حين يسقط “الحل”: لحظة محاكمة الفكرة لا السياسات

قراءة تفكيكية استشرافية في كتاب «المسألة اليهودية وحلّها الصهيوني في عصر الطوفان" للدكتور الحبيب الشوباني

بقلم؛ د. محمد السنوسي..

تمهيد: ليس السؤال ماذا فعلت إسرائيل… بل ماذا كانت من الأصل؟

هناك كتب تنتقد إسرائيل، وهناك كتب تُخاصمها، وهناك كتب تُدين جرائمها.
لكن كتاب «المسألة اليهودية وحلّها الصهيوني في عصر الطوفان» لا يفعل شيئًا من ذلك.
هو لا يدخل المعركة من بوابة السياسة، بل يقتحم غرفة الفكرة المؤسسة، ويطرح السؤال الذي جرى تحييده عمدًا لعقود:

وماذا لو لم تكن المشكلة في سلوك إسرائيل، بل في كونها “حلًا” منذ البداية؟

هنا تتغير قواعد النقاش بالكامل.
لسنا أمام مراجعة أخطاء، ولا أمام اقتراح مسارات بديلة، ولا حتى أمام دعوة للإصلاح. نحن أمام محاكمة تاريخية للفكرة ذاتها: فكرة أن الصهيونية كانت يومًا حلًا للمسألة اليهودية.

هذا هو مكمن الإرباك، وهنا تكمن الخطورة الفكرية.
فالكتاب لا يسأل: هل إسرائيل أخطأت؟
بل يسأل: هل كان يمكن لمشروع كهذا أن ينجح دون أن يتحول إلى مأزق دائم؟

من السياسة إلى المعنى: لحظة كسر الإطار

شاركتُ في قراءة هذا الكتاب خلال حفل تقديم طبعته الذهبية، الذي نظمته دار الخيام للنشر والتوزيع بطنجة، يوم الجمعة 16 يناير 2026. لكن ما واجهني لم يكن نصًا يُضاف إلى رفوف النقد السياسي، بل نصًا ينسف الرفّ نفسه.

الكتاب لا يتعامل مع إسرائيل بوصفها دولة أخفقت في إدارة الصراع، بل بوصفها صيغة وجود بُنيت على وعد لم يتحقق، وعلى عنف لا يستطيع التوقف، وعلى سردية تحتاج إلى حرب دائمة كي تبقى قابلة للتصديق.

ولهذا، لا معنى للسؤال عن “الإصلاح”، ولا جدوى من الحديث عن “حلول سياسية” داخل الإطار نفسه.
لأن الإطار—كما يكشف الكتاب—هو المشكلة.

السؤال المحظور: هل كانت الصهيونية قابلة للحياة؟

السؤال الذي يطرحه الكتاب ليس جديدًا في جوهره، لكنه كان محرَّمًا في التداول:
هل الصهيونية، بوصفها حلًا للمسألة اليهودية، كانت قابلة للحياة أصلًا؟
أم أنها وُلدت كحل مؤقت لأزمة أوروبية، وتحولت إلى مأزق تاريخي دائم؟

حين نطرح هذا السؤال، نغادر منطق “الأزمة القابلة للإدارة”، وندخل منطق الإخفاق البنيوي.
هنا لا تعود القوة حلًا، ولا تصبح التسويات قناعًا قادرًا على إخفاء الخلل، لأن الخلل ليس في السياسات، بل في الأساس الذي قامت عليه السياسات.

من الفشل إلى الاستنفاد: قراءة خارج الوهم

بهذا المعنى، انطلقتُ في قراءتي للكتاب من طرح مؤسس:
نحن لا نواجه مشروعًا أخفق لأنه أدار الصراع بشكل سيئ، بل مشروعًا استُنفد لأنه بُني على فرضية خاطئة.

إسرائيل، كما يبيّن الكتاب، لم تفشل لأنها لم تستخدم القوة بما يكفي، ولا لأنها أساءت استخدامها، بل لأنها تحتاج إلى القوة كي تُؤجل سؤال الشرعية. وهذا وحده كافٍ لإدانة أي مشروع يدّعي أنه حل تاريخي.

حين تصبح الدولة مضطرة إلى الحرب كي تُقنع نفسها بوجودها، فإننا لا نكون أمام دولة مأزومة سياسيًا، بل أمام كيان مأزوم وجوديًا.

هنا يبدأ التفكيك الحقيقي

من هذه النقطة تحديدًا، لا يعود النقاش أخلاقيًا فقط، ولا قانونيًا فقط، بل وجوديًا.
الكتاب لا يطالب القارئ باتخاذ موقف سياسي، بل يجرّه إلى مواجهة سؤال لا فكاك منه:

ماذا لو كان ما سُمّي “حلًا” هو المشكلة ذاتها؟

حين يسقط هذا السؤال في قلب النقاش، لا تسقط سياسة هنا أو حكومة هناك، بل يسقط الوهم المؤسس كله.
وهنا، بالضبط، يبدأ التفكيك الحقيقي.

أولًا: إعادة تعريف «المسألة اليهودية»

من لعنة متخيَّلة إلى فشل أوروبي مُؤجَّل

قبل أن نختلف حول الصهيونية، وقبل أن نُدين إسرائيل أو ندافع عنها، وقبل أن ننشغل بسجالات الأخلاق والقانون،
يفرض هذا الكتاب سؤالًا لا يمكن القفز فوقه، سؤالًا يربك الجميع لأنه يُسقط الأرض من تحت النقاش المعتاد:

ما الذي نعنيه أصلًا بـ«المسألة اليهودية»؟

هنا، بالضبط، يبدأ التفكيك الحقيقي.
لا عند النتائج، بل عند المصطلح نفسه.

يرفض الكتاب منذ صفحاته الأولى التعامل مع “المسألة اليهودية” بوصفها قدرًا تاريخيًا، أو لغزًا دينيًا، أو مشكلة أزلية التصقت باليهود عبر العصور. هذا التصوير—كما يبيّن المؤلف—لم يكن توصيفًا بريئًا، بل اختراعًا سياسيًا أخفى الفاعل الحقيقي خلف ستار القدر، ونقل المسؤولية من النظام إلى الضحية.

المسألة اليهودية لم تولد في التوراة، وإن جرى توظيف الإيحاء الديني لاحقًا لإضفاء طابع الحتمية عليها، ولم تخرج من المعابد، ولم تنبع من هوية دينية مغلقة.
لقد وُلدت في مكان آخر تمامًا: في رحم أوروبا الحديثة، وفي لحظة سياسية دقيقة، لحظة تشكّل الدولة القومية.

حين قررت أوروبا أن المواطنة ليست حقًا

في تلك اللحظة، ارتكبت أوروبا خطيئتها المؤسسة.
قررت—بوضوح أو بمواربة—أن الدولة لا تقوم على الإنسان، بل على نموذج ثقافي محدد.
أن المواطنة ليست حقًا إنسانيًا عامًا، بل امتيازًا عرقيًا وثقافيًا.

هنا، ودون حاجة إلى مؤامرة، تحوّل اليهود إلى “مشكلة”.
لا بسبب دينهم، ولا بسبب سلوكهم، ولا لأنهم رفضوا الاندماج،
بل لأن الدولة القومية رفضت أن تتسع للاختلاف.

السؤال لم يكن يومًا:
من هم اليهود؟
ولا: هل هم أوفياء للدولة؟

السؤال الحقيقي، العاري، الذي لم تجرؤ أوروبا على الاعتراف به، كان:
هل تحتمل الدولة القومية الحديثة وجود المختلف؟

الفشل الذي لم تُسمِّه أوروبا باسمه

حين فشلت أوروبا في الإجابة، لم تُسمِّ فشلها باسمه.
لم تقل: نحن بنينا دولة إقصائية.
لم تقل: نحن عجزنا عن تحويل المواطنة إلى قيمة إنسانية جامعة.

بدل ذلك، اخترعت تعبيرًا مراوغًا، أنيقًا، وخطيرًا:
المسألة اليهودية”.

بهذا الاختراع اللغوي، جرى قلب المعادلة:
انتقلت المشكلة من بنية الدولة إلى هوية الضحية،
وتحوّل الفشل الأوروبي إلى “سؤال يهودي”،
وتحوّلت العنصرية من قضية نظام سياسي إلى قضية هوية.

هنا وقع الانقلاب الأخطر:
بدل أن تُفكك الدولة القومية،
جرت إعادة تعريف اليهود بوصفهم مشكلة.

في هذا السياق بالذات، يقدّم الكتاب الصهيونية في صورة مغايرة تمامًا للصورة الشائعة عنها. فهي لا تظهر بوصفها خلاصًا تاريخيًا أو استجابة حتمية لمعاناة اليهود، بل بوصفها حلًا للهروب أكثر مما هي حلًّا للمشكلة. لم تكن الصهيونية علاجًا جذريًا للاضطهاد الأوروبي، بل صيغة سياسية أنيقة للتخفف من عبء أخلاقي ثقيل لم تستطع أوروبا تحمّله ولا مواجهته.

فبدل أن تطرح أوروبا السؤال الجوهري: كيف يمكن تفكيك العنصرية داخل مجتمعاتها، وكيف تتحول المواطنة إلى حق إنساني شامل لا يستثني المختلف؟ أعادت الصياغة بطريقة أقل إزعاجًا وأكثر راحة للضمير السياسي: أين يمكن نقل ضحايا هذه العنصرية؟ هنا، كما يكشف الكتاب بوضوح، لم يكن المقصود إنهاء الظلم، بل إبعاده عن المركز الأوروبي.

وتتفجر المفارقة في أقصى صورها حين نرى أن أوروبا، التي عجزت عن احتضان اليهود داخل حدودها، قررت أن تمنحهم “دولة” خارجها، على أرض يسكنها شعب آخر لا علاقة له أصلًا بأزمتها التاريخية ولا بخطاياها السياسية. وبهذا المعنى، لا تبدو الصهيونية حلًا للمسألة اليهودية، بقدر ما تبدو ترحيلًا قسريًا للمسألة الأوروبية إلى جغرافيا جديدة، أُريد لها أن تتحمل كلفة الفشل الأوروبي المؤجل.

غير أن الأزمات التي تُصدَّر لا تختفي، بل تعود دائمًا في أشكال أكثر عنفًا وتعقيدًا. ما لم تستطع أوروبا حله داخل منظومتها السياسية والأخلاقية، انفجر في فلسطين صراعًا وجوديًا مفتوحًا، صراعًا لا يتوقف لأنه لم يُعالَج من جذوره. هنا يصبح النزاع ممتدًا، لا لأن الأطراف ترفض الحل، بل لأن أصل “الحل” نفسه كان قائمًا على نقل المشكلة لا تفكيكها.

ومن جديد، يعود السؤال أكثر إلحاحًا وحدّة: إذا كانت الصهيونية قد وُلدت أصلًا كحل لأزمة أوروبية، فهل من المعقول أن يكون ثمن هذا الحل مأساة شعب آخر؟ وهل يمكن لمشروع يقوم على تحويل الظلم من مكان إلى آخر، بدل القضاء عليه، أن ينتج استقرارًا حقيقيًا أو سلامًا دائمًا؟

الكتاب لا يرفع صوته ليجيب، ولا يلجأ إلى خطاب انفعالي. بل يترك للتفكيك الهادئ أن يؤدي مهمته كاملة، كاشفًا حقيقة بسيطة وقاسية في آن واحد: الحل الذي لا يواجه جذور الظلم لا يكون حلًا، بل مجرد تأجيل للكارثة.

وعند هذه النقطة بالذات، تسقط أولى الأساطير الكبرى التي طالما حمت هذا المشروع: أن “المسألة اليهودية” قدر تاريخي لا فكاك منه، وأن الصهيونية ضرورة حتمية، وأن إسرائيل نتيجة طبيعية لمسار التاريخ. ما يكشفه الكتاب هو العكس تمامًا؛ فنحن لسنا أمام حتميات، بل أمام خيارات سياسية واعية، اتُّخذت للهروب من فشل أوروبي عميق، لا لمعالجة اضطهاد إنساني جذري.

وعندما يتضح أن الجذور نفسها قائمة على الهروب لا على المواجهة، يصبح لزامًا الانتقال من تشخيص الفشل الأوروبي إلى تفكيك الأداة التي جرى عبرها ترحيل هذا الفشل، أي الصهيونية، لا بوصفها استجابة تاريخية، بل بوصفها آلية لنقل الأزمة لا لحلّها.

ثانيًا: الصهيونية كنقلٍ للأزمة لا حلٍّ لها

عند هذه النقطة، يتقدّم الكتاب خطوة أبعد من النقد السياسي أو الإدانة الأخلاقية، ليكشف ما يمكن تسميته البنية الوظيفية العميقة للصهيونية. فالإشكال، كما يطرحه المؤلف، لا يكمن في أن الصهيونية أخفقت في حل المسألة اليهودية، بل في أنها لم تُصمَّم أصلًا لإنهائها، بل لنقلها من فضاء إلى آخر، ومن شكل إلى آخر.

الصهيونية، بهذا المعنى، ليست إجابة عن سؤال الاضطهاد، بل إعادة صياغة له في سياق أكثر تعقيدًا وعنفًا. لقد غيّرت مكان المشكلة، لكنها لم تُغيّر منطقها. بدلت موقع اليهود من أقلية مرفوضة داخل أوروبا، إلى جماعة محمولة على دولة، لكن هذه الدولة لم تكن إطارًا طبيعيًا للاندماج، بل جهازًا أمنيًا دائم الاستنفار.

وهنا ينقلب الوعد إلى نقيضه.

من هشاشة الأقلية إلى هشاشة الدولة

كان يُفترض أن تنهي الدولة الصهيونية حالة القلق الوجودي، وأن توفر لليهود أفقًا من الأمان والاستقرار. لكن ما حدث هو العكس تمامًا. فاليهود، بدل أن يعيشوا هشاشة الأقلية داخل مجتمع أوسع، أصبحوا يعيشون هشاشة الدولة نفسها: دولة محاصَرة، متوجسة، تُعرّف ذاتها عبر التهديد، وتحتاج إلى القوة كي تُقنع نفسها قبل غيرها بشرعية وجودها.

التحول هنا ليس كميًا، بل نوعيا. الهشاشة لم تختفِ، بل انتقلت من الفرد إلى الكيان، ومن وضع اجتماعي إلى وضع سياسي-عسكري دائم.

وهنا تتكشف المفارقة الكبرى التي يضعها الكتاب في قلب النقاش:
الحل الذي وُعد بأنه سيُنهي الاضطهاد، أنتج وضعًا وجوديًا أكثر توترًا، قائمًا على الصراع المستمر، والتعبئة الدائمة، والخوف بوصفه حالة طبيعية لا طارئة.

سؤال المكان… حين يتحول إلى سؤال دم

الصهيونية، كما يبيّن الكتاب، لم تُنهِ السؤال الجوهري:
أين مكان اليهود في العالم؟

بل نقلته من سؤال اجتماعي وسياسي قابل للحل، إلى سؤال دموي مفتوح على الجغرافيا والتاريخ. فبدل أن يُطرح السؤال داخل أطر المواطنة والحقوق، جرى طرحه على أرض مأهولة، وفي سياق استعماري، وبمنطق الإقصاء.

وهنا يكمن الخلل البنيوي:
حين يُبنى “الحل” على نفي الآخر، لا يعود حلًا، بل يصبح مصدر صراع دائم. لأن المكان الذي يُنتزع بالقوة، لا يستقر، والهوية التي تُبنى على الإقصاء، تبقى مهددة على الدوام.

ثالثًا: العنف المؤسِّس… حين يصبح الوجود نفسه أزمة

من هذا المدخل، ينتقل الكتاب إلى تفكيك أحد أكثر المسلمات تحصينًا: فكرة “العنف الضروري” بوصفه مرحلة تأسيسية لا بد منها. هذه الفكرة، التي قُدّمت طويلًا كتبرير تاريخي، تُفكَّك هنا من جذورها.

العنف الذي يُقصي شعبًا كاملًا، ويُبنى عليه كيان سياسي، لا يظل لحظة تأسيسية عابرة، بل يتحول إلى منطق حكم دائم. فهو لا يؤسس دولة، بل يؤسس حالة طوارئ أبدية.

في هذا الإطار، لا تبدو إسرائيل دولة تستخدم العنف عند الحاجة، بل دولة مؤسَّسة على العنف، ومضطرة إلى إعادة إنتاجه باستمرار كي تحافظ على تماسكها الداخلي، وعلى سرديتها الخارجية، وعلى توازنها النفسي قبل السياسي.

وهنا تنكشف المعضلة التي لا فكاك منها:
العنف المؤسِّس لا يُنتج استقرارًا، لأنه لا يعترف بالآخر، ولا يُنهي الصراع، بل يحوّل الوجود نفسه إلى معركة مفتوحة ضد المستقبل.

رابعًا: «عصر الطوفان»… حين يسقط المعنى قبل السلاح

في هذا السياق، لا يتعامل الكتاب مع “الطوفان” بوصفه حدثًا عسكريًا أو لحظة تصعيد أمني، بل بوصفه لحظة تاريخية كاشفة. الطوفان هنا ليس ما جرى على الأرض فقط، بل ما انهار في مستوى المعنى[1].

الطوفان هو اللحظة التي تفقد فيها السرديات قدرتها على تفسير الواقع أو تبريره. اللحظة التي تتعطل فيها اللغة، ويصبح الخطاب عاجزًا عن احتواء الفعل.

في هذه اللحظة، انهارت ثلاث ركائز كبرى للشرعية الإسرائيلية:

  1. أسطورة الضحية الدائمة
  2. خطاب الدفاع عن النفس
  3. ادعاء التفوق الأخلاقي والديمقراطي

ما جرى لم يكن مجرد انكشاف للعنف، بل انهيار للغة التي كانت تمنحه غطاءً أخلاقيًا. وحين تسقط اللغة، يصبح العنف عاريًا، بلا معنى، وبلا تبرير.

من محاكمة السياسات إلى محاكمة الفكرة

وهنا، بالضبط، يدخل الصراع مرحلة جديدة. لم يعد النقاش حول حكومة هنا أو قرار هناك، ولا حول أخطاء تكتيكية أو إخفاقات سياسية.

نحن أمام محاكمة للفكرة ذاتها:
فكرة “الحل الصهيوني” بوصفه إجابة تاريخية.

وحين لا يعود الخلل في السياسات بل في المعنى الذي يؤسّسها، وفي السردية التي تمنحها شرعية الوجود، يصبح المنهج الوصفي عاجزًا، والتحليل التقليدي قاصرًا، ولا يبقى ممكنًا سوى اعتماد التفكيك بوصفه أداةً لكشف الأسطورة حين تتحول إلى سياسة.

خامسًا: المنهج التفكيكي – حين تصبح الأسطورة سياسة

كان اعتماد المنهج التفكيكي في قراءة هذا الكتاب خيارًا واعيًا لا ترفًا أكاديميًا. فالنص الذي بين أيدينا لا يشتبك مع وقائع عابرة، بل مع سردية مؤسسة راكمت عبر الزمن حصانة رمزية جعلتها عصية على المساءلة. وعندما تتحول السردية إلى درع، وتغدو اللغة أداة سلطة، يصبح التفكيك هو السبيل الوحيد لاستعادة المعنى من قبضة الإيديولوجيا.

ما يميز هذا المؤلف، ويبرر مقاربته تفكيكيًا، هو وضوحه المنهجي الصارم. لا خلط هنا بين اليهودية والصهيونية، ولا تماهٍ بين الدين والمشروع السياسي، ولا استدعاء ملتبس للتاريخ المقدس لتبرير الوقائع المعاصرة. على العكس تمامًا، يبيّن الكتاب كيف جرى تسييل هذا الخلط عمدًا، لا كخطأ معرفي، بل كاستراتيجية حكم، جرى من خلالها تحويل النقد السياسي إلى جريمة أخلاقية، وتحويل مساءلة المشروع إلى اعتداء على الهوية.

الصهيونية، في جوهرها، ليست هوية جماعية ولا امتدادًا طبيعيًا لليهودية، بل نص أيديولوجي حديث، صاغ أسطورته الخاصة، ثم حوّلها إلى برنامج سياسي، ودولة، وجيش. ولتحصين هذا النص ضد التفكيك، جرى تفعيل آلية دفاعية جاهزة: اتهام كل ناقد بـ“معاداة السامية”. هكذا تحولت التهمة إلى سلاح، والهوية إلى درع، والأسطورة إلى سياسة.

تفكيك هذه البنية، كما يوضح الكتاب، ليس فعل عداء، ولا انحيازًا أيديولوجيًا مضادًا، بل تحرير للمعنى من الابتزاز الأخلاقي، وإنقاذ لليهودية نفسها من الاختزال القسري في دولة، واحتلال، وعنف. فحين تُختزل ديانة متعددة التأويلات، وتاريخ غني بالتجارب الأخلاقية، في كيان سياسي معاصر، تكون النتيجة اغتيال المعنى باسم الحماية.

سادسًا: الأمن كعلامة مأزق لا كإنجاز

من هنا، ينتقل الكتاب إلى تفكيك أحد أكثر المفاهيم تحصينًا في الخطاب الصهيوني: مفهوم “الأمن الإسرائيلي”. هذا المفهوم، كما يُقدَّم عادة، يبدو كدليل على النجاح والقوة. لكن القراءة التفكيكية تقلب المعادلة رأسًا على عقب.

الدولة التي تحتاج إلى تفوق عسكري دائم كي لا تنهار، ليست دولة آمنة، بل دولة تعيش قلقًا وجوديًا بنيويًا. الأمن، في هذا السياق، لا يعني الطمأنينة، بل التعبئة المستمرة. لا يعني الاستقرار، بل الاستنفار. الجيش لا يحمي مجتمعًا واثقًا من مستقبله، بل يحمي سردية مهددة بالانهيار.

وحين يُكسر وهم الردع، كما حدث في لحظة الطوفان، لا يتعرض الجهاز العسكري وحده للاهتزاز، بل تتكشف هشاشة المعنى الذي كان يستند إليه. فالقوة التي لا تضمن الطمأنينة، تتحول من وسيلة حماية إلى علامة مأزق.

سابعًا: انفجار التناقض الداخلي – الصهيونية في مواجهة اليهودية

أحد أخطر التحولات التي يرصدها الكتاب هو انتقال الأزمة من الخارج إلى الداخل. لم يعد الرفض مجرد اعتراض من خصوم سياسيين أو شعوب متضررة، بل أصبح ينبع من قلب الجماعة اليهودية نفسها، ومن ضميرها الأخلاقي والقيمي. هنا يتضح أن الصهيونية لم تعد مشروع حماية، بل اختبار للتمثيل والشرعية داخل المجتمع الذي ادّعت الدفاع عنه.

حين يقول يهود: “ليس باسمنا”، لا نخسر مجرد معركة دعائية، بل تفقد الصهيونية آخر أوراقها للادعاء بأنها التعبير الطبيعي عن اليهودية، أو الحارس الأخلاقي لتاريخها. وهنا يتحول الصراع من مجرد نزاع سياسي إلى أزمة هوية ومعنى: أيهما يمثل اليهودية حقًا؟ النص الديني بتعددية تفسيراته، أم المشروع القومي القائم على العنف والسيطرة؟

في هذه اللحظة الحرجة، يصبح المشروع عبئًا أخلاقيًا على الجماعة نفسها، ويضعها أمام مرايا ضميرها. الانقسام الداخلي لا يعكس خلافًا سياسيًا فحسب، بل يشير إلى انهيار الشرعية التمثيلية؛ فحين تُرفض الدولة باسم القيم التي تدعي تمثيلها، تنهار القاعدة الأخلاقية للسردية، ويصبح السؤال الأكبر: من يملك القدرة على صياغة معنى التاريخ والواقع، ومن يحدد من يمثل من؟

ومع تفجر الانقسامات الداخلية، يظهر الطوفان الرقمي كامتداد طبيعي لهذا الانهيار. في هذا العصر، لم يعد احتكار السردية ممكنًا؛ الصورة المباشرة والفيديوهات الحية كسروا حواجز التحكم بالمعلومة، وكشفوا العنف بلا ستار، وأرغموا العالم على مواجهة الواقع كما هو. لم تعد الرواية الرسمية، ولا خطاب الدفاع عن النفس، ولا تهمة معاداة السامية أدوات كافية لشرعنة الأفعال أو حجب الحقيقة.

هنا، يتحول الطوفان الرقمي من مجرد حدث إعلامي إلى لحظة محاكمة للمعنى ذاته. القوة لم تعد قادرة على إنتاج الرواية، ولا الصورة خاضعة للسيطرة، ومن لا يملك القدرة على صياغة السردية، لا يملك المستقبل. في هذه المرحلة، ينكشف البعد الأكثر جدلية في الكتاب: أن الصهيونية لم تعد مجرد مشروع سياسي أو قومي، بل سردية معرضة للسقوط، وهوية تواجه اختبار الزمن، وقوة مضطرة لمواجهة محكمة الحقيقة الرقمية.

ثامنًا: الطوفان الرقمي وسقوط احتكار السردية

في عصر الصورة الفورية والبث المباشر، انتهى زمن احتكار الحقيقة. لم تعد الرواية تُصاغ خلف أبواب مغلقة في غرف الأخبار، ولم تعد المعلومات تمر بعد الآن عبر مرشحات البيانات الرسمية التي كانت تعدّل الحقيقة أو تصيغها وفق مصالح السلطة، فأصبح الحدث مرئيًا كما هو، بلا وسطاء قادرين على تزوير الواقع أو التحكم به ، ولم تعد القوة قادرة على التحكم بما يراه العالم. الكاميرا أصبحت شاهدًا حيًا على الحدث، والواقع صار مرئيًا في لحظته، فيما فقدت اللغة قدرتها على التلاعب والخداع.

الكتاب يلتقط هذه اللحظة بدقة مذهلة: الطوفان لم يكن مجرد مواجهة عسكرية، بل ثورة رقمية على الرواية نفسها. الصورة حكمت على الرواية، والزمن الحقيقي فضح التلاعب، وسقط الامتياز التاريخي في تسمية الضحية والجلاد، وأظهر ما كان مخفيًا خلف ستار اللغة والسياسة.

في هذا السياق، خسرت إسرائيل أخطر معاركها: معركة المعنى. فمن يفقد القدرة على تسمية ما يحدث، يفقد السيطرة على المستقبل نفسه. ومن لا يملك اللغة، لا يملك السردية، ومن لا يملك السردية، لا يملك الشرعية.

وهنا يكتمل مسار التفكيك الذي بدأه الكتاب منذ البداية:
من الأسطورة إلى السياسة،
ومن السياسة إلى العنف المؤسّس،
ومن العنف إلى انهيار المعنى، الذي يفضح هشاشة المشروع بأكمله.

خاتمة استشرافية: ما بعد استنفاد النموذج

الكتاب لا يعلن نهاية إسرائيل، ولا يتنبأ بانهيار غدٍ، لكنه يعلن ما هو أعمق: نهاية صلاحية النموذج نفسه. الصهيونية، بوصفها حلًا، استُنفدت؛ لم تعد تنتج أمانًا، ولا تمثيلًا، ولا معنى.

السؤال اليوم لم يعد: كيف تدافع إسرائيل عن نفسها؟
بل أصبح: إلى أي مستقبل يقود هذا المشروع؟

حين تفقد الدولة القدرة على الإقناع، وعلى تمثيل من تزعم أنهم شعبها، وعلى تبرير وجودها أخلاقيًا، فإنها تدخل مرحلة جديدة من التاريخ: مرحلة العبء بدل الحل. القوة لم تعد تكفي، فالرهان تحول من السلاح إلى المعنى.

وفي عصر الطوفان، الحقيقة واضحة: من يفقد المعنى… يفقد المستقبل.


[1]. محمد السنوسي، عالم ما بعد طوفان الأقصى، مفارقات الغرب ونهاية النظام الدولي، منشورات مكين، الرباط 2025.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى