
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
المقدمة
من قلب الولايات المتحدة الأمريكية، حيث سنحت لي فرصة القيام بزيارة علمية، وجدت نفسي أمام إشكال يتجاوز الانطباع الأولي إلى مساءلة عميقة لطبيعة الفعل السياسي الأمريكي. فبينما كنت أهدف إلى فهم الديناميات التي تحرك هذا الفعل من داخل مؤسساته الرسمية، قادتني الملاحظة الميدانية وبعض اللقاءات مع باحثين وخبراء إلى اكتشاف فاعل آخر، أقل ظهورًا لكنه أكثر تأثيرًا: مراكز التفكير (Think Tanks).
غير أن هذا الاكتشاف يطرح مفارقة جدلية أساسية؛ إذ يُفترض في هذه المراكز أن تكون فضاءات مستقلة لإنتاج المعرفة، تساهم في إغناء النقاش العمومي وتقديم بدائل علمية للسياسات. لكن، في المقابل، تكشف الممارسة عن دور يتجاوز هذا الإطار، حيث تتحول هذه المؤسسات إلى فاعل مؤثر في توجيه القرار، بل وفي صياغته أحيانًا. فهل نحن أمام مراكز بحثية محايدة، أم أمام بنية غير مرئية تشارك في هندسة السياسات العمومية؟
إن هذه الازدواجية بين المعرفة والسلطة، بين التحليل والتوجيه، هي ما دفعني إلى كتابة هذا المقال، ليس بهدف الوصف أو الجرد، بل من أجل تفكيك منطق اشتغال هذه المراكز، وتحليل موقعها داخل منظومة صناعة القرار الأمريكي. كما يندرج هذا المسعى في محاولة أوسع لاستنباط دلالات أعمق قد تساعدنا على فهم واستيعاب السياسة الأمريكية، ليس فقط من خلال مؤسساتها الرسمية، بل عبر شبكات التأثير التي تحيط بها وتغذيها.
وعليه، فإن هذا المقال ينطلق من فرضية مفادها أن فهم الفعل الأمريكي لا يكتمل دون استحضار الدور البنيوي الذي تضطلع به مراكز التفكير، باعتبارها أحد مفاتيح قراءة هذا النموذج السياسي المركب.
- من الملاحظة الميدانية إلى الإشكال التحليلي
لم يكن حضور مراكز التفكير في النقاشات التي تابعتها حضورًا عرضيًا أو تكميليًا، بل ظهر كعنصر بنيوي في تشكيل مضمون النقاش واتجاهاته. فقد بدا واضحًا أن هذه الفضاءات لا تشتغل فقط كمنابر لتبادل الأفكار، بل كحلقات وسيطة تربط بين إنتاج المعرفة وصناعة القرار. فالفكرة التي تُصاغ داخل ورقة بحثية سرعان ما تتحول إلى توصية، ثم تجد طريقها إلى دوائر التأثير، قبل أن تترجم—بدرجات متفاوتة—إلى سياسات عمومية أو مواقف رسمية.
غير أن هذا المسار، الذي يبدو في ظاهره طبيعياً ضمن منطق تفاعل المعرفة مع السياسة، يخفي في عمقه إشكالاً تحليليًا مركبًا. إذ يطرح مسألة حدود الفصل بين الفاعل المعرفي والفاعل السياسي: هل تقوم مراكز التفكير بدور استشاري محايد يمدّ صانع القرار بالخبرة، أم أنها تمارس، بشكل مباشر أو غير مباشر، وظيفة توجيه القرار ذاته؟
هنا تتبلور مفارقة جدلية دقيقة: فمن جهة، تُقدَّم هذه المراكز باعتبارها مؤسسات مستقلة، تنتج معرفة علمية موضوعية، ومن جهة أخرى، تكشف الممارسة عن درجة عالية من التداخل بينها وبين دوائر السلطة، سواء عبر تداول النخب أو عبر قابلية منتجاتها للتنزيل السياسي الفوري. وهو ما يجعل من الصعب اعتبارها مجرد فاعل خارجي محايد.
ومن هذا المنطلق، يتعمق الإشكال ليأخذ بعدًا أكثر جذرية: من يصنع السياسة في الولايات المتحدة؟ هل هي المؤسسات الرسمية التي تمتلك الشرعية الدستورية، أم أن مراكز التفكير أصبحت تمثل “العقل غير المرئي” الذي يؤطر الخيارات، ويحدد أولويات النقاش، ويوجه مسارات القرار؟
إن طرح هذا السؤال لا يعني نفي دور الدولة، بل يدعو إلى إعادة النظر في طبيعة السلطة داخل النموذج الأمريكي، بوصفها سلطة موزعة ومركبة، تتقاسمها مؤسسات رسمية وأخرى غير رسمية. وبهذا المعنى، فإن مراكز التفكير لا تحل محل الدولة، لكنها تسهم في إعادة تشكيل طريقة اشتغالها، عبر إنتاج الأفكار التي تتحول، في لحظة معينة، إلى سياسات ملزمة.
- خريطة متعددة المراكز… ولكن موحدة التأثير
تكشف القراءة التحليلية الأولية لخريطة مراكز التفكير في الولايات المتحدة الأمريكية عن مشهد بالغ التعقيد، قوامه التعدد والتنوع من حيث التخصصات والمرجعيات الفكرية. غير أن هذا التعدد، خلافًا لما قد يوحي به ظاهريًا، لا يعكس حالة من التشتت أو التنافر، بل يعبر عن نوع من “تقسيم العمل الفكري” داخل النسق السياسي الأمريكي، حيث تتوزع الأدوار بين هذه المراكز وفق تموقعاتها الإيديولوجية ووظائفها المعرفية.
فبحسب عدد من الدراسات، يتجاوز عدد مراكز التفكير في الولايات المتحدة أكثر من 1800 مركز، وهو ما يجعلها تحتل المرتبة الأولى عالميًا من حيث الكثافة والتأثير. غير أن هذا الحضور الكمي لا يكتسب دلالته الحقيقية إلا عند تفكيكه نوعيًا، من خلال ربط كل مركز بسياقه الفكري والسياسي.
في هذا الإطار، نجد مراكز ذات توجه ليبرالي أو تقدمي، من أبرزها مركز التقدم الأمريكي (Center for American Progress)، الذي يُعد من أهم الفضاءات الفكرية المرتبطة بالتيار الديمقراطي، ويشتغل على قضايا العدالة الاجتماعية، والسياسات العمومية ذات البعد الاجتماعي. ويمكن أن نضيف إليه مراكز أخرى مثل معهد الحضر (Urban Institute) ومعهد السياسة الاقتصادية (Economic Policy Institute)، التي تركز على قضايا الاقتصاد الاجتماعي وسوق الشغل.
في مقابل ذلك، تبرز مراكز محافظة، تشكل امتدادًا فكريًا للتيار الجمهوري، من أبرزها مؤسسة هيريتدج (Heritage Foundation)، الذي يُعد أحد أكثر المراكز تأثيرًا في السياسات العامة، خاصة في مجالات الاقتصاد الحر والقيم التقليدية، إلى جانب معهد المشروع الأمريكي (American Enterprise Institute) ومعهد كاتو (Cato Institute)، التي تمثل تيارات محافظة وليبرالية كلاسيكية (تحررية) تدافع عن تقليص دور الدولة وتعزيز السوق.
أما على مستوى المراكز ذات الطابع التحليلي البراغماتي، فنجد مؤسسات تحاول التموقع في منطقة وسطى بين التيارات، من قبيل معهد بروكينغز[1] (Brookings Institution)، الذي يُعد من أعرق مراكز التفكير وأكثرها تأثيرًا، ويتميز بمقاربة تجمع بين التحليل الأكاديمي والواقعية السياسية، إضافة إلى مراكز أخرى مثل مؤسسة راند (RAND Corporation) التي تشتغل بشكل وثيق على قضايا الأمن والدفاع والسياسات العمومية من منظور تقني واستراتيجي.
وعلى صعيد السياسة الخارجية، تبرز مراكز متخصصة تلعب دورًا محوريًا في صياغة الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة، من أبرزها مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations)، الذي يُعد فضاءً نخبويًا لإنتاج الأفكار المرتبطة بالعلاقات الدولية، إلى جانب مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace) ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies)، التي تشتغل على قضايا الأمن الدولي والتوازنات الجيوسياسية.
غير أن هذا التنوع الإيديولوجي والمؤسساتي يطرح مفارقة جدلية لافتة: فرغم اختلاف المرجعيات والتصورات، فإن هذه المراكز تشتغل، في العمق، داخل نفس الإطار القيمي الذي يؤطر الدولة الأمريكية، والمبني على مركزية المصلحة الوطنية، والحفاظ على الريادة الدولية، والدفاع عن النموذج الليبرالي الديمقراطي. وبذلك، فإن الاختلاف بينها لا يتعلق بالأهداف الاستراتيجية الكبرى، بقدر ما يرتبط بالوسائل والآليات والتموقعات التكتيكية.
من هنا، يمكن القول إن تعددية مراكز التفكير لا تعني تعددًا في الاتجاهات الاستراتيجية بقدر ما تعكس تعددًا في زوايا النظر داخل نفس المشروع الكلي. وهو ما يجعل من هذه الخريطة، رغم تشعبها، بنية متماسكة تسهم في إنتاج نوع من “الإجماع الاستراتيجي المرن”، حيث يُسمح بالاختلاف في التفاصيل، لكن دون المساس بالثوابت الكبرى.[2]
وبذلك، يتضح أن فهم خريطة مراكز التفكير في الولايات المتحدة لا يمر فقط عبر إحصاء عددها أو تصنيف توجهاتها، بل يقتضي تحليل كيفية اشتغالها داخل منظومة واحدة، تُعيد إنتاج نفسها عبر اختلافات ظاهرية تخفي وحدة في العمق الاستراتيجي.
- من الإنتاج المعرفي إلى صناعة القرار : بين البحث الأكاديمي وتدوير النخب
ما يلفت الانتباه في تجربة مراكز التفكير الأمريكية هو أنها لا تشتغل فقط بوصفها مؤسسات لإنتاج المعرفة أو التحليل الأكاديمي، بل تتجاوز هذا الدور التقليدي لتتحول إلى فاعل مباشر داخل منظومة صنع القرار العمومي. فهي لا تكتفي بتفسير الواقع أو اقتراح بدائل نظرية، بل تسعى إلى صياغة “قابلية القرار” نفسه، أي تحويل الأفكار إلى سياسات قابلة للتنفيذ داخل دوائر الحكم.
في هذا السياق، تبرز ظاهرة محورية تُعرف بظاهرة “الباب الدوار” (Revolving Door)، وهي آلية حركة مستمرة بين مراكز التفكير والمؤسسات الحكومية. فعدد كبير من الباحثين والخبراء ينتقلون من مراكز مثل معهد المشروع الأمريكي (American Enterprise Institute) أو غيره من المؤسسات البحثية إلى مواقع داخل الإدارة الأمريكية، سواء في البيت الأبيض أو الوزارات أو الوكالات الفيدرالية، ثم يعودون لاحقًا إلى نفس المراكز أو مؤسسات مشابهة بعد انتهاء مهامهم الرسمية.
هذه الحركة ليست مجرد انتقال مهني عادي، بل تعكس بنية أعمق من تداخل النخب المعرفية والسياسية، حيث تتداخل حدود “الخبير” و”صانع القرار”، إلى درجة يصبح معها الفصل بين إنتاج الفكرة وتطبيقها أمرًا إشكاليًا. فالخبرة هنا لا تُبنى خارج السلطة، بل داخل دوائرها المتحركة، مما يجعل المعرفة نفسها جزءًا من آليات الحكم وليس مجرد أداة استشارية محايدة.
من هنا، لا يمكن فهم الدراسات والتقارير الصادرة عن مؤسسات مثل معهد المشروع الأمريكي (American Enterprise Institute) أو غيره من مراكز التفكير المحافظة أو الليبرالية بمعزل عن سياقها السياسي. فهي ليست نصوصًا أكاديمية بحتة تُنتج في عزلة عن الواقع، بل هي غالبًا نصوص “مُهندسة سياسياً”، تُصاغ منذ البداية وفق منطق القابلية للتطبيق داخل مؤسسات الدولة. أي أنها لا تهدف فقط إلى الإقناع النظري، بل إلى التأثير المباشر في دوائر القرار وصياغة السياسات العامة.
هذا الطابع التطبيقي يمنح مراكز التفكير الأمريكية قوة تأثير استثنائية، لأنها تتحرك في المنطقة الرمادية بين المعرفة والسلطة: فهي من جهة تُنتج خطابًا يبدو علميًا وتحليليًا، ومن جهة أخرى تُسهم في تشكيل الأجندات السياسية وتوجيه الخيارات الاستراتيجية للدولة. وهكذا يصبح التفكير نفسه جزءًا من صناعة القرار، وليس مجرد مرحلة سابقة عليه.
لكن هذا التداخل يطرح إشكالية أساسية: إلى أي حد يمكن اعتبار هذه المعرفة “مستقلة”؟ أم أنها معرفة مشروطة بمنطق التمويل والتأثير السياسي والاصطفاف الأيديولوجي؟ فكلما اقترب الباحث من دوائر القرار، كلما أصبحت المعرفة أكثر ارتباطًا باعتبارات الفاعلية السياسية، وأقل ارتباطًا بالحياد الأكاديمي الصرف.
بناءً على ذلك، يمكن القول إن مراكز التفكير في السياق الأمريكي لا تعمل فقط كـ”مختبرات أفكار”، بل كـ”بنى وسيطة” بين المجتمع والدولة، تعيد تشكيل العلاقة بين المعرفة والسلطة، وتجعل من إنتاج الفكر جزءًا من ديناميات الحكم نفسها، وليس مجرد تعليق خارجي عليها[3].
التأثير في السياسات الداخلية: من اقتراح الحلول إلى هندسة النقاش العمومي
على المستوى الداخلي، يتجاوز دور مراكز التفكير مجرد تقديم بدائل تقنية أو حلول جاهزة لمشكلات السياسات العامة، ليصل إلى مستوى أكثر عمقًا وتعقيدًا يتمثل في هندسة النقاش العمومي نفسه. فهي لا تكتفي بالإجابة عن أسئلة مطروحة سلفًا، بل تشارك في تحديد طبيعة الأسئلة التي يُسمح أصلًا بطرحها داخل الفضاء العام.
في قضايا محورية مثل الضرائب، والرعاية الصحية، والتعليم، والهجرة، لا يظهر تأثير هذه المراكز فقط في مستوى “كيف نعالج المشكلة؟”، بل في مستوى أسبق: “ما هي المشكلة أصلًا؟ وكيف يتم تعريفها؟”. وهنا تتجلى قوتها الحقيقية، إذ إن التحكم في صياغة المشكلة يوازي – بل قد يفوق – أهمية اقتراح الحلول.
بمعنى آخر، تتحول مراكز التفكير إلى فاعل يشتغل على تأطير الإدراك الجماعي (Framing)، أي تنظيم الطريقة التي يُنظر بها إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي. فهي تساهم في إنتاج مفاهيم وسرديات تفسيرية تُقدَّم باعتبارها “معطيات موضوعية”، بينما هي في الحقيقة اختيارات معرفية محمّلة بتصورات أيديولوجية معينة.
من خلال هذا الدور، تصبح هذه المؤسسات بمثابة وسيط غير مرئي بين المجتمع وصانع القرار. فهي تُنتج خطابًا يبدو تقنيًا ومحايدًا، لكنه في العمق يُعيد ترتيب أولويات النقاش العام، ويحدد ما هو “قابل للنقاش” وما هو “خارج الاهتمام”. وهكذا لا تسبق هذه المراكز القرار السياسي فقط، بل تؤسس له من خلال بناء بيئة فكرية تمهّد له وتجعله يبدو طبيعيًا أو ضروريًا.
وتكمن الخطورة – أو القوة، بحسب زاوية النظر – في أن هذا التأثير لا يشتغل بشكل مباشر أو قسري، بل عبر الإقناع التدريجي وتشكيل القناعات. فالرأي العام لا يُوجَّه عبر أوامر، بل عبر تراكم تقارير ودراسات وخبراء يظهرون في الإعلام ويعيدون إنتاج نفس الإطارات التفسيرية، إلى أن تصبح هذه الإطارات “بديهية” في الوعي الجماعي.
- التأثير في السياسة الخارجية: من التحليل إلى بناء الرؤية الاستراتيجية
أما على مستوى السياسة الخارجية، فإن تأثير مراكز التفكير الأمريكية يتخذ بعدًا أكثر وضوحًا وعمقًا، لأنها تشتغل هنا ليس فقط على تفاصيل السياسات، بل على مستوى تصميم الرؤية الاستراتيجية للدولة تجاه العالم.
فالقضايا الكبرى مثل العلاقة مع الشرق الأوسط، أو الصين، أو روسيا، أو إفريقيا، لا تُدار فقط داخل دوائر دبلوماسية مغلقة، بل يتم إعداد جزء مهم من تصوراتها داخل مراكز التفكير المتخصصة في العلاقات الدولية والأمن الاستراتيجي، مثل مجلس العلاقات الخارجية (Council on Foreign Relations) أو مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي (Carnegie Endowment for International Peace) أو مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies).
خلال النقاشات التي يمكن ملاحظتها في هذا السياق، يتضح أن العديد من المقاربات التي تعتمدها الإدارة الأمريكية لا تظهر فجأة داخل المؤسسات الرسمية، بل تمتلك جذورًا فكرية سابقة في تقارير ودراسات معمقة أنتجتها هذه المراكز. بمعنى آخر، تتحول هذه المؤسسات إلى مختبرات لتوليد السياسات قبل أن تصبح سياسات فعلية.
لكن الأهم من ذلك أن دورها لا يقتصر على تحليل المعطيات الدولية أو تقديم توصيات تقنية، بل يتعداه إلى بناء “تصور للعالم” (Worldview)، أي إطار شامل لفهم النظام الدولي: من هو الحليف؟ من هو الخصم؟ ما طبيعة التهديدات؟ وكيف ينبغي ترتيب الأولويات الاستراتيجية؟
هذا التصور ليس محايدًا بطبيعته، بل يعكس دائمًا خلفيات فكرية وسياسية محددة، لكنه يُقدَّم في الغالب في صيغة تحليل علمي أو خبرة استراتيجية. ومع مرور الوقت، يتحول هذا التصور إلى مرجعية ذهنية لصانع القرار، تُوجّه اختياراته وتؤطر ردود فعله تجاه الأحداث الدولية.
ومن هنا يمكن القول إن مراكز التفكير لا تؤثر فقط في تفاصيل السياسة الخارجية، بل تشارك في صياغة “العقل الاستراتيجي” للدولة نفسها، أي الطريقة التي تفكر بها الولايات المتحدة في موقعها داخل العالم، وفي شكل النظام الدولي الذي تسعى إلى الحفاظ عليه أو إعادة تشكيله.
- بين الاستقلالية والتأثير: مفارقة بنيوية في عمل مراكز التفكير
رغم المكانة المركزية التي تحتلها مراكز التفكير داخل المنظومة السياسية والمعرفية الأمريكية، فإنها تظل محاطة بإشكالية بنيوية عميقة تتعلق بحدود استقلاليتها الفعلية. فهذه المؤسسات، وإن قدّمت نفسها بوصفها فضاءات “بحثية مستقلة”، إلا أنها تتحرك داخل شبكة معقدة من التمويل والتأثيرات التي لا يمكن فصلها بسهولة عن البنية السياسية والاقتصادية الأوسع.
فمسألة التمويل تظل في قلب هذا الإشكال؛ إذ تعتمد العديد من المراكز على تبرعات مؤسساتية، وشركات كبرى، وجهات مانحة ذات مصالح مباشرة أو غير مباشرة في السياسات العامة. وهذا ما يطرح سؤالًا جوهريًا: إلى أي حد يمكن للبحث العلمي أن يظل محايدًا عندما يكون ممولًا من فاعلين لهم أجندات اقتصادية أو سياسية واضحة؟
إضافة إلى ذلك، فإن بعض هذه المراكز لا تخفي ارتباطها بأجندات حزبية أو أيديولوجية، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، ما يجعل إنتاجها المعرفي أقرب أحيانًا إلى “معرفة موجّهة” منها إلى معرفة محايدة بالمعنى الأكاديمي الصرف. وهنا تتجلى المفارقة: فكلما ازدادت قوة هذه المراكز وتأثيرها، ازدادت في الوقت نفسه درجة تشابكها مع دوائر السلطة والقرار والتمويل.
في هذا السياق، يبرز أيضًا دور جماعات الضغط (اللوبيات) بوصفها فاعلًا مركزيًا داخل منظومة إنتاج المعرفة والتأثير السياسي في الولايات المتحدة، حيث لا يقتصر حضورها على مؤسسات القرار الرسمية، بل يمتد إلى الفضاء غير الحكومي، وخاصة مراكز التفكير. ومن بين هذه الفاعلين، تُعد اللوبيات المؤثرة في قضايا السياسة الخارجية، وفي مقدمتها ما يُعرف بـاللوبي الصهيوني (Israel lobby)، أحد أبرز الأمثلة على القدرة التنظيمية والتمويلية في توجيه النقاشات الاستراتيجية.
ويظهر تأثير هذا النوع من اللوبيات في مستويات متعددة: فمن جهة، تسهم في دعم وتمويل مراكز تفكير بعينها تتقاطع أطروحاتها مع تصوراتها حول قضايا الشرق الأوسط والسياسة الأمريكية تجاه إسرائيل؛ ومن جهة ثانية، تعمل على التأثير في الأجندات البحثية داخل هذه المؤسسات، سواء عبر رعاية دراسات محددة، أو دعم خبراء وباحثين يتبنون مقاربات منسجمة مع رؤيتها الاستراتيجية.
كما يمتد هذا التأثير إلى تأطير النقاش العمومي والسياسي من خلال إنتاج تقارير ومؤشرات وتحليلات تُستخدم لاحقًا داخل دوائر القرار، بما يساهم في ترسيخ تصورات معينة حول قضايا مثل الأمن الإقليمي، والصراع في الشرق الأوسط، والسياسات الأمريكية تجاه حلفائها وخصومها.
وبهذا المعنى، لا تعمل مراكز التفكير بمعزل عن شبكات النفوذ هذه، بل تتحول في كثير من الحالات إلى فضاء تتقاطع فيه المعرفة الأكاديمية مع المصالح المنظمة، حيث تلعب اللوبيات، وفي مقدمتها اللوبي الصهيوني، دورًا مهمًا في توجيه جزء من إنتاج المعرفة الاستراتيجية وتحديد مسارات تأثيرها داخل النظام السياسي الأمريكي.
غير أن هذه الدينامية لا تقتصر على فاعل واحد، بل تشمل طيفًا واسعًا من المجموعات المنظمة التي تسعى إلى التأثير في إنتاج المعرفة السياسية. ومن هنا يمكن فهم مراكز التفكير بوصفها ساحة تنافس ناعم بين رؤى ومصالح متعددة، حيث لا تُصاغ الأفكار في فراغ، بل داخل بنية من التأثيرات المتقاطعة التي تشمل الدولة، والقطاع الخاص، وجماعات الضغط، والمجتمع المدني.
في المقابل، يفتح هذا الواقع نقاشًا أكثر حساسية يتعلق بموقع الجاليات العربية والمسلمة في الولايات المتحدة داخل هذا الفضاء المعرفي–السياسي. فعلى الرغم من تزايد حضورها الديمغرافي والاقتصادي، وما تمتلكه من كفاءات أكاديمية ومهنية معتبرة، إلا أن تموقعها داخل مراكز التفكير وصناعة القرار لا يزال محدودًا نسبيًا، خاصة عند مقارنته بفاعلين آخرين أكثر تنظيمًا وقدرة على بناء النفوذ طويل المدى داخل هذه المؤسسات.
ويكمن جزء من هذا الضعف في عدة مستويات متداخلة: أولها ضعف التنسيق المؤسسي بين مكونات هذه الجاليات، حيث يغلب العمل الفردي أو الجمعوي المحدود على بناء شبكات ضغط منظمة ومستدامة. ثانيها غياب استراتيجية واضحة وطويلة المدى للاستثمار في الحقول المعرفية المؤثرة، مثل مراكز التفكير، والجامعات الكبرى، ومؤسسات البحث السياسي. وثالثها محدودية الحضور داخل دوائر إنتاج المعرفة السياسية نفسها، سواء على مستوى التمويل، أو التأثير، أو حتى صياغة الأجندات البحثية.
ومن هذا المنظور، يصبح السؤال الأساسي ليس فقط: كيف يمكن تفسير هذا التراجع النسبي في التأثير؟ بل أيضًا: كيف يمكن تجاوزه؟ إذ إن إدماج هذه الجاليات في دوائر إنتاج المعرفة السياسية والاستراتيجية يمر عبر مسارات متعددة ومتكاملة، من بينها تعزيز الحضور الأكاديمي داخل مراكز التفكير والجامعات، والانخراط في البرامج البحثية المتخصصة التي تُشكّل النواة الصلبة لصناعة القرار.
كما أن من بين الخيارات الاستراتيجية الممكنة تأسيس مراكز بحثية مستقلة أو دعم مراكز قائمة قادرة على تقديم مقاربات علمية رصينة حول القضايا الدولية والمحلية، بما يسمح ببناء خطاب معرفي مؤثر ومنافس داخل الساحة الفكرية الأمريكية. وإلى جانب ذلك، يبرز دور بناء شبكات خبراء (Expert Networks) قادرة على التواصل الفعّال مع صناع القرار، والمشاركة في النقاشات العمومية، والتأثير في صياغة السياسات من داخل المؤسسات لا من خارجها فقط.
ففي السياق الأمريكي، لا يُقاس التأثير فقط بالقوة الاقتصادية أو الحضور الاجتماعي، بل أيضًا بـالقدرة على تحويل المعرفة إلى رأسمال سياسي يُستخدم داخل مراكز القرار والتفكير. ومن ثم، فإن تجاوز هذا المأزق يتطلب انتقالًا من موقع “الحضور الاجتماعي” إلى موقع “الإنتاج المعرفي المؤثر”، باعتباره المدخل الحقيقي لبناء نفوذ مستدام داخل النظام السياسي الأمريكي.
ومع ذلك، فإن هذه الملاحظات لا تنفي أهمية مراكز التفكير، بل على العكس، تؤكد أنها ليست كيانات محايدة بالكامل، بل جزء من بنية مركبة تتداخل فيها المعرفة بالسلطة والمصالح بالأفكار، إلى درجة يصبح فيها الفصل الصارم بين هذه العناصر أمرًا صعبًا إن لم يكن مستحيلًا.
خاتمة: فهم الولايات المتحدة من داخل “العقل المفكر”
يمكن استخلاص أن فهم الفعل الأمريكي في الداخل والخارج لا يمكن أن يقتصر على تحليل المؤسسات الرسمية مثل الرئاسة، والكونغرس، ووزارة الخارجية، بل يتطلب أيضًا الانفتاح على هذا “العالم الموازي” الذي تمثله مراكز التفكير.
فهي لا تعمل فقط كفضاءات لإنتاج الدراسات والتقارير، بل تشكل في جوهرها عقلًا استراتيجيًا ممتدًا للدولة: يراقب، ويحلل، ويقترح، وأحيانًا يسبق صانع القرار نفسه في بلورة الخيارات الممكنة. إنها بنية فكرية وسيطة بين المعرفة والسلطة، وبين التحليل والتطبيق، وبين الأكاديمية والسياسة.
ومن ثم، فإن فهم خريطة هذه المراكز، وتحليل توجهاتها الفكرية، وتتبع شبكات تمويلها وتأثيرها، لا يُعد مجرد تفصيل ثانوي، بل يشكل مدخلًا أساسيًا لفهم كيف تُصاغ السياسات الأمريكية، وكيف تُبنى الأولويات الاستراتيجية، وكيف تتشكل موازين القوة داخل النظام الدولي.
ففي نهاية المطاف، لا تُدار القوة فقط عبر المؤسسات الرسمية، بل أيضًا عبر العقول التي تفكر فيها، وتعيد تعريفها، وتضع لها حدودها الممكنة.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
[1]. Shaikh, Salman.Think Tanks: A Social Good for the Global Community.” Brookings Institution, April 6, 2014.
[2]. The Global Go to Think Tank Index report issued by the University of Pennsylvania.”
[3]. McGann, James G.The Fifth Estate: Think Tanks, Public Policy, and Governance. Washington, D.C. : Brookings Institution Press, 2016.





