
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
فرضية الانطلاق: قراءة استراتيجية لقرار الهجوم
الانتقال من مرحلة “الردع المتبادل” إلى تنفيذ ضربة مباشرة ضد إيران من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل ليس مجرد تحرك تكتيكي، بل يمثل قرارًا استراتيجيًا ذا أبعاد إقليمية ودولية واسعة، قد يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ في الشرق الأوسط لعقود مقبلة. فالهجوم لا يهدف فقط إلى تحقيق مكاسب عسكرية عاجلة، بل يسعى لإعادة هندسة ميزان القوى الإقليمي، وفرض قواعد اشتباك جديدة تحدد العلاقة بين اللاعبين الرئيسيين في المنطقة، وتعيد ضبط مبدأ الردع المتبادل بين القوى النووية والإقليمية.
في هذا التحليل، سأبني قراءة عسكرية واستراتيجية متسلسلة لما يحدث منذ أمس، على أثر الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، مستندًا إلى ثلاثة محاور أساسية:
- البعد العسكري التكتيكي والاستراتيجي:
القرار يقرأ من منظور عسكري على أنه رهان مزدوج:- على صعيد التفوق التكتيكي، تعتمد الضربة على تفوق جوي وتقنيات سيبرانية حديثة لإحداث صدمة حاسمة في البنية العسكرية الإيرانية، تهدف إلى شل قدرات الردع الصاروخي وخلق لحظة تفوق تكتيكي سريع.
- على صعيد إدارة التصعيد، يسعى الهجوم إلى فرض سقف محدود يمنع التحول إلى حرب إقليمية شاملة، مع التحكم في مسار الأحداث لتجنب الانزلاق نحو صراع مفتوح وغير قابل للسيطرة.
- البعد السياسي والاقتصادي:
الرهان العسكري لا يشكل سوى نصف المعركة؛ أما الرهان الأكبر فيكمن في قدرة واشنطن وتل أبيب على امتصاص ارتدادات الصراع على المستوى الداخلي والخارجي. وتشمل هذه الارتدادات:- الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع أسعار الطاقة والتضخم العالمي.
- الاستنزاف السياسي الداخلي في الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصًا في ظل الاستقطاب الحاد والشبهات حول تأثير جماعات ضغط ومصالح خارجية على القرار السياسي.
- التحديات الدبلوماسية مع القوى الكبرى مثل الصين وروسيا، اللتين تراقبان المسار بعناية ويحتمل أن تستغلا أي فوضى استراتيجية لتعزيز نفوذها أو تحقيق مكاسب جيوسياسية.
- البعد الإقليمي ودور الجوار العربي:
أي تصعيد في هذه المواجهة له انعكاسات مباشرة وغير مباشرة على دول الجوار العربي، التي تجد نفسها أمام معضلة معقدة: بين الولاء للولايات المتحدة، والخوف من رد إيران المباشر، والحاجة إلى حماية اقتصاداتها المتأثرة بأسواق الطاقة العالمية.
التساؤلات الاستراتيجية الكبرى التي يطرحها هذا القرار هي:
- كيف ستوازن إسرائيل بين التفوق التكتيكي وعمقها الاستراتيجي المحدود؟
- هل تستطيع الولايات المتحدة فرض سقف تصعيد دون أن يخرج الصراع عن السيطرة ويستنزف مكانتها الدولية؟
- كيف ستستثمر إيران عقيدة الصبر والاستنزاف الاستراتيجي لتحويل الهزائم التكتيكية إلى مكاسب سياسية ودبلوماسية؟
- وما دور القوى الكبرى مثل روسيا والصين في إعادة تشكيل النظام الدولي تحت ضغوط الحرب؟
- وأخيرًا، ما هو مصير الجوار العربي، وأي تحولات استراتيجية سيشهدها الشرق الأوسط بعد هذه المواجهة؟
هذا المقال لا يرصد الأحداث، بل يطرح قراءة استراتيجية استشرافية لمسارات الحرب، موازنات القوى، وتحولات النظام الدولي المحتملة، مع التركيز على ما وراء الساحة العسكرية المباشرة، أي البعد الاستراتيجي والسياسي والاقتصادي للحرب.
ميزان القوى الحقيقي: ما وراء التفوق الجوي
المعضلة الاستراتيجية لإسرائيل: قوة ضاربة بلا عمق
إسرائيل تمتلك تفوقًا جويًا وتكنولوجيا دقيقة تجعلها قوة ضاربة في المنطقة، قادرة على توجيه ضربات بعيدة المدى ضد أهداف حساسة، مع بنك أهداف استراتيجي يمكنه إلحاق أضرار مباشرة بالبنية العسكرية الإيرانية. هذا التفوق يمنحها قدرة تكتيكية على شن هجمات سريعة وخلق حالة من الصدمة والسيطرة المؤقتة على مسرح العمليات، لكنه يظل أداة ذات أفق محدود في مواجهة صراع طويل الأمد.
إلا أن هذا التفوق يواجه حدودًا جوهرية تكشف هشاشة إسرائيل الوجودية وتضعها دائمًا أمام مأزق استراتيجي حقيقي:
- العمق الجغرافي المحدود: إسرائيل دولة صغيرة المساحة، وأي حرب صاروخية مكثفة أو هجمات عبر الحدود تهدد المدن الرئيسية والمرافق الحيوية بشكل مباشر، مما يجعل كل صاروخ أو هجوم محتمَل أزمة أمنية كبرى لا يمكن امتصاصها بسهولة.
- القدرة المحدودة على امتصاص الصدمات: الضربات الإيرانية المكثفة، سواء بالصواريخ الدقيقة أو عبر الوكلاء والمنظمات المسلحة على الحدود، يمكن أن تُنشئ ضغطًا مستمرًا على البنية الأمنية، مما يعطل العمليات العسكرية ويستنزف القوات والموارد بسرعة أكبر من المتوقع.
- اقتصاد هش أمام تعطيل طويل الأمد: أي توقف للموانئ أو المطارات لأيام أو أسابيع يمكن أن يؤدي إلى شلل اقتصادي داخلي، يضغط على الحكومة للحد من العمليات العسكرية مهما كان التفوق العسكري، ويخلق صعوبة في الحفاظ على معنويات السكان خلال مواجهة استنزاف مستمر.
الاستنتاج الاستراتيجي:
إسرائيل قادرة على تحقيق نجاح تكتيكي محدود في الأيام الأولى من الحرب، لكن استمرار الصراع لأكثر من 30–45 يومًا سيكشف حدود قدرتها على الصمود الاقتصادي والاجتماعي، ويعرض معنويات السكان للانهيار وأمنها الداخلي للخطر. هذا يجعل أي مغامرة عسكرية طويلة الأمد بمثابة رهان وجودي محفوف بالمخاطر، حيث تصبح القوة العسكرية غير قادرة بمفردها على تحويل التفوق التقني إلى انتصار استراتيجي مستدام.
الولايات المتحدة: القوة العظمى المقيدة
الولايات المتحدة تظل القوة العسكرية الأضخم عالميًا، تمتلك قدرات جوية وبحرية وبرية وفضائية لا تضاهى، مع ترسانة تقنيات استخبارية وسيبرانية متقدمة تتيح لها فرض سيطرتها على أي مسرح عمليات. لكن القوة العسكرية وحدها لا تكفي؛ فالولايات المتحدة تدخل أي مواجهة مع إيران ضمن سياق متعدد الأزمات والقيود الاستراتيجية.
أولاً، هناك المنافسة المستمرة مع الصين، التي تركز على بحر الصين الجنوبي وقضية تايوان، ما يفرض على واشنطن عدم تشتيت قواتها بعيدًا عن المحيط الآسيوي.
ثانيًا، الولايات المتحدة منخرطة في صراع بالوكالة مع روسيا في أوكرانيا، ما يستنزف الموارد السياسية والاقتصادية والعسكرية، ويجعل أي جبهة إضافية عبئًا مزدوجًا.
ثالثًا، هناك الاستقطاب الداخلي الحاد والانقسام السياسي، مع ضغوط انتخابية وأجندات قصيرة المدى، يقيد قدرة الإدارة على خوض حرب طويلة بدون تكلفة سياسية باهظة.
رابعًا، هناك الحساسية الاقتصادية تجاه تقلب أسعار الطاقة والتضخم، حيث أي تصعيد في الخليج ينعكس فورًا على الاقتصاد الأمريكي والأسواق العالمية.
لكن الأزمة الأمريكية تمتد أيضًا إلى الشرعية الداخلية للقيادة، التي تواجه اتهامات بالانصياع للضغوط الصهيونية والإسرائيلية، خاصة في أعقاب فضيحة جيفري إبستين وما ارتبط بها من علاقات سياسية وأخلاقية مثيرة للجدل. هذه الفضيحة تركت إرثًا من الشكوك حول استقلال القرار الأمريكي في سياسات الشرق الأوسط، وهو ما يضع الإدارة في مأزق مزدوج: ضرورة خوض عمليات عسكرية فعالة، مع الحفاظ على صورة القيادة الأمريكية كجهة مستقلة وموثوقة، داخليًا وخارجيًا.
المعضلة الأساسية واضحة: أي حرب طويلة في الخليج سترفع أسعار النفط عالميًا، وستزيد الضغط على التضخم الداخلي، وستشتت القوة العسكرية عن مناطق استراتيجية كآسيا والمحيط الهادئ، كما ستعزز الرواية الصينية–الروسية عن تراجع الهيمنة الأمريكية على النظام الدولي، وتثير الشكوك حول استقلالية القرار الأمريكي أمام النفوذ الإسرائيلي.
لذلك، استراتيجية واشنطن في أي مواجهة مع إيران ليست حربًا مفتوحة، بل محاولة لضربة محدودة ومدروسة، تهدف إلى تحييد القدرات الإيرانية الاستراتيجية دون الانزلاق إلى صراع استنزاف طويل الأمد. لكن التحدي الأكبر هو أن إيران لا تعمل وفق منطق الضربة–الرد فقط، بل تعتمد على استراتيجية استنزاف مركّب وطويل الأمد، مستغلة أي ضعف سياسي أو اقتصادي أو أخلاقي في واشنطن.
إيران: عقيدة الصبر الاستراتيجي
إيران لا تتنافس مع الولايات المتحدة أو إسرائيل على الأرض أو في الجو بنفس المعايير التقليدية للقوة العسكرية، لكنها تعتمد على استراتيجية الصبر والردع غير المتكافئ التي تجعل أي مواجهة معها معقدة وطويلة الأمد.
أولًا، لدى إيران كثافة صاروخية كبيرة، تشكل تهديدًا مستمرًا للبنية التحتية الحيوية في إسرائيل ودول الخليج، وتتيح لها فرض تكلفة مبدئية كبيرة على أي خصم قبل الوصول إلى صدام مباشر.
ثانيًا، تتمتع إيران بميزة الشرعية الرمزية والدينية والسياسية من خلال دعمها للقضية الفلسطينية والمقاومة، وهو عنصر يجعل أي حملة إسرائيلية–أمريكية في المنطقة تقع ضمن حقل حضاري ودبلوماسي معقد، ويجعل خصومها أمام مأزق أخلاقي وسياسي في الداخل والخارج.
ثالثًا، تعتمد إيران على الحرب غير المتكافئة، من خلال الفصائل المسلحة الإقليمية المنتشرين في العراق ولبنان واليمن وسوريا، مما يخلق ضغطًا متعدد الجبهات على خصومها. وإذا استمرت الهجمات الأمريكية–الإسرائيلية، فإن هذه التنظيمات ستتحرك بشكل أوسع، وتشارك في مواجهة مباشرة أو غير مباشرة، مضاعفةً عبء المواجهة على إسرائيل والولايات المتحدة.
رابعًا، تُسيطر إيران على مضيق هرمز الاستراتيجي، وهو ورقة ضغط رئيسية على الاقتصاد العالمي. أي تهديد بإغلاق المضيق أو تعطيله يُمكن أن يؤدي إلى ارتفاع فوري لأسعار الطاقة العالمية، مما يزيد الضغط على اقتصادات الخصوم، ويخلق تأثيرًا سياسيًا ودبلوماسيًا واسع النطاق.
تقوم عقيدة إيران على مبدأ “لا ننتصر بالضربة الأولى، بل بعدم الانكسار”. هذا يعني أن الاستراتيجية الإيرانية تركز على الاستدامة والصمود، واستنزاف الخصوم على مدى الوقت بدلًا من تحقيق انتصار تكتيكي سريع.
الاستنتاج الاستراتيجي: إذا تحولت الحرب إلى صراع طويل الزمن، فإن الكفة تميل لصالح إيران سياسيًا ودبلوماسيًا، حتى مع تكبدها خسائر عسكرية أولية. الحرب طويلة المدى ستؤدي إلى استنزاف معنوي واقتصادي أكبر لدى خصومها، وستفتح الباب أمام تدخل القوى الصاعدة لتعطيل الهيمنة الأمريكية–الإسرائيلية وإعادة تشكيل النظام الدولي، بما يضع أساسًا لنظام عالمي متعدد الأقطاب أكثر توازنًا واستقرارًا من السابق.
الصين: الاستراتيجية الصامتة واستثمار الزمن
الصين لا تتحرك بعقلية الاشتباك المباشر، ولا تسعى إلى حرب شاملة في الشرق الأوسط، لكنها تفهم جيدًا قيمة الأزمات بوصفها مسارح لإعادة توزيع الزمن الاستراتيجي. بالنسبة لبكين، الحرب ليست مناسبة للتورط العسكري، بل فرصة لإعادة ترتيب موازين القوى بهدوء، بينما ينشغل خصمها الرئيسي في استنزاف بعيد عن ساحتها الحيوية.
أول مكاسب الصين المحتملة يتمثل في تحويل الأزمة إلى أداة ضغط اقتصادي غير مباشر على الغرب. صحيح أن ارتفاع أسعار الطاقة يضغط على الاقتصاد الصيني بوصفه مستوردًا كبيرًا، لكنه في الوقت نفسه يفاقم التضخم في أوروبا والولايات المتحدة، ويعمّق التوترات الاجتماعية والسياسية هناك. بكين تراهن على أن الاقتصادات الغربية أكثر هشاشة سياسيًا أمام التضخم من النظام الصيني المركزي القادر على امتصاص الصدمات عبر أدوات تخطيطية ومالية واسعة.
المكسب الثاني أكثر عمقًا: إنهاك الولايات المتحدة في الشرق الأوسط يعني تخفيف الضغط في آسيا والمحيط الهادئ. كل حاملة طائرات تُعاد نشرها في الخليج، وكل تركيز استخباراتي يُحوّل نحو إيران، يعني فراغًا نسبيًا في مسرح تعتبره بكين حيويًا لأمنها القومي، سواء في تايوان أو بحر الصين الجنوبي. الصين لا تحتاج إلى مواجهة مباشرة؛ يكفيها أن ينشغل خصمها في جبهة أخرى لتتحرك بثقة أكبر في محيطها.
أما المكسب الثالث فيتعلق بإعادة تشكيل شبكة النفوذ في الخليج. فمع شعور دول المنطقة بقلق متزايد من كلفة الارتباط الأحادي بواشنطن، تستطيع بكين أن تقدم نفسها كـ شريك اقتصادي مستقر وغير أيديولوجي. توسيع الاستثمارات، توقيع عقود طاقة طويلة الأمد، وتعميق التعاون التكنولوجي واللوجستي، كلها أدوات تجعل اعتماد بعض دول الخليج عليها يتزايد تدريجيًا، بما يضعف النفوذ الأمريكي التقليدي دون صدام مباشر.
على مستوى السلوك العملي، ستتحرك الصين بحذر محسوب:
- قد تقدم دعمًا اقتصاديًا غير مباشر لإيران، عبر قنوات تجارية أو تسهيلات مالية، بما يمنع انهيارها دون الظهور كطرف في المواجهة.
- قد تلعب دور الوسيط الدبلوماسي عندما يحين وقت التهدئة، لتكريس صورتها كقوة مسؤولة قادرة على إدارة الأزمات.
- وستستثمر أي فراغ استراتيجي لتوسيع مبادرة “الحزام والطريق”، عبر تعزيز الممرات البرية والبحرية البديلة التي تقلل من هشاشة طرق الطاقة والتجارة.
القراءة الاستراتيجية الأعمق تكمن في فهم أن الصين لا تبحث عن نصر فوري، بل عن تراكم بطيء للمزايا النسبية. كل يوم تُستنزف فيه الولايات المتحدة سياسيًا وعسكريًا في الخليج هو يوم تكسب فيه بكين هامش حركة إضافيًا في آسيا، وورقة نفوذ جديدة في الاقتصاد العالمي.
بكلمات أخرى:
الصين لا تقاتل في هذه الحرب، لكنها قد تخرج منها رابحًا استراتيجيًا، لأن سلاحها الأهم ليس الصاروخ أو الطائرة، بل الوقت.
روسيا: اللاعب الاستراتيجي الحذر
ترى روسيا في أي مواجهة أمريكية–إسرائيلية ضد إيران فرصة ذهبية لتعزيز مصالحها الإقليمية والدولية، مع تحويل الأزمات إلى أدوات استراتيجية تخدم أهدافها طويلة المدى. أولًا، يمكن للحرب أن تعمل على تخفيف الضغط الغربي عنها في أوكرانيا، من خلال تشتيت الانتباه السياسي والعسكري للولايات المتحدة وأوروبا، ما يمنحها مساحة أكبر للتحرك على المسرح الأوروبي دون مواجهة مباشرة إضافية. ثانيًا، يمكن أن تسهم الحرب في رفع أسعار الطاقة عالميًا، مما يعوض جزئيًا الخسائر الاقتصادية الناجمة عن العقوبات ويمنح موسكو أدوات نفوذ إضافية عبر أسواق النفط والغاز. ثالثًا، الحرب تمثل فرصة لإعادة تفعيل محور مضاد للغرب عبر دعم إيران، وإظهار قدرة روسيا على استخدام حلفائها الإقليميين للضغط على القوى الغربية، بما يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية.
من الناحية العملية، موسكو قد تتحرك بعدة أدوات استراتيجية دقيقة:
- تزويد إيران بمعلومات استخبارية متقدمة، تساعدها في توجيه ضربات فعالة على أهداف حساسة، مع زيادة قدرتها على الصمود أمام التفوق التكنولوجي الأمريكي–الإسرائيلي.
- تعزيز التعاون العسكري والتقني، بما في ذلك التدريب على استخدام أنظمة دفاعية أو صواريخ بعيدة المدى، ما يطيل أمد الصراع ويزيد كلفة المواجهة على الخصوم.
- فتح جبهات تشتيت غير مباشرة، مثل تهديد خطوط بحرية استراتيجية أو مناطق نفوذ في سوريا ولبنان، لتشتيت الانتباه الأمريكي–الإسرائيلي وخلق ضغط متعدد الأبعاد على القيادة الغربية.
الاستنتاج الاستراتيجي: روسيا تعتمد على التحرك الذكي والمحسوب، فهي ليست طرفًا مباشرًا في الصراع، لكنها تمتلك القدرة على تحويل أي حرب في الخليج إلى أداة لتعزيز نفوذها الدولي، وخلق ميزان قوى مائل لمصلحتها، من دون الانخراط في مواجهة عسكرية مباشرة.
المأزق العربي: بين القواعد والنفط والخوف
تواجه دول الخليج اليوم معضلة استراتيجية معقدة ثلاثية الأبعاد، تتجاوز ببعدها أي حسابات تكتيكية أو عسكرية بحتة، لتشمل الاعتبارات الأمنية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية في آن واحد.
أولًا، وجود قواعد أمريكية على أراضيها يجعل أمن هذه الدول مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالتحالف مع الولايات المتحدة. أي تصعيد أمريكي ضد إيران يضع الحكومات الخليجية في موقف شديد الحساسية، حيث تتحمل جزءًا من المسؤولية المباشرة عن العمليات العسكرية، ما يثير توترات سياسية داخلية ويضعها في مواجهة مطالب شعوبها التي قد ترى في هذا التدخل خضوعًا للنفوذ الخارجي على حساب مصالحها الوطنية.
ثانيًا، هناك خوف متزايد من الرد الإيراني المباشر. ضرب إيران لهذه القواعد المزروعة في المنطقة يفتح أمام دول الخليج مازقًا استراتيجيًا أعمق، ويضع حكوماتها في موقف حرج أمام شعوبها، التي قد تعتبر ما يحدث نتيجة لوجود القوات الأمريكية على أراضيها وللنوايا الإسرائيلية في توسيع نفوذها وهيمنتها الإقليمية. أي دعم مفتوح للحرب يصبح بذلك محفوفًا بتبعات أمنية وسياسية بالغة الخطورة، ويهدد الاستقرار الداخلي والخارجي في الوقت ذاته.
ثالثًا، هشاشة أسواق الطاقة العالمية تضيف بعدًا ثالثًا للمعضلة، حيث أن أي تصعيد يؤدي إلى تعطيل إمدادات النفط أو إغلاق مضيق هرمز يرفع الأسعار عالميًا بشكل حاد، ويزيد الضغوط التضخمية داخليًا، ويهدد الاستقرار الاقتصادي لدول المنطقة والعالم. هذا يضع حكومات الخليج أمام ازدواجية خطيرة بين ولائها الاستراتيجي للولايات المتحدة ومصالح شعوبها الاقتصادية والاجتماعية، في سياق متشابك ومعقد.
الاستنتاج الاستراتيجي الجريء: إذا طال أمد الحرب أو تحولت إلى صراع استنزافي طويل، فإن هذا المأزق سيدفع دول الخليج إلى إعادة هندسة شراكاتها الأمنية والدبلوماسية، بما يشمل تعزيز التعاون مع روسيا والصين، وتقليص الاعتماد الحصري على واشنطن. هذا التحول لن يكون مجرد تعديل في التحالفات التقليدية، بل قد يشكل إعادة رسم للخريطة الاستراتيجية للشرق الأوسط خلال العقد المقبل، مؤسسًا لنمط جديد من توازن القوى الإقليمي يقوم على تعددية الشراكات، والتوازن بين القوى الكبرى، واستقلالية أكبر لدول الخليج، بدل الهيمنة الأمريكية المطلقة على الأمن والسياسة الإقليمية.
تركيا: بين النفوذ الإقليمي والمراوحة الاستراتيجية
تركيا اليوم تقف في موضع حساس ومعقد، يجمع بين الفرص والتحديات على حد سواء. فهي من جهة قوة إقليمية ذات طموحات واضحة في الشرق الأوسط، لها حضور سياسي وعسكري في سوريا والعراق والخليج، وقادرة على التأثير عبر شبكة تحالفاتها الإقليمية، سواء مع دول عربية محددة أو فاعلين غير دوليين مثل الجماعات المسلحة والميليشيات. هذا يمنحها قدرة على المناورة والتأثير في موازين القوى الإقليمية، خصوصًا في أزمات مثل أي صراع أمريكي–إسرائيلي ضد إيران.
من جهة أخرى، تعتمد تركيا على التوازن الدقيق لعلاقاتها الدولية: فهي مرتبطة اقتصاديًا بالأسواق الغربية، وتشارك في شبكة مصالح متشابكة مع الولايات المتحدة، بينما تحافظ على علاقات مع روسيا والصين لأغراض الطاقة والتجارة والدبلوماسية الاستراتيجية. أي تصعيد في الخليج، خصوصًا إذا تحول إلى حرب استنزاف أو أزمة مضيق هرمز، يضع أنقرة أمام معضلة مزدوجة:
- حماية مصالحها الاقتصادية والتجارية، خاصة في قطاع الطاقة والغاز الطبيعي، حيث أي تعطيل للإمدادات أو ارتفاع أسعار النفط سيكون له تأثير مباشر على الداخل التركي وأداء الاقتصاد الوطني.
- استثمار الفرص لتعزيز نفوذها الإقليمي، سواء عبر دور الوساطة السياسية بين الأطراف المتصارعة أو من خلال دعم بعض الفاعلين المحليين لتعزيز نفوذها الاستراتيجي، مع الحفاظ على صورة تركيا كلاعب مستقل وقادر على التأثير في موازين القوى.
الاستنتاج الاستراتيجي: تركيا قادرة على اللعب على أكثر من محور في آن واحد، فتستطيع أن تكون وسيطًا نشطًا يساهم في تهدئة التوتر، أو لاعبًا مضادًا يستفيد من أي ضعف في التحالف الأمريكي–الإسرائيلي لإعادة هندسة التوازن الإقليمي لصالحها. الهدف التركي سيكون دائمًا تعظيم النفوذ السياسي والعسكري والاقتصادي، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة مع القوى الكبرى، وهو ما يمنح أنقرة إمكانية إعادة رسم دورها الإقليمي على نحو يعزز مكانتها في أي ترتيب جديد للشرق الأوسط بعد الأزمة.
الاتحاد الأوروبي: لاعب ثانوي لكنه متأثر بشدة
الاتحاد الأوروبي، رغم كونه ليس طرفًا مباشرًا في النزاع العسكري، يمثل لاعبًا حساسًا تأثره كبير بأي تصعيد في الخليج أو أي مواجهة أمريكية–إسرائيلية ضد إيران. يعتمد الاتحاد على إمدادات النفط والغاز من المنطقة بشكل كبير، مما يجعل أي تعطيل جزئي أو كلي للإمدادات تهديدًا مباشرًا لاقتصادياته، مع احتمال ارتفاع الأسعار التضخمية وتفاقم أزمات الطاقة، خاصة في الدول الأكثر اعتمادًا على الغاز الإيراني والخليجي.
سياسيًا، تميل أوروبا إلى نهج الوساطة والتهدئة، سعيًا لتفادي انعكاسات الصراع على الداخل، وضمان استمرار حركة التجارة والطاقة، لكن هذا النهج يواجه حدودًا واضحة: فالاتحاد الأوروبي يفتقر إلى أدوات الردع العسكري المباشر في المنطقة، معتمدًا أساسًا على النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي، وقيوده على اتخاذ قرارات حازمة بشكل منفرد بسبب تعددية الدول الأعضاء وتباين مصالحها.
الاستنتاج الاستراتيجي: أوروبا ستعمل على ضبط التصعيد والحفاظ على الاستقرار الاقتصادي، لكنها ستجد نفسها مضطرة لاتخاذ مواقف حذرة ومتوازنة تجاه الأطراف المتصارعة. هذا الوضع قد يضعها في خانة الضغط الدبلوماسي المكثف، حيث تحاول التأثير على مسار الأحداث بأدواتها الاقتصادية والدبلوماسية، دون الانجرار إلى مواجهة مباشرة، وهو ما قد يجعلها لاعبًا مؤثرًا بصورة غير مباشرة، لكنها محدودة القدرة على فرض سياسات عسكرية في الميدان.
الاستنتاجات الاستراتيجية الكبرى
- إعادة تعريف الردع: هذه الحرب لا تهدف إلى إسقاط إيران، بل إلى إعادة ضبط قواعد الردع العسكري والسياسي في المنطقة. الهدف هو اختبار قدرة الأطراف على فرض سقوف تصعيدية جديدة وإعادة هندسة موازين القوى، وليس تحقيق نصر عسكري ساحق.
- إسرائيل في مغامرة داخلية: أي تصعيد طويل سيكشف هشاشة الاقتصاد والمجتمع الإسرائيلي أمام حرب استنزاف متعددة الجبهات. التحدي لا يقتصر على ساحة المعارك، بل يمتد إلى القدرة على إدارة الأمن الداخلي، وضمان الاستقرار الاجتماعي والاقتصادي خلال مواجهة مطولة.
- الولايات المتحدة في مأزق عالمي: أي حرب مطولة قد تسريع انتقال النظام الدولي إلى تعددية قطبية. ستجد واشنطن نفسها مضطرة لإدارة صراع متعدد الطبقات: الخليج، آسيا، وأوروبا، في وقت تواجه فيه ضغوطًا داخلية على صعيد الاقتصاد والسياسة والانتخابات. هذا يحد من قدرتها على التحكم في أزمات عالمية أخرى.
- الصين: المستفيد الزمني الأكبر: مع انشغال الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، تكسب بكين وقتًا ثمينًا لاستعادة مكانتها في تايوان وتوسيع نفوذها في بحر الصين الجنوبي، مع تعزيز أوراقها الدبلوماسية والاقتصادية على مستوى النظام الدولي.
- روسيا: المستفيد الطاقوي الأكبر: من خلال ارتفاع أسعار الطاقة واستغلال الفوضى الإقليمية، تستطيع موسكو تخفيف الضغوط على جبهة أوكرانيا، وتعزيز موقعها في إعادة تشكيل محور مضاد للغرب، مع استثمار التعاون مع إيران في استراتيجيات الردع المتبادل.
- الخليج العربي: أكبر الخاسرين: أي صراع ممتد يضع دول الخليج تحت ضغط اقتصادي وأمني هائل، ويجعلها مضطرة إلى تنويع شراكاتها، بما في ذلك تعزيز التعاون مع الصين وروسيا، وتقليل الاعتماد المطلق على واشنطن، ما سيغير ديناميات التوازن الإقليمي على المدى المتوسط.
- إيران: قوة صامدة واستراتيجية: قد تُسجل إيران خسائر تكتيكية أولية، لكنها تكسب عبر عقيدة الصبر والاستنزاف، ما يعزز موقفها السياسي والدبلوماسي. استمرارها في الصمود قد يجعل امتلاكها لسلاح نووي خيارًا واقعيًا على المدى المتوسط، ويمنحها ردعًا استراتيجيًا جديدًا يعيد تشكيل موازين القوى الإقليمية.
- تركيا: لاعب متوازن وحذر: تقع تركيا في معضلة بين الحفاظ على مصالحها الاقتصادية الغربية، واستغلال أي ضعف في التحالف الأمريكي-الإسرائيلي لتعزيز نفوذها الإقليمي والدبلوماسي. بإمكانها لعب دور الوسيط النشط أو اللاعب الاستراتيجي المضاد، مع الحرص على عدم الانجرار إلى مواجهة مباشرة.
- أوروبا: ضغوط اقتصادية ودبلوماسية: اعتمادها الكبير على الطاقة من الخليج وإيران يجعل أي تصعيد تهديدًا مباشراً، مما يدفعها إلى لعب دور الوسيط والداعم لاستقرار أسواق الطاقة، مع تبني مواقف حذرة تجاه الأطراف المتصارعة لتجنب أي زعزعة للأمن الداخلي.
النهاية المرجحة
النهاية الأكثر احتمالًا لا تتمثل في هزيمة ساحقة لأي طرف، بل في ترسيخ حالة من الردع المكلف والمتبادل:
- وقف إطلاق نار غير معلن، مع استمرار التوترات تحت سطح الأحداث.
- إعادة رسم قواعد الاشتباك بين الأطراف، لتجنب حرب شاملة مباشرة.
- انتقال الحرب إلى مرحلة باردة طويلة، تتيح لكل طرف تقييم مكاسبه وخسائره وإعادة ترتيب أولوياته الاستراتيجية.
ملاحظة استراتيجية مهمة: مع استمرار صمود إيران، ستفشل الضربة الأمريكية–الإسرائيلية في تحييد قدراتها بالكامل، مما يمنحها ميزة استراتيجية إضافية ويجعل امتلاك سلاح نووي خيارًا عمليًا واقعيًا على المدى المتوسط والطويل، مع تأثير مباشر على موازين القوة الإقليمية والدولية.
الخلاصة الاستراتيجية والاستشرافية
الحرب – إذا استمرت ضمن منطقها الحالي – لن تُسقط إيران من الخارطة السياسية، ولن تُنهي إسرائيل ككيان، ولن تعيد تثبيت الهيمنة الأمريكية بشكل فوري أو مطلق. ذلك لأن أطراف الصراع لا تتحرك في فضاء فراغي، بل داخل شبكة معقدة من توازنات الردع، والتحالفات، والمصالح المتشابكة التي تجعل الحسم الكامل مكلفًا إلى حد يتجاوز القدرة السياسية على تحمله.
إيران ليست نظامًا معزولًا يمكن إسقاطه بضربة عسكرية، بل دولة تمتلك عمقًا سكانيًا وجغرافيًا وحضاريًا، وتستند إلى عقيدة صمود طويلة النفس تجعلها قادرة على امتصاص الضربات وإعادة التموضع بدل الانهيار.
وإسرائيل، على الرغم من هشاشتها البنيوية وأزمتها المزمنة في الشرعية داخل محيطها الإقليمي، تمتلك تفوقًا نوعيًا في التكنولوجيا والقدرات العسكرية، كما تحظى بدعم غربي واسع يحول دون سقوطها السريع في المدى المنظور؛ غير أن هذا الدعم، مهما بلغ حجمه، لا يضمن لها حسمًا استراتيجيًا حقيقيًا، ولا يمنحها شرعية وجود راسخة في المنطقة.
أما الولايات المتحدة، فعلى الرغم من مظاهر الإنهاك النسبي وتعدد جبهات الضغط عليها، فإنها ما تزال قوة عظمى قادرة على منع أي انقلاب فوري في موقعها الدولي، وتمتلك من أدوات القوة ما يكفي لاحتواء الصدمات ومنع خصومها من استثمارها إلى حد التغيير الجذري السريع.
لذلك، فإن هذه الحرب – إن اتسعت – لن تُفضي إلى انهيار دراماتيكي لأي من أطرافها، بل إلى مسار أكثر تعقيدًا وخطورة: تحولات بطيئة وعميقة في بنية النظام الإقليمي والدولي، حيث يتآكل التفوق هنا، وتتراكم المكاسب هناك، وتُعاد صياغة قواعد القوة والردع على مهل، ولكن بثبات.
أول هذه التحولات هو تسريع الانتقال نحو تعددية قطبية. فكل انخراط أمريكي مكلف خارج مسرحها الآسيوي يمنح قوى صاعدة مساحة زمنية واستراتيجية لتعزيز مواقعها. الحرب هنا لا تُسقط واشنطن، لكنها تُراكم مؤشرات تآكل تفوقها الأحادي، وتُظهر حدود قدرتها على فرض إرادتها دون كلفة ممتدة.
التحول الثاني يتمثل في سباق تسلح إقليمي غير مسبوق. عندما تشعر الدول بأن الضمانات الأمنية لم تعد كافية، فإنها تميل إلى البحث عن أدوات ردع ذاتية. هذا قد يعني توسع برامج الصواريخ الباليستية، الدفاعات الجوية المتقدمة، وربما التفكير الجدي في خيارات نووية تكتيكية أو قدرات ردع كامنة. المنطقة قد تدخل مرحلة “ردع متعدد الرؤوس”، حيث يصبح كل فاعل مسلحًا إلى حد يمنع الحسم لكنه يزيد قابلية الانفجار.
أما التحول الثالث فيكمن في إعادة تشكيل التحالفات. دول الشرق الأوسط، خصوصًا الخليج، ستعيد تقييم اعتمادها شبه المطلق على واشنطن. ليس بالضرورة عبر قطيعة، بل عبر تنويع محسوب: شراكات أمنية واقتصادية مع قوى أخرى، انفتاح أكبر على الصين وروسيا، ومحاولات لبناء توازنات أكثر مرونة. النتيجة لن تكون خروجًا أمريكيًا فوريًا، بل نظامًا إقليميًا أقل انضباطًا لهيمنة واحدة.
وهنا يبرز السؤال الاستراتيجي الحقيقي: ليس من سيربح هذه الحرب في معناها العسكري المباشر، بل أي شرق أوسط سيولد بعدها؟ هل سيكون شرق أوسط قائمًا على ردع نووي متبادل وتوازنات هشة؟ أم شرق أوسط متعدد المحاور، تتحرك فيه القوى الإقليمية بقدر أكبر من الاستقلالية؟ أم منطقة تدخل مرحلة طويلة من “السلام البارد” المشبع بالتسلح والشك المتبادل؟
هذه الحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية محدودة في الزمن. إنها صراع طويل الأمد على قواعد الردع، وعلى تعريف الشرعية، وعلى من يمتلك حق إعادة رسم خرائط القوة في الإقليم. قد تنتهي المعارك، لكن آثارها البنيوية ستستمر، لأنها تمس جوهر السؤال الأكبر: من يضع قواعد النظام، ومن يمتلك القدرة على تعديلها؟
ولهذا، فإن تداعيات هذه الحرب لن تُقاس بعدد الطائرات التي تُفرغ حمولتها، ولا بعدد الصواريخ التي تعبر السماء، بل بالتحولات العميقة التي ستتركها في بنية الإقليم. المعيار الحقيقي لن يكون كثافة النيران، بل شكل الشرق الأوسط بعد عقد أو عقدين: توازناته، تحالفاته، معادلات ردعه، وهوية القوة التي ترسم حدوده الاستراتيجية.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط





