صناعة التضليل.. من الدعاية إلى التزييف العميق

أصبحنا نعيش في مجتمع «ما بعد الواقع» أو «ما بعد الحقيقة»، ليس فقط لأن الحقيقة لا تحظى فيه بالأولوية، بل لأنها أصبحت غير مرغوب فيها

صحيفة لبيب.. ما آفة الأخبار إلاّ رُواتها، عبارة منسوبة إلى الشاعر العربي الشريف الرضي الذي عاش ببغداد في القرن الرابع الهجري، وهي تكاد تلخص واحدة من أكثر الآفات التي عرفتها المجتمعات والأفراد في كل العصور، وأصبحت سمة العصر الحديث؛ إنها آفة التضليل بكل صوره وأشكاله، حتى أصبح التضليل يقوم على صناعة تُعنى بمعالجة الصور والمعلومات وإحكام السيطرة عليها وترويجها لتحديد آراء الناس ومواقفهم، بل وتوجيه سلوكهم.
بالأمس كانت الدعاية مُتخفِّية في وسائط المعرفة ووسائل الإعلام التقليدية وفي الخطب السياسية وحتى في قصائد الشعراء، وتطور الأمر إلى ما أصبح يُعرف اليوم ب «التزييف العميق» مع تطور التكنولوجيا الرقمية الحديثة وعلى رأسها الذكاء الاصطناعي.
في ظل هذا التحول في صناعة التضليل، أصبحنا نعيش في مجتمع «ما بعد الواقع» أو «ما بعد الحقيقة»، ليس فقط لأن الحقيقة لا تحظى فيه بالأولوية، بل لأنها أصبحت غير مرغوب فيها.
في عصر ما بعد الحقيقة يجد فيه المُتعصِّبُ قنواتٍ ووسائلَ اتصال تُروج لتعصبه، ويجد فيه دعاة الانغلاق، بكل مشاكله وهمومه ومخاطره ما يقوي قلاعهم ويعزز قناعاتهم، ويجد فيه الشعبويون والمتطرفون المؤمنون بتفوقهم العرقي في أميركا وأوروبا وإسرائيل ما يبررون به سياساتهم وفظاعاتهم.
بلغ التضليل مدى بعيدا أصبح يُطلق عليه «التزييف العميق»، وهو مفهوم يعرف انتشارا واسعا في أدبيات خبراء الاتصال عبر العالم، ولا سيما في أروبا والولايات المتحدة، حيث أخذت بعض الأصوات تحذر من مخاطر هذا التزييف على الديمقراطية وعلى الأنظمة السياسية التي تقوم عليها .
هذا الكتاب يسعى إلى توضيح جوانب من تاريخ التضليل وكيف تطور وانتقل من أشكال الدعاية البسيطة والمتخفية إلى أنماط معقدة ومُحكمة من التزييف..

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى