كيف نواجه كيانًا يعيش أزمته بالعنف؟

قراءة استراتيجية في إسرائيل الجديدة

بقلم: د. محمد السنوسي..

على إثر نشر مقالي السابق المعنون “الخريطة الفكرية والأيديولوجية في إسرائيل اليوم: التحولات الداخلية ومآلات ما بعد طوفان الأقصى” توالت ردود قرّاء لا تسأل عمّا جرى بقدر ما تسأل عمّا ينبغي فعله. وهو سؤال مشروع في ظاهره، لكنه محفوف بسوء التقدير إن لم يُبنَ على تشخيص صحيح لطبيعة اللحظة. فمن الخطأ الاعتقاد بأن ما تواجهه إسرائيل اليوم هو مجرد أزمة أمنية عابرة، أو خلل استخباراتي ظرفي يمكن احتواؤه بإعادة توزيع القوة أو ترميم أدوات الردع. مثل هذا الفهم، رغم انتشاره، لا يفعل سوى إعادة إنتاج العمى التحليلي، لأنه يحبس النظر في مستوى الحدث ويُغفل ما هو أعمق: التحول البنيوي في طبيعة الدولة ذاتها.

ما انكشف بعد «طوفان الأقصى» ليس فعلًا عسكريًا خارج السياق، بل لحظة كاشفة لاهتزاز عميق في البنية الفكرية والأيديولوجية التي وفّرت، لعقود، حدًا أدنى من التماسك الوظيفي داخل المشروع الصهيوني. لم يكن المشهد انتقالًا من ضعف إلى قوة، ولا من صدمة إلى تعافٍ، بل انزلاقًا نوعيًا من منطق إدارة الأزمات إلى منطق الإقامة داخل الأزمة بوصفها حالة دائمة. إسرائيل، في هذا المعنى، لم تعد دولة تواجه مأزقًا، بل كيانًا بدأ يتغذّى على المأزق ذاته.

الدولة التي شُيّدت سرديتها تاريخيًا على البراغماتية والعقلانية وحسابات الردع والكلفة، أخذت تنزلق نحو نموذج خلاصـي–انتقامي، يرى في الصراع شرط وجود لا عبئًا سياسيًا. وهنا تتجلى المفارقة المركزية: إسرائيل لا تزداد تطرفًا لأنها قوية، بل لأنها فقدت القدرة على تخيّل أفق سياسي قابل للحياة. وعندما يعجز الكيان عن إنتاج مستقبل، يصبح العنف بديلاً عن السياسة، ويغدو الاستثناء قاعدة، ويتحوّل القانون إلى أداة تبرير لا إطارًا ناظمًا.

من هذه الزاوية تحديدًا، يصبح السؤال: كيف نواجه هذا الواقع؟ سؤالًا سابقًا لأوانه إن لم يُعاد تأطيره. إذ لا يمكن بناء مواجهة ناجعة بأدوات صُممت لخصم مختلف، ولا بردود فعل آنية على كيان دخل طور عدم الاستقرار البنيوي. المطلوب ليس ردًّا، بل استراتيجية طويلة النفس، قادرة على نقل الاشتباك من مستوى القوة إلى مستوى المعنى، ومن منطق الاحتواء إلى منطق الإنهاك، عبر تحويل عناصر القوة الرمزية الإسرائيلية ذاتها إلى مصادر استنزاف داخلي، لا إلى مبررات إضافية لاستدامة العنف.

من هنا ينطلق هذا المقال: لا بوصفه إجابة تقنية على سؤال “ماذا نفعل؟”، بل كمحاولة لإعادة صياغة السؤال نفسه، على نحو يجعل الفعل ممكنًا، ومجديًا، وغير خادم—عن غير قصد—للمسار الذي تحاول إسرائيل تثبيته.

تشخيص التحول: إسرائيل بعد الطوفان

لا يمكن فهم صعود الصهيونية الدينية–القومية بوصفه مجرد تحوّل في المزاج الانتخابي أو تبدّلًا في موازين القوى الحزبية. ما يحدث أعمق من السياسة وأخطر من التداول الديمقراطي: إنه انهيار الصيغة الصهيونية الكلاسيكية نفسها، تلك التي قامت تاريخيًا على مزيج هش بين الأسطورة المؤسسة والقانون الوضعي، وبين فائض القوة العسكرية والحد الأدنى من الشرعية الدولية.

التحول الجاري هو انتقال نوعي من دولة توظّف الأيديولوجيا لخدمة مشروع سياسي قابل للتفاوض، إلى أيديولوجيا مغلقة توظّف الدولة بوصفها أداة تحقيق، لا إطار حكم. هنا لم تعد الدولة هي الغاية، بل أصبحت مجرد وعاء مؤقت لعقيدة خلاصية ترى في العنف ليس وسيلة اضطرارية، بل شرطًا لتحقيق المعنى. بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل كيانًا سياسيًا يملك أيديولوجيا، بل أيديولوجيا تملك كيانًا.

في هذا السياق، يتآكل مفهوم “الدولة الطبيعية” لصالح تصور يرى إسرائيل كاستثناء دائم، محكوم بحالة طوارئ وجودية لا تنتهي. الطوارئ لم تعد وضعًا استثنائيًا، بل تحوّلت إلى بنية حكم. الأمن، تبعًا لذلك، لم يعد وظيفة من وظائف الدولة، بل صار عقيدة شاملة تُعيد تعريف السياسة والقانون والأخلاق، وحتى الزمن ذاته. فالزمن هنا لا يُقاس بمراحل التسوية أو التنمية، بل بسلسلة متصلة من المعارك المؤجلة، حيث المستقبل لا يُتخيّل إلا بوصفه استمرارًا للصراع.

الأخطر في هذا التحول أن الأمن لم يعد يهدف إلى حماية الحياة، بل إلى شرعنة نفي حياة الآخر. إنه أمن لا يعرف الاكتفاء، ولا يستطيع التوقف، لأن توقفه يعني انهيار المبرر الوجودي للعقيدة التي يحمله.

فكلما ترسّخ هذا المسار، تضاءلت قدرة إسرائيل على العودة إلى منطق التسويات، ليس لأنها لا تريدها، بل لأنها لم تعد قادرة على تخيّلها. ومع كل خطوة إضافية في هذا الاتجاه، ترتفع كلفة بقائها داخل النظام الدولي كدولة “طبيعية”. فالدولة التي تعيش في الطوارئ لا تطلب الاستثناء إلى الأبد، بل تفقد تدريجيًا حقها فيه.

  1. التحول السياسي–الاجتماعي: مجتمع يتآكل من الداخل

لم يعد الانقسام داخل إسرائيل خلافًا سياسيًا يمكن احتواؤه عبر المؤسسات أو التناوب على السلطة، بل تحوّل إلى تشظٍ هوياتي عميق يمسّ سؤال التأسيس ذاته. الصدع بين المركز والهامش، وبين العلماني والديني، وبين يهود الداخل ويهود الشتات، ليس تعبيرًا عن تنوع صحي، بل عن غياب إجابة مشتركة عن سؤال وجودي بسيط وخطير: لماذا وُجدت هذه الدولة؟ ولمن تُدار؟ وعلى حساب من؟

حين يفقد المجتمع الإجماع على معنى وجوده، تتحول السياسة من ساحة تفاوض إلى ساحة صراع صفري، ويصبح الاختلاف تهديدًا لا موردًا. في هذا المناخ، يتراجع الإيمان بالمؤسسات المدنية بوصفها حَكمًا بين المصالح، ويتضخم دور الجيش والأجهزة الأمنية بوصفها الضامن الوحيد لما تبقى من تماسك. لكن هذا التضخم ليس علامة قوة، بل دليل على عسكرة الوعي الجماعي.

الدولة التي تحتاج إلى القوة المسلحة كي تحمي سرديتها، لا تحكم مجتمعًا، بل تُدير خوفًا دائمًا. وحين تتحول البندقية إلى مرجعية أخلاقية، تكون السياسة قد أعلنت إفلاسها الكامل، ويتحول العنف من استثناء إلى لغة يومية لإدارة التناقضات.

 هذا المسار لا ينتج استقرارًا، بل يخلق مفارقة قاتلة: دولة فائقة القوة عسكريًا، لكنها هشّة اجتماعيًا، عاجزة عن إعادة إنتاج شرعيتها داخليًا دون استدعاء عدو خارجي دائم. وكلما تعمّق التفكك الداخلي، ازدادت الحاجة إلى التصعيد الخارجي كآلية إسقاط نفسي وسياسي.

  • التحول السردي: فقدان احتكار المعنى

للمرة الأولى منذ عقود، تواجه إسرائيل تآكلًا حقيقيًا في قدرتها على احتكار تعريف نفسها كضحية. هذا التآكل لا يعود إلى صحوة أخلاقية مفاجئة في النظام الدولي، ولا إلى تحوّل جذري في موازين القوة السياسية، بل إلى انهيار احتكار الصورة واللغة. الكاميرا، والبث المباشر، والذاكرة الرقمية كسرت الحلقة المغلقة التي كانت تسمح لإسرائيل بإعادة تدوير خطاب “الدفاع عن النفس” بمعزل عن الوقائع.

ما جرى هو انتقال من زمن الرواية الأحادية إلى زمن التعدد البصري، حيث لم يعد ممكنًا التحكم في ترتيب الأحداث ولا في تأطير الضحية والجلاد. “الدفاع عن النفس” لم يُدحض نظريًا فقط، بل أُعيد تعريفه عمليًا بوصفه عنفًا بنيويًا متكررًا، يُمارَس بوصفه سياسة لا رد فعل.

القضية هنا ليست انقلابًا في مواقف الدول، بل ارتفاعًا حادًا في كلفة التبرير. والتاريخ يعلّمنا أن الدول لا تغيّر سياساتها بدافع التعاطف أو الأخلاق المجردة، بل عندما تصبح كلفة الاستمرار أعلى من كلفة المراجعة.

 إذا استمر هذا التآكل السردي، ستنتقل إسرائيل تدريجيًا من موقع “الحليف المُحرِج” إلى موقع “العبء الأخلاقي” على داعميها. وهذه ليست مسألة صورة فقط، بل لحظة فارقة في ميزان القوة الرمزية، حيث تبدأ الشرعية بالتآكل من دون الحاجة إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

بهذا المعنى، فإن ما بعد «طوفان الأقصى» لا يمثّل أزمة عابرة في أداء الدولة، بل تحولًا بنيويًا في طبيعتها: دولة أقل قدرة على التسوية، أكثر اعتمادًا على العنف، وأشد هشاشة في معناها وشرعيتها. وهذا التشخيص ليس مدخلًا للإدانة، بل شرطًا أوليًا لبناء أي استراتيجية لا تخدم خصمها وهي تظن أنها تواجهه.

من التشخيص إلى الاستشراف: بناء استراتيجية لمواجهة نموذج يعيش على العنف

إذا كانت إسرائيل قد دخلت طور العيش داخل أزمتها بدل إدارتها، فإن الاستراتيجية المضادة لا يمكن أن تُبنى بوصفها ردًّا على أفعال متفرقة، بل بوصفها اشتغالًا واعيًا على شروط استمرار هذا النموذج ذاته. هنا، لا تكون المواجهة مواجهة قوة بقوة، بل مواجهة منطق بمنطق مضاد، وزمن بزمن، وسردية بسردية بديلة.

أولًا: إعادة تعريف طبيعة المواجهة – من صراع مع دولة إلى اشتباك مع نموذج

الخطأ الجوهري في كثير من المقاربات هو التعامل مع إسرائيل كدولة “طبيعية” انحرفت سلوكياتها، بينما الواقع يشير إلى كيان بات يعيد إنتاج ذاته عبر الطوارئ والعنف والاستثناء. عليه، فإن المواجهة لا يجب أن تُوجَّه نحو تصحيح السلوك، بل نحو كشف عدم قابلية النموذج للاستمرار.

الهدف الاستراتيجي هنا ليس إسقاط إسرائيل بوصفها كيانًا سياسيًا، بل نزع بداهتها التاريخية: تحويلها من “حقيقة قائمة” إلى “سؤال مفتوح”. حين يصبح وجود إسرائيل محل تساؤل أخلاقي وفلسفي داخل النظام الدولي، لا مجرد نزاع إقليمي، تكون المواجهة قد انتقلت إلى مستواها الأعمق.

ثانيًا: محاور المواجهة الاستراتيجية

لمواجهة كيان بات يعيش أزمته بالعنف، لا تكفي القراءات التقليدية ولا الردود الآنية. المواجهة تحتاج إلى إطار شامل يربط بين المعرفة، الزمن، والسردية، ويحوّل نقاط القوة الرمزية للخصم إلى مصادر إنهاك بنيوي. ما يلي هو تصور استراتيجي متكامل يحدد المحاور العملية والفكرية للتعامل مع هذا النموذج، من دون الانزلاق إلى الهجوم المباشر أو الانخراط في دوامة ردود الفعل القصيرة الأمد. هذه المحاور تمثل خارطة الفعل التي تتيح الانتقال من مجرد رصد الأزمات إلى إدارة استراتيجية للتفكك الداخلي للخصم، وتفكيك شرعيته الرمزية، وإعادة تعريف أفق الصراع.

  1. المحور السردي–المعرفي: تفكيك المعنى لا تبادل الاتهام

المعركة الأولى ليست على الأرض، بل على المعنى. إسرائيل تستمد جزءًا كبيرًا من قوتها من قدرتها على فرض تعريفها للصراع: دفاع، بقاء، استثناء. الاستراتيجية المضادة تقوم على نزع هذا الاحتكار، لا عبر الخطاب التعبوي، بل عبر إنتاج معرفة نقدية صارمة تُعيد توصيف العنف بوصفه سياسة بنيوية لا ردّ فعل أمنيًا.

المعرفة هنا ليست ترفًا فكريًا، بل أداة استراتيجية: دراسات، أرشفة، تحليل مفاهيمي للصهيونية كنموذج استعماري متأخر، وإعادة إدراج فلسطين في تاريخ الاستعمار العالمي لا في هامش “النزاعات المعقّدة”.

  • المحور البنيوي–الداخلي: تعميق التناقضات دون توحيد الخصم

إسرائيل اليوم كيان شديد الحساسية للتناقضات الداخلية: بين الدين والدولة، بين المركز والهامش، بين الداخل والشتات. الاستراتيجية الذكية لا تهاجم هذه التناقضات بعنف، بل تتركها تعمل.

الفصل الصارم بين اليهودية والصهيونية ليس موقفًا أخلاقيًا فقط، بل أداة تفكيك وجودي: كل يهودي يرفض الصهيونية هو كسر لادعاء التمثيل الشامل، وكل انقسام داخلي يُدار بذكاء يُضعف القدرة على إنتاج إجماع تعبوي دائم.

الهدف ليس تفجير الداخل الإسرائيلي، بل منع إعادة توحيده عبر عدو خارجي دائم.

  •  المحور القانوني–الزمني: من الحدث إلى المسار

القانون، حين يُستخدم كردّ فعل، يتحول إلى أرشيف. وحين يُدمج في استراتيجية زمنية طويلة، يصبح أداة إنهاك بنيوي. المطلوب ليس مراكمة القضايا فقط، بل بناء مسار مساءلة ممتد، يُربط فيه القانون بالسردية الأخلاقية وبالذاكرة المؤسسية.

كل ملف قانوني يجب أن يُقرأ كلبنة في مسار تاريخي، لا كمعركة معزولة. الزمن هنا ليس حياديًا؛ إما أن يعمل لصالح إسرائيل عبر النسيان، أو يتحول إلى عبء متراكم عليها.

  •  المحور الزمني–الاستراتيجي: قلب معادلة الصبر

إسرائيل تراهن تاريخيًا على عامل الزمن: تعب الخصوم، تغيّر الأولويات، نسيان الجرائم. الاستراتيجية المضادة تقوم على إعادة تعريف الزمن كأداة ضغط.

الذاكرة المؤسسية، الاستمرارية السردية، ومنع “التطبيع الرمزي” بعد كل تصعيد، كلها عناصر تجعل كل جولة عنف حلقة في سلسلة لا تُغلق. حين تفشل إسرائيل في إغلاق ملفاتها، يبدأ الاستنزاف الحقيقي.

  • المحور النموذجي–العالمي: مساءلة إسرائيل كمرآة لأزمة النظام الدولي

أخطر ما يمكن أن تواجهه إسرائيل ليس الإدانة، بل أن تُطرح كنموذج أزمة عالمية: نموذج يكشف تناقضات الليبرالية الغربية، وازدواجية المعايير، وحدود خطاب حقوق الإنسان حين يصطدم بالمصالح.

حين تصبح فلسطين سؤالًا عن مصداقية النظام الدولي نفسه، لا مجرد قضية تضامن، يتحول دعم إسرائيل من خيار سياسي إلى مأزق بنيوي لحلفائها.

ثالثًا: إعادة تعريف النجاح والفشل – نحو مقاييس استراتيجية جديدة

في ظل التحولات البنيوية العميقة التي تشهدها إسرائيل، يصبح من الضروري إعادة النظر في معايير النجاح والفشل. لم يعد مقبولًا الاقتصار على مؤشرات تقليدية مثل عدد القرارات، العمليات العسكرية، أو البيانات الرسمية. فالنجاح الاستراتيجي هنا يتحدد بقدرتنا على التأثير في البنية الرمزية والمعنوية للخصم، لا في مجرد ردود أفعاله الظرفية.

  1. تآكل قدرة إسرائيل على فرض لغتها الخاصة للصراع:
    السيطرة على المعنى كانت على الدوام أداة مركزية للهيمنة. إن أي استراتيجية ناجحة تقيس نفسها بما إذا كانت إسرائيل تواجه صعوبة في إعادة إنتاج سرديتها أحادية البُعد، وسلبها القدرة على فرض تعريف الصراع وفق مصالحها الرمزية والسياسية. هذا التآكل يعني تحطيم الاحتكار الأخلاقي للموقف الإسرائيلي، وتحويل خطابها من مرجعية إلى موضوع نقاش عالمي مستمر.
  2. انتقالها من موقع “الحليف المُحرِج” إلى “العبء البنيوي”:
    عندما ترتفع الكلفة الأخلاقية والسياسية لدعم إسرائيل، يتحول حليفها التقليدي إلى عبء داخل منظومة الدول الداعمة نفسها. النجاح هنا يُقاس بقدرة الاستراتيجية على قلب معادلة الدعم: من اعتبار إسرائيل شريكًا استراتيجيًا إلى اعتبارها مصدر قلق دائم، يُثقل الخيارات الدولية.
  3. تعميق الشرخ بينها وبين يهود الشتات:
    كل تصدع في مجتمعها الرمزي والاجتماعي يُسهم في إضعاف شرعيتها. إن إشراك الأصوات المعارضة للصهيونية داخل وخارج إسرائيل، وإبراز الانقسامات الداخلية، يحول كل صوت مخالف إلى مؤشر قوة استراتيجي. فالاستراتيجية الناجحة تقيس نفسها بمدى تأثيرها على الهوية الجمعية للدولة، وعلى خطابها التمثيلي تجاه اليهود خارج حدودها.
  4. تحول استمرار الدعم إلى كلفة أخلاقية وسياسية متصاعدة:
    التحدي الأكبر يكمن في رفع الكلفة حتى تصبح الدعم ميزة ثقيلة على النظام الدولي نفسه. هذا يتطلب دمج الجوانب القانونية، الإعلامية، والسياسية في استراتيجية متكاملة، بحيث يصبح كل دعم عسكري أو دبلوماسي لإسرائيل محمّلًا بالتزام أخلاقي وسياسي متزايد. هنا يتحقق الانتقال من الفعل الجزئي إلى التأثير البنيوي طويل المدى.

النجاح الاستراتيجي لا يُقاس بوقف صاروخ أو صد هجوم، بل بمدى تحويل إسرائيل إلى كيّان يُحاسب داخليًا وخارجيًا على وجوده ذاته كنموذج سياسي واجتماعي قائم على الاستثناء والعنف. الفشل، بالمقابل، هو السماح لها باستعادة احتكار المعنى، واستمرار تحويل الصراع إلى لعبة قصيرة المدى، بعيدة عن مساءلة نموذجها البنيوي.

خاتمة استشرافية: حين يتحوّل الوجود إلى سؤال مفتوح

ليست الاستراتيجية الأنجع تلك التي تراهن على إسقاط إسرائيل بضربة حاسمة أو مواجهة مباشرة تختزل الصراع في ميزان القوة الآنية، بل تلك التي تُعيد تعريف شروط الاستمرار ذاته. فالمواجهة الأكثر خطورة على أي كيان ليست الهزيمة العسكرية، بل ربط بقائه بمنطق عنف لا يمكن تبريره تاريخيًا، ولا تسويغه أخلاقيًا، ولا تحمّله سياسيًا إلى ما لا نهاية.

حين يُدفع النموذج الإسرائيلي إلى لحظة يضطر فيها إلى استخدام العنف لا كخيار، بل كشرط وجود؛ لا كاستثناء، بل كقاعدة دائمة؛ يصبح العنف عبئه الأكبر، لا مصدر قوته. عندها لا يعود الصراع سؤالًا تقنيًا حول موازين الردع أو تفوق السلاح، بل يتحوّل إلى سؤال وجودي مفتوح حول قابلية هذا النموذج للحياة داخل نظام دولي، وفضاء أخلاقي، وبنية اجتماعية لم تعد قادرة على امتصاص كلفة الاستثناء الدائم.

في هذه اللحظة بالذات، يتغير منطق المواجهة جذريًا. فالسؤال المركزي لا يعود: كيف نواجه إسرائيل؟
بل يصبح: هل يستطيع هذا النموذج أن يستمر أصلًا دون أن يلتهم ذاته من الداخل؟

عندما يُطرح السؤال بهذه الصيغة، تكون المعركة قد انتقلت من مستوى الفعل إلى مستوى المعنى، ومن ساحة الاشتباك إلى عمق التاريخ. هنا تبدأ مرحلة جديدة من الصراع: مرحلة العدّ التنازلي الصامت—لا تُدار بالشعارات، ولا تُحسم بالضجيج، ولا تُقاس بردود الفعل السريعة، بل تُراكم أثرها ببطء، بثبات، وبعمق تاريخي يصعب مقاومته أو الالتفاف عليه.

إنها مواجهة لا تهدف إلى كسر الخصم، بل إلى إجباره على مواجهة تناقضاته الوجودية؛ لا تسعى إلى إسقاط الدولة، بل إلى مساءلة النموذج الذي قامت عليه. وحين يصبح استمرار هذا النموذج مرهونًا بعنف يفوق قدرته على التبرير، وبكلفة تتجاوز قدرته على الاحتمال، فإن لحظة التحول لا تعود مسألة إرادة سياسية، بل ضرورة تاريخية.

وهنا، تحديدًا، تبدأ النهاية…
لا كنهاية درامية معلنة، بل كنهاية هادئة، عميقة، لا رجعة فيها.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى