محاولة اغتيال الرئيس دونالد ترامب.. من الحدث إلى المعنى: كيف تُعيد المنظومة الأمريكية تشكيل العنف السياسي وصياغة دلالاته الاستراتيجية

في هذا المقال التحليلي لأستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي المغربي محمد السنوسي، المتواجد حاليا بالولايات المتحدة في مهمة علمية، يقربنا كمتخصص أكاديمي من فهم حادث إطلاق نار نجا منه الرئيس الأمريكي مساء أمس خلال حفل بأحد فنادق واشنطن. الحادث الذي شغل وسائل الإعلام الأمريكية والدولية وتابعه الرأي العام العالمي كمحاولة اغتيال، لا يبدو في دلالاته الكبرى، بالنسبة للخبير الاستراتيجي المغربي السنوسي، "مجرد واقعة تُسجَّل، بل لحظة كثيفة لإعادة تركيب الفهم العام للسياسة ذاتها، ولطريقة إدراك المجتمع الأمريكي لذاته في لحظات التوتر.

بقلم: د. محمد السنوسي *..

مقدمة: حين لا يُقاس الحدث بما يحدث بل بما يعنيه

في لحظات عدم اليقين الحاد، ولا سيما عند تداول تقارير عن عنف سياسي سواء كانت مؤكدة أو لا تزال في طور التحقق، لا يكون الحدث في الولايات المتحدة موضع اختبار بقدر ما يكون معناه هو ما يُختبر فعليًا. فالمسألة لا تتعلق بما وقع فقط، بل بكيفية إدراجه داخل أفق أوسع من الفهم والتأويل.

ولهذا، فإن الأحداث المرتبطة بشخصية دونالد ترامب لا تُستقبل باعتبارها وقائع معزولة أو حوادث منفصلة عن سياقها، بل تُدمج سريعًا داخل بنية تفسيرية معقدة تتداخل فيها أدوار الإعلام ومراكز التفكير والخبراء السياسيين. ومن خلال هذا التداخل، لا يُكتفى بوصف الحدث، بل يُعاد إنتاجه دلاليًا داخل شبكة من السرديات التي تعيد صياغة معناه وحدوده ومآلاته المحتملة.

هذا المقال محاولة لقراءة ما يجري اليوم وما حدث في واحدة من أكبر القوى الدولية، بعد تعرض رئيسها أمس لمحاولة اغتيال. وما يمنح هذه اللحظة ثقلها الاستثنائي ليس فقط حجم الحدث أو طبيعته المحتملة، بل الطريقة التي تكشف بها عن منطق اشتغال المنظومة الأمريكية في لحظات الضغط: كيف تُنتَج المعاني، وكيف تتشكل الأولويات، وكيف يتحول الحدث الواحد إلى ساحة تنافس بين تأويلات متعددة، يسعى كل منها إلى فرض تعريفه لما حدث وما الذي يعنيه.

بهذا المعنى، لا تبدو محاولة الاغتيال مجرد واقعة تُسجَّل، بل لحظة كثيفة لإعادة تركيب الفهم العام للسياسة ذاتها، ولطريقة إدراك المجتمع الأمريكي لذاته في لحظات التوتر. ومن هنا، يتحول الحدث السياسي في السياق الأمريكي من واقعة أمنية إلى “ساحة صراع على المعنى”، وهي ساحة لا تقل أهمية عن الحدث نفسه، بل قد تفوقه تأثيرًا في تشكيل نتائجه السياسية والاستراتيجية.

ويأتي ذلك كله ليقودنا إلى مستوى أعمق من التحليل، حيث لا تعود الواقعة في مركز الحدث بقدر ما تتراجع أمام تعدد القراءات المتنافسة حولها. فالمهم هنا ليس فقط ما حدث، بل كيف سيتم تأويله وإعادة صياغته داخل الفضاء العام والإعلامي والسياسي.

أولًا: انهيار مركزية الواقعة لصالح مركزية التفسير

في لحظة وقوع حدث عالي الحساسية—مثل ما حدث أمس في محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي—لا تبقى “الواقعة” في مركز التحليل إلا زمنًا قصيرًا جدًا. فهي تُستهلك بسرعة داخل دورة إعلامية وسياسية كثيفة، تتسابق فيها القنوات الإخبارية والمحللون ومراكز التفكير لطرح روايات أولية، قبل أن تتبلور المعطيات النهائية نفسها. عند هذه النقطة، يتراجع السؤال المباشر: ماذا حدث؟ ليحل محله سؤال أكثر عمقًا وتأثيرًا: كيف يجب أن يُفهم ما حدث؟

هذا التحول يبدو في ظاهره بسيطًا، لكنه في العمق يعكس انقلابًا في طريقة اشتغال السياسة والإعلام معًا. فالحقيقة لم تعد تُقاس بما حدث فعليًا فقط، بل بمدى القدرة على إنتاج تفسير مقنع له وإقناعيته داخل المجال العام.

وبهذا المعنى، يغدو الحدث جزءًا من “اقتصاد تنافسي للتفسير”، حيث لا يكفي أن يكون التأويل صحيحًا أو منطقيًا، بل يجب أن يكون مؤثرًا، سريع الانتشار، وقادرًا على الترسخ داخل الرأي العام.

فعلى سبيل المثال، يمكن قراءة الواقعة باعتبارها مؤشرًا على تآكل الثقة بالمؤسسات السياسية، أو بوصفها حادثًا أمنيًا معزولًا يكشف ثغرات في المنظومة الأمنية، أو كامتداد مباشر لحالة الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأمريكي. كما قد يذهب آخرون إلى ربطها بسياقات خارجية أوسع، مثل التوترات الجيوسياسية والحرب الدائرة مع إيران وما تخلقه من انعكاسات غير مباشرة على الداخل الأمريكي.

في هذا السياق، تنتقل السياسة من كونها عملية إبلاغ عن الوقائع إلى كونها عملية إنتاج للمعنى. فبدل أن يكون هناك سرد واحد واضح لما حدث، يتشكل فضاء أمريكي متعدد السرديات، تعمل داخله قوى مختلفة على إعادة تأطير الحدث كلٌ وفق منظوره. فهناك من يربطه بأزمة الديمقراطية وتعمّق الانقسام السياسي، وهناك من يركز على البعد الأمني والمؤسساتي وقدرة الدولة على حماية رموزها، وهناك من يدرجه ضمن صراع أوسع حول الهوية السياسية والشرعية داخل النظام الأمريكي نفسه.

وللتقريب، يمكن مقارنة ذلك بكيفية تغطية أحداث العنف السياسي في فترات سابقة: فحادثة واحدة قد تُقرأ في قناة على أنها نتيجة خطاب كراهية متصاعد، بينما تُقدَّم في قناة أخرى كدليل على فوضى أمنية أو تحيز سياسي داخل المؤسسات. وبين هذين التأطيرين تتشكل صورتان مختلفتان تمامًا للواقع نفسه، رغم أن الحدث واحد.

في مثل هذا الفضاء، لا يُحسم المعنى بشكل نهائي، بل يُترك مفتوحًا داخل تنافس مستمر. ومن ينجح في تثبيت تفسيره بوصفه الأكثر إقناعًا أو تكرارًا داخل الإعلام وشبكات التأثير، يكتسب نوعًا من “السلطة الرمزية” التي قد لا تقل أهمية عن السلطة السياسية التقليدية، لأنها تتحكم في كيفية رؤية الجمهور للحدث نفسه.

وتكمن الخطورة أو الأهمية الاستراتيجية هنا في أن السرديات لا تقتصر على شرح ما حدث، بل تمتد إلى التأثير فيما سيحدث لاحقًا. فطريقة تأطير الحدث تنعكس مباشرة على المزاج العام، وعلى مستوى الثقة بالمؤسسات، وعلى الاستقطاب السياسي، وعلى السلوك الانتخابي، بل وحتى على كيفية إعادة تعريف التهديدات في مجال الأمن القومي داخليًا وخارجيًا. فمثلًا، إذا تم تقديم الحدث كدليل على انهيار سياسي داخلي، فقد يدفع ذلك نحو تشدد سياسي أو تغييرات مؤسسية، وإذا قُدم كحادث فردي معزول، فقد يتم احتواؤه بسرعة دون أثر بنيوي عميق.

وبهذا المعنى، لا يعود التفسير مرحلة لاحقة للحدث، بل يصبح جزءًا من مساره نفسه. أي أن الحدث يولد ومعه معاركه السردية، التي تحدد امتداداته السياسية والاجتماعية.

في هذا المستوى الأعمق، يتحول الحدث إلى مرآة مزدوجة. فهو من جهة يكشف بنية الداخل الأمريكي: مدى تماسك النظام السياسي، عمق الاستقطاب، وقدرة المؤسسات والإعلام على إنتاج رواية مستقرة أو على الأقل قابلة للتعايش. ومن جهة أخرى، يكشف صورة الولايات المتحدة في الخارج، حيث لم يعد تقييم قوتها مرتبطًا فقط بقدرتها الأمنية أو الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على إدارة صورتها كساحة سياسية مستقرة في عالم شديد التنافس.

ويزداد هذا البعد أهمية في سياق دولي يتسم بتصاعد المنافسة الجيوسياسية، حيث لم تعد الدول تُقاس فقط بما تملكه من قوة صلبة، بل أيضًا بقدرتها على التحكم في سرديتها الخاصة. فالصورة الخارجية أصبحت جزءًا من القوة نفسها، وأي اضطراب داخلي يتم تضخيمه أو إعادة قراءته خارج الحدود يمكن أن يتحول إلى عنصر يؤثر في موقع الدولة عالميًا.

ما تكشفه هذه الدينامية في النهاية هو أن السياسة لم تعد تُمارس فقط عبر القرارات أو المؤسسات أو حتى القوة العسكرية، بل عبر القدرة على التحكم في “منطق التفسير” ذاته. فالمعركة لم تعد تنتهي عند وقوع الحدث، بل تبدأ فعليًا بعده، داخل ساحة سردية مفتوحة تتنافس فيها القوى على الإجابة عن أسئلة حاسمة: من يعرّف ما حدث؟ من يحدد معناه؟ ومن يملك سلطة تثبيت هذا المعنى داخل الوعي العام؟

وعليه، فإن الصراع الحقيقي لا يدور فقط حول الواقع نفسه، بل حول الطريقة التي يُسمح بها لهذا الواقع أن يُفهم، وأن يُروى، وأن يتحول إلى حقيقة سياسية مستقرة.

في تغطيتها لما تم تداوله اليوم على خلفية الحدث الذي هزّ المشهد السياسي الأمريكي، قدّمت وسائل الإعلام الكبرى في الولايات المتحدة قراءات متباينة تعكس، في عمقها، اختلافًا في طريقة فهم الحدث ذاته قبل حتى الوصول إلى حكم نهائي حول تفاصيله.

 فقد ركّزت ذا نيويورك تايمز (The New York Times) في متابعاتها الأولية على البعد البنيوي الأوسع للواقعة، مشيرة إلى أنها لا يمكن فصلها عن السياق العام للاستقطاب السياسي المتصاعد داخل الولايات المتحدة، وعن تآكل الثقة في المؤسسات، واحتدام الخطاب السياسي الذي بات أكثر حدة واستقطابًا في السنوات الأخيرة. ووفق هذا المنظور، لا يُنظر إلى الحدث كحادث معزول، بل كجزء من مسار طويل من التوترات التي تشكل البيئة السياسية الأمريكية.

 أما سي إن إن (CNN) فقد تعاملت مع التطورات بصيغة تجمع بين التغطية الإخبارية الفورية والتحليل السياسي السريع، حيث تم التركيز على الانعكاسات المباشرة للحدث على المشهد السياسي الراهن، وعلى ردود الفعل داخل الأوساط السياسية، إضافة إلى تسليط الضوء على احتمال تأثيره على المزاج العام وعلى ديناميات المرحلة الانتخابية المقبلة. في هذا السياق، بدا الحدث بالنسبة لتغطية القناة مرتبطًا بشكل مباشر بسيرورة التوتر السياسي الآني أكثر من كونه واقعة منفصلة.

في المقابل، قدّمت فوكس نيوز (Fox News) معالجة تميل إلى التركيز على الأبعاد الأمنية والسياسية للحدث، مع إبراز مسألة حماية الشخصيات العامة وكفاءة الأجهزة الأمنية، إلى جانب طرح تساؤلات حول البيئة السياسية التي وقع فيها الحادث. كما اتجهت بعض التحليلات في تغطيتها إلى التشديد على مسألة الانقسام الداخلي الحاد، وعلى ما إذا كان هذا النوع من الأحداث يعكس تدهورًا أوسع في مناخ الخطاب السياسي داخل البلاد.

ويُلاحظ من خلال هذه التغطيات الأولية أن الحدث نفسه لم يُقدَّم بوصفه واقعة أمنية فقط، بل تحوّل فورًا إلى موضوع مفتوح للتأويل السياسي والإعلامي، حيث أعادت كل وسيلة إعلام صياغته داخل إطارها التفسيري الخاص. وبهذا المعنى، لم يكن الاختلاف بين هذه التغطيات اختلافًا في نقل الخبر فحسب، بل اختلافًا في تعريف ما هو “الخبر” أصلًا، وفي تحديد زاوية النظر التي ينبغي من خلالها فهمه.

هذا التباين في زوايا المعالجة لا يظل محصورًا داخل الفضاء الإعلامي وحده، بل يمتد ليشكّل مدخلًا أوسع لإعادة إنتاج الحدث داخل دوائر أكثر تنظيمًا واشتغالًا على المدى الاستراتيجي. ومن هنا، تنتقل عملية التفسير من مستوى السرد الإعلامي المتعدد إلى مستوى أكثر تركيبًا، حيث تتدخل مراكز التفكير لإعادة تأطير الحدث ضمن سياقات تحليلية واستراتيجية أعمق.

ثانيا: مراكز التفكير وإعادة تأطير الحدث استراتيجيًا

في المقابل، تأتي مراكز التفكير لتؤدي وظيفة مختلفة عن الإعلام، فهي لا تكتفي بنقل الحدث أو تغطيته، بل تعمل على إعادة إدراجه داخل أفق تحليلي طويل المدى، يحوّله من واقعة آنية إلى “مؤشر دلالي” داخل فهم أوسع للبنية السياسية والأمنية في الولايات المتحدة.

 فقد قدّمت مؤسسة بروكينغز (Brookings Institution) قراءة تُعيد ربط مثل هذه الأحداث بسياقاتها البنيوية العميقة، معتبرة أن العنف السياسي لا يمكن تفسيره كحوادث منفصلة أو طارئة، بل كنتاج لتراكم طويل من الاستقطاب السياسي والاجتماعي وتآكل أرضية التوافق الوطني. ومن هذا المنظور، لا تكمن خطورة الحدث في ذاته فقط، بل في كونه قد يشير إلى نمط قابل للتكرار داخل بيئة سياسية تتسم بالانقسام الحاد وارتفاع منسوب التوتر الخطابي والمؤسساتي. وفي حالات سابقة مشابهة، شددت المؤسسة على أن فهم العنف السياسي يتطلب النظر إلى “المناخ السياسي العام” أكثر من التركيز على الفاعل الفردي.

 أما مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (Center for Strategic and International Studies)، تعامل مع الحدث من زاوية أكثر مؤسساتية وأمنية، حيث تم التركيز على قدرة الدولة على الاستجابة، وعلى صلابة منظومات الحماية الأمنية المخصصة للمؤسسات والشخصيات السياسية. في هذا الإطار، لا يُنظر إلى الحدث كحادث معزول، بل كاختبار لكفاءة الدولة في التعامل مع تهديدات غير تقليدية تتسم بالتعقيد والتداخل بين البعد الأمني والسياسي. وغالبًا ما تُطرح أسئلة تتعلق بمدى جاهزية الأجهزة الأمنية، وحدود التنسيق بين المستويات الفيدرالية والمحلية، وقدرة النظام ككل على منع تكرار مثل هذه الحوادث.

بين هذين المنظورين—البنيوي طويل المدى عند بروكينغز، والمؤسسي الأمني عند مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)—يتحول الحدث من واقعة صادمة في لحظتها إلى مادة تحليلية داخل منظومة أوسع من الفهم الاستراتيجي. فهو لا يُقرأ كحادث منفرد، بل كعلامة ضمن سلسلة من المؤشرات التي تساعد على قياس اتجاهات أعمق تتعلق باستقرار النظام السياسي الأمريكي، وقدرته على إدارة التوتر الداخلي المتصاعد.

وإذا كان هذا التحول يعكس إعادة تموضع الحدث داخل دوائر التحليل الاستراتيجي، فإنه يفتح في الوقت نفسه الباب أمام مستوى أكثر تعقيدًا من التفاعل، حيث لا يعود إنتاج المعنى حكرًا على مؤسسة بعينها، بل يصبح نتيجة تداخل بين الإعلام ومراكز البحث وصناع القرار، بما يجعل “المعنى السياسي” نفسه نتاجًا جماعيًا متنازعًا عليه.

ثالثا: تفاعل الإعلام والتحليل وإنتاج “المعنى السياسي

تتخذ أهمية ما جرى أمس في محاولة اغتيال الرئيس الأمريكي بُعدًا يتجاوز بكثير حدود الحدث الأمني نفسه، إذ سرعان ما انتقل من كونه واقعة صادمة في لحظتها إلى مادة مركزية في إعادة تشكيل النقاش العام داخل الولايات المتحدة. فبمجرد انتشار الخبر، دخلت المنظومة الإعلامية والتحليلية في حالة اشتغال مكثف أعادت من خلالها ترتيب الحدث داخل شبكاتها التفسيرية المختلفة.

في الساعات الأولى، بادرت وسائل الإعلام الكبرى إلى “التقاط الحدث” وإدخاله مباشرة إلى المجال العام عبر تغطيات عاجلة رسمت الإطار التفسيري الأولي قبل اكتمال الصورة الكاملة للوقائع. ولم يكن هذا الإطار الأولي محايدًا تمامًا، بل حمل منذ لحظاته الأولى بذور قراءات متعددة لطبيعة الحدث ودلالاته، سواء من زاوية أمنية أو سياسية، أو في سياق مناخ الاستقطاب الداخلي المتصاعد في البلاد، أو حتى في ارتباطه المحتمل بما يجري خارج الولايات المتحدة من ارتدادات مرتبطة بالحرب على إيران.

وبالتوازي مع ذلك، بدأت مراكز التفكير في واشنطن في إعادة إدراج الحادث داخل سياقات تحليلية أوسع. فقد جرى ربطه سريعًا، في قراءات أولية، بمسارات طويلة الأمد تتعلق بتصاعد العنف السياسي، وتزايد الاستقطاب الحزبي، والضغوط المتنامية على المؤسسات الديمقراطية. وبهذا المعنى، لم يعد الحدث يُقرأ كواقعة معزولة، بل كعرض محتمل لبنية سياسية واجتماعية أكثر تعقيدًا.

ومع تداخل هذين المستويين—الإعلامي والتحليلي—بدأ يتشكل تدريجيًا ما يمكن وصفه بـ“المعنى السياسي للحدث”، أي الطريقة التي يُعاد بها تفسير ما وقع، ليس فقط بوصفه حادثًا أمنيًا، بل بوصفه مؤشرًا على اتجاهات أعمق داخل النظام السياسي الأمريكي. هذا المعنى لا يُنتَج في مكان واحد، بل يتكون عبر التفاعل بين التغطية الإعلامية السريعة والتحليل الاستراتيجي اللاحق، ثم يتسرب تدريجيًا إلى النقاش العام.

وفي هذا السياق، لم يعد السؤال يدور حول تفاصيل ما حدث فقط، بل حول ما يعنيه هذا الحدث في لحظة سياسية مشحونة أصلًا. كيف سيؤثر على المزاج العام؟ كيف سيعيد تشكيل الخطاب السياسي؟ وكيف سينعكس على السلوك الانتخابي وعلى أولويات الأمن الداخلي والخارجي؟

وهكذا، فإن ما بدأ كحادث صادم أمس، يتحول اليوم إلى نقطة ارتكاز لإعادة التفكير في بنية السياسة الأمريكية نفسها، وفي حدود الاستقرار داخلها، وفي الطريقة التي تُنتَج بها سردية العنف السياسي وتُدار داخل الفضاء العام. غير أن هذا التحول لا يتوقف عند حدود الداخل الأمريكي، بل يمتد ليطرح أسئلة أوسع تتصل بموقع الولايات المتحدة داخل النظام الدولي، وبكيفية تداخل أزماتها الداخلية مع أدوارها الخارجية وانعكاسات ذلك على المشهد العالمي.

رابعا: من الداخل إلى الجغرافيا السياسية العالمية

يكشف هذا النوع من الأحداث، كما برز في تداعيات محاولة الاغتيال الأخيرة، عن ترابط متزايد بين ما يجري داخل الولايات المتحدة وبين موقعها في النظام الدولي. فالمشهد الداخلي لم يعد منفصلًا عن الصورة الخارجية، بل أصبح جزءًا من عناصر القوة أو الضعف التي تُقرأ بها الدولة على الساحة العالمية.

في هذا السياق، تشير تحليلات مؤسسة بروكينغز إلى أن صورة الولايات المتحدة كديمقراطية مستقرة ليست مجرد توصيف رمزي، بل ركيزة أساسية في بنيتها كقوة عالمية. إذ تمثل هذه الصورة جزءًا جوهريًا من “القوة الناعمة” التي تستند إليها واشنطن في تعزيز نفوذها خارج حدودها، سواء عبر الشرعية السياسية أو عبر نموذجها المؤسسي.

غير أن هذه الصورة تصبح أكثر هشاشة كلما جرى تفسير حوادث العنف السياسي—حتى وإن بدت معزولة—بوصفها مؤشرات على اختلالات داخلية عميقة أو تراجع في التماسك الاجتماعي والسياسي، أو حتى كامتداد غير مباشر لانعكاسات انخراط الولايات المتحدة في سياساتها الخارجية.

وفي الاتجاه نفسه، تذهب تحليلات مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى التأكيد على أن الاستقرار الداخلي لم يعد مسألة داخلية بحتة، بل أصبح مرتبطًا مباشرة بمستوى المصداقية الدولية للولايات المتحدة. فالدولة التي تطمح إلى لعب دور قيادي في النظام العالمي، خصوصًا في ظل تصاعد التنافس مع قوى كبرى أخرى، تحتاج إلى إظهار درجة عالية من التماسك الداخلي والقدرة على إدارة أزماتها دون اهتزاز صورتها الخارجية.

ومن هذا المنظور، فإن حدثًا يبدو في ظاهره داخليًا أو محدود النطاق—مثل محاولة اغتيال أو حادث عنف سياسي—لا يبقى محصورًا داخل حدوده الجغرافية والسياسية، بل يتحول بسرعة إلى عنصر يُعاد إدخاله في حسابات الجغرافيا السياسية العالمية. فهو يؤثر في كيفية إدراك الحلفاء لمدى استقرار الشريك الأمريكي، كما يفتح المجال أمام الخصوم لتوظيفه ضمن سرديات أوسع حول تراجع القوة أو هشاشة النموذج السياسي.

وهكذا، يصبح واضحًا أن الداخل والخارج لم يعودا مستويين منفصلين، بل أصبحا جزءًا من منظومة واحدة متصلة، حيث تتحول الأحداث الداخلية إلى إشارات ذات دلالة عالمية، تُقرأ وتُفسَّر وتُستثمر ضمن ميزان القوى الدولي المتغير.

خاتمة: من يملك الحدث يملك تفسير العالم

في المحصلة النهائية، تكشف هذه الدينامية المركّبة التي رافقت تداعيات محاولة الاغتيال الأخيرة أن السياسة الأمريكية لم تعد تُصاغ فقط داخل غرف القرار أو عبر المؤسسات الرسمية، بل باتت تُنتَج أيضًا في مستوى أعمق يتعلق بصناعة المعنى ذاته، أي بالكيفية التي يُفهم بها القرار أو الحدث قبل أن يُحسم أثره السياسي.

فما يظهر اليوم هو انتقال واضح من منطق “صناعة القرار” إلى منطق “صناعة الإدراك”، حيث لم يعد الفاعل السياسي يُقاس فقط بقدرته على الفعل، بل أيضًا بقدرته على التحكم في الإطار الذي يُفهم ضمنه هذا الفعل. وفي هذا السياق، تصبح المعركة الحقيقية ليست حول ما وقع فعليًا، بل حول كيفية تأويله وإعادة تقديمه داخل المجال العام.

ومن هنا، يتراجع السؤال التقليدي: ماذا حدث؟ ليُستبدل بأسئلة أكثر عمقًا وتعقيدًا: كيف جرى سرد ما حدث؟ من صاغ هذا السرد؟ ولماذا تم تأطيره بهذه الطريقة دون غيرها؟ والأهم من ذلك: من يمتلك القدرة على تثبيت هذا التفسير داخل الوعي العام بحيث يبدو كأنه التفسير الطبيعي أو الوحيد الممكن؟

إن ما تكشفه هذه اللحظة هو أن “امتلاك الحدث” لم يعد يعني امتلاك وقائعه المادية فقط، بل امتلاك القدرة على التحكم في مسار معناه، وفي الطريقة التي يُعاد بها إنتاجه داخل الإعلام، ومراكز التفكير، والنقاش السياسي، وصولًا إلى تشكيل الذاكرة العامة نفسها. وهكذا، يصبح الصراع في جوهره صراعًا على من يملك سلطة تعريف الواقع، لا فقط من يملك السيطرة عليه

. (*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط

زر الذهاب إلى الأعلى