
بقلم د. محمد السنوسي (*)..
مقدمة: حين تتحول الأزمات إلى مفاصل تاريخية
ليست كل الحروب مجرد حدث عسكري عابر يمكن احتواؤه ضمن جغرافيا محددة وزمن قصير. بعض الحروب يظل محصورًا في إطار صراع تقليدي محدود، بينما بعضها الآخر يتحول إلى نقطة انعطاف تعيد رسم موازين القوة، وتضع صلابة النظام الدولي نفسه على المحك. ما يجري اليوم حول إيران لا يمكن اختزاله في حسابات الجولة التكتيكية أو الاشتباك الموضعي؛ نحن أمام لحظة تتجاوز حدود الإقليم لتصل إلى جوهر البنية العميقة للعلاقات الدولية، لحظة تكشف عن هشاشة التوازنات التقليدية وتفتح بابًا لإعادة تشكيل قواعد اللعبة العالمية.
الخطأ الأكبر في قراءة هذه اللحظة هو اختزالها في ملف تقني مثل البرنامج النووي، أو التعامل معها باعتبارها تصعيدًا إضافيًا في سلسلة توترات مزمنة في الشرق الأوسط. هذا تبسيط مخلّ. فالصراعات الكبرى لا تُقاس فقط بما يُعلن من أهداف، بل بما تُحدثه من تحولات في توازنات الردع، وشبكات التحالف، وخرائط النفوذ. وحين تُستخدم القوة الصلبة في هذا التوقيت العالمي الحساس، فإن الرسالة لا تكون موجهة لطرف إقليمي فحسب، بل للنظام الدولي بأكمله.
نحن أمام اختبار لإرادة إعادة هندسة الإقليم عبر الضغط العسكري والسياسي المكثف، وهو ما يعني عمليًا اختبار قدرة القوى الكبرى الأخرى (الصين، روسيا، الخ) على قبول قواعد اللعبة أو السعي لتعديلها. فالسؤال الجوهري لم يعد: هل سيتم تقييد قدرات إيران؟ بل: هل ستُعاد صياغة معادلة القوة في الشرق الأوسط بطريقة تعيد تثبيت هيمنة أحادية صلبة، أم ستُدار الأزمة ضمن توازنات تحول دون الانزلاق إلى إعادة تشكيل قسرية؟
في مثل هذه اللحظات، لا يكون معيار النجاح هو من يحقق تفوقًا عسكريًا في ساحة محددة، بل من ينجح في تثبيت القواعد التي ستُنظم السلوك الدولي لاحقًا. من يحدد سقف التصعيد؟ من يرسم حدود الردع؟ من يفرض تعريف الاستقرار؟ هذه الأسئلة هي التي تصنع التحولات الكبرى.
وهنا يتجاوز النقاش حدود الشرق الأوسط ليصل إلى بكين. الصين اليوم ليست قوة بعيدة عن المشهد، حتى لو لم تكن طرفًا عسكريًا مباشرًا فيه. هي أكبر مستورد للطاقة من المنطقة، وأهم أعمدة الاقتصاد العالمي، وقوة صاعدة تتأثر بأي اختلال بنيوي في النظام الدولي. لذلك فإن ما يحدث لا يُعد شأنًا إقليميًا يمكن مراقبته من مسافة آمنة، بل معادلة تمسّ مستقبل التوازن العالمي الذي تستند إليه استراتيجية الصين طويلة المدى.
من هذا المنظور، يبرز السؤال المحوري:
هل يكفي للصين أن تلتزم بسياسة الحياد الحذر، مكتفية بحماية مصالحها المباشرة وتجنب الصدام؟ أم أن طبيعة اللحظة، بما تحمله من احتمالات إعادة هندسة قسرية للإقليم، تفرض عليها الانتقال إلى مستوى أعلى من إدارة التوازن العالمي — ليس عبر المواجهة، بل عبر توظيف أدواتها الاقتصادية والدبلوماسية لمنع اختلال قد تكون كلفته المستقبلية أكبر بكثير من كلفة التحرك اليوم؟
هذه هي الإشكالية التي تجعل اللحظة الراهنة اختبارًا تاريخيًا، لا لإيران أو للولايات المتحدة فقط، بل للصين أيضًا. ففي عالم يعاد تشكيله تحت ضغط القوة، لا يكون الحياد دائمًا موقفًا محايدًا، بل خيارًا استراتيجيًا له ثمنه. والسؤال الذي سيتردد في دوائر القرار العالمية لن يكون فقط عن مسار الحرب، بل عن طبيعة الدور الذي ستختار بكين أن تؤديه في إدارة واحدة من أكثر لحظات التحول حساسية في النظام الدولي المعاصر.
ما الذي تغيّر في طبيعة الصراع؟
مع اشتعال المواجهة حول إيران، يفرض الواقع الجديد قراءة دقيقة لطبيعة الصراع. ما لم يعد ينطبق هو تصور الحرب كأزمة محدودة أو كسباق عسكري لحظي؛ فالمعركة اليوم تحمل أبعادًا استراتيجية أوسع، تتعلق بإعادة ضبط توازنات القوة الإقليمية والدولية. لفهم هذا التحول، يصبح من الضروري تفكيك أهداف الفاعلين الرئيسيين: ليس كل من يعلن عن “منع البرنامج النووي” يسعى إلى نفس الغاية، فكل طرف يمتلك حساباته الخاصة التي تشكّل خريطة مصالح معقدة ومتشابكة.
هذا يأخذنا مباشرة إلى قلب التحولات، ويتيح التعمق في تباين المقاصد بين واشنطن وتل أبيب، وكيف تشكّل هذه الفجوة مفتاح أي قراءة استراتيجية حقيقية للمنطقة.
تباين المقاصد بين واشنطن وتل أبيب
القراءة التقليدية لهذا الصراع تفترض أن الولايات المتحدة وإسرائيل تتحدان تحت عنوان واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي. لكن الواقع أعقد بكثير. الفهم الدقيق للصراع يتطلب النظر إلى الطبقات الأعمق للقرار السياسي، وإدراك أن وحدة الخطاب لا تعني بالضرورة وحدة المقصد، وأن كل طرف يعمل ضمن منظوره الاستراتيجي الخاص.
بالنسبة لإسرائيل، المسألة لا تختزل في البرنامج النووي الإيراني كما تحاول أن تقدّمها للعالم. القضية في جوهرها أعمق بكثير: إنها أزمة ردع وأزمة وجود سياسي في آنٍ واحد. إسرائيل اليوم لا تتحرك بدافع منع قنبلة نووية فحسب، بل بدافع استعادة هيبة الردع التي كانت تشكّل العمود الفقري لهيمنتها الإقليمية.
للمرة الأولى منذ قيامها عام 1948، تواجه إسرائيل لحظة اضطراب بنيوي حقيقي يمسّ أساسات نظامها السياسي والأمني. ما كشفه طوفان غزّة 2023 لم يكن مجرد ثغرة أمنية عابرة، بل كشف تصدّعًا عميقًا في البنية النفسية والسياسية للدولة. فقد انهار جزء كبير من الأسطورة الأمنية التي قامت عليها إسرائيل، وتزعزعت ثقة المجتمع بالمؤسسة العسكرية التي كانت تُقدَّم بوصفها الضامن المطلق للأمن. وإلى جانب ذلك برزت انقسامات أيديولوجية حادّة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، بين تيارات دينية وقومية وليبرالية، فيما تبدو القيادة السياسية عاجزة عن إنتاج رؤية استراتيجية طويلة المدى، لكنها في المقابل متشبثة بالسلطة بأي ثمن.
غير أن هذا الارتباك الداخلي لا يلغي المشروع الأكبر الذي تسعى إليه إسرائيل منذ عقود: فرض تفوقها المطلق في الشرق الأوسط وتحويل بقية دول المنطقة إلى كيانات محكومة بسقف محدد من القوة والسيادة. الهدف الاستراتيجي ليس مجرد التفوق العسكري، بل بناء بيئة إقليمية لا تسمح بظهور أي قوة قادرة على موازنة إسرائيل أو تحدي هيمنتها. وفي هذا السياق تُنظر إلى إيران، ليس فقط كدولة قد تمتلك سلاحًا نوويًا، بل كقطب إقليمي قادر على تعطيل هذا المشروع.
لكن الأزمة التي تؤرق إسرائيل اليوم لا تقتصر على التحديات العسكرية أو الجيوسياسية. فالحرب الأخيرة في غزة سرّعت أيضًا عملية تآكل صورتها في العالم. فقد بدأت فجوة واضحة تتسع بين الخطاب الذي لطالما روّجت له إسرائيل عن نفسها بوصفها «واحة ديمقراطية»، وبين الواقع الابادي لسياساتها على الأرض. هذه الفجوة دفعت قطاعات واسعة من الرأي العام العالمي، وعددًا متزايدًا من الدول، إلى إعادة النظر في شرعية السياسات الإسرائيلية، وهو ما يضع تل أبيب أمام مأزق استراتيجي متصاعد.
في مواجهة هذه التحولات، تعتمد إسرائيل — بدعم مباشر من الولايات المتحدة وبدعم القوى الغربية التي كانت شريكًا تاريخيًا في إنشائها وترسيخ وجودها في قلب المنطقة — على استراتيجية واضحة: فرض معادلة القوة الصلبة على الأرض قبل أن تتغير موازين الشرعية الدولية. هذه الاستراتيجية تقوم على تفكيك شبكات النفوذ الإقليمي التي تعتبرها معادية، وضرب أي بنية قد تسمح بتشكّل محور إقليمي قادر على محاصرتها استراتيجيًا.
من هذا المنظور، فإن التحرك ضد إيران لا يقتصر على منعها من امتلاك قنبلة نووية. الهدف الأعمق هو إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية برمتها بطريقة تعيد تثبيت التفوق الإسرائيلي وتضمن بقاء إسرائيل القوة المهيمنة عسكريًا واستراتيجيًا في الشرق الأوسط. إنها محاولة لإعادة هندسة البيئة الجيوسياسية المحيطة بها قبل أن تتحول التحولات الحالية إلى واقع دائم يصعب تغييره.
لفهم الموقف الأمريكي في المواجهة مع إيران لا يكفي تتبع التصريحات السياسية أو رصد التحركات العسكرية الظاهرة. فهذه كلها تمثل السطح فقط. أما التفسير الحقيقي فيكمن في العودة إلى البنية العميقة للفكر الاستراتيجي الأمريكي: كيف تشكّل تاريخيًا، وكيف أُعيد توجيهه لاحقًا عبر شبكات النفوذ والتحالفات، وفي مقدمتها المشروع الصهيوني[1].
فالولايات المتحدة، منذ نشأتها، طوّرت تصورًا خاصًا لدورها في العالم يقوم على فكرة القيادة العالمية وإدارة التوازنات الدولية. غير أن قيام إسرائيل في قلب الشرق الأوسط فتح مسارًا جديدًا داخل هذا التصور. فالصهيونية لم تكتفِ بالحصول على دعم عسكري أو سياسي من واشنطن، بل عملت على التغلغل التدريجي داخل منظومة التأثير التي تصوغ القرار الأمريكي. تم ذلك عبر شبكات النفوذ السياسي، ومراكز التفكير الاستراتيجي، والمنظومات الإعلامية والثقافية التي تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل تصورات التهديد والمصلحة داخل الدولة الأمريكية.
بهذه الآليات جرى إدماج إسرائيل في المخيال الاستراتيجي الأمريكي لا بوصفها مجرد حليف، بل باعتبارها موقعًا متقدمًا للمصالح الغربية في الشرق الأوسط. ومع مرور الزمن، أدى هذا التداخل إلى إعادة صياغة أجزاء من الخطاب الاستراتيجي الأمريكي بحيث تتقاطع أولوياته تدريجيًا مع الأولويات الأمنية الإسرائيلية، خصوصًا فيما يتعلق بتحديد طبيعة التهديدات الإقليمية وتعريف من هو الخصم ومن هو الحليف.
لكن هذا التداخل لم يكن يومًا تطابقًا كاملًا. فالمصلحة الأمريكية، بحكم كونها قوة عالمية، أوسع بكثير من الحسابات الإسرائيلية. الولايات المتحدة تدير شبكة توازنات دولية تمتد من آسيا إلى أوروبا، وتواجه منافسين استراتيجيين بحجم الصين وروسيا[2]. أما إسرائيل فهي كيان إقليمي يتحرك أساسًا وفق منطق الحفاظ على الوجود والتفوق الأمني داخل محيطه المباشر. ولهذا ظل التحالف بين الطرفين قائمًا على تقاطع المصالح أكثر مما يقوم على تطابقها الكامل: فعندما تتقاطع الحسابات يظهر التحالف متماسكًا، لكن عندما تبدأ الحسابات الاستراتيجية بالتباعد يظهر التوتر تحت السطح.
اليوم، ومع تصاعد المواجهة مع إيران، يبدو الخطاب الأمريكي والإسرائيلي موحدًا في ظاهره. فكلاهما يعلن أن منع إيران من امتلاك قدرات استراتيجية متقدمة يمثل أولوية قصوى. غير أن هذا التوافق الظاهري يخفي تمايزًا متزايدًا في الحسابات العميقة.
إسرائيل تنظر إلى إيران من زاوية أمنية وجودية مباشرة. فهي ترى في تحجيم القوة الإيرانية، أو حتى تحطيمها، شرطًا أساسيًا لاستمرار تفوقها الإقليمي. أما الولايات المتحدة، فرغم عدائها الصريح لإيران، فإن حساباتها أكثر تعقيدًا واتساعًا. واشنطن تدرك أن حربًا شاملة في الشرق الأوسط قد تهدد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتستنزف قدراتها العسكرية والاقتصادية في وقت تواجه فيه تحديًا استراتيجيًا أكبر يتمثل في صعود الصين وعودة روسيا إلى لعب دور دولي فاعل.
لهذا تميل الولايات المتحدة إلى إدارة الصراع مع إيران أكثر مما تميل إلى تفجيره. هدفها الاستراتيجي ليس تدمير إيران بالكامل، بل احتواءها، وضبط سلوكها الإقليمي، ومنعها من التحول إلى قوة قادرة على إعادة تشكيل ميزان القوى في المنطقة[3].
ومن هنا بدأ يظهر في السنوات الأخيرة ما يشبه عودة تدريجية للوعي داخل بعض الدوائر الأمريكية بأن التطابق الكامل مع الرؤية الأمنية الإسرائيلية ليس بالضرورة في مصلحة الولايات المتحدة نفسها. فواشنطن تفكر بمنطق إدارة النظام الدولي على المدى الطويل، بينما تتحرك إسرائيل بمنطق الأمن الفوري والصراع الحاسم داخل فضائها الإقليمي.
بهذا المعنى تكشف الأزمة الحالية مع إيران عن أكثر من مجرد صراع جيوسياسي في الشرق الأوسط. إنها تكشف أيضًا عن بداية تمايز بطيء داخل التحالف الأمريكي–الإسرائيلي نفسه. فالتوافق ما زال قائمًا في الخطاب العلني، لكن تحت هذا الخطاب تتشكل فجوة متنامية في الحسابات الاستراتيجية: إسرائيل تفكر بمنطق البقاء والتفوق الإقليمي المباشر، بينما تفكر الولايات المتحدة بمنطق الهيمنة العالمية وإدارة التوازنات الكبرى، خصوصًا في مواجهة الصين وروسيا ومنع أي قوة منافسة من تقويض نفوذها الدولي.
هذه الفجوة لا تعكس مجرد اختلاف في وجهات النظر، بل تكشف تباينًا جوهريًا في تقدير المخاطر وسقف الطموحات. فإسرائيل تميل إلى إعادة تشكيل البيئة الإقليمية بشكل جذري يضمن تفوقها الدائم، بينما تسعى واشنطن إلى الحفاظ على النظام القائم ضمن حدود السيطرة الأمريكية، دون السماح بانفجار إقليمي واسع يخرج عن التحكم.
ومن هنا يتحول الصراع مع إيران من مسألة تقنية مرتبطة بتخصيب اليورانيوم إلى مسألة أعمق تتعلق بشكل النظام الإقليمي نفسه. لم يعد السؤال فقط: هل تمتلك إيران سلاحًا نوويًا أم لا؟ بل أصبح السؤال الأوسع: هل ستعاد صياغة المنطقة وفق منطق الهيمنة الأحادية، أم وفق توازنات جديدة تعيد توزيع القوة داخل الشرق الأوسط؟
وبذلك يتجاوز هذا الصراع حدود الإقليم ليصبح جزءًا من معادلة أوسع تتعلق بمستقبل النظام الدولي نفسه. فما يجري اليوم ليس مجرد مواجهة بين قوى إقليمية، بل اختبار حقيقي لقدرة القوى الصاعدة على إعادة موازنة الهيمنة الغربية، ولقدرة الولايات المتحدة على الحفاظ على موقعها في عالم يتجه تدريجيًا نحو تعددية قطبية أكثر تعقيدًا.
الخطر الحقيقي – من حرب إقليمية إلى إعادة تكريس الهيمنة
الخطر لا يقتصر على اندلاع حرب إقليمية محدودة، بل يكمن فيما يمكن أن تتركه من آثار بنيوية على النظام الإقليمي والدولي. الصراع حول إيران يحمل إمكانيات لتثبيت مرحلة جديدة من الهيمنة الصلبة، القائمة على القوة العسكرية المكثفة والقدرة على إدارة المنطقة بالقوة، بما يضعف أي محاولات للتوازن أو الاعتماد على قوى محلية أو إقليمية مستقلة[4].
أولًا، يمكن أن يؤدي هذا الصراع إلى إعادة تكريس الهيمنة العسكرية الغربية عبر عسكرة مكثفة تفرض قواعد اللعبة بالقوة، وتثبت أن القوة العسكرية تظل الأداة الأساسية لتحديد الموازين في المنطقة.
ثانيًا، من المرجح أن يعزز هذا السيناريو السيطرة على شرايين الطاقة الحيوية والممرات البحرية، بما يضمن استمرار النفوذ الأمريكي–الغربي على أسواق النفط والغاز العالمية، ويحول المنطقة إلى بيئة استراتيجية محكومة بالقدرة على التدخل السريع وفرض شروط السيطرة.
ثالثًا، ستتضاءل أي احتمالات للانتقال التدريجي نحو نظام متعدد الأقطاب، حيث تتحول المحاولات الرامية لإعادة توزيع النفوذ إلى رسائل تحذيرية تفيد بأن إعادة تشكيل الخرائط بالقوة ما زالت خيارًا مشروعًا.
رابعًا، يتحول الإضعاف البنيوي لإيران من هدف إقليمي محدود إلى سابقة استراتيجية، تؤكد مركزية القوة العسكرية الغربية في إدارة النظام الدولي، وترسل إشارات واضحة للقوى الصاعدة حول حدود تحركها ومقدار ما يمكن أن تفعله دون مواجهة مباشرة أو كلفة عالية.
بهذا المعنى، الصراع لم يعد مجرد مواجهة تكتيكية حول برنامج نووي، بل لحظة مفصلية لإعادة رسم موازين القوة الإقليمية والدولية، واختبار جدوى أي تحرك مستقل للقوى الصاعدة في ظل إرادة الهيمنة الغربية الصلبة.
لماذا لا يكفي الحياد الحذر للصين؟
قد يبدو الحياد الحذر خيارًا عمليًا في أزمات محدودة أو نزاعات ذات طابع محلي، حيث يسمح بتفادي الانخراط المباشر وتقليل المخاطر الآنية. إلا أن هذا النهج، في سياق حرب معلنة على إيران بما تحمله من أبعاد استراتيجية وجيوسياسية واسعة، لا يعود كافيًا، بل قد يتحول إلى عبء يضر بالمصالح الصينية على المدى المتوسط والبعيد. فالاستراتيجية الأمريكية–الإسرائيلية لا تقتصر على ملف نووي، بل تمتد لتشمل أبعادًا اقتصادية وجيوسياسية عميقة، تؤثر على توازن القوى الإقليمي والدولي. هذا الواقع يجعل البقاء على الحياد مجرد حل قصير الأمد، يحمل للصين مخاطر جسيمة، سواء على مستوى أمن الطاقة، استقرار سلاسل التوريد، أو قدرتها على الحفاظ على دور مؤثر في إدارة التحولات الدولية.
أمن الطاقة ليس مسألة ثانوية
الشرق الأوسط ليس مجرد منطقة نزاع بعيدة عن الصين[5]، بل هو الشريان الحيوي الذي يربط الاقتصاد الصيني بالعالم. النفط الخام والغاز الطبيعي ليسا وحدهما الأصول الحيوية، بل تمتد أهمية المنطقة لتشمل المعادن والمواد الخام الاستراتيجية التي تدعم الصناعة والتكنولوجيا الصينية. أي اضطراب طويل الأمد في هذه المنطقة لن يكون أزمة إقليمية فحسب، بل اختبارًا مباشرًا لقدرة الصين على حماية مصالحها الاقتصادية الكبرى والحفاظ على خططها التنموية الطويلة الأمد.
أولاً، تقلبات الأسعار تشكل تهديدًا مباشرًا. ارتفاع مفاجئ في أسعار النفط أو الغاز يضاعف تكلفة الإنتاج الصناعي، ويرفع كلفة الطاقة، ويضغط على الميزانية العامة، ويؤثر على القدرة التنافسية للصين في الأسواق العالمية.
ثانيًا، هشاشة سلاسل التوريد تجعل أي تعطيل للممرات البحرية أو للموانئ الحيوية كارثة استراتيجية. توقف تدفقات المواد الخام الأساسية لا يعرقل الصناعة والخدمات فحسب، بل يضعف القدرة على تنفيذ المشاريع الوطنية الكبرى ويجعل الاقتصاد أكثر عرضة للصدمات المفاجئة.
ثالثًا، ارتفاع كلفة النقل والتأمين يضاعف الضغوط على الشركات الصينية، ويزيد تكلفة الاستيراد والتصدير، ويضعف مكانة الصين التنافسية عالميًا.
لكن الأخطر ليس الاقتصاد وحده، بل الأبعاد الجيوسياسية المرتبطة بالطاقة. إذا سيطرت الولايات المتحدة وإسرائيل على مفاتيح حركة النفط والغاز أو استغلت أي اضطراب في الممرات البحرية كورقة ضغط استراتيجية، فإن الصين لن تواجه مجرد تقلبات أسعار، بل مواجهة مباشرة لإبقاء إمداداتها مستقرة تحت تهديد خارجي ممنهج. هذا التهديد ليس مجرد أزمة قصيرة الأجل، بل اختبار لقدرة الصين على حماية مصالحها الحيوية، وعلى إدارة التوازن في عالم يفرض فيه النفوذ الغربي سيطرته بالقوة.
بعبارة أخرى، مجرد التمسك بالحياد الحذر لم يعد خيارًا قابلًا للاعتماد. الصين أمام خيار صعب: إما الانتقال من مراقب متفرج إلى لاعب فاعل قادر على حماية خطوط إمدادها الحيوية، وتأمين مصالحها الاقتصادية، والمساهمة في استقرار منطقة الشرق الأوسط الحيوية، أو المخاطرة بتحويل هذه الأزمات إلى انفجارات اقتصادية وجيوسياسية تتجاوز السيطرة، مع ما يترتب على ذلك من خسائر استراتيجية على المستوى الإقليمي والعالمي.
الرهان اليوم ليس فقط على الاقتصاد أو الأمن، بل على القدرة على تحويل لحظة اضطراب عالمي إلى فرصة لإعادة صياغة التوازنات الدولية بطريقة تحفظ مصالح الصين وتمنع الغرب من فرض هيمنة أحادية مدمرة. الشرق الأوسط لم يعد ساحة بعيدة؛ إنه الساحة التي يُقاس فيها حجم القوة الاستراتيجية للصين وإدارتها لمصائر العالم القادمة.
دور الصين: من المراقب إلى الفاعل المؤثر
مع الأخذ في الاعتبار هذه المخاطر، يصبح دور الصين أكثر وضوحًا: ليست مجرد مراقب، بل لاعب قادر على إدارة التوازن وتقليل انعكاسات الصراع على مصالحه الحيوية. التحرك الصيني يجب أن يكون متعدد الأبعاد، يدمج بين القوة الاقتصادية والدبلوماسية والقوة الناعمة، ويوازن بين التأثير المباشر وغير المباشر في المنطقة:
- تعزيز محور القوى الصاعدة
وفق منهج الذكاء الاستراتيجي، لا تُقاس أهمية الدول فقط بقدراتها الذاتية، بل بموقعها داخل شبكة التوازنات الكبرى. وفي هذا الإطار، تمثل إيران عقدة ارتكاز جيوسياسية في أي تصور لنظام دولي متعدد الأقطاب يسعى إلى كبح الهيمنة الغربية–الإسرائيلية وإعادة توزيع النفوذ على نحو أكثر توازنًا.
من منظور صيني، لا تُقرأ إيران بوصفها مجرد دولة إقليمية ذات نفوذ عسكري أو سياسي، بل باعتبارها نقطة تماس بين آسيا الوسطى، الخليج، شرق المتوسط، وممرات الطاقة الحيوية. موقعها الجغرافي، وامتداداتها الإقليمية، وقدرتها على التأثير في معادلات الأمن والطاقة، يجعلها عنصر توازن لا يمكن تجاوزه في أي عملية إعادة تشكيل للشرق الأوسط.
دعم إيران، في هذا السياق، لا يُفهم كاصطفاف أيديولوجي أو تحدٍّ مباشر للغرب، بل كخطوة عقلانية لتعزيز صمود محور القوى الصاعدة أمام محاولات إعادة هندسة المنطقة بالقوة. فإضعاف إيران أو تحييدها بالكامل يعني عمليًا إزالة أحد أهم العوائق أمام فرض هيمنة أحادية القرار على الممرات البحرية وأسواق الطاقة والتوازنات الأمنية الإقليمية. أما بقاؤها فاعلة وقادرة على المناورة، فيُبقي المجال مفتوحًا أمام تعددية حقيقية في موازين القوة.
الحفاظ على مركزية إيران داخل المعادلة الإقليمية يمنح أيضًا هامشًا أوسع للتفاوض المرن. فحين لا تكون الهيمنة مطلقة، يصبح التفاوض ضرورة، وتتحول الأزمات من صدامات صفرية إلى عمليات إدارة توازن. هذا الوضع يخدم الرؤية الصينية القائمة على تجنب الانفجارات الكبرى، وإبقاء الصراعات ضمن مستويات يمكن احتواؤها سياسيًا واقتصاديًا بدل انزلاقها إلى مواجهات شاملة تعطل الاقتصاد العالمي.
ومن نفس المنظور كذلك، فإن دعم إيران لا يعني بالضرورة تدخلًا عسكريًا مباشرًا أو انخراطًا في صراع مفتوح. بل يتجسد في تقوية عناصر الصمود لديها: تعزيز التعاون الاقتصادي، توسيع الشراكات في مجالات الطاقة والبنية التحتية، دعم حضورها الدبلوماسي، وربطها بشبكة علاقات استراتيجية متينة مع الصين وروسيا ودول صاعدة أخرى. بهذا الشكل، يتحول الدعم إلى أداة لبناء توازن طويل الأمد، لا إلى مغامرة عسكرية قصيرة الأفق.
في المحصلة، المسألة بالنسبة للصين ليست الدفاع عن طرف بقدر ما هي الدفاع عن مبدأ التعددية القطبية ذاته. فإذا سقطت إحدى ركائز هذا التوازن، فإن النظام الدولي سيتجه مجددًا نحو أحادية مُحكمة، ما يضيق هامش الحركة أمام القوى الصاعدة ويجعل أي تفاوض مستقبلي يتم من موقع ضعف. لذلك، فإن قراءة موقع إيران ضمن هذه المعادلة هي قراءة في مستقبل شكل النظام الدولي، لا في حدود نزاع إقليمي عابر.
- حماية مصالح الطاقة والممرات الحيوية
وفق منطق منهجنا في التحليل الاستراتيجي، لا تُفصل حماية المصالح الاقتصادية عن إدارة التوازنات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، تصبح مسألة حماية مصالح الطاقة والممرات الحيوية مسألة سيادية من الدرجة الأولى بالنسبة للصين، لا مجرد أولوية تجارية.
أولًا: حماية مصالح الطاقة والممرات الحيوية
ضمان التدفق المستقر للنفط والغاز والموارد من الشرق الأوسط ليس خيارًا تقنيًا، بل ركيزة للأمن القومي الاقتصادي الصيني. فالصين، بوصفها مركزًا صناعيًا عالميًا، تعتمد على استقرار الإمدادات لضمان استمرارية الإنتاج، واستقرار الأسعار، وتوازن أسواقها الداخلية والخارجية. أي اضطراب ممتد في هذه الحلقة ينعكس مباشرة على النمو، والتوظيف، والاستقرار المالي[6].
من هنا، تبرز ثلاث مسارات استراتيجية متكاملة:
1. بناء شراكات لوجستية ضامنة لحرية الملاحة
تطوير علاقات عميقة مع دول الخليج والدول المحورية المطلة على الممرات البحرية الحيوية لا يهدف فقط إلى تأمين عقود طاقة، بل إلى خلق بيئة تعاون تضمن بقاء خطوط الملاحة خارج دائرة الابتزاز السياسي أو العسكري. كل شراكة لوجستية أو استثمار في البنية التحتية للموانئ هو في جوهره استثمار في تقليل المخاطر الاستراتيجية.
2. تنويع سلاسل التوريد وتقليل الاعتماد الأحادي
الاعتماد على ممر واحد أو مصدر واحد يمثل نقطة ضعف هيكلية. الذكاء الاستراتيجي يقتضي توزيع المخاطر جغرافيًا ووظيفيًا، بحيث لا يؤدي تعطيل ممر بحري أو تصعيد إقليمي إلى شلل اقتصادي واسع. التنويع هنا ليس ترفًا، بل بوليصة تأمين ضد تقلبات الصراع.
3. تحويل الطاقة من أداة ضغط إلى أداة استقرار
في حال تصاعد التوتر، قد تُستخدم الطاقة كورقة ضغط جيوسياسي. لذلك، تحتاج الصين إلى بناء أدوات اقتصادية ودبلوماسية قادرة على موازنة أي ضغوط غربية محتملة، عبر عقود طويلة الأمد، وآليات تسوية مالية بديلة، وتفاهمات متعددة الأطراف تقلل من قابلية التسييس. الهدف هو إخراج الطاقة من منطق الابتزاز وإعادتها إلى منطق المنفعة المتبادلة.
ثانيًا: الدبلوماسية متعددة المستويات
إدارة التوازن لا تتحقق عبر مسار واحد، بل عبر تحرك متزامن على مستويات متوازية، تضمن أن تبقى الصين حاضرة في كل طبقات المعادلة.
المحور الإقليمي:
تعزيز موقع إيران ضمن توازن إقليمي نسبي[7]، مع فتح قنوات تواصل فعالة مع دول الخليج وتركيا، يهدف إلى منع تشكل استقطاب حاد يقود إلى مواجهات مفتوحة. المقاربة هنا تقوم على تقليل احتمالات الانزلاق إلى صراعات جانبية توسّع دائرة الاشتعال.
المحور الدولي:
تفعيل الأطر متعددة الأطراف، واستخدام المنصات الدولية للضغط نحو خفض التصعيد، يحول النزاع من معركة عسكرية صفرية إلى أزمة سياسية واقتصادية قابلة للإدارة. كلما انتقل الصراع إلى طاولة التفاوض، زادت قدرة القوى الصاعدة على التأثير في نتائجه.
المحور الاستراتيجي مع القوى الكبرى:
التنسيق مع روسيا يهدف إلى خلق خط توازن صلب يمنع إضعاف محور القوى الصاعدة بشكل منفرد. غير أن هذا التنسيق يجب أن يُدار بعقلانية دقيقة، بحيث يعزز القدرة على التأثير دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة. الفكرة ليست خلق استقطاب شامل، بل فرض معادلة توازن تجعل أي قرار أحادي مكلفًا.
ثالثًا: إدارة الزمن كأداة قوة
في الأزمات الكبرى، لا يكون الزمن عاملًا محايدًا، بل أداة استراتيجية. من ينجح في إدارة الوقت ينجح في إعادة تشكيل الوقائع تدريجيًا.
الضغط المستمر لتخفيف التصعيد أو دفع الأطراف نحو التفاوض يمنع تراكم العوامل المؤدية إلى انفجار شامل. وفي الوقت نفسه، يمنح كل أسبوع إضافي فرصة لتعزيز النفوذ الاقتصادي، وترسيخ الشراكات، وبناء ترتيبات جديدة تقلل من أثر أي صدمة مستقبلية.
الأهم من ذلك، أن إدارة الزمن تحول دون تثبيت قواعد هيمنة دائمة قبل أن تتمكن القوى الصاعدة من إعادة تموضعها. فبعض التحولات، إذا تُركت لتترسخ، تصبح حقائق يصعب تغييرها لاحقًا إلا بكلفة باهظة.
الخلاصة الاستراتيجية
الحرب على إيران ليست نزاعًا إقليميًا محدودًا يمكن احتواؤه ضمن حدود جغرافية ضيقة، بل اختبار عالمي لقدرة القوى الصاعدة على التأثير في إعادة ضبط التوازن الدولي. بالنسبة للصين، المسألة لا تتعلق فقط بحماية واردات الطاقة أو الحفاظ على استقرار الأسواق، بل بتحديد موقعها في النظام الدولي المقبل[8].
تمتلك الصين موارد اقتصادية هائلة، وأدوات دبلوماسية متنامية، وشبكة علاقات مع إيران ودول المحور الصاعد تمنحها هامشًا فعليًا للتأثير. هذه لحظة نادرة يمكن من خلالها المشاركة في صياغة قواعد اللعبة، قبل أن تتحول الهيمنة الغربية–الإسرائيلية إلى إطار ثابت يصعب تجاوزه.
التحرك الذكي هنا ليس خيارًا تكميليًا، بل ضرورة استراتيجية. إنه يتعلق بحماية المصالح الحيوية، وتأمين استقرار الإقليم، والمساهمة في إعادة رسم توازن القوة الدولي بطريقة تقلل احتمالات الانفجار الشامل، وتحول دون انزلاق النظام العالمي إلى مرحلة اضطراب طويل الأمد يصعب احتواؤه.
المخاطر في حال الاكتفاء بالمراقبة
إذا قررت الصين الاكتفاء بدور المتفرج الحذر، فإن كلفة هذا القرار لن تكون آنية أو محدودة في نطاق الاقتصاد أو السياسة الإقليمية، بل ستتراكم لتطال بنية النظام الدولي ذاته. المسألة هنا لا تتعلق فقط بأسعار النفط أو استقرار سلاسل التوريد، بل بمستقبل موازين القوة في عالم يشهد إعادة تشكيل عميقة.
أولًا: عسكرة الشرق الأوسط وترسيخ منطق القوة
الشرق الأوسط في حال غياب توازن فعال قد يتحول إلى ساحة مفتوحة لسباقات تسلح متسارعة. أي تصعيد ضد إيران سيقابله تعزيز في التحالفات العسكرية، وزيادة في الإنفاق الدفاعي، وربما تحولات في العقائد العسكرية لدول المنطقة. ومع تراجع فرص التسوية السياسية، يصبح الردع العسكري هو اللغة السائدة.
في مثل هذا السيناريو، ستتحول الطاقة من سلعة اقتصادية إلى أداة ردع وضغط مستمر. لن تكون التقلبات ظرفية، بل جزءًا من بيئة استراتيجية مضطربة، حيث تُستخدم الإمدادات والتعطيلات كوسائل تفاوض أو ابتزاز. هذا التحول يضع الاقتصادات الكبرى، وفي مقدمتها الصين، أمام حالة عدم يقين مزمنة تؤثر في خططها التنموية بعيدة المدى.
ثانيًا: تثبيت الهيمنة الأحادية وتأجيل التعددية القطبية
الممرات البحرية الحيوية — سواء في الخليج أو البحر الأحمر أو شرق المتوسط — قد تبقى خاضعة لإرادة أحادية القرار، إذا لم تتشكل توازنات مضادة. في هذه الحالة، لن يكون الأمر مجرد تفوق عسكري مؤقت، بل إعادة تثبيت لبنية هيمنة طويلة الأمد.
هذا التثبيت يعني عمليًا أن أي استقرار مستقبلي في المنطقة سيكون مشروطًا بإرادة القوى الغربية–الإسرائيلية، ما يقلص قدرة القوى الصاعدة على التأثير في قواعد اللعبة. التعددية القطبية لن تنهار بالضرورة، لكنها ستتأخر أو تُفرغ من مضمونها، لتبقى شكلًا بلا قدرة فعلية على إعادة توزيع النفوذ.
ثالثًا: تآكل هامش المناورة الاستراتيجي
المراقبة السلبية لا تحافظ على الحياد بقدر ما تآكل هامش المناورة. فكل أزمة غير مُدارة اليوم تتحول إلى قيد إضافي غدًا. إذا انفجرت الأوضاع عسكريًا، ستجد الصين نفسها مضطرة لاتخاذ قرارات تحت ضغط الوقت والوقائع المفروضة، بدلًا من التحرك وفق استراتيجية مدروسة.
في السياسة الدولية، من يتحرك متأخرًا يدفع كلفة أعلى. التدخل المتأخر غالبًا ما يكون دفاعيًا، يهدف إلى تقليل الخسائر بدلًا من صياغة المكاسب. وهذا الفرق بين من يدير التوازن ومن يلاحق تداعياته.
رابعًا: الفراغ الاستراتيجي لا يدوم
في اللحظات المفصلية، الفراغ لا يبقى فارغًا. إذا لم تُبادر قوة قادرة على إدارة التوازن بوعي وذكاء، فإن التوازن سيُفرض بالقوة. والتوازن المفروض بالقوة لا يكون مستقرًا، بل هشًا وقابلًا للانفجار في أي لحظة، لأن جذوره لا تقوم على توافقات متبادلة بل على تفوق مؤقت.
فرض التوازن بالقوة يحمل مخاطر مضاعفة:
- احتمالية اندلاع مواجهات أوسع يصعب احتواؤها.
- إعادة تشكيل التحالفات على أسس استقطابية حادة.
- ارتفاع احتمالات سوء التقدير الاستراتيجي بين القوى الكبرى.
وهنا تكمن المفارقة: الامتناع عن إدارة التوازن بدعوى تجنب المخاطر قد يقود إلى مخاطر أكبر بكثير، لأن ترك المجال لقواعد لعبة تُفرض أحاديًا سيخلق توترات كامنة قد تنفجر لاحقًا بصورة أكثر عنفًا وتعقيدًا.
الاكتفاء بالمراقبة في سياق الحرب على إيران ليس خيارًا محايدًا، بل خيار ذو تبعات استراتيجية عميقة. إنه يعني قبول إعادة تشكيل النظام الإقليمي وربما الدولي دون مشاركة فعالة، وقبول تثبيت موازين قوة قد لا تخدم مصالح القوى الصاعدة على المدى الطويل.
في هذه اللحظة، المسألة ليست ما إذا كان التدخل مكلفًا، بل ما إذا كان الامتناع أقل كلفة فعلًا. إدارة التوازن، حتى بوسائل غير مباشرة، تمنح القدرة على التأثير في شكل النظام المقبل. أما تركه يُفرض بالقوة، فيحمل تداعيات قد تتجاوز قدرة أي طرف على احتوائها بسهولة.
اختبار اللحظة التاريخية
كل قوة صاعدة تواجه لحظة فاصلة في تاريخها، حيث لا يكفي حماية مصالحها المباشرة أو تحقيق المكاسب الاقتصادية قصيرة المدى، بل يصبح اختبارها الحقيقي في قدرتها على حماية النظام الدولي نفسه، النظام الذي يضمن مصالحها طويلة الأجل ويتيح لها استدامة نفوذها. الصين اليوم ليست مجرد قوة تجارية أو دولة مصدرة كبرى، بل محور أساسي في بنية الاقتصاد العالمي، مع شبكة معقدة من التجارة، الطاقة، والاستثمارات العابرة للقارات. هذا الموقع الاستراتيجي يفرض عليها مسؤولية غير معلنة: التدخل عند اللحظات الحرجة لمنع اختلال النظام الدولي حين يتحول هذا الاختلال إلى تهديد شامل للجميع.
السؤال الاستراتيجي لم يعد مجرد قدرة الصين على التحرك أو التفاوض، بل أصبح يتصل بالقدرة على تحمّل كلفة عدم التحرك. أي تأجيل أو موقف سلبي قد يترك الفراغ لقوى أخرى لإعادة رسم قواعد اللعبة وفق مصالحها الخاصة، ما قد يفرض على الصين لاحقًا تحمل تبعات باهظة اقتصاديًا وجيوسياسيًا وحتى أمنيًا. إدارة التوازن اليوم، رغم تعقيداتها وكلفتها الظاهرة، قد تكون أقل كلفة بكثير من محاولة احتواء نتائج انفجار شامل في المستقبل، سواء كان ذلك اقتصاديًا عبر تعطيل سلاسل التوريد والطاقة، أو عسكريًا من خلال صراعات مسلحة مفتوحة في الشرق الأوسط أو مناطق استراتيجية أخرى.
الشرق الأوسط، رغم بعده الجغرافي عن الصين، يمثل الساحة التي سيختبر فيها العالم قدرة بكين على التحول من قوة صاعدة تركز على المصالح المباشرة إلى قوة ضابطة للتوازنات. هذه القدرة لا تتعلق بالسيطرة المباشرة على الميدان، بل برسم مسارات الاستقرار، التأثير على القرارات الإقليمية، وخلق شبكة توازنات تجعل أي تصعيد غير محسوب أقل احتمالًا. باختصار، نجاح الصين في هذه المرحلة يعني أنها لن تكون مجرد لاعب اقتصادي عالمي، بل فاعلًا استراتيجيًا قادرًا على تشكيل النظام الدولي قبل أن تُفرض عليها قواعد اللعبة بالقوة، ويصبح لها دور محوري في إدارة التحولات الكبرى في العالم.
خاتمة: ما الذي سيقوله التاريخ؟
إذا جرى إعادة تشكيل الإقليم بالقوة، فإن انعكاساته لن تقتصر على الشرق الأوسط، بل ستتعداه إلى آسيا وإفريقيا وأوروبا، وستصبح مرجعية استراتيجية عالمية لصالح القوى الغربية–الإسرائيلية. أما إذا نجحت الصين في احتواء الصراع ضمن معادلة توازن جديدة، فستكون قد ساهمت في تحقيق انتقال أكثر استقرارًا للنظام الدولي، وخفضت من احتمالات التصعيد العشوائي الذي قد يدمر مصالح الجميع.
في لحظات التحول الكبرى، لا تُقاس مكانة الدول بحجم اقتصادها أو قدراتها العسكرية فقط، بل بقدرتها على قراءة اللحظة قبل أن تتحول إلى واقع مفروض. السؤال الذي سيُطرح لاحقًا في مراكز القرار العالمية لن يكون: هل كان بإمكان الصين أن تتحرك؟ بل: هل أدركت أن اللحظة كانت اختبارًا لدورها الاستراتيجي، أم تركت الآخرين يحددون شكل العالم القادم؟
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
مراجع
[1]. John J. Mearsheimer et Stephen M. Walt, Le Lobby pro-israélien et la politique étrangère américaine, Paris, La Découverte, 2007.2. Brzezinski, Zbigniew. Le Grand Échiquier : L’Amérique et le reste du monde. Paris : Bayard, 1997.
3. Hassner, Pierre. La puissance américaine. Paris : Gallimard, 2003.
4. Pollack, Kenneth M. The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America. Random House, 2004.
5. Shambaugh, David. China Goes Global: The Partial Power. Oxford University Press, 2013.
6 Kynge, James. China’s Belt and Road Initiative: A Strategic Blueprint. Financial Times Special Report, 2020.
7. Cordesman, Anthony H. Iranian Strategy in the Gulf: Strategic Challenges and Responses. CSIS, 2021. 7 Acharya, Amitav. The End of
[1]. John J. Mearsheimer et Stephen M. Walt, Le Lobby pro-israélien et la politique étrangère américaine, Paris, La Découverte, 2007.
[2]. Brzezinski, Zbigniew. Le Grand Échiquier : L’Amérique et le reste du monde. Paris : Bayard, 1997.
[3] .Hassner, Pierre. La puissance américaine. Paris : Gallimard, 2003.
[4]. Pollack, Kenneth M. The Persian Puzzle: The Conflict Between Iran and America. Random House, 2004.
[5]. Shambaugh, David. China Goes Global: The Partial Power. Oxford University Press, 2013.
[6]. Kynge, James. China’s Belt and Road Initiative: A Strategic Blueprint. Financial Times Special Report, 2020.
[7]. Cordesman, Anthony H. Iranian Strategy in the Gulf: Strategic Challenges and Responses. CSIS, 2021.
[8]. Acharya, Amitav. The End of American World Order. Polity Press, 2014.





