
بقلم: د. محمد السنوسي
الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني ليس مجرد نزاع إقليمي عابر، بل هو مسرح مركزي للصراع على الحقيقة والمعنى والذاكرة في العصر الحديث. منذ ما يزيد على سبعة عقود، لم يقتصر النزاع على الأرض أو الموارد الطبيعية، بل أصبح معركة وجودية حول الهوية والشرعية التاريخية. فكرة دولة إسرائيل لم تُبنى فقط بالقوة العسكرية، بل عبر شبكة محكمة من السرديات والخرافات المؤسسية، التي صيغت داخل دوائر التفكير، المدارس الأكاديمية، الإعلام، والمراكز البحثية الرسمية، ودمجت المعرفة بالسلطة لإعادة إنتاج الهيمنة الصهيونية على الفلسطينيين. هذه السرديات لم تُنتج كمعرفة حيادية، بل كأداة إبادة رمزية، تعمل على طمس التجربة الفلسطينية، وشرعنة الطرد والاقتلاع، وإخفاء الطبيعة الاستعمارية–الاستيطانية للمشروع الصهيوني.
أحداث «طوفان الأقصى» جاءت كالمرآة الصادمة التي كشفت هشاشة هذا السرد الرسمي. الانقسامات الداخلية داخل إسرائيل، التي ظهرت جلية في ردود فعل الأحزاب المتطرفة، وأزمة الثقة بين النخب السياسية، أعادت طرح أسئلة جوهرية حول الذات، المكان، والمعنى، وكشفت التوتر العميق بين الدين المسيس، الخطاب السياسي، والممارسة الأمنية اليومية. هذا المقال يفترض أن الخلافات الفكرية اليوم داخل إسرائيل ليست مجرد اختلافات هامشية، بل صراع مركزي على مستقبل الفكرة الصهيونية نفسها، صراع يحدد مسار السياسات الداخلية والخارجية، ويترابط مباشرة مع التحولات الجيوسياسية الإقليمية والدولية بعد «طوفان الأقصى «
في هذه المقال، لا نسعى إلى وصف الصراع أو توثيق الأحداث فحسب، بل إلى كشف البنية الفكرية العميقة التي تُبرر العنف، تُقدس الإبادة، وتحوّل التاريخ إلى أداة لإعادة إنتاج الاستعمار الاستيطاني. إذا أردنا فهم إسرائيل المعاصرة، يجب النظر إليها ليس فقط كدولة، بل كمشروع معرفي–إيديولوجي يمارس إبادة رمزية ومعنوية منظمة، ويعيد إنتاج الشرعية لنظام قائم على الإلغاء والسيطرة الديموغرافية.
إنتاج السرد التاريخي وهيمنة المعرفة
لطالما كان إنتاج السرديات شرطًا لإنتاج المعرفة، وهو ما شهدناه منذ بداية المشروع الصهيوني. يشير بابيه[1] (2014) إلى أن الرواية الرسمية حول تأسيس إسرائيل تقوم على إعادة سرد الصراع باعتباره نزاعًا بين شعبين على أرض واحدة، متجاهلة أو مشوِّهة لتجارب الفلسطينيين في التهجير والاقتلاع.
“إن الطرق التي اتبعتها المؤسسات التعليمية والإعلامية في إسرائيل لتثبيت سردية الصهيونية هي جزء من منظومة السلطة والمعرفة، وليست مجرد تسجيل حيادي للتاريخ[2]“.
يتماهى هذا التحليل مع فكرة فوكو (1980) [3]عن العلاقة بين السلطة والمعرفة، حيث يصبح الإنتاج المعرفي أداة لشرعنة الهيمنة السياسية. يُعيد بابيه صياغة النكبة الفلسطينية في الخطاب الرسمي والتعليمي والإعلامي باعتبارها «حدثًا ثانويًا» أو «نتيجة غير مقصودة للحرب»، وهو ما يتقاطع مع مفهوم الإبادة البطيئة أو المتدرجة الذي طرحه رافييل ليمكين، مؤسس مفهوم الإبادة الجماعية نفسه، إذ تُمارس سياسات ممنهجة لإزالة جماعة من الوجود الرمزي أو المادي دون الإعلان عن فعل إبادة صريح[4].
بهذه الطريقة، يصبح السرد الرسمي أداة لإخفاء العنف، وتجريده من طابعه الإجرامي، وإعادة إنتاج الهياكل الإيديولوجية التي تؤسس للاستعمار الاستيطاني، ما يجعل تفكيك هذه السردية شرطًا لفهم طبيعة العنف القائم ومساءلة الادعاء الإسرائيلي بالانتماء إلى القيم الغربية.
منطق الاستعمار الاستيطاني والإلغاء
يعزز هذا الإطار التحليلي ما طرحه باتريك وولف [5](2006) بشأن الاستعمار الاستيطاني بوصفه بنية تاريخية مستمرة تقوم على «منطق الإلغاء «، حيث لا يكون الهدف المركزي هو استغلال عمل السكان الأصليين أو إخضاعهم ضمن نظام هرمي، بل العمل المنهجي على إزاحتهم بوصفهم عائقًا وجوديًا أمام مشروع الاستيطان. فالإلغاء هنا لا يُفهم كحدث واحد أو لحظة عنف عابرة، بل كعملية طويلة الأمد تتخذ أشكالًا مادية ورمزية وقانونية متداخلة، تُعاد إنتاجها عبر الزمن بوسائل مختلفة.
في الحالة الصهيونية، يتجسد هذا المنطق في طيف واسع من الممارسات التي تشمل الطرد والتهجير القسري، والإحلال الديموغرافي المنظم، ومحو القرى من الجغرافيا ومن الذاكرة، فضلًا عن تفكيك البنية الاجتماعية والسياسية الفلسطينية. وإلى جانب الإلغاء المادي، يعمل المشروع الاستيطاني على إلغاء الفلسطيني معنويًا، عبر نزع إنسانيته وتجريده من أي شرعية أخلاقية أو قانونية، وتحويله في الخطاب الرسمي إلى «غياب» أو «مشكلة أمنية» أو «عقبة تاريخية» يجب تجاوزها.
ما يميز الحالة الصهيونية المعاصرة، مقارنة بنماذج أخرى من الاستعمار الاستيطاني، هو اقتران هذا المنطق البنيوي بسردية دينية مُسيَّسة تُعاد صياغتها لخدمة مشروع الدولة. فالدين هنا لا يعمل فقط كمرجع رمزي، بل كأداة إضفاء قداسة على الإقصاء، بحيث يُعاد تأطير الإلغاء بوصفه تحقيقًا لوعد إلهي أو ضرورة أخلاقية. وبهذا التزاوج بين الاستعمار والدين، يتحول العنف من ممارسة سياسية قابلة للنقد إلى فعل مُبرَّر مسبقًا، تُمنح له الشرعية الدينية والسياسية في آن واحد.
ضمن هذا السياق، لا يمكن فهم الممارسات الإقصائية أو الإبادية بوصفها انحرافات استثنائية أو ردود فعل أمنية ظرفية، بل بوصفها تعبيرًا عن منطق تأسيسي كامن في بنية الدولة ذاتها. فكما يؤكد وولف (2006)، الاستعمار الاستيطاني «بنية لا حدث»، وما ينتج عنه من سياسات إلغاء ليس طارئًا على النظام، بل جزءًا من آليات استمراره وإعادة إنتاجه.
الدين المسيس والعنف المقدس في الفكر الصهيوني المعاصر
يُعدّ تديين المشروع الصهيوني أحد أخطر التحولات في مساره المعاصر، إذ لم يعد الدين مجرد عنصر ثقافي أو رمزي في تشكيل الهوية القومية، بل تحوّل إلى إطار أيديولوجي ناظم للسياسة، ومصدر مباشر لتبرير العنف وإعادة إنتاجه. فالمرويات التلمودية والأساطير التأسيسية لم تعد تُستحضر بوصفها سرديات تاريخية أو رموزًا جمعية، وإنما أُعيد تفعيلها كمرجعيات عملية لصناعة القرار السياسي والعسكري، وكسند أخلاقي وقانوني لإدارة الصراع. ضمن هذا السياق، تُوظَّف مفاهيم مثل «أرض الميعاد»، و«الحق الإلهي»، و«الشعب المختار» لإضفاء طابع قدسي على السيطرة، وتحويل الإقصاء والعنف إلى واجب ديني أو قدر تاريخي لا يقبل المراجعة.
هذا التحول لا يكتفي بإضفاء الشرعية على الممارسات العنيفة، بل يعمل على نزع طابعها السياسي، وإخراجها من دائرة المساءلة الأخلاقية. وهنا يتقاطع التحليل مع أطروحات حنّة آرنت حول «تفاهة الشر» وتطبيعه، حيث يصبح العنف فعلًا إداريًا يوميًا، يُمارَس دون شعور بالذنب عندما يُغلف بخطاب أخلاقي أو ديني يجرّده من بعده الإجرامي،[6] فالجندي، أو السياسي، أو صانع القرار لا يرى نفسه فاعلًا في منظومة عنف، بل منفذًا لإرادة أعلى، سواء صُوِّرت بوصفها إرادة الدولة أو إرادة الإله.
في الوقت نفسه، يلتقي هذا المنطق مع مفهوم «النيكروسياسة» كما صاغه أشيل مبمبي[7] (2003)، حيث تمارس الدولة سيادتها القصوى عبر التحكم في الحياة والموت، وتحديد من يستحق الحياة ومن يُترك للموت، سواء كان موتًا ماديًا مباشرًا أو موتًا رمزيًا عبر التجويع، والحصار، والإقصاء من المجال السياسي والإنساني. في هذا الإطار، لا يكون العنف استثناءً، بل أداة حكم، ويغدو القتل أو التدمير جزءًا من إدارة السكان الواقعين خارج الجماعة المتخيلة للدولة.
في إسرائيل اليوم، لم يعد هذا الخطاب الديني–الإبادي محصورًا في الهوامش الأيديولوجية، بل انتقل إلى قلب المنظومة الحاكمة مع صعود أحزاب اليمين القومي–الديني، التي باتت تهيمن على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وتؤثر بعمق في المؤسسة العسكرية والقضائية. إن الدعوات العلنية إلى «محو غزة» أو «إعادة توطين الفلسطينيين» أو «الحسم النهائي» لم تعد تُقدَّم بوصفها خطابات متطرفة معزولة، بل كتصورات سياسية مشروعة تُناقَش في الفضاء العام وتُترجَم إلى سياسات ميدانية. وكما يشير إيلان بابِه (2014)، فإن هذا الخطاب يعكس منطقًا إباديًا متجذرًا في السردية الصهيونية الرسمية، حيث يُعاد تعريف العنف بوصفه دفاعًا عن الوجود، بينما يُصوَّر وجود الفلسطيني ذاته كتهديد دائم يجب إزالته.
وعليه، فإن تسييس الدين في الفكر الصهيوني المعاصر لا يؤدي فقط إلى شرعنة العنف، بل إلى إعادة تشكيل بنية الدولة وخيالها السياسي، بحيث يصبح الإقصاء شرطًا للانتماء، والعنف لغة سيادية، والإبادة احتمالًا دائمًا كامنًا في قلب المشروع، لا انحرافًا طارئًا عنه.
من الإبادة المفهومية إلى الممارسة السياسية
إن الربط بين السردية التأسيسية، والدين المُسيَّس، والسياسات الإسرائيلية الراهنة يكشف أن ما يجري اليوم لا يمكن فهمه بوصفه انحرافًا عارضًا أو ردّ فعل استثنائيًا على أحداث أمنية طارئة، بل باعتباره التجسيد العملي لبنية فكرية متراكمة تشكلت عبر عقود. فالإبادة، في هذا السياق، لا تُختزل في العنف المباشر كالقصف أو الحصار أو التهجير القسري، وإنما تُمارَس بوصفها عملية شاملة متعددة المستويات، تشمل القانون، والتعليم، والإعلام، والخطاب السياسي–الديني، بما يعيد إنتاج الإلغاء بصورة «طبيعية» ومؤسسية.
تعمل هذه الأدوات مجتمعة على إعادة تعريف الفلسطيني ليس كذات سياسية أو إنسانية، بل بوصفه «تهديدًا وجوديًا» دائمًا، أو «فراغًا ديموغرافيًا» قابلًا للملء، أو عنصرًا فائضًا عن الحاجة في الجغرافيا والتاريخ. وبهذا المعنى، تصبح الإبادة عملية مفهومية قبل أن تكون مادية، حيث يُمحى الفلسطيني أولًا من اللغة، ومن الخيال السياسي، ومن منظومة القيم، تمهيدًا لتبرير العنف الواقع عليه لاحقًا. فالقانون يُستخدم لإضفاء الشرعية على المصادرة والإقصاء، والتعليم يعيد إنتاج الرواية الأحادية، والإعلام يطبع العنف ويحوّله إلى ضرورة دفاعية، بينما يتولى الخطاب الديني–السياسي تحويل السيطرة إلى واجب أخلاقي.
من هنا، يغدو تفكيك السردية الصهيونية شرطًا معرفيًا لفهم طبيعة العنف القائم، ولزعزعة الادعاء الإسرائيلي بالانتماء إلى منظومة القيم الليبرالية الغربية. فحين تتحول الأسطورة إلى أساس للسياسة، تُستثمر المعرفة لا لفهم الآخر بل لإدارته والسيطرة عليه، ويُستدعى الدين لتقديس العنف وإخراجه من دائرة المساءلة. في هذا الإطار، يستعيد تحليل رافاييل ليمكين راهنيته، إذ لا تقتصر الإبادة الجماعية على التدمير الجسدي المباشر، بل تشمل تدمير البنية الرمزية والمعرفية لجماعة بشرية، عبر محو تاريخها، وتشويه هويتها، وتقويض شروط استمرارها كجماعة متميزة . وكما يوضح إيلان بابِه (2014)، فإن هذا التداخل بين الإبادة الرمزية والعنف الميداني يشكل سمة مركزية في الممارسات الإسرائيلية المعاصرة.
تُعدّ الأحداث التي أعقبت «طوفان الأقصى» مثالًا كاشفًا عن هذا المنطق، حيث برزت سياسات إعادة تشكيل الحيز السكاني، وتسريع وتكثيف الاستيطان، وتوسيع نطاق التهجير، بالتوازي مع تصاعد خطاب رسمي يجمع بين الأمن والدين، ويُعيد تعريف السيطرة بوصفها مسألة بقاء أخلاقي ووجودي. في هذا السياق، لم يعد الخطاب مجرد مرافِق للعنف، بل أصبح جزءًا من آلياته، يهيئ له، ويبرره، ويمنحه المشروعية. وهكذا، يمكن القول إن «الإبادة المفهومية» لم تعد مستوى تمهيديًا أو نظريًا، بل تحولت إلى ممارسة سياسية قائمة، تُدار عبر الدولة ومؤسساتها، وتكشف عن تلازم عميق بين الفكر، والسرد، والعنف في بنية المشروع الصهيوني المعاصر.
الأبعاد الاستشرافية والجيوسياسية: نحو قراءة بنيوية للمرحلة المقبلة
تكشف التحولات التي أعقبت «طوفان الأقصى» ليس فقط عن تغيرات ظرفية في السلوك السياسي الإسرائيلي، بل عن انتقال متسارع نحو طور جديد من إعادة تعريف الدولة، ووظيفتها، ومكانتها الإقليمية والدولية. وعليه، فإن الاستشراف الأكثر صدقًا لا ينبغي أن ينحصر في رصد السيناريوهات المحتملة، بل في تفكيك الشروط البنيوية التي تجعل بعض المسارات أكثر ترجيحًا من غيرها.
- من الاستقطاب الداخلي إلى أزمة هوية بنيوية
لا يقتصر تعمّق الاستقطاب داخل المجتمع الإسرائيلي على التنافس الحزبي أو الخلافات الأيديولوجية العابرة، بل يعكس أزمة هوية بنيوية تتعلق بطبيعة الدولة ذاتها:
هل هي دولة «يهودية–ديمقراطية» بالمعنى الليبرالي، أم كيان إثني–ديني ذي منطق سيادي إقصائي؟
صعود اليمين القومي–الديني لا يؤدي فقط إلى تهميش التيارات الليبرالية وما بعد الصهيونية، بل إلى إعادة تعريف «الشرعية» السياسية والأخلاقية داخل الدولة. ومع تآكل دور المؤسسات الكابحة (القضاء، الإعلام المستقل، المجتمع المدني)، يُرجَّح أن يتحول هذا الاستقطاب إلى حالة استدامة، لا تُنتج توازنًا داخليًا، بل انسدادات سياسية متكررة، ما يجعل أي تسوية مع الفلسطينيين غير ممكنة بنيويًا، لا فقط سياسيًا.
الاستشراف المرجح:
انتقال إسرائيل من نموذج دولة منقسمة إلى نموذج دولة ذات مركز سلطوي أيديولوجي صلب، مقابل هوامش معارضة ضعيفة التأثير.
- الإقليم: من بؤر توتر إلى منطق الاشتعال المتدرج
استمرار منطق الإبادة الرمزية والهيمنة الديموغرافية لا يُنتج فقط دورات عنف محلية في غزة والضفة، بل يُراكم شروط «الاشتعال المتدرج» إقليميًا. فالعنف حين يتحول إلى سياسة مُعلنة، لا يبقى محصورًا جغرافيًا، بل يُعاد تدويره عبر الفاعلين الإقليميين، سواء في لبنان، أو سوريا، أو ساحات النفوذ غير المباشر.
غير أن الأهم استشرافيًا هو أن إسرائيل، عبر تديين الصراع وتحويله إلى مسألة وجودية صفرية، تُفقد نفسها القدرة على إدارة الصراع ضمن حدود قابلة للضبط، وتدفع الفاعلين الإقليميين إلى إعادة تعريف اشتباكهم معها بوصفه صراعًا طويل الأمد، لا نزاعًا سياسيًا قابلًا للاحتواء.
الاستشراف المرجح:
إقليم يتجه نحو حالة «لا حرب شاملة ولا سلم»، بل توترات مزمنة عالية الكلفة، مع قابلية دائمة للانفجار الواسع.
- النظام الدولي: من الحصانة الأخلاقية إلى العزلة المشروطة
على المستوى الدولي، تواجه إسرائيل تآكلًا تدريجيًا في «الحصانة الأخلاقية» التي تمتعت بها تاريخيًا داخل الفضاء الغربي. فالجمع بين الخطاب الديني–الإقصائي والممارسات العنيفة واسعة النطاق يضعها في تناقض متزايد مع الخطاب الليبرالي الغربي، لا سيما في مجالات حقوق الإنسان والقانون الدولي.
غير أن الاستشراف الأكثر دقة لا يفترض قطيعة كاملة مع الغرب، بل انتقالًا من دعم غير مشروط إلى دعم انتقائي–أداتي، تحكمه المصالح الجيوسياسية لا القيم المعلنة. وفي المقابل، قد تسعى إسرائيل إلى تنويع تحالفاتها عبر قوى دولية لا تُعير وزنًا كبيرًا لمسألة الحقوق، ما يعيد تموضعها داخل نظام دولي آخذ في التعددية القطبية.
الاستشراف المرجح:
تراجع الشرعية الأخلاقية مقابل استمرار الدعم الوظيفي، مع ازدياد الكلفة السياسية والدبلوماسية على المدى المتوسط.
- استدامة المشروع الاستعماري–الديني: من السياسة إلى القدر السياسي
إذا استمرت السردية الرسمية دون تفكيك داخلي، فإن المشروع الاستيطاني–الديني مرشح للانتقال من كونه خيارًا سياسيًا قابلًا للتعديل إلى ما يشبه «القدر السياسي» للدولة. في هذه الحالة، تصبح السياسات الإقصائية ذاتية الاستدامة، لا تحتاج إلى مبررات أمنية ظرفية، بل تستمد شرعيتها من سردية خلاصية مغلقة.
هذا المسار يجعل أي عملية سياسية أو دبلوماسية مستقبلية مع الفلسطينيين شديدة الهشاشة، لأنها لن تصطدم فقط بتوازنات القوة، بل ببنية اعتقادية ترى في التراجع تهديدًا وجوديًا. وبهذا، يصبح الصراع غير قابل للحل ضمن الأطر التقليدية، ومفتوحًا على تحولات أكثر جذرية في بنية النظام نفسه.
الاستشراف المرجح:
صراع طويل الأمد يتجاوز منطق التسويات، ويضع المنطقة أمام مفترق تاريخي: إما تفكيك السردية المؤسسة، أو انزلاق دائم نحو أشكال أكثر تطرفًا من العنف والسيطرة.
في المجمل، الاستبصار الأكثر صدقًا لا يكمن في توقع «ما ستفعله إسرائيل» فقط، بل في إدراك أن ما يجري هو إعادة تشكيل عميقة لمنطق الدولة، وحدود العنف المشروع، ومعنى السياسة ذاتها. وفي هذا السياق، فإن «الإبادة المفهومية» لم تعد أداة ضمن أدوات السلطة، بل أفقًا ناظمًا لها، ما يجعل المستقبل مرهونًا ليس بتوازن القوى وحده، بل بقدرة الفاعلين—محليًا وإقليميًا ودوليًا—على كسر هذا الأفق وإعادة تعريف الممكن السياسي.
خاتمة: من تشخيص الخطر إلى مسؤولية الفعل الإقليمي
يُظهر هذا التحليل أن إسرائيل لا يمكن اختزالها في كونها دولة قومية تقليدية، بل هي مشروع معرفي–سياسي مركّب، يقوم على تفاعل عضوي بين السردية التاريخية، وإنتاج المعرفة، والدين المُسيَّس، بما يسمح بإعادة إنتاج منطق الإلغاء بوصفه أساسًا للسيادة والشرعية. وقد كشفت أحداث ما بعد «طوفان الأقصى» ليس فقط عن تصاعد غير مسبوق في العنف، بل عن انتقال نوعي في بنية الخطاب والممارسة، حيث لم تعد «الإبادة المفهومية» مستوى تمهيديًا أو ضمنيًا، بل غدت ممارسة سياسية مُعلنة ومؤسسية.[8]
إن خطورة هذا التحول لا تكمن في تهديده الوجود الفلسطيني فحسب، بل في كونه يؤسس لمسار مستقبلي مغلق، يُعيد تعريف الصراع بوصفه صراعًا صفريًا وجوديًا غير قابل للاحتواء أو التسوية. فهشاشة السردية الصهيونية، التي برزت بوضوح في الداخل الإسرائيلي، لم تُفضِ إلى مراجعة نقدية، بل إلى مزيد من الانكفاء الأيديولوجي، وتديين السياسة، وتوسيع دائرة العنف بوصفه أداة حكم. وهذا ما يجعل المشروع الاستيطاني–الديني مرشحًا لمزيد من الراديكالية، لا للتآكل الذاتي.
في ضوء هذه الاستشرافات، تبرز مسؤولية الفاعلين الإقليميين—العرب، وإيران، وتركيا—ليس فقط في إدارة تداعيات الصراع، بل في كشف طبيعته البنيوية المستقبلية، والتعامل مع إسرائيل لا بوصفها فاعلًا عقلانيًا يمكن ردعه فقط بتوازنات القوة، بل كمشروع يحمل في داخله قابلية تصاعدية للإقصاء والإبادة.
أولًا، على المستوى العربي، لم يعد كافيًا التعامل مع السياسات الإسرائيلية باعتبارها «انتهاكات ظرفية» أو «انحرافات حكومية»، بل يتطلب الأمر نقل الخطاب العربي الرسمي من منطق رد الفعل إلى منطق التفكيك البنيوي، عبر:
- إعادة توصيف إسرائيل في المحافل الدولية بوصفها مشروع استعمار استيطاني–ديني، لا «ديمقراطية ليبرالية».
- توحيد الجهد الدبلوماسي والقانوني لكشف العلاقة بين السردية الدينية والسياسات الإقصائية، وربطها بمخاطر إقليمية مستقبلية لا تقتصر على فلسطين.
- الخروج من أسر إدارة الأزمة إلى بناء استراتيجية طويلة الأمد لحماية الوجود الفلسطيني سياسيًا ومعرفيًا، لا فقط إنسانيًا.
ثانيًا، بالنسبة لإيران وتركيا، فإن موقعهما الإقليمي وقدرتهما على التأثير يضعهما أمام اختبار يتجاوز منطق التنافس الجيوسياسي الضيق. فالتعامل مع إسرائيل كخطر أمني فقط يغفل حقيقة أن الخطر الأعمق يكمن في تطبيع الإبادة بوصفها سياسة مشروعة. ومن هنا، تبرز الحاجة إلى:
- الاستثمار في خطاب سياسي–قانوني يكشف الطابع البنيوي للإقصاء الإسرائيلي، بدل الاكتفاء بخطابات التعبئة.
- ربط القضية الفلسطينية بمسألة استقرار النظام الإقليمي برمته، وإبراز أن منطق الإلغاء الإسرائيلي، إذا استمر، سيعيد إنتاج العنف وعدم الاستقرار عبر الحدود.
- دعم الأطر المعرفية والإعلامية التي تفضح الأسس الأيديولوجية للعنف، لا فقط نتائجه الميدانية.
إن الخلاصة الاستشرافية المركزية التي يفرضها هذا التحليل هي أن الخطر الإسرائيلي لم يعد خطر سياسات قابلة للتعديل، بل خطر مسار تاريخي يتجه نحو مزيد من الانغلاق والتطرف. وفي مواجهة ذلك، فإن الرهان على الزمن، أو على تبدل الحكومات الإسرائيلية، أو على إدارة الصراع بدل تفكيكه، سيؤدي إلى تعميق المأزق الفلسطيني، لا إلى حله.
وعليه، فإن ما يجب فعله اليوم—إقليميًا—هو الانتقال من التعامل مع إسرائيل كـ«دولة مشكلة» إلى التعامل معها كـمشروع خطر على النظام الإقليمي ومعايير السياسة الحديثة ذاتها. فقط عبر هذا التحول في الرؤية والخطاب والاستراتيجية، يمكن بناء مقاربة واقعية لكبح المسار الإقصائي، وحماية الوجود الفلسطيني، وفتح أفق سياسي مختلف عن أفق الإبادة الدائمة.
[1]. Pappé, I. (2014). The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge. London : Verso.
[2]. Pappé, I. (2014). The Idea of Israel: A History of Power and Knowledge, p.27.London
[3]. Foucault, M. (1980). Power/Knowledge: Selected Interviews and Other Writings 1972–1977. New York : Pantheon Books.
[4]. Lemkin, R. (1944). Axis Rule in Occupied Europe: Laws of Occupation, Analysis of Government, Proposals for Redress. Washington, D.C.: Carnegie Endowment for International Peace.
[5]. Wolff, P. (2006). Colonialism and the Logic of Elimination. Journal of Colonial Studies, 12(3), 45–67.
[6]. Arendt, H. (1963). Eichmann in Jerusalem: A Report on the Banality of Evil. New York: Viking Press.
[7]. Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40.
[8]. محمد السنوسي، عالم ما بعد طوفان الأقصى: مفارقات الغرب ونهاية النظام الدولي، منشورات مكين، 2025


