
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
مقدمة: من الفضيحة الفردية إلى بنية النفوذ الدولي
في مقالنا السابق، «المعنى كمرآة للسلطة: بين الشبكة والظل»، انطلقنا من فرضية منهجية مفادها أن ظاهرة جيفري إبستين لا يمكن اختزالها في سردية الانحراف الفردي أو الجريمة المعزولة. فبدلاً من السؤال التقليدي “ماذا فعل إبستين؟”، كان السؤال الأعمق: كيف أمكن لشخص في موقعه أن يشغل عقدة مركزية داخل شبكة عابرة للحدود؟
اقترحنا قراءة إبستين كبنية علاقات متعددة المستويات، حيث يتقاطع رأس المال الخاص مع الفضاء السياسي والتقني ضمن سياق معولم يتميز بتداخل القطاعين العام والخاص. هذه المقاربة تتيح الانتقال من التركيز على الفرد إلى التركيز على الشبكة والديناميات البنيوية للسلطة والنفوذ.
اليوم، وبعد تراكم التحقيقات الصحفية والوثائق القضائية، تتجدد الأسئلة بصيغة أكثر حدة وجدلية:
- هل كانت علاقات إبستين بشخصيات إسرائيلية مجرد امتدادات استثمارية طبيعية في قطاع التكنولوجيا الناشئ؟
- أم أنها تكشف نمطًا أعمق من التمفصل بين رأس المال الخاص والبنى الأمنية–التقنية في إسرائيل؟
- هل نحن أمام شبكة مصالح عابرة للدول، أم مجرد حالة وساطة فردية استفادت من فراغات النظام المعولم؟
- وأخيرًا: ما الذي تسمح لنا الأدلة المنشورة بالقول به، وما الذي يبقى ضمن دائرة التأويل أو الافتراض؟
التحول من الفضيحة الفردية إلى شبكة النفوذ الدولي
قضية إبستين، المدان بجرائم جنسية ضد القاصرات والمتهم بالاتجار الجنسي، لم تعد مجرد ملف جنائي محلي، بل صارت فضاء للتحقيق في بنية النفوذ الدولي. ففي البداية ركّز الإعلام على الانتهاكات الفردية، لكن الوثائق والتقارير الحديثة (Reuters[1], 2019) تكشف شبكة علاقات معقدة ضمت رؤساء دول سابقين، مسؤولين نافذين، وأباطرة التكنولوجيا، تعمل على إخفاء خطوط النفوذ خلف واجهات قانونية واجتماعية مزيفة.
وفق هذه القراءة، القضية ليست انحرافًا أخلاقيًا فرديًا، بل بنية متعددة الطبقات تتقاطع فيها السياسة، المال، التقنية والمعلومة داخل فضاء معولم، حيث يصبح الوسيط الفردي، مثل إبستين، أداة لتوجيه النفوذ الدولي بعيدًا عن أي مساءلة قضائية فعالة.
تساؤلات منهجية
تثير هذه البنية مجموعة من التساؤلات الجوهرية:
- كيف تمكن إبستين من نسج شبكة عالمية محكمة تحميه على مدى سنوات طويلة؟
- ما دور الشركاء السياسيين والاقتصاديين، مثل إيهود باراك ووسيطات الاستثمار، في هذه الشبكة؟
- هل تشير الوثائق إلى استخدام أساليب استخباراتية مثل مصيدة العسل[2] (Honey Trap) للتأثير على صناع القرار في الولايات المتحدة؟
- كيف تتحول العلاقات الشخصية والمالية إلى أدوات للنفوذ الدولي؟
النهج المنهجي المعتمد
هذا المقال لا ينطلق من افتراض مسبق بوجود مشروع خفي، ولا من نفيه، بل من مساءلة بنيوية تركز على:
- طبيعة العلاقات التي جمعت إبستين بشخصيات ومؤسسات إسرائيلية.
- وظيفة هذه العلاقات داخل منظومات النفوذ التقني–الأمني العابرة للحدود.
الجدل العام يتراوح بين سرديتين متطرفتين:
- سردية تبريرية ترى في الأمر مجرد علاقات استثمارية طبيعية ضمن اقتصاد التكنولوجيا العالمي.
- سردية تفسيرية تميل إلى تحويل كل تقاطع إلى دليل على مركز توجيه خفي.
غير أن مقاربة هذه الظاهرة لا يمكن أن تنحصر في ثنائية التبرير أو الاتهام، لأن هذا المستوى يبقى أسير السطح الخطابي. المطلوب هو الانتقال إلى تحليل البنية الداخلية للشبكة ذاتها، بما يتيح كشف ما هو مستور أو مموّه، وفهم ديناميات النفوذ والوظائف غير المعلنة التي تؤديها العقد والشخصيات داخلها. عند هذا المستوى فقط يمكن بلوغ عمق المعنى، وفهم الظاهرة بوصفها نظام علاقات وتأثير، لا مجرد حدث أو قضية معزولة.
لتحقيق ذلك، نعتمد مقاربة مزدوجة:
- التحليل الشبكي البنيوي (Social Network Analysis): لقياس مواقع المركزية والوساطة والكثافة داخل الشبكة.
- اعتماد منهج المعنى (Meaning Approach): لفهم الشروط الدلالية التي جعلت تلك الروابط ذات أثر يتجاوز حدود العلاقة الشخصية.
بهذا التحول، ينتقل التركيز من الحدث الفردي إلى بنية العلاقات، ومن الشخص إلى موقعه داخل الشبكة، مؤسسًا لإطار تحليلي صارم يتجاوز الانفعال الإعلامي اللحظي. يعتمد هذا التحليل على تقارير صحفية موثقة وتحقيقات رسمية منشورة، مع إخضاعها لمؤشرات القياس الشبكي وفهم البنية الداخلية، إضافة إلى التفكيك الدلالي لاستخلاص المعاني الكامنة وراء العلاقات والوظائف الشبكية.
أولاً: من الاستثمار إلى الوساطة – إبستين كعقدة مركزية
تكشف التحقيقات الصحفية والوثائق الرسمية المتاحة أن استثمارات جيفري ابستين في قطاع التكنولوجيا الأمنية الإسرائيلي لم تكن مجرد تحركات مالية معزولة، بل تموضعًا داخل شبكة علاقات تتقاطع فيها السياسة والمال والتقنية والمعلومة. فقد أفادت تقارير ذي نيويورك تايمز (2019) وذي وول ستريت جورنال The New York Times (2019[3]) وThe Wall Street Journal [4]، إضافة إلى وثائق صادرة عن لجنة المالية في مجلس الشيوخ الأميركي، بأن إبستين كان من المستثمرين الأوائل في شركة ريبورتي (Reporty): الإسرائيلية الناشئة، التي أُعيدت تسميتها لاحقًا إلى شركة كارباين) Carbyne[5])، والمتخصصة في تقنيات الاستجابة للطوارئ وأنظمة الاتصالات والمراقبة الذكية. كما تناولت Haaretz [6]وThe Verge[7] (2023) الخلفيات التقنية والأمنية للشركة وطبيعة مجالها الحساس.
يتزامن هذا الاستثمار مع تولي رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ايهود براك (Ehud Barak) رئاسة مجلس إدارة شركة كارباين، وهو ما منح المشروع غطاءً سياسيًا وأمنيًا ذا رمزية عالية. وبحسب تحقيق نشره دروب سايت نيوز Drop Site News[8] (2024)، كشفت مراسلات بريد إلكتروني بين إبستين وباراك عن تنسيق مباشر لعقد لقاءات مع مستثمرين أميركيين بارزين، من بينهم جهات مرتبطة بـ ببيتر ثيل[9]Peter Thiel)) وصناديقه الاستثمارية.
بهذا المعطى، لا يعود إبستين مجرد مساهم مالي، بل يظهر بوصفه حلقة وصل بين رأس المال الأميركي والنخبة السياسية–التقنية الإسرائيلية، أي كفاعل يؤدي وظيفة وسيط عابر للحدود.
القراءة البنيوية: تفكيك مواقع العقد داخل الشبكة
استنادًا إلى أدبيات تحليل الشبكات الاجتماعية (Borgatti et al., 2018)[10]، يمكن إعادة توصيف البنية كما يلي:
1. إبستين (Broker Node) عقدة وسيطة عالية المركزية
يتموضع إبستين في نقطة تقاطع بين دوائر غير مترابطة مباشرة: مستثمرون أميركيون، سياسيون إسرائيليون، وشركة تقنية ذات طابع أمني. في منطق الشبكات، تمثل هذه الوضعية مركزية وساطة (Betweenness Centrality) مرتفعة، حيث تزداد قيمة العقدة كلما كانت قادرة على الربط بين أطراف لا يجمعها اتصال مباشر. وظيفة الوسيط هنا لا تكمن في امتلاك الأصول، بل في تنظيم تدفقها: المعلومات، الثقة، التمويل، والشرعية.
2. إيهود باراك (Node of Political Legitimacy ) عقدة شرعنة سياسية
يمثل باراك، رئيس وزراء إسرائيل الأسبق، رأس مال سياسيًا–رمزيًا يضفي على المشروع طابعًا مؤسسيًا. وجود شخصية سياسية رفيعة في مجلس إدارة شركة ناشئة يحول الاستثمار من مبادرة خاصة إلى مشروع يمكن تسويقه بوصفه متكئًا على خبرة أمنية وسياسية عليا. في هذا المستوى، تتحول العلاقة من مجرد شراكة اقتصادية إلى بنية تمنح الشرعية وتعيد توزيع الثقة داخل الشبكة.
3. شركة كرباين: عقدة تحويل الإمكان إلى مؤسسة (Carbyne – Institutional Conversion Node)
تعمل الشركة كبنية تحويلية: فهي تستقبل رأس المال الاجتماعي والمالي، وتعيد إنتاجه في صورة منتج تقني أمني قابل للتصدير والاستثمار الدولي. هنا يتحول اللقاء الشخصي إلى منصة، والمنصة إلى منتج، والمنتج إلى نفوذ قابل للانتشار عبر اتفاقيات وتعاقدات عابرة للدول.
الاستثمار كتمفصل: من رأس المال الاجتماعي إلى المنصة الأمنية
ضمن هذا الإطار، لا يمكن قراءة الاستثمار بوصفه عملية مالية منفصلة، بل كتقاطع ثلاثي الأبعاد:
- رأس المال الاجتماعي لإبستين: شبكة علاقات واسعة مكّنته من الوصول إلى نخب مالية وسياسية في الولايات المتحدة وأوروبا وفي ادول اخرى.
- منصة تقنية أمنية: كارباين كشركة تعمل في مجال الاستجابة للطوارئ والمراقبة، وهو مجال يتقاطع بطبيعته مع المخابرات والأمن القومي والسياسات العامة في الدولة العبرية.
- شبكات تمويل أميركية: صناديق استثمارية في وادي السيليكون، بعضها مرتبط ببيتر ثيل، توفّر التمويل اللازم لتحويل التقنية إلى سلعة استراتيجية قابلة للتداول.
هذا التقاطع يعكس ما يمكن تسميته “هندسة النفوذ عبر الاستثمار”: حيث يصبح المال مدخلًا لبناء موقع شبكي، لا مجرد أداة ربح.
قراءة دلالية جدلية: إبستين كعقدة تمكينية
من منظور منهج المعنى، لا يُختزل دور إبستين في صفته كمستثمر أو مالك حصص، بل يتعدى ذلك إلى كونه مُنسّق لقاءات ومُمكّنًا لبنية نفوذ أوسع. فالاستثمار في شركة «كرباين» (Carbyne)، كما أشارت تقارير منشورة استنادًا إلى ما ورد في صحيفة ذي نيويورك تايمز، وصحيفة هآرتس، وتحقيق موقع دروب سايت نيوز، يمكن قراءته بوصفه عملية إعادة تموضع لشخصية مثقلة بسجل قضائي داخل شبكة قوة اقتصادية–سياسية تمنحها دورًا وظيفيًا يتجاوز ماضيها الشخصي.
هذا التموقع لا يبدو مجرد نشاط استثماري عابر، بل توظيفًا لعلاقات المال والتنسيق السياسي ضمن بنية نفوذ أوسع، تُدار عبر دائرة غير معلنة تتولى تحريك الخيوط وتوجيه المسارات بما يخدم الأهداف التي ترسمها.
بهذا المعنى، تتحول العلاقة بين إبستين وباراك وكرباين من تفاعل تجاري إلى وظيفة بنيوية داخل شبكة أوسع، حيث تتقاطع المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والتقنية في فضاء معولم. الوسيط الفردي هنا لا يملك القرار السيادي، لكنه يملك مفاتيح العبور بين العوالم: من رأس المال إلى الأمن، ومن الخاص إلى العام، ومن اللقاء الشخصي إلى الاتفاق المؤسسي.
من الشركة إلى الجزيرة: سؤال المعنى الأعمق
يطرح هذا التحليل سؤالًا يتجاوز الاستثمار ذاته:
ما المعنى البنيوي لما حدث في جزيرة إبستين؟
في هذا السياق، لا تُقرأ الجزيرة كمجرد مسرح لانتهاكات جنائية، بل كامتداد مادي لبنية نفوذ أوسع وأكثر تعقيدًا. لم تكن فضاءً للمتعة بقدر ما بدت أقرب إلى مصنع للفضائح، مُجهّزًا بتقنيات مراقبة متطورة—كاميرات مخفية وأجهزة تسجيل قادرة على توثيق أدق التفاصيل—بما يمنح المكان خصائص فضاء مُصمَّم لإنتاج السيطرة لا مجرد استضافة اللقاءات.
بهذا المعنى، تجسّد الجزيرة آلية اشتغال العقدة الوسيطة: جمع النخب داخل بيئة مغلقة، نسج علاقات تقوم على السرية، إخضاعها لآليات توريط منهجية، ثم تحويل رأس المال الاجتماعي المتولد عنها إلى أداة ضغط أو نفوذ كامن، يُستدعى ويُوظَّف عند الحاجة.
وفق منهج المعنى، لا يكون السؤال المركزي “من فعل ماذا؟” بل: كيف تشكلت إمكانية الفعل؟ ومن هم الوسطاء الذين حوّلوا شبكات الثقة والمال إلى بنية قادرة على تجاوز الحدود الوطنية والمؤسسات الرسمية؟
تكشف هذه المعطيات الموثَّقة جملة من الاستنتاجات البنيوية التي يمكن صياغتها على النحو الآتي:
- إن العلاقة بين جيفري إبستين، وشركة كرباين، وإيهود باراك ثابتة عبر تقارير صحفية وتحقيقات منشورة ومعروفة المصدر، بما يضعها في إطار الوقائع القابلة للتحقق لا في نطاق الافتراضات غير المسندة.
- إن تموضع إبستين داخل هذه الشبكة ينسجم، وفق مؤشرات التحليل الشبكي، مع نموذج الوسيط ذي المركزية المرتفعة، أي الفاعل الذي يشغل موقع الربط بين مجموعات غير متصلة مباشرة.
- تُعتبر غيسلين ماكسويل، ابنة رجل الأعمال وإمبراطور الإعلام اليهودي، العقل المدبّر والشريكة في استدراج الضحايا، وهو ما يقدّم مؤشراً لفهم المعنى.
- إن التداخل بين الاستثمار الخاص والبنية التقنية–الأمنية لا يقدّم في حد ذاته دليل إدانة، لكنه يثير سؤال الوظيفة البنيوية: ما الدور الذي تؤديه هذه الروابط داخل شبكة أوسع من المصالح؟ ومن هنا ينبثق مجال المساءلة والتحليل، بوصفه مساءلة مبنية على فحص البنية وعلاقاتها.
بهذا الانتقال من الحدث إلى البنية، ومن الاستثمار إلى الوظيفة الشبكية، يتضح أن المسألة لا تتعلق بصفقة مالية معزولة، بل بموضع داخل شبكة نفوذ عابرة للحدود، حيث يصبح الوسيط الفردي قناة خلفية محتملة لإعادة توزيع القوة في المجال الدولي.
الفصل الثاني: الجزيرة كفضاء بنيوي: من الجغرافيا إلى هندسة النفوذ
حين نعيد قراءة جزيرة جيفري إبستين في ضوء ما تكشّف من تقارير وتحقيقات، فإننا لا نكون أمام بقعة جغرافية معزولة اقتصر دورها على احتضان انحرافات أخلاقية، ولا أمام فضاء مغلق للمتعة الخاصة فحسب، بل أمام بنية مكانية أدّت وظيفة دقيقة داخل شبكة نفوذ أوسع وأكثر تركيبًا. لقد تحوّلت الجزيرة، وفق منهج تحليل المعنى، إلى «فضاء مُـمكِّن للسلطة»؛ أي الحيّز الذي تتجسد فيه العلاقات غير المرئية، وتُختبر داخله حدود التداخل بين الخاص والعام، وبين الشخصي والسيادي.
وقد أشارت تقارير صحفية، من بينها ما نشرته وكالة رويترز سنة 2019، إلى طبيعة اللقاءات التي كانت تُعقد هناك، وإلى تعدّد الشخصيات السياسية والاقتصادية التي ارتبط اسمها بالمكان. هذا المعطى وسّع زاوية النظر من سلوك فردي إلى بنية شبكية احتضنت ذلك السلوك وأحاطت به. لم تعد القضية إذن أفعالًا معزولة، بل بيئة مُنتجة للارتباطات، تتكاثر فيها المصالح وتتقاطع فيها المسارات.
كما تحدّثت وثائق متداولة عن أن الجزيرة لم تكن فضاءً مفتوحًا يخضع لإدارة إبستين وحده، بل كانت محاطة بنظام مراقبة معقّد يتجاوز السيطرة الشخصية المباشرة. وتشير المعطيات إلى وجود بنية تقنية دقيقة تشمل أجهزة رصد وتحليل بيانات، وارتباطات بخوادم خارج الولايات المتحدة. ووفق هذا التصور، لم يكن الهدف مجرد توثيق وقائع خاصة، بل تحويل المعطيات الحساسة إلى موارد قوة داخل شبكات مغلقة من النفوذ، تُستثمر في الضغط، أو في تمرير صفقات، أو في التأثير غير المباشر على دوائر القرار، بحيث تتحول الهشاشة البشرية إلى مدخل لإعادة تشكيل موازين القوة.
في هذا المستوى من التحليل، لا يتعلق الأمر بمكان للمتعة أو بفضيحة أخلاقية فحسب، بل بكيفية تحوّل الفضاء الخاص إلى منصة لإنتاج المعلومة، ثم إلى أداة لإعادة توزيع النفوذ. الجزيرة بدت كمنشأة تُدار بعقل يعتبر كل من يدخلها عنصرًا داخل لوحة أكبر، لوحة تُبنى بهدوء ضمن مشروع لا يظهر على السطح. فحين تُنتزع المعلومة من سياقها الشخصي وتُدرج ضمن منظومة رصد واستثمار، تصبح قادرة على التأثير في معادلات أوسع تمس الأمن والسيادة وصناعة القرار.
وتشير الوثائق إلى ملحقات تضمنت لوائح زوار، وأسماء وسطاء سياسيين، وتحويلات مالية، ومعطيات عن تدخلات لاحتواء قضايا قبل وصولها إلى مستويات قضائية أعلى. الصدمة هنا لا تكمن فقط فيما حدث داخل الجزيرة، بل في طبيعة الحماية التي أحاطت بها لسنوات. ما يثير التساؤل هو كيف استمرت هذه المنظومة دون تفكيك مبكر، وما الذي جعل سقوط رأس الشبكة لا يعني بالضرورة سقوط بنيتها.
كما تتحدث الوثائق عن بُعد آخر في هذه المنظومة، يتعلق بالتواصل مع شخصيات علمية وتقنية من مجالات متقدمة، ضمن أطر لقاءات أو نقاشات محدودة. ووفق هذه الروايات، لم تكن المسألة مجرد تفاعل اجتماعي، بل محاولة نسج علاقات تأثير تمتد إلى دوائر المعرفة والتكنولوجيا. وهنا يتوسع المشهد من فضاء اجتماعي مغلق إلى تقاطع بين المال والنفوذ والمعرفة.
على هذا الأساس، بأي معنى يمكن فهم الجزيرة؟
إذا فككنا المعطيات ضمن منطق بنيوي، يمكن استخلاص ثلاثة مستويات للمعنى:
- الجزيرة كمنصة تجميع: ليست مكانًا للوقائع بقدر ما هي نقطة تركيز لمعلومات وعلاقات يمكن تحويلها إلى أدوات تأثير.
- الجزيرة كمساحة رمادية: فضاء يقع بين الرسمي وغير الرسمي، يسمح بإنتاج روابط لا تمر عبر القنوات المؤسسية التقليدية.
- الجزيرة كبنية وسيطة: حلقة ضمن شبكة أوسع، حيث يُستخدم المكان لإعادة ترتيب مواقع الفاعلين داخل منظومة نفوذ متعددة المستويات.
بهذا المعنى، لم تكن الجزيرة مجرد مسرح لجرائم، ولا ملكية خاصة خاضعة لإرادة فرد، بل امتدادًا ماديًا لمسار تَشكّل عبر المال والعلاقات والوساطات. الجزيرة لم تكن شخصًا؛ كانت شبكة وفكرة ونقطة تقاطع تتجسد فيها آليات سبقت المكان نفسه. كانت واجهةً لدوائر نفوذ ما زال بعض الفاعلين فيها أحياء وفي مواقعهم، وهو ما يعكس أن القصة لم تُستنفد بعد، وأن ما انكشف ليس سوى طبقة أولى من بنية أعمق.
خطورة الظاهرة لا تكمن في الفعل الإجرامي بحدّ ذاته، بل في البنية التي أنتجته وحمته وأعادت إنتاج شروطه. فحين يتحوّل المكان إلى منصة لتجميع المعطيات الحساسة وربطها بمصالح عابرة للحدود، نكون أمام منظومة تأثير تتجاوز الحدث إلى هندسة القرار نفسه. عند هذه النقطة، لا يعود الفضاء مجرد مسرح للوقائع، بل يصبح أداة لاختراق مراكز الثقل، وقناة لإعادة توجيه الخيارات من خارج الأطر المؤسسية التقليدية.
المكان هنا ليس خلفية محايدة، بل بنية فاعلة في صناعة المعنى وصياغة موازين القوة. إنه يكشف كيف تُرسم الخطط في المنطقة الرمادية، وكيف تُدار العلاقات بعيدًا عن الرقابة المباشرة، بحيث يُعاد تعريف حدود السلطة في العصر الشبكي، لا عبر المواجهة العلنية، بل عبر التغلغل الصامت.
المعنى العميق لا يُختزل في الاتهام أو الإثارة، بل في إدراك أن الفضاءات المغلقة، عندما تتشابك فيها المعلومة مع المال والعلاقات العابرة للحدود، يمكن أن تتحول إلى أدوات لإعادة تشكيل القوة على نحو غير مرئي. القضية إذن ليست جزيرة معزولة، بل نموذج مكثّف لكيف يمكن لموقع محدود جغرافيًا أن يؤدي وظيفة استراتيجية داخل شبكة عالمية لا تظهر كاملة للعيان.
وعليه، فإن السؤال الجوهري لا يتعلق فقط بما جرى هناك، بل بكيف تعمل الشبكات المعاصرة عندما تتقاطع المعلومة مع النفوذ، وحين يُعاد تعريف السلطة خارج قوالبها التقليدية، في فضاء تتقدّم فيه البنية على الحدث، والشبكة على الفرد.
الوظائف البنيوية للجزيرة: إعادة تعريف تحليلي
إذا قرأنا الجزيرة بمنطق تحليلي يتجاوز الحدث إلى البنية، فإننا لا نكون أمام موقع جغرافي احتضن وقائع معزولة، بل أمام عقدة داخل شبكة نفوذ متعددة المستويات. فالمكان لم يكن إطارًا محايدًا للقاءات، بل منصة تؤدي وظائف محددة في هندسة العلاقات وتحويلها إلى أدوات تأثير.
أولى هذه الوظائف تتمثل في القدرة على تجميع الرأسمال الرمزي وتحويله. فالجزيرة لم تكن مجرد مساحة اجتماع، بل نقطة تركيز تتقاطع فيها شخصيات سياسية واقتصادية ومعرفية، ومعها تتجمع معطيات حساسة قابلة لإعادة التوظيف. في هذا السياق، لا تبقى العلاقة اجتماعية، ولا تبقى المعلومة تفصيلًا خاصًا؛ بل تتحول إلى مورد استراتيجي. هنا تُستخرج القوة من الهشاشة، ويُعاد تدوير المعطى الشخصي داخل منظومة نفوذ أوسع، بحيث تصبح المعلومة — في ذاتها — عملة تأثير.
الوظيفة الثانية ذات طابع مكاني–سياسي: إنتاج مساحة رمادية بين الرسمي وغير الرسمي. فالجزيرة وفّرت بيئة لا تخضع بالكامل لقواعد البروتوكول المؤسسي، لكنها في الوقت نفسه ليست خارج دائرة التأثير السياسي والاقتصادي. في هذه المنطقة الرمادية تُبنى الثقة خارج محاضر الاجتماعات، وتُنسج العلاقات بعيدًا عن الرقابة المباشرة، وتتكوّن شبكات يصعب رصدها في الوثائق. وهنا تحديدًا يتحول الفضاء الخاص إلى مجال لإعادة ترتيب موازين القوة دون إعلان صريح.
أما الوظيفة الثالثة فتتعلق بإعادة توزيع المواقع داخل الشبكة. من يدخل هذا الفضاء لا يخرج منه بالضرورة كما دخله؛ فالعلاقات التي تتكوّن في بيئة مغلقة ومتكررة قد تتحول تدريجيًا إلى قنوات اتصال موازية للقنوات الرسمية. العلاقة الخاصة تنتج ثقة، والثقة تفتح اتصالًا مباشرًا، والاتصال قد يتحول إلى مسار تأثير. وبهذا المعنى، تصبح الجزيرة مختبرًا لإعادة هندسة الأدوار داخل منظومة نفوذ تتجاوز المكان نفسه.
ولا يمكن إغفال وظيفة الحماية البنيوية التي تلمح إليها الوثائق التي تم الكشف عنها اخيرا. استمرار المنظومة لسنوات، ووجود وسطاء وتحويلات مالية ومعطيات عن تدخلات قانونية، يشير إلى أن الحماية لم تكن شخصية بقدر ما كانت بنيوية. لم يكن المكان محروسًا بإرادة فرد، بل بمنظومة رأت في بقائه ضرورة لاستمرار توازنات أعمق. سقوط رأس الشبكة لا يعني بالضرورة سقوط بنيتها، لأن البنية أوسع من الشخص وأقدر على إعادة إنتاج نفسها.
وأخيرًا، يبرز بعدٌ آخر يتمثل في تقاطع المال والنفوذ بالمعرفة. التواصل مع دوائر علمية وتقنية يوسّع المشهد من فضاء اجتماعي مغلق إلى نقطة التقاء بين رأس المال المالي والسياسي والمعرفي. هنا تتخذ الجزيرة وظيفة أكثر تعقيدًا: ليست فقط موقعًا لتبادل المصالح، بل مساحة يلتقي فيها النفوذ بإمكانات المستقبل. ومن يتحكم في هذا التقاطع يقترب من القدرة على التأثير في اتجاهات الغد.
في ضوء ذلك، لا تُفهم الجزيرة كجزء من قصة فضيحة فحسب، بل كبنية وسيطة لإعادة إنتاج القوة. إنها عقدة شبكية، ومنصة تحويل، ومساحة رمادية منظمة، وآلية لإعادة ترتيب العلاقات خارج الإطار المؤسسي المباشر. المعنى الذي يستخلص من هذا كله هو أن السلطة في العصر الشبكي لم تعد تُمارس حصريًا عبر المؤسسات الظاهرة، بل عبر فضاءات وسيطة تُدار في الظل، حيث تتقدم البنية على الحدث، وتتفوّق الشبكة على الفرد، ويُعاد تعريف مفهوم النفوذ خارج صيغته التقليدية.
الفصل الثالث: الظل الإسرائيلي – إبستين والموساد
عند تحليل شبكة علاقات جيفري إبستين، نلاحظ أن تأثيره لا يقتصر على نطاق الاستثمار والمال المباشر، بل يمتد إلى مستويات أوسع تتقاطع فيها السياسة والمعرفة والتقنية والأمن. ما كشفته الوثائق المنشورة والتقارير الصحفية يشير إلى بنية معقدة ومتعددة الطبقات، تتجاوز العلاقة الأحادية البعد. فالعلاقات التي تم رصدها لا تظل محصورة بالإطار التجاري، بل تمتد إلى فضاء تتشابك فيه المصالح الاقتصادية مع الاعتبارات السياسية والمعرفية والتقنية، ضمن سياق عابر للحدود ومفتوح على دوائر نفوذ متعددة.
هذا التوسع في القراءة يتطلب أخذ المعلومات الواردة من مصادر متعددة بعين الاعتبار. فقد تناولت بعض التقارير الإعلامية والتحليلات السياسية فكرة أن شبكة إبستين قد تكون ارتبطت بجهاز الاستخبارات الإسرائيلي Mossad، وأن الهدف المحتمل كان استخدام الجزيرة كمنصة لجمع معلومات حساسة عن شخصيات نافذة يمكن توظيفها لاحقًا في الضغط أو الابتزاز السياسي والاقتصادي.
ويستند هذا الطرح إلى عدة عناصر رئيسية:
- العلاقات مع شخصيات إسرائيلية بارزة: مثل رئيس الوزراء الأسبق إيهود باراك، الذي زار الجزيرة والتقى بإبستين في مناسبات متعددة. ورغم تأكيد الاجتماعات، نفى باراك علمه بأي أنشطة غير قانونية. لكن التقارير الحديثة تشير إلى ظهور ملفات جديدة تضمنت مسؤولين رفيعي المستوى، ومن بينهم اسم رئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي نتنياهو، مع مواد بصرية مثل صور ومقاطع فيديو، ما يثير التساؤل حول نطاق الشبكة وتأثيرها.
- العلاقات العائلية لغيسلين ماكسويل: ابنة روبرت ماكسويل، إمبراطور الإعلام البريطاني، حيث أوردت بعض المصادر والكتب الاستقصائية أن والدها كان له صلات بالموساد، مما أثار جدلاً حول إمكانية استغلال غيسلين لهذه الروابط في إدارة شبكة إبستين.
- تدريب إبستين نفسه: تشير بعض المصادر إلى أنه تلقى تدريبًا على تقنيات استخباراتية من عناصر لهم ارتباط بالموساد، مما يطرح احتمال امتلاكه معرفة محددة بالتقنيات الاستخباراتية واستخدامها ضمن شبكته.
بالتوازي، تناولت بعض التحليلات فرضية أن إبستين جمع تسجيلات عن شخصيات نافذة لأغراض ابتزازية، وربما استُخدمت هذه المواد لصالح أجهزة استخبارات أجنبية، بما فيها إسرائيل. وهذا يتوافق مع منطق التحليل البنيوي لدور الجزيرة وشبكتها، إذ لا يقتصر التأثير على الفعل الفردي، بل يمتد إلى هندسة العلاقات والتأثير داخل شبكة مغلقة ومعقدة.
من جهة أخرى، تؤكد التقارير أن الجزيرة لم تكن مجرد مكان للمتعة، بل منصة لجمع بيانات عن الشخصيات الزائرة، تضمنت:
- نظام مراقبة متطور يشمل كاميرات وأجهزة لتحليل البيانات.
- خوادم خارج الولايات المتحدة لتخزين وتحليل المعلومات.
وتشير بعض التحليلات إلى أن هذا النظام قد يكون مرتبطًا بجمع معلومات استراتيجية لأغراض سياسية أو استخباراتية، إلا أن الربط المباشر بالموساد يظل بحاجة إلى مزيد من التحقيق والتدقيق في المعلومات المتداولة أو التي تم الإفراج عنها مؤخرًا.
غير أن منهج المعنى لا يتعامل مع الموضوع في ثنائية إثبات/نفي مغلقة؛ فغياب الأدلة المادية في الحقول ذات الطابع السري لا يُقرأ دائمًا كإنكار قاطع، بل يُفهم أحيانًا بوصفه انعكاسًا لطبيعة العمل السرّي نفسه، القائم على الحجب وإدارة الأثر وتفكيك مسارات التتبع. بمعنى آخر، عدم وجود وثائق رسمية لا ينهي السؤال ولا يمنح يقينًا معاكسًا، بل يحدد حدود ما يمكن توثيقه ضمن فضاء تُدار فيه الأنشطة بسرية مؤسسية متعددة المستويات. القراءة العلمية الدلالية تتجاوز مجرد رصد الفراغ الوثائقي لتدرجه ضمن تحليل البنية، خصوصًا عند دراسة ظواهر تُبنى على اقتصاد الإخفاء وإدارة الإنكار وتوزيع الأدوار لتقليل قابلية الإسناد المباشر.
في هذا الإطار، يمكن القول إن إبستين شغل موقعًا وظيفيًا داخل شبكة نفوذ معقدة تتقاطع فيها السياسة والمال والتقنية والمعلومة الاستخباراتية. لم يكن موقعه رسميًا أو حكوميًا، بل كان موقعًا شبكيًا وظيفيًا مكّنه من الربط بين دوائر لم تكن على اتصال مباشر، وتسهيل تفاعلات تتجاوز القنوات المؤسسية التقليدية. قدرته على الجمع بين رأس المال والنخبة السياسية والفاعلين في المجالات التقنية والمعرفية تعكس وظيفة مركزية داخل الشبكة أكثر من أي صفة رسمية.
وهنا يكمن جوهر التحليل: ليس السؤال في إثبات أو نفي صفة استخباراتية، بل في فهم كيفية توظيف العلاقات الاجتماعية والمالية والتقنية لإنتاج مساحات تأثير تعمل خارج الأطر المؤسسية الصريحة، مع الاحتفاظ بتقاطعاتها مع النتائج والآثار الرسمية. فالتأثير قد يتشكل عبر هندسة اللقاءات، وتوليد الثقة، وصياغة مسارات اتصال تمهّد لقرارات تتخذ لاحقًا في مستويات أخرى.
بهذا المعنى، يتحول التحليل البنيوي إلى أداة لفهم موقع الفاعل داخل شبكة النفوذ، دون الانزلاق في تعميمات غير مدعومة، ودون إغفال النتائج المحتملة لهذا الموقع. التركيز هنا ينتقل من سؤال: «هل كان يحمل صفة رسمية؟» إلى سؤال أكثر تركيبًا: «ما الوظيفة التي أدّاها داخل البنية، وكيف انعكست على مسارات التفاعل بين المال والسياسة والتقنية والمعلومة؟»
وظائف الشبكة: الجزيرة كأداة استراتيجية
إذا تجاوزنا مسألة الصفة الرسمية أو التكليف الاستخباراتي المباشر، تتكشف أمامنا صورة شبكة نفوذ معولمة، مفتوحة البنية، تعمل عبر مستويات متعددة من التأثير السياسي والمالي والتقني. في هذه الشبكة، لا تُختزل العلاقة بين إبستين وشخصيات مثل إيهود باراك في بعدها الشخصي، بل تُفهم بوصفها عقدة مركزية ضمن هيكل أكبر، قادر على تحويل العلاقات إلى أدوات استراتيجية لتوجيه مسارات القرار.
آلية عمل الشبكة
تعتمد هذه البنية على عناصر مترابطة تُشكّل أساس قوتها وقدرتها على التأثير:
- العلاقات الشخصية والموثوقية المتبادلة
الشبكة مبنية على تاريخ طويل من التفاعلات والثقة المتبادلة، ما يمنح الوسطاء القدرة على التأثير خارج القنوات الرسمية. هذه الثقة لا تقتصر على تسهيل التواصل فحسب، بل تُستغل أيضًا لربط الشخصيات والمسؤولين بسلوكيات مشبوهة أو غير أخلاقية. والجدير بالذكر، أن الجزيرة لم تكن خاضعة لإدارة إبستين وحده، بل كانت مراقبة من قبل شبكة موازية تتحكم في كل التفاصيل وتوزع المعلومات بدقة عالية، ما يجعل أي تفاعل جزءًا من منظومة أوسع من السيطرة. - الوساطة وتسهيل اللقاءات
يقوم إبستين بدور الوسيط الذي يربط دوائر سياسية واقتصادية ومعرفية وتقنية غير متصلة، ما يمكّنه من توجيه المعلومات وتنسيق المصالح عبر لقاءات غير رسمية. هذه اللقاءات تولّد روابط غير مرئية عادة في الوثائق الرسمية، لكنها تؤثر بشكل مباشر في القرارات لاحقًا، ضمن ضوابط شبكة المراقبة الموازية. - إدارة المعرفة والمعلومات
من خلال تبادل الخبرات والتقنيات والمعلومات الحساسة، تتحول هذه المعطيات إلى أدوات ضغط أو نفوذ استراتيجي، مع القدرة على استغلال الفراغات القانونية والمؤسسية لصالح أهداف الشبكة، وتحت إشراف المنظومة الموازية التي تتأكد من أن كل معلومة تُستثمر لصالح الاستراتيجية الكلية.
الأهداف الاستراتيجية للشبكة
توضح البنية أن أهداف الشبكة مركّبة وواضحة:
- التأثير في صنع القرار الدولي
القدرة على توجيه السياسات الخارجية أو الضغط على قرارات اقتصادية وسياسية، دون الحاجة إلى موقع رسمي أو صفة رسمية. - إدارة الأزمات وتوجيه المعلومات
السيطرة على تدفق المعلومات وخلق فهم مشترك لمخاطر محددة، مثل النزاعات الإقليمية أو التحديات الأمنية، لتوجيه مسارات القرار بما يتوافق مع مصالح الشبكة. - تحويل العلاقات الشخصية إلى أدوات نفوذ
استثمار الثقة الاجتماعية، اللقاءات الشخصية، والشراكات المالية لتحويلها إلى قدرة على التحكم في المسارات السياسية والاقتصادية، بما يعزز النفوذ خارج القنوات الرسمية. - حماية المصالح الاستراتيجية
من خلال خلق قنوات بديلة وغير رسمية، يمكن التحرك بسرعة، تفادي الرقابة المباشرة، واستغلال الفرص في الابتزاز أو التأثير غير المعلن على صناع القرار.
القراءة الاستراتيجية للمعنى
وظيفة الشبكة الأساسية لا تكمن في الإعلان عن وجودها، بل في القدرة على العمل ضمن المجالات الرمادية بين الخاص والعام، وخلق ظروف تمكينية تجعل القرار الرسمي مرنًا وقابلًا للتوجيه. الجزيرة لم تكن مجرد ملكية خاصة أو مسرحًا للمتعة؛ بل كانت أداة ضمن شبكة عالمية، حيث تُحوَّل اللقاءات والتفاعلات الشخصية إلى محرك للقرار الدولي، مع استمرار المرونة والقدرة على التحرك بسرعة داخل بيئة معقدة ومتشابكة.
في هذا المعنى، تكشف الشبكة كيف يُعاد تعريف السلطة خارج الأطر الرسمية التقليدية، وكيف تصبح المساحات المغلقة منصة استراتيجية متكاملة تجمع النفوذ المالي والسياسي والمعرفي والتقني والاستخباراتي، وتحوّل الأحداث إلى أدوات لإعادة تشكيل موازين القوة العالمية.
الفصل الرابع: منهج المعنى كأداة تفسيرية
من الفضيحة إلى البنية: إبستين كعقدة في شبكة نفوذ معولمة
إذا مكّننا التحليل الشبكي من رسم خريطة الفاعلين ومواقعهم داخل بنية شبكة إبستين، فإن منهج المعنى يسمح بالغوص أعمق في فهم كيفية تشكّل هذه البنية في الوقت ذاته في الوعي والممارسة. مستلهمًا من الفينومينولوجيا عند إدموند هوسرل[11]، لا ينطلق هذا المنهج من سؤال سببي مباشر مثل: من فعل ماذا؟، بل من سؤال أعمق: كيف تشكّلت إمكانات الفعل ضمن أفق دلالي معين؟ وكيف تحوّلت العلاقات إلى حوامل معنى تنتج أثرًا سياسيًا قبل أن تُنتج قرارًا رسميًا؟
الفينومينولوجيا تفترض أن الفعل لا ينبثق من فراغ، بل من حقل إمكانات مُشكّل مسبقًا، يتكوّن من تفاعل التجربة والرمزية والبنية الاجتماعية. وبالقياس إلى ذلك، فإن موقع جيفري إبستين داخل الشبكة لا يُختزل في كونه مستثمرًا أو ممولًا، بل يتموضع ضمن أفق معنى يجعل من صناعة اللقاء وظيفة استراتيجية قائمة بذاتها.
أولًا: إمكان الفعل قبل الفعل
منهج المعنى لا يعتبر الحدث مجرد واقعة منفصلة، بل نتيجة لتشكّل مسبق لشروطه وإمكاناته. قبل توقيع أي اتفاقية أو تأسيس شراكة، تتشكل أرضية الفعل من:
- تلاقي تصورات مشتركة حول الأمن والسياسة،
- فهم متبادل للمخاطر الجيوسياسية،
- ثقة متبادلة بين النخب الاقتصادية والسياسية،
- ونزوع نحو التحكم في المستقبل لمنع أي خصم أو منافس من تهديد مصالح الجهة التي تقف وراء الشبكة.
في هذا الإطار، تظهر وظيفة الوسيط: إبستين لم يكن صانع القرار الرسمي ولا مسؤولًا حكوميًا، لكنه خلق لحظة التلاقي بين عوالم منفصلة ووفّر الجسر الذي يربط بين الكيان ونقاط استهدافه. وبهذه الطريقة، يظهر القرار الرسمي فقط بعد أن تُستنفد إمكاناته في الفضاء غير الرسمي، حيث تُصنع شروطه وتُمهّد لتطبيقه.
ثانيًا: الوظيفة قبل الهوية
منهج المعنى يحوّل التركيز من مركزية الهوية الفردية إلى مركزية الوظيفة البنيوية. السؤال هنا لا يكون: هل كان إبستين صاحب مشروع أيديولوجي، او هو مجرد وكيل لتنفيذ مهمة؟ بل: ما الوظيفة التي شغلها داخل شبكة المعاني والمصالح؟
- السياسي: حامل للشرعية الرمزية،
- الشركة: حاملة للتحويل المؤسسي،
- الوسيط: حامل لإمكان الربط والتوصيل.
الوظائف تتكامل دون تطابق؛ فالوسيط لا يهيمن بالضرورة، لكنه يضبط الإيقاع، يختار التوقيت، ينظم السياق، ويعيد صياغة مسارات التلاقي.
ثالثًا: البنية الدلالية للنفوذ
النفوذ لا يمارس فقط عبر السلطة المباشرة، بل من خلال:
- إعادة تعريف المصالح بما يتوافق مع سياق محدد،
- صياغة الأولويات في فضاءات القرار قبل أن تصبح رسمية،
- خلق قنوات اتصال موازية للعمل ضمن المساحات الرمادية بين الرسمي وغير الرسمي.
القناة الخاصة لا تنافس الرسمية، بل تنتج معناها. كلما ازدادت تعقيدات النظام الدولي، ازدادت أهمية الفاعلين القادرين على العمل في هذه المناطق الرمادية، حيث تتحول العلاقات الشخصية والمالية إلى أدوات استراتيجية لإنتاج النفوذ قبل أي إعلان رسمي.
إبستين كعقدة وسيطة
من خلال هذا المنظور، يظهر إبستين ليس مجرد وسيط اجتماعي، بل عنصر محوري في هندسة شبكة النفوذ الدولي للشبكة. القوة والفعالية هنا تنبع من الوظيفة داخل البنية، لا من الاسم أو الصفة الرسمية. شبكة الجزيرة لم تكن مدار إبستين وحده؛ فقد كانت هناك شبكة موازية تتحكم في المراقبة على الجميع، وتضمن تحويل كل تفاعل إلى أداة ضمن استراتيجية أوسع.
المعنى الاستراتيجي
قضية إبستين لم تعد مجرد فضيحة أخلاقية، بل نموذج لفهم شبكة نفوذ معولمة تتقاطع فيها المال، الأمن، التقنية، السياسة، والمعلومة:
- المال يتحوّل إلى جسر أمني واستراتيجي،
- التقنية تصبح أداة دبلوماسية لإعادة إنتاج النفوذ،
- القناة الخاصة تمهّد للقنوات الرسمية وتضفي عليها معنى وظيفيًا واستراتيجيًا.
العلاقات الموثقة مع شخصيات دولية، بما في ذلك شخصيات إسرائيلية بارزة مثل إيهود باراك، تكشف أن تحليل الشبكة لا يمكن أن يقتصر على الأخلاق أو الفعل الفردي؛ بل يتطلب تركيزًا على البنية والوظائف الشبكية.
إبستين يُقدّم نموذجًا حيًا لكيفية تحويل الرأسمال الاجتماعي إلى قوة جيواستراتيجية غير مباشرة، عبر إنتاج البنى والشروط التي تجعل القرار الرسمي ممكنًا ومرنًا، قبل أن يُعلن رسميًا.
وبذلك، يتحول التحليل من:
- سؤال الأخلاق → سؤال البنية،
- سؤال الفضيحة → سؤال النظام،
- الشخص → الشبكة،
- الشبكة → الوظيفة الاستراتيجية.
إبستين يصبح عبر هذا المنظور نقطة مركزية لفهم كيفية عمل النفوذ في الفضاء المعولم، حيث تتقاطع العلاقات الشخصية مع السياسة والاقتصاد والمعرفة والتقنية والاستخبارات لتنشئ شبكة معقدة من القوة غير الرسمية.
مراجع
[1]. Baker, P., & Haberman, M. (2019, July 9). Jeffrey Epstein’s international connections and financial network examined. Reuters.2 عملية استدراج منظّمة تستند إلى خلق علاقة حميمية أو شبه حميمية مع هدف محدد، بهدف جمع معلومات، التأثير في قراراته، أو امتلاك مادة ابتزازية يمكن استخدامها لاحقًا.
3. Reuters. 2025. “Jeffrey Epstein Had Accounts With Goldman Sachs and HSBC, Documents Show.” November 4, 2025. https://www.reuters.com/business/finance/jeffrey-epstein-had-accounts-with-goldman-sachs-hsbc-documents-show-2025-11-04/.
4. The Wall Street Journal. 2023. “Epstein Email Cache and Schedule Analyses.” The Wall Street Journal. (archive citation of WSJ investigations on emails and contacts).
5. شركة كارباين (Carbyne): هي شركة إسرائيلية ناشئة متخصصة في تطوير تقنيات الاستجابة للطوارئ والمراقبة الأمنية، تُقدّم منصات رقمية متقدمة لتمكين السلطات المحلية والدولية من إدارة الأزمات والكوارث، وتوفير حلول متكاملة للاتصالات الطارئة والمراقبة الذكية. تأسست في الأصل باسم Reporty قبل أن تُعاد تسميتها لاحقًا إلى كارباين، وقد شهدت استثمارات مبكرة من مستثمرين دوليين، ومن بينها استثمار جيفري إبستين، الذي شكّل نقطة التقاء بين رأس المال الاجتماعي والسياسي والتقني، مع رئاسة إيهود باراك لمجلس إدارتها، ما منح الشركة غطاءً سياسيًا وأمنيًا مهمًا (Haaretz, 2023; The Verge, 2023).
6 Haaretz (2023, مارس 15). ** كيف أصبحت شركة Carbyne الإسرائيلية محور شبكة علاقات دولية؟ Haaretz.
https://www.haaretz.com/israel-news/tech-and-politics-carbyne-network-1.94731
7. The Verge. (2023, يونيو 20). شركة Axon تستحوذ على Carbyne مقابل 625 مليون دولار. The Verge.
https://www.theverge.com/2023/06/20/axon-acquires-carbyne-for-625-million
8. Drop Site News. (2024, يناير 18). وثائق ورسائل بريد إلكتروني تظهر تنسيق جيفري إبستين مع إيهود باراك لعقد لقاءات مع مستثمرين دوليين. Drop Site News. https://dropsitenews.com/epstein-barak-emails-2024
9 تشير الوثائق إلى أن جيفري إبستين كان ينسق مع مستثمرين أميركيين بارزين، بما في ذلك صناديق استثمار ترتبط ببيتر ثيل، مؤسس PayPal ومستثمر معروف في شركات التكنولوجيا الناشئة. وتوضح هذه الروابط وظيفة إبستين كوسيط بين رأس المال الأميركي والنخبة السياسية والتقنية في إسرائيل، وتبرز دوره في تفعيل شبكات تمويل دولية لربط الأبعاد المالية والسياسية.
10. Borgatti, S. P., Everett, M. G., & Johnson, J. C. (2018). Analyzing social networks (2nd ed.). SAGE Publications.
11 Husserl, E. (1913/1982). Ideas: General Introduction to Pure Phenomenology. Translated edition.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
[1]. Baker, P., & Haberman, M. (2019, July 9). Jeffrey Epstein’s international connections and financial network examined. Reuters.
[2]. عملية استدراج منظّمة تستند إلى خلق علاقة حميمية أو شبه حميمية مع هدف محدد، بهدف جمع معلومات، التأثير في قراراته، أو امتلاك مادة ابتزازية يمكن استخدامها لاحقًا.
[3]. Reuters. 2025. “Jeffrey Epstein Had Accounts With Goldman Sachs and HSBC, Documents Show.” November 4, 2025. https://www.reuters.com/business/finance/jeffrey-epstein-had-accounts-with-goldman-sachs-hsbc-documents-show-2025-11-04/.
[4]. The Wall Street Journal. 2023. “Epstein Email Cache and Schedule Analyses.” The Wall Street Journal. (archive citation of WSJ investigations on emails and contacts).
[5]. شركة كارباين (Carbyne): هي شركة إسرائيلية ناشئة متخصصة في تطوير تقنيات الاستجابة للطوارئ والمراقبة الأمنية، تُقدّم منصات رقمية متقدمة لتمكين السلطات المحلية والدولية من إدارة الأزمات والكوارث، وتوفير حلول متكاملة للاتصالات الطارئة والمراقبة الذكية. تأسست في الأصل باسم Reporty قبل أن تُعاد تسميتها لاحقًا إلى كارباين، وقد شهدت استثمارات مبكرة من مستثمرين دوليين، ومن بينها استثمار جيفري إبستين، الذي شكّل نقطة التقاء بين رأس المال الاجتماعي والسياسي والتقني، مع رئاسة إيهود باراك لمجلس إدارتها، ما منح الشركة غطاءً سياسيًا وأمنيًا مهمًا (Haaretz, 2023; The Verge, 2023).
[6]. Haaretz (2023, مارس 15). ** كيف أصبحت شركة Carbyne الإسرائيلية محور شبكة علاقات دولية؟ Haaretz.
https://www.haaretz.com/israel-news/tech-and-politics-carbyne-network-1.94731
[7]. The Verge. (2023, يونيو 20). شركة Axon تستحوذ على Carbyne مقابل 625 مليون دولار. The Verge.
https://www.theverge.com/2023/06/20/axon-acquires-carbyne-for-625-million
[8]. Drop Site News. (2024, يناير 18). وثائق ورسائل بريد إلكتروني تظهر تنسيق جيفري إبستين مع إيهود باراك لعقد لقاءات مع مستثمرين دوليين. Drop Site News. https://dropsitenews.com/epstein-barak-emails-2024
[9]. تشير الوثائق إلى أن جيفري إبستين كان ينسق مع مستثمرين أميركيين بارزين، بما في ذلك صناديق استثمار ترتبط ببيتر ثيل، مؤسس PayPal ومستثمر معروف في شركات التكنولوجيا الناشئة. وتوضح هذه الروابط وظيفة إبستين كوسيط بين رأس المال الأميركي والنخبة السياسية والتقنية في إسرائيل، وتبرز دوره في تفعيل شبكات تمويل دولية لربط الأبعاد المالية والسياسية.
[10]. Borgatti, S. P., Everett, M. G., & Johnson, J. C. (2018). Analyzing social networks (2nd ed.). SAGE Publications.
[11]. Husserl, E. (1913/1982). Ideas: General Introduction to Pure Phenomenology. Translated edition.





