
بقلم: د. محمد السنوسي(*)
لسنا أمام تصعيد عابر ولا لغة تهديد تقليدية. ما تشهده المنطقة من تصاعد في الخطاب الأميركي–الإسرائيلي تجاه إيران يعكس تحوّلًا بنيويًا في إدارة الصراع: مواجهة تُدار تحت العتبة، وبأدوات مركّبة، هدفها إعادة تشكيل موازين القوة لا حسمها سريعًا. السؤال الأهم لم يعد: هل ستقع الحرب؟ بل: كيف تُدار، ولمصلحة من، وبأي كلفة على المنطقة وشعوبها؟
لماذا إيران تحديدًا؟
حين يتحوّل الفاعل الإقليمي إلى اختبار لبنية النظام نفسه
استهداف إيران لا ينبع من عامل واحد، ولا يمكن اختزاله في ملف نووي أو خلاف أيديولوجي. إيران تُستهدف لأنها تمثل اختلالًا مركزيًا في معادلة صُمّمت لتكون مستقرة لصالح أطراف بعينها. إنها ليست “مشكلة أمنية” بالمعنى التقليدي، بل سؤالًا استراتيجيًا عمن يملك حق تعريف الأمن والنفوذ في الشرق الأوسط والمنطقة.
ثلاث اعتبارات كبرى تفسّر هذه المركزية.
أولًا: إيران كفاعل مُربك للنظام الإقليمي القائم
النظام الإقليمي الذي تشكّل بعد الحرب الباردة يقوم على ثلاث ركائز:
- هيمنة أمنية أميركية،
- تفوق إسرائيلي نوعي غير قابل للتحدي،
- دول إقليمية مندمجة أو مُدارة ضمن هذا الإطار.
إيران تخرق هذه الركائز مجتمعة.
فهي:
- ترفض الاندماج في منظومة أمنية تقودها واشنطن ولا تمنحها موقعًا متكافئًا،
- تبني نفوذًا شبكيًا عابرًا للحدود، لا يقوم على السيطرة المباشرة بل على علاقات وظيفية مع فواعل محلية،
- تعتمد ردعًا غير متناظر (شبكات، صواريخ، حروب استنزاف) يُقيّد حرية الحركة العسكرية التقليدية للقوى المتفوقة تقنيًا.
بهذا المعنى، إيران لا تنافس داخل النظام، بل تُربك منطق عمله.
هي لا تطالب بإصلاح تفصيلي، بل تمارس وجودًا سياسيًا وأمنيًا لا يفترض الاعتراف المسبق بشرعية القواعد المفروضة.
من منظور القوى المهيمنة، هذا أخطر من خصم تقليدي:
الخصم يمكن احتواؤه أو ردعه، أما المربِك فيُهدد قابلية النظام ذاته على الاستمرار
ثانيًا: إسرائيل ومنطق “التهديد الوجودي المؤجَّل”
إسرائيل لا تقرأ التهديد الإيراني بميزان اللحظة، بل بميزان الزمن.
الخطر في نظر تل أبيب ليس:
- ضربة إيرانية مباشرة،
- ولا حربًا تقليدية شاملة.
الخطر الحقيقي هو تآكل التفوق طويل المدى.
يتجلّى هذا التآكل في:
- تشكّل محور متعدد الجبهات يفرض على إسرائيل القتال على أكثر من ساحة،
- انتقال الردع من تفوق نوعي حاسم إلى توازن كلفة واستنزاف،
- فقدان القدرة على اختيار توقيت الحرب ومكانها وإيقاعها.
في العقيدة الإسرائيلية، القدرة على ضبط إيقاع الصراع هي جوهر الأمن القومي. وأي طرف يُقوّض هذه القدرة، حتى دون حرب، يُصنَّف كتهديد وجودي.
لذلك، هدف إسرائيل ليس منع حرب آنية، بل منع نشوء ميزان ردع جديد يجعلها دولة “عادية” في محيط متنازع، لا قوة فوقية تتحكم بالمعادلة.
إيران، بما تمثله من ربط بين ساحات مختلفة، تُهدد هذه الفوقية دون أن تطلق رصاصة مباشرة.
ثالثًا: الولايات المتحدة وإدارة التراجع لا الانسحاب
الولايات المتحدة لا تتعامل مع إيران من موقع الهيمنة المطلقة التي سادت بعد 1991، بل من موقع قوة تحاول إدارة تراجعها النسبي في نظام دولي يتجه نحو التعددية القطبية.
واشنطن تواجه ثلاث ضغوط متزامنة:
- صعود الصين كمنافس استراتيجي شامل،
- عودة روسيا كلاعب عسكري وسياسي مُعطِّل،
- إنهاك داخلي من حروب طويلة ومكلفة.
في هذا السياق، لا تريد الولايات المتحدة:
- حربًا شاملة جديدة في الشرق الأوسط،
- ولا انهيارًا مفاجئًا للنظام الإقليمي الذي لا تزال تستفيد منه.
احتواء إيران يصبح، هنا:
- وسيلة لإعادة ضبط النظام الإقليمي،
- بأدوات أقل كلفة من الحرب المفتوحة،
- وعبر إدارة توترات دون حسم.
إيران تُشكّل التحدي الأصعب لأنها:
- تختبر قدرة واشنطن على فرض السقف الأمني دون انخراط مباشر،
- وتكشف حدود القوة الأميركية حين تواجه فاعلين لا يلعبون بالقواعد الكلاسيكية.
من هذا المنظور، استهداف إيران ليس فقط لحماية إسرائيل، بل لاختبار ما إذا كانت الولايات المتحدة لا تزال قادرة على رسم الخطوط الحمراء في عالم يتغيّر.
إيران كمرآة لأزمة النظام… لا كمصدرها
في الخلاصة، لا تتصدّر إيران بؤرة الصراع لأنها “الأكثر عدوانية”، بل لأنها الطرف الأقدر على كشف التصدعات العميقة في النظام القائم:
- تُربك نظامًا إقليميًا صُمّم ليستوعب لاعبين مطيعين لا فاعلين مستقلين،
- وتُقلق إسرائيل لأنها لا تنافسها في لحظة عسكرية عابرة، بل تُهدد تفوقها الزمني وقدرتها على التحكم بإيقاع الصراع،
- وتُحرج الولايات المتحدة لأنها تفضح حدود القوة حين تتحول من هيمنة إلى إدارة تراجع محسوب.
لهذا تُستهدف إيران تحديدًا. لا لأنها الدولة الأقوى عسكريًا، بل لأنها، بسلوكها وتموضعها، تفرض سؤالًا استراتيجيًا لا يرغب النظام في مواجهته:
هل ما زال هذا النظام الإقليمي قادرًا على فرض قواعده وصيانة توازناته، أم أنه لم يعد سوى آلية لإدارة الأزمات وتأجيل الانفجار؟
عند هذه النقطة، تتجاوز المواجهة مع إيران كونها صراع نفوذ تقليدي، لتغدو صراعًا على تعريف النظام نفسه:
من يضع القواعد؟ ومن يملك حق إعادة كتابتها في عالم لم يعد يقبل المسلّمات القديمة؟
صراع دون العتبة: حين تصبح اللا–حرب هي الاستراتيجية
الصراع “دون العتبة” ليس تعبيرًا تقنيًا محايدًا، بل عقيدة إدارة صراع كاملة، نشأت في بيئة يدرك فيها الفاعلون الكبار أن الحرب الشاملة لم تعد أداة قابلة للضبط، ولا مضمونة النتائج، ولا محتملة الكلفة سياسيًا واقتصاديًا.
في هذا النمط:
- لا يُقاس النجاح بالحسم،
- بل بالقدرة على إدامة الاختلال دون الوصول إلى الانفجار.
الضربات المحدودة، العمليات السيبرانية، الاغتيالات الانتقائية، والعقوبات الذكية ليست بدائل مؤقتة عن الحرب، بل هي الحرب بصيغتها الجديدة. إنها حرب:
- بلا إعلان،
- بلا نهاية واضحة،
- وبلا مسؤولية سياسية مباشرة.
الميزة الأساسية لهذا النمط أنه:
- يمنح صانعه القدرة على الإنكار،
- ويُبقي الخصم في حالة استنزاف دائم،
- ويمنع تشكّل لحظة تعبئة كبرى قد تقلب ميزان الردع.
أما الخطر الحقيقي، فهو أن الصراع دون العتبة لا يهدف إلى حل النزاع، بل إلى تجميده في مستوى قابل للإدارة، حتى وإن كان ذلك على حساب استقرار دول ومجتمعات كاملة.
بعبارة أدق:
نحن لا نعيش مرحلة “تفادي الحرب”، بل مرحلة تحويل الحرب إلى حالة دائمة منخفضة الشدة.
التوتر المُستدام: من أداة مؤقتة إلى بنية حاكمة
حين يتحول التوتر إلى حالة مستدامة، يتغير من كونه أداة تكتيكية إلى بنية حاكمة للنظام الإقليمي.
في هذا السياق:
- لا يُراد للصراع أن يُحسم،
- ولا يُسمح له أن يهدأ،
- بل يُدار عند مستوى يضمن إعادة إنتاج الحاجة إليه.
لماذا؟
لأن التوتر المستدام:
- يبرّر الوجود العسكري الأجنبي،
- يبرّر التحالفات القسرية،
- يبرّر سباقات التسلح،
- ويُبقي المجتمعات في حالة خوف قابلة للتوجيه.
إسرائيل، على وجه الخصوص، تستفيد استراتيجيًا من غياب الاستقرار المُنضبط:
- الاستقرار الحقيقي قد يفتح أسئلة عن الاحتلال والشرعية،
- أما الفوضى المُدارة فتُبقي الأولويات الأمنية في الواجهة.
وهكذا يصبح التوتر:
- ليس فشلًا في إدارة الصراع،
- بل نجاحًا في هندسة بيئة إقليمية لا تسمح بظهور بدائل سياسية مستقلة.
تفكك بلا حسم: فوضى تُنتج لاعبين لا دولًا
هذه المقاربة لا تُنتج منتصرين، بل مساحات مفتوحة للصراع.
الدول الهشّة:
- لا تنهار دفعة واحدة،
- بل تُستنزف ببطء: اقتصاديًا، مؤسساتيًا، اجتماعيًا.
والدول القلِقة:
- لا تبحث عن حلول جماعية،
- بل تنزلق إلى منطق الأمن الأحادي،
- وتسليح الذات،
- والاستقواء بمحاور خارجية.
النتيجة البنيوية الأخطر هي:
تآكل الدولة كفاعل مركزي، وصعود الفواعل غير الدولتية كأدوات صراع لا كبدائل حكم.
في هذا المشهد:
- الميليشيا، والشبكة المسلحة، والفاعل العابر للحدود،
- لا يظهر بوصفه خللًا،
- بل بوصفه وظيفة داخل صراع مُصمَّم أصلًا على هذا النحو.
وهنا تتحقق المفارقة:
الصراع الذي يُرفع شعار “احتواء الفوضى” باسمه، هو نفسه الذي يُعيد إنتاجها باستمرار.
إسرائيل والآلة الضاغطة: حين يُصنَع الخطر بدل توصيفه
ما يُغفل في قراءة السلوك الإسرائيلي ليس فقط قوة السردية التي تروّجها، بل الدقّة الهندسية التي تُبنى بها هذه السردية وتُمرَّر داخل العقول والمؤسسات الغربية.
إسرائيل لا تخوض معركة إقناع ظرفية، بل معركة تعريف طويلة الأمد لماهية “الخطر” ذاته.
هي لا تقول: إيران تهددنا عسكريًا الآن—وهو ادعاء قابل للنقاش والقياس— بل تقول: إيران تهدد النظام الذي يضمن أمننا مستقبلًا.
وهنا يكمن التحوّل المفاهيمي الحاسم.
بهذا المنطق، لا يصبح الخطر فعلًا عدائيًا مباشرًا، بل إمكانية بنيوية لتغيير قواعد اللعبة.
في الخطاب الإسرائيلي، الخطر الإيراني يتمثل في:
- القدرة على بناء محور إقليمي عابر للحدود،
- إعادة تعريف الردع من تفوق تقني إلى توازن استنزاف،
- فرض قيود سياسية وأمنية على حرية الحركة الإسرائيلية،
- والأهم: إرباك نظام إقليمي صُمّم تاريخيًا لضمان التفوق الإسرائيلي النوعي، لا لإدارة توازنات عادلة.
بهذا التعريف، تتحول أي قدرة إيرانية—حتى غير العدوانية—إلى تهديد وجودي مؤجَّل، وتتحول المواجهة من رد فعل إلى واجب استباقي.
من السردية إلى السياسة: كيف تُترجم الرواية داخل واشنطن؟
هذه السردية لا تنتقل إلى الولايات المتحدة كـ“رأي حليف”، بل تُعاد صياغتها داخل منظومة معرفية وسياسية أميركية مكتملة:
- مراكز أبحاث تُنتج أوراقًا بلغة الأمن القومي الأميركي،
- جماعات ضغط تُحوّل الفرضيات إلى توصيات سياسات،
- شبكات إعلام تُبسّط الخطر وتُعيد إنتاجه يوميًا،
- وأطر أكاديمية وأمنية تُدرّس “التهديد الإيراني” كحقيقة بنيوية لا كموضوع نقاش.
بهذه الآلية، لا يعود الخطاب الأميركي ثابتًا لأنه يعكس إجماعًا وطنيًا صلبًا، بل لأنه نتاج بيئة مُهيكلة مسبقًا، تحدد ما هو المعقول، وما هو المقبول، وما هو “الخطر” الذي لا يجوز التشكيك فيه.
النتيجة:
تغيّر الإدارات لا يغيّر السقف، وتبدّل الأولويات لا يطال جوهر المقاربة.
الولايات المتحدة كدرع: من شريك إلى واجهة متقدمة
في هذا السياق، تتحول الولايات المتحدة تدريجيًا من فاعل مستقل يدير الصراع وفق مصلحته، إلى واجهة استراتيجية تُدار عبرها معركة أوسع.
واشنطن:
- تدفع الكلفة العسكرية المباشرة،
- تتحمل العبء السياسي والدبلوماسي،
- وتُستنزف استراتيجيًا في منطقة لم تعد مركز أولوياتها الكبرى مقارنة بالصين وشرق آسيا.
لكن في المقابل:
- تحافظ على صورة “القيادة العالمية”،
- وتبقى أسيرة منطق “الالتزام غير القابل للمراجعة” تجاه إسرائيل.
هنا لا تعود العلاقة تحالفًا تقليديًا بين دولتين ذواتي مصالح متقاطعة، بل علاقة بنيوية تجعل من أميركا أداة ضبط إقليمي طويلة الأمد، حتى عندما تتعارض بعض تفاصيل هذا الدور مع مصالحها الاستراتيجية البعيدة.
حرب بلا إعلان: اختيار واعٍ لا فشل في الحسم
ما نشهده ليس تفاديًا للحرب، ولا عجزًا عن الحسم، بل اختيارًا واعيًا لصيغة صراع:
- تفكك دون انتصار،
- توتر دون انفجار،
- وحروب دون إعلان رسمي.
هذه الصيغة:
- تخدم إسرائيل لأنها تمنع تشكّل ميزان ردع مستقر،
- تُقحم الولايات المتحدة في دور الدرع والضامن،
- وتحول المنطقة إلى مسرح استنزاف مفتوح، بلا نهاية سياسية واضحة.
الخطر الحقيقي ليس في استمرار هذا النمط، بل في تطبيعه، حتى يصبح غياب الحرب الشاملة هو “الإنجاز” الوحيد،
مهما كان الثمن المدفوع من استقرار الدول ومستقبل الشعوب.
حرب الظل: حين تصبح المعرفة ساحة القتال الأساسية
على الأرض، تتقدّم حرب الظل باعتبارها الذراع الأكثر فعالية في هذا النموذج.
عمليات استخباراتية دقيقة—من اختراق معلوماتي إلى اغتيالات نوعية—تؤكد أن السيطرة على المعرفة والبُنى الحسّاسة باتت أهم من التفوق العسكري الكمي.
وبموازاتها، تُدار حرب سرديات:
- تُهيّئ الرأي العام الدولي لقبول تصعيد طويل،
- تُؤطر إيران كخطر عالمي،
- وتُهمّش القراءات البديلة بوصفها “غير واقعية” أو “غير مسؤولة”.
هنا تصبح المعلومة، لا الدبابة، هي السلاح الحاسم.
الحركات الإسلامية وقوى المقاومة : بين التوظيف والاستنزاف
في بيئة استقطاب حاد ومفتوح كهذه، لا تُستهدف الدول وحدها، بل تُدفع الحركات الإسلامية وقوى المقاومة إلى مأزق بنيوي مركّب:
- فإما الانجرار إلى صراعات تُدار من خارجها ولا تتحكم بمساراتها ولا بتوقيتاتها، فتُستنزف سياسيًا وميدانيًا، وتُعاد صياغتها إعلاميًا بوصفها خطرًا مطلقًا، لا فاعلًا مقاومًا ذا قضية.
- أو الانكفاء والتحوّط، ما يخلّي الساحة تدريجيًا أمام خطابات أكثر تطرفًا وأقل عقلانية، تفتقر إلى البوصلة السياسية وتُستثمر بسهولة في مشاريع الفوضى والتشويه.
في كلا المسارين، لا يكون الثمن محصورًا في التنظيمات نفسها، بل تدفعه المجتمعات التي تتحرك داخلها:
- استنزاف اجتماعي طويل الأمد يُرهق النسيج الأهلي،
- تشظٍّ سياسي يُضعف إمكانات التوافق وبناء الجبهات الواسعة،
- وتآكل فرص بلورة مشروع مقاومة مستقل قادر على الجمع بين الشرعية الشعبية، والعقل الاستراتيجي، والقدرة على الصمود دون الارتهان لصراعات تُدار بالوكالة.
وهنا تكمن المفارقة الأخطر:
بيئة يُفترض أن تُنتج مقاومة واعية، تتحول—إن لم تُحسن إدارتها—إلى أداة لاستنزاف المقاومة ذاتها، وإفراغها من معناها السياسي والأخلاقي، بدل أن تكون رافعة لتحرير القرار وبناء البديل.
ما وراء السياسة: هشاشة النخبة وكاشف إبستين
لفهم سبب انخراط الولايات المتحدة في مواجهات لا تبدو دائمًا منسجمة مع مصالحها البعيدة، لا بد من التوقف عند هشاشة النخب التي تصنع القرار.
هنا يكتسب ملف جيفري إبستين دلالته بوصفه كاشفًا بنيويًا لا فضيحة أخلاقية عابرة. ما أظهره—بصرف النظر عما لم يُحسم قضائيًا—هو قابلية قطاعات من النخب السياسية والمالية والإعلامية للتأثير والضغط خارج أطر المساءلة.
في عصر تُدار فيه القوة بالمعلومات:
- تصبح قابلية النخب للاختراق مسألة أمن قومي،
- ويغدو النظام الذي يسمح بنشوء شبكات غير رسمية ثم يعجز عن تفكيكها بشفافية نظامًا مكشوفًا سياديًا.
نظام كهذا:
- يسهل دفعه إلى حروب بالوكالة،
- يسهل توجيه أولوياته،
- ويقاتل أحيانًا نيابة عن آخرين… وهو يعتقد أنه يدافع عن نفسه.
اكتمال المشهد: قرار سيادي بواجهة مستقلة
بهذا المنظور، يكتمل المشهد الاستراتيجي لا بوصفه سلسلة أحداث متفرقة، بل كنظام ضغط متكامل:
- مؤسسات دولية متآكلة فقدت القدرة على الضبط والإنفاذ،
- نخب سياسية وفكرية مأزومة، مكشوفة أمام شبكات النفوذ والابتزاز،
- سردية إسرائيلية مُحكَمة تُعيد تعريف الصراع بوصفه “تهديدًا وجوديًا دائمًا”، لا أزمة قابلة للاحتواء،
- وقوة أميركية تمتلك أدوات التنفيذ والشرعية الإجرائية، لكنها تتحرك داخل هامش تآكل استراتيجي متزايد.
في هذا السياق، يبدو القرار سياديًا في شكله المؤسسي، لكنه في جوهره نتاج بيئة ضغط مركّبة، تُمارس فيها شبكات النفوذ—الفكرية والإعلامية والاستخباراتية—تأثيرًا يتجاوز فاعلية القنوات الرسمية ذاتها. هكذا تتحول السيادة من فعل مستقل إلى نتيجة مُدارة، ومن قرار وطني إلى مخرج نهائي لتوازنات غير مرئية.
واجب الوعي: ما الذي ينبغي فعله؟
الاستجابة المطلوبة لهذه اللحظة ليست اصطفافًا أعمى، ولا تعبئة انفعالية قصيرة النفس، بل انتقالًا واعيًا من ردّ الفعل إلى الفعل الاستراتيجي، عبر:
- استعادة وعي استشرافي يفرّق بوضوح بين المقاومة بوصفها فعل تحرّر مشروع، وبين الاستنزاف المجاني الذي يخدم خصومها،
- تحصين المجتمعات قبل تعبئتها، ببناء مناعة فكرية وسياسية تمنع اختراقها وتحويلها إلى وقود صراعات بالوكالة،
- إعادة تعريف مفهوم “النصرة” باعتباره حماية القرار المستقل، لا مجرد الاصطفاف مع مسار لا تتحكم الأمة بمآلاته،
- ومنع إعادة إنتاج المنطقة كساحة تصفية حسابات دولية تُدار فيها الصراعات من الخارج وتُدفع كلفتها من الداخل.
الخلاصة الاستراتيجية
التهديد الأميركي–الإسرائيلي لإيران لا يُقرأ كحدث معزول، بل كعرض مكثف لأزمة أعمق تضرب بنية النظامين الإقليمي والدولي معًا. الخطر الحقيقي لا يكمن في احتمالية المواجهة العسكرية وحدها، بل في تحويل الصراع إلى حالة مستدامة تُستنزف فيها شعوب المنطقة، بينما تُصاغ قراراتها الكبرى خارج دوائرها السيادية.
السؤال الحاسم اليوم لم يعد: هل ستقع المواجهة؟
بل: هل يمتلك هذا النظام—بنخبه المأزومة ومؤسساته المتآكلة—القدرة على إدارة عالم متعدد القوى دون الانزلاق به نحو فوضى أوسع، أم أنه بات عاجزًا عن إنتاج الاستقرار إلا عبر إدارة الأزمات وتأجيل الانفجار؟
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية – الرباط





