل العلاقات المغربية الإسبانية.

ثاني عشر: المستقبل — عندما يتحول المغرب من «شريك مهم» إلى «فاعل يجب الاستعداد له»

هنا يصل التحليل الاستراتيجي إلى أحد أكثر أسئلته حساسية: ماذا يحدث عندما تزداد أهمية المغرب في الحسابات الإسبانية؟

قد يبدو الأمر للوهلة الأولى بسيطًا: كلما ارتفعت قيمة المغرب بالنسبة إلى إسبانيا، ازدادت حاجتها إلى التعاون معه. غير أن منطق العلاقات بين الدول أكثر تعقيدًا من ذلك. فارتفاع أهمية الطرف الآخر لا ينتج الثقة وحدها، بل يدفع أيضًا إلى مزيد من المراقبة والتحليل والاستعداد.

فالمغرب الذي تزداد أهميته بالنسبة إلى إسبانيا في مجالات الأمن والهجرة والاقتصاد والطاقة والاستقرار الإقليمي، يصبح في الوقت نفسه فاعلًا يتعين على المؤسسات الإسبانية أن تتابع تطور قدراته، وأن تفهم خياراته، وأن تستشرف اتجاهاته المستقبلية. ومن هنا قد يجتمع في الإدراك الإسباني للمغرب عنصران يبدوان متناقضين، لكنهما في الحقيقة متكاملان: الحاجة إلى الشراكة، والحاجة إلى الاستعداد للاحتمالات.

وهذا يعني أن مستقبل العلاقة لن يتحدد على الأرجح بمنطق التحالف الكامل أو الخصومة، وإنما بمنظومة أكثر تركيبًا تجمع بين التعاون والمنافسة والردع وإدارة الأزمات. وستكون قدرة الطرفين على الفصل بين مجالات التعاون ومجالات الاختلاف، وعلى منع الخلافات المحدودة من التحول إلى أزمات استراتيجية، عاملًا حاسمًا في تحديد مسار العلاقة.

ثالث عشر: السيناريوهات — كيف يمكن أن تتطور العلاقة؟

انطلاقًا من هذه المعطيات، يمكن بناء أربعة سيناريوهات رئيسية، لا باعتبارها تنبؤات حتمية، وإنما باعتبارها مسارات محتملة يمكن رصد مؤشرات اقتراب العلاقة من أحدها.

السيناريو الأول: شراكة استراتيجية مستقرة.
يقوم هذا المسار على استمرار الدينامية التي بدأت سنة 2022، بحيث تتوسع مجالات التعاون الاقتصادي والأمني، ويتعزز التنسيق في قضايا الهجرة ومكافحة الإرهاب والتجارة والاستثمار، بينما تتم إدارة الملفات الخلافية من خلال الحوار والقنوات السياسية. ويظل هذا السيناريو الأكثر فائدة للطرفين، لأنه يحول الاعتماد المتبادل إلى مصدر للاستقرار بدل أن يتحول إلى أداة للضغط.

السيناريو الثاني: شراكة مع أزمات دورية.
وهو سيناريو أكثر واقعية إذا أخذنا بعين الاعتبار استمرار الملفات الحساسة، ولا سيما قضايا السيادة والهجرة والصحراء. في هذه الحالة لا تنهار الشراكة، لكنها تتعرض بصورة دورية لاختبارات وأزمات محدودة، قبل أن تعود قنوات الاتصال إلى العمل. ويعني ذلك أن العلاقة تصبح قادرة على امتصاص الأزمات بدل منعها بالكامل.

السيناريو الثالث: تعاون تنافسي أكثر وضوحًا.
في هذا المسار يستمر التعاون في الملفات التي تفرضها المصالح المشتركة، لكن المؤسسات الإسبانية تبدأ في التعامل مع المغرب بصورة أكثر وضوحًا باعتباره فاعلًا إقليميًا يمتلك قدرات وطموحات متزايدة. وهنا لا تختفي الشراكة، وإنما تترافق مع مراقبة أكبر للتحولات العسكرية والاقتصادية والجيوسياسية للمغرب، ومع استعداد إسباني أكبر للسيناريوهات البديلة.

السيناريو الرابع: أزمة ثقة استراتيجية.
وهو السيناريو الأكثر خطورة، ويمكن أن ينتج عن أزمة كبيرة مرتبطة بالحدود أو السيادة أو الهجرة أو أي تطور إقليمي يعيد تعريف المصالح الأمنية للطرفين. عندها قد تتراجع المقاربة البراغماتية لمصلحة المقاربة الأمنية، وترتفع أهمية الردع وتعزيز القدرات والاستعداد للأزمات. غير أن هذا المسار يبقى مرتفع الكلفة على الجانبين، وهو ما يجعل احتواء الأزمات ومنع تصعيدها مصلحة مشتركة.

ومن منظورنا، لا تكمن قيمة هذه السيناريوهات في اختيار أحدها مسبقًا، وإنما في تحديد المؤشرات التي تسمح باكتشاف التحول من سيناريو إلى آخر في وقت مبكر.

رابع عشر: مؤشرات الإنذار المبكر — قراءة ما قبل القرار

الذكاء الاستراتيجي لا ينتظر صدور القرار السياسي حتى يكتشف تغير الاتجاه، وإنما يبحث عن الإشارات الصغيرة التي تسبقه. ولذلك فإن متابعة التفكير الإسباني تجاه المغرب تقتضي مراقبة التحولات في اللغة والمفاهيم والمؤسسات، وليس فقط التصريحات السياسية.

ومن أهم المؤشرات التي تستحق المتابعة: تغير لغة الوثائق الرسمية من مفردات التعاون والشراكة إلى مفردات التهديد والردع والمرونة؛ ارتفاع حضور المغرب في وثائق الأمن والدفاع الإسبانية؛ تنامي النقاش الأوروبي حول سبتة ومليلية؛ تغير خطاب مراكز الدراسات الإسبانية بشأن المغرب؛ إعادة تعريف طبيعة التعاون العسكري والأمني في الجنوب الإسباني؛ حدوث تراجع ملموس في التعاون حول الهجرة؛ والأهم ظهور خطاب مؤسسي يربط المغرب بصورة مباشرة بمفاهيم مثل الضغط غير المباشر أو الحرب الهجينة.

وتكتسب هذه المؤشرات أهميتها لأنها تكشف تحولًا أعمق من تغير موقف حكومة أو تصريح مسؤول. فإذا تكررت في وثائق الدولة ومراكز التفكير والمؤسسات الأمنية، فإنها قد تشير إلى انتقال تدريجي في البنية الإدراكية الإسبانية للمغرب.

خامس عشر: ثلاث دوائر تصنع التفكير الإسباني

تكشف القراءة السابقة أن التفكير الإسباني تجاه المغرب لا يصدر عن مركز واحد، وإنما يتشكل داخل ثلاث دوائر متداخلة.

الدائرة الأولى هي النخبة الفكرية، التي تنتج المفاهيم والتفسيرات المتعلقة بالجغرافيا السياسية وموازين القوى والتحولات الإقليمية وموقع المغرب في المتوسط وإفريقيا. وتوفر مراكز الدراسات، وفي مقدمتها المعهد الملكي إلكانو، جزءًا مهمًا من هذه البيئة الفكرية.

أما الدائرة الثانية فهي النخبة الدبلوماسية، التي تحول هذه التصورات إلى خيارات عملية، وتعمل على إدارة المصالح والأزمات وبناء قنوات الاتصال والاعتماد المتبادل. وتكشف التحولات التي شهدتها العلاقات منذ 2022 أهمية هذه الدائرة في إعادة ترتيب الأولويات الإسبانية.

وتأتي الدائرة الثالثة، وهي المؤسسة الأمنية والعسكرية والاستخباراتية، التي تنظر إلى العلاقة من زاوية مختلفة، تركز على القدرات والنوايا والمخاطر والسيناريوهات والتهديدات التقليدية والهجينة.

ولا تعمل هذه الدوائر بصورة منفصلة؛ بل تتفاعل باستمرار. فالفكرة التي تنتجها مراكز التفكير يمكن أن تتحول إلى توصية سياسية، والتوصية يمكن أن تدخل في النقاش الدبلوماسي، بينما يمكن للتقديرات الأمنية أن تعيد توجيه القرار السياسي.

وبعبارة مكثفة: الفكر ينتج التصور، والدبلوماسية تدير المصالح، والمؤسسة الأمنية تختبر الاحتمالات. ومن خلال التفاعل بين هذه المستويات يتشكل جزء مهم من الإدراك الإسباني للمغرب.

خاتمة: من فهم التفكير الإسباني إلى التأثير فيه

تكشف هذه القراءة أن المغرب لم يعد في الحسابات الإسبانية مجرد جار جنوبي، وإنما أصبح في الوقت نفسه شريكًا اقتصاديًا وأمنيًا، وفاعلًا مغاربيًا وإفريقيًا متزايد الأهمية، وقوة إقليمية تستحق المتابعة الاستراتيجية. وهذه المستويات لا تلغي بعضها، بل تتعايش داخل رؤية إسبانية أكثر براغماتية وتعقيدًا.

غير أن النتيجة الأهم لا تتعلق بإسبانيا وحدها، وإنما بما ينبغي أن يعنيه ذلك بالنسبة إلى المغرب. فالمعرفة الاستراتيجية لا تتوقف عند سؤال: كيف تفكر إسبانيا في المغرب؟ بل تنتقل إلى سؤال أكثر تقدمًا: كيف يمكن للمغرب أن يؤثر في الطريقة التي تفكر بها إسبانيا فيه؟

وهنا ينتقل الذكاء الاستراتيجي من وظيفة الرصد إلى وظيفة التأثير. فمعرفة النخب التي تصنع التصورات، ومراكز التفكير التي تنتج السرديات، والمؤسسات التي تحدد المخاطر، والقنوات التي تتحول عبرها الأفكار إلى سياسات، تسمح بفهم البيئة التي تتشكل داخلها القرارات الإسبانية قبل أن تصل إلى مرحلة القرار النهائي.

ومن هذه الزاوية، فإن الاستثمار المغربي في علاقته بإسبانيا لا ينبغي أن يقتصر على القنوات الحكومية والدبلوماسية التقليدية، وإنما يحتاج أيضًا إلى حضور أكثر انتظامًا داخل المجتمع الاستراتيجي الإسباني: الجامعات، ومراكز التفكير، والبرلمان، والإعلام، ودوائر الدبلوماسية والدفاع والأمن.

فالأفكار التي تنتج اليوم في مراكز التفكير قد تصبح غدًا توصيات سياسية، والتوصيات قد تتحول إلى خيارات دبلوماسية، والخيارات قد تصبح لاحقًا جزءًا من الاستراتيجية الوطنية.

لذلك فإن السؤال الأكثر تقدمًا في فهم المستقبل المغربي الإسباني ليس فقط: ماذا ستفعل إسبانيا؟ وإنما: من يصنع الصورة التي ستبني إسبانيا على أساسها ما ستفعله؟

وهنا تحديدًا تكمن القيمة الحقيقية للذكاء الاستراتيجي: أن نقرأ القرار قبل صدوره، وأن نفهم البيئة التي تنتجه، وأن ننتقل من مجرد التكيف مع تفكير الآخر إلى المساهمة في تشكيل البيئة الإدراكية التي يتخذ داخلها الآخر قراره.

(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط.

المراجع الأساسية

  1. وزارة الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية، استراتيجية العمل الخارجي الإسبانية 2025–2028 — وهي المرجع الرسمي الأهم لفهم التصور الإسباني الحالي للعالم، والأمن، وأوروبا، والجوار الجنوبي.
  2. رئاسة الحكومة الإسبانية، بيان 18 مارس 2022 بشأن المرحلة الجديدة مع المغرب — لتوثيق التحول السياسي والمؤسسي في العلاقة.
  3.  مولينا، إغناسيو، وبابلو دل آمو. «بين المبادئ والمصلحة الوطنية: خمسون عامًا على الانسحاب الإسباني من الصحراء الغربية». المعهد الملكي إلكانو، 7 يناير 2026
  1. رئاسة الحكومة الإسبانية، لقاء سانشيز والملك محمد السادس، 7 أبريل 2022 — لتوثيق مفهوم «الشراكة للقرن الحادي والعشرين».
  2. Ignacio Molina & Pablo del Amo, Real Instituto Elcano, 2026 — من أهم المراجع لفهم الفرق بين الرأي العام والنخب الفكرية وجهاز الدولة والموقف الحكومي في قضية الصحراء، وكذلك علاقة المصلحة الوطنية بالتقارب مع المغرب.
  3. Alejandro del Valle Gálvez, Real Instituto Elcano, 2025, “New narratives for the Spanish cities of Ceuta and Melilla” — مهم جدًا لفهم كيفية بناء الخطاب الاستراتيجي الإسباني حول سبتة ومليلية.

[1]. Ministerio de Asuntos Exteriores, Unión Europea y Cooperación. Estrategia de Acción Exterior 2025–2028: Una política exterior con identidad propia. Madrid : Gobierno de España, 2025.

[2]. Presidencia del Gobierno de España, “Comunicado del Gobierno de España,” March 18, 2022.

[3]. مولينا، إغناسيو، وبابلو دل آمو. «بين المبادئ والمصلحة الوطنية: خمسون عامًا على الانسحاب الإسباني من الصحراء الغربية». المعهد الملكي إلكانو، 7 يناير 2026

[4]. Molina, Ignacio, and Pablo del Amo. “Between Principles and National Interest: 50 Years since the Spanish Withdrawal from the Western Sahara.” Elcano Royal Institute, January 7, 2026.

[5]. Presidencia del Gobierno de España, “Comunicado del Gobierno de España,” March 18, 2022.

[6]. رئاسة الحكومة الإسبانية. «بيدرو سانشيز ومحمد السادس يبدآن مرحلة جديدة في العلاقات بين إسبانيا والمغرب». 7 أبريل 2022. La Moncloa

[7]. Molina, Ignacio, and Pablo del Amo. “Between Principles and National Interest: 50 Years since the Spanish Withdrawal from the Western Sahara.” Elcano Royal Institute, January 7, 2026.

[8]. أليخاندرو دل بايي غالفث، «سرديات جديدة للمدينتين الإسبانيتين سبتة ومليلية»، المعهد الملكي إلكانو، 19 فبراير 2025.

[9]. وزارة الخارجية والاتحاد الأوروبي والتعاون الإسبانية. استراتيجية العمل الخارجي الإسبانية 2025–2028: سياسة خارجية ذات هوية خاصة. مدريد: حكومة إسبانيا، 2025.

زر الذهاب إلى الأعلى