
بقلم: د. محمد السنوسي..
تطرح قضية الصحراء، بعد عقود طويلة من التوتر والجمود، سؤالاً مركزياً ظلّ يُلازم هذا الملف منذ بداياته: كيف يمكن الخروج من حالة الانسداد التي كرّست معاناة إنسانية حقيقية في المخيمات، وفتح أفق سياسي وتنموي جديد يضمن الكرامة والاستقرار لكل المعنيين؟ فهذا السؤال، في جوهره، يتجاوز الخطابات المتعارضة والنقاشات الدبلوماسية، لأنه مرتبط أوّلاً بمصير الإنسان، وبحقّه الطبيعي في مستقبل واضح وفي فضاء يوفر له شروط العيش الكريم.
وانطلاقاً من هذه الإشكالية المركّبة، تبرز فرضية أساسية مفادها أن مقترح الحكم الذاتي، كما اعتبره مجلس الأمن حلاً واقعياً وذا مصداقية، يشكّل الإطار الأكثر قدرة على تحقيق التوازن بين مطلب الاعتراف بالخصوصيات المحلية وبين ضرورة الحفاظ على الوحدة الترابية. فالمقترح لا يقدَّم بوصفه موقفاً سياسياً محضاً، بل باعتباره صيغة عملية ووسطية تتماشى مع تطور مفهوم تسوية النزاعات المعاصرة، حيث لم تعد الحلول القصوى قادرة على إنتاج الاستقرار، وحيث تبحث الأمم عن صيغ توافقية تدمج الإنسان داخل مسار التنمية بدل تركه أسير نزاع مفتوح.
ويزداد هذا الطرح وجاهة حين ننظر بعمق إلى الواقع الإنساني الذي يعيشه آلاف الأشخاص في المخيمات بتندوف، حيث يظلّ الزمن معلّقاً بين انتظار طويل وتقييد لحرية الحركة وأفق تنموي يكاد يكون معدوماً. إن وجود هؤلاء في دائرة المساعدات الدولية وغياب مشاريع اقتصادية أو اجتماعية حقيقية يجعل من الإنسان ذاته محور المأساة، ويضع مسألة الكرامة الإنسانية قبل أي اعتبارات أخرى. وفي المقابل، تشهد الأقاليم الجنوبية تحولات ملموسة تعكس دينامية ميدانية واسعة: بنى تحتية متسارعة، مشاريع اقتصادية كبرى، مراكز حضرية حديثة، ونموذج تدبير محلي تتقدم فيه النخب الصحراوية لتشارك في القرار وفي صياغة مستقبل المنطقة. هذه التحولات تمنح للمقترح السياسي معنى ملموساً، لأنها تربط بين الاستقرار السياسي والاندماج الاقتصادي والاجتماعي.
وعلى ضوء هذا التقاطع بين الإنساني والسياسي والتنموي، يتبيّن أن الحكم الذاتي لا يمثّل فقط مقاربة سياسية، بل صيغة تركيبية تتجاوز المنطق الأحادي الذي حكم النقاش طويلاً. فهو يتيح التقاء أطروحة الوحدة مع أطروحة الخصوصية، ويخلق مجالاً يستطيع فيه الإنسان أن يحافظ على هويته ويستفيد من حقوقه، وفي الوقت نفسه ينخرط في مشروع تنموي واقعي لا يتركه معلّقاً خارج الزمن. وهكذا تصبح آفاق الحكم الذاتي امتداداً منطقياً لإرادة الخروج من معادلة الانتظار الطويل، ومنطقاً يسمح بتحويل الصراع إلى بناء، والمعاناة إلى فرصة جديدة للحياة في فضاء آمن ومنفتح على المستقبل. بهذه الصورة، يتحول الانتقال من واقع المخيمات إلى واقع التنمية ليس مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال في الرؤية ذاتها، من حالة لا حلّ فيها إلى مشروع يمنح الإنسان دوراً مركزياً في صياغة مصيره.
المعاناة الإنسانية في المخيمات… قصة انتظار طويل
تبدو الظروف الإنسانية في المخيمات وكأنها زمناً معلّقاً لا يعرف الحركة إلا نحو مزيد من الهشاشة والاذلال، حيث يعيش الآلاف على إيقاع يومي لا يتغيّر إلا بقدر ما تتغيّر قيمة المساعدات الدولية. إن ضيق مساحة الحرية، وغياب القدرة على اختيار المسار الشخصي أو المهني، يجعل الإنسان محصوراً داخل دائرة مرسومة مسبقاً لا يستطيع الخروج منها. وفي خضم هذا الجمود، تتوالى تقارير المنظمات الدولية لتؤكد أن هذه الحالة لم تعد وضعاً انتقالياً كما كان يُظن، بل تحولت إلى نظام حياة تتكرر فيه قسوة العيش، وتقييد الحركة، وغياب الآفاق الاقتصادية، وكأن الزمن هناك لا يفتح باباً ولا يتيح منفذاً.
لكن التحليل لا يكتمل عند حدود توصيف الألم؛ فثمة جانب أشد وقعاً يتمثل في استغلال هذا الواقع داخل حسابات سياسية معقدة، مما يجعل الفرد ذاته، بتطلعاته وطاقته وإمكاناته، أداة في نزاع طويل لا يرى نهايته. وهنا تبرز جدلية التحدي: إذ إن الاستمرار داخل نموذج مغلق كهذا يعني بقاء الإنسان سجين انتظار لا نهاية له؛ زمنٌ يكرّر نفسه بلا تحول، وواقع يعيد إنتاج نفس القيود التي وُلدت معه الأزمة. وكلما طال هذا الامتداد الزمني، اتسعت المخاطر: تآكل الحلم، ضمور الخيارات، ضعف الإحساس بالجدوى، وفقدان الرابط بين الجهد والمصير.
وفي المقابل، تفرض جدلية الفرصة حضورها بصوت آخر، أكثر هدوءاً لكنه أكثر تأثيراً: صوتُ الأفق المفتوح الذي يلوح حين تنكسر الحلقة المغلقة. فالعالم خارج المخيمات يتغير، وتتبدل معه فرص العودة والاندماج، وتتنوع مسارات التعليم والعمل والعيش الكريم. إن إشراك الإنسان في دورة حياة طبيعية، تُصنع فيها القرارات عبر المشاركة لا التوجيه، وتُبنى فيها الآفاق بالتخطيط لا بالانتظار، هو ما يمكنه أن يحول الزمن من عدوٍّ إلى حليف، وأن يعيد صياغة العلاقة بين الإنسان ومستقبله على قاعدة الإرادة بدل القسر.
وهكذا تتضح المفارقة: بين واقع يجمد الإنسان في أفق مسدود، وواقع آخر يفتح له إمكانيات جديدة للحياة، تتشكل دعوة ضمنية للتفكير في مصيرٍ مختلف. دعوة لا تفرض خياراً ولا تملي قراراً، لكنها تضع أمام الوعي الإنساني صورتين متقابلتين: الأولى تُحذّر من كلفة البقاء داخل دائرة الانتظار، والثانية تُغري بما يمكن أن يحمله الانفتاح على المستقبل من كرامة وحرية وفرصة. وفي هذا التقابل تتولد الحاجة الملحّة إلى إعادة النظر في مسار الحياة، والبحث عن طريق يُخرج الإنسان من زمن التوقف إلى زمن المشاركة الفعلية في بناء مصيره.
الحكم الذاتي… آلية لحفظ الكرامة وفتح الأفق
تبيّن القرارات المتتالية الصادرة عن مجلس الأمن أن مقترح الحكم الذاتي، كما طُرح في إطاره السيادي الوطني، لم يعد مجرد خيار مطروح على طاولة النقاش، بل تحول إلى مرجعية سياسية دولية يُنظر إليها باعتبارها الأكثر اتزاناً وقدرة على نقل هذا النزاع من حالة الدوران في الفراغ إلى مسار واقعي قابل للتحقق. فالمجتمع الدولي لا يمنح هذا الاعتراف مجاملة ولا يصدره تحت ضغط اللحظة، بل لأنه يرى في هذا التصور معادلة دقيقة تجمع بين مطلب تقرير المصير في بعده القانوني، وبين استمرارية البنية السيادية للدولة على نحو يستجيب للتحولات الحديثة في إدارة النزاعات.
وفي لغة الخطاب السياسي، يبرز هذا النموذج باعتباره مشروعاً يتيح لسكان الأقاليم الجنوبية هامشاً واسعاً لتدبير شؤونهم بأنفسهم، ويمنحهم قدرة حقيقية على تحويل خصوصيتهم الثقافية والاجتماعية من مجرد هوية معلّقة إلى ممارسة مؤسساتية داخل إطار ديمقراطي متقدم. إنه عرض لا يعد فقط بتوسيع دائرة الحريات، بل بفتح أبواب التنمية الاقتصادية والاجتماعية، عبر مقاربة تعترف بالاختلاف وتُثمن التنوع وتضع الإنسان في قلب القرار.
غير أن قوة هذا الطرح لا تتجلى فقط في ما يعد به، بل أيضاً في ما يجنّب المنطقة الوقوع فيه. فاستمرار الوضع في حالة فراغ سياسي ومؤسساتي، وتكرار نفس الهياكل التي أثبتت محدوديتها على مدى السنوات، يحمل معه كلفة بشرية وسياسية لا يمكن التغافل عنها. وهنا تبرز جدلية الخطاب: بين أفق مفتوح على المشاركة والاندماج، وأفق مغلق يعيد إنتاج نفس الدائرة التي لم تُخرج النزاع من مكانه قيد أنملة. فالعالم يتغير، والمقاربات الدولية تتطور، ومنطق “اللا حل” لم يعد مقبولاً في زمن تتحرك فيه الدول نحو الاستقرار لا نحو الانتظار.
إن ما يعطي لمقترح الحكم الذاتي زخمه الحقيقي هو أنه يقدّم نفسه لا كخيار يُفرض من الأعلى، ولا كتنازل من طرف على حساب طرف آخر، بل كصيغة سياسية تمنح الجميع مساحة ليقفوا على أرض مشتركة. إنه حلّ بلا غالب ولا مغلوب، وبهذا المعنى فإنه يفتح الباب لكتابة صفحة جديدة لا تُهين أحداً ولا تنتقص من كرامة أحد، بل تبني على القواسم المشتركة وتستثمر في الممكن السياسي بدل المستحيل التاريخي.
وفي سياق الرأي والتحليل، يبدو هذا الخيار أقرب إلى لحظة مفصلية: لحظة تُدرك فيها الأطراف أن الزمن لا ينتظر المتأخرين، وأن الكرامة لا تُبنى على الجمود، وأن المستقبل لا يصنعه العالقون في الماضي بل أولئك الذين يملكون شجاعة الانتقال إلى أفق أرحب. ومن هنا يكتسب الحكم الذاتي قوته الاقتراحية : إنه ليس مجرد مقترح، بل دعوة إلى مستقبلٍ قابل للبناء، وإلى واقعٍ يضع الإنسان قبل الشعار، والكرامة قبل الصراع.
الصحراء اليوم… واقع متغير ومنجزات متسارعة
تبدو الدينامية التنموية في الأقاليم الجنوبية اليوم أكثر من مجرد مجموعة مشاريع متفرقة أو مشاهد مؤقتة على الأرض؛ إنها عملية تحول مستمرة تمتد إلى البنى المؤسسية والاجتماعية والثقافية، لتعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان. فالطرق الحديثة، والموانئ، والمطارات ليست مجرد أدوات نقل، بل آليات حيوية تفتح الأسواق المحلية والإقليمية على بعضها البعض، وتربط الأقاليم الجنوبية بمختلف الأسواق الوطنية والدولية، بما يخلق أفقاً للتبادل الاقتصادي والتنوع الإنتاجي. أما نجاح الداخلة في التحول إلى قطب إقليمي متقدم في مجالات الصيد البحري والطاقة المتجددة والصناعات المتطورة، فهو لا يمثل إنجازاً اقتصادياً فحسب، بل مؤشر على قدرة هذه المناطق على تأسيس منظومات إنتاجية متكاملة قادرة على خلق وظائف مستدامة، وتنمية مهارات جديدة، وضمان اندماج الشباب في اقتصاد مستقبلي متنوع.
وفي سياق متكامل، يمثل تطور العيون كمركز إداري واقتصادي، وإنشاء المناطق الصناعية، والمشاريع الموجهة للشباب، وظهور الجامعات ومراكز التكوين والمستشفيات الحديثة، تحولاً من واقع الانتظار إلى واقع إنتاجي يضع السكان المحليين في موقع الفاعل، لا مجرد المتلقي. لقد باتت المجالس المنتخبة والنخب المحلية أدوات حقيقية لإدارة الموارد، وصنع القرار، والتخطيط لمستقبل الأقاليم، مما يعكس قدرة المجتمع على إعادة بناء ذاته من الداخل، بعيداً عن الارتكاز على المساعدات الخارجية أو حلول مؤقتة.
لكن هذه الصورة لا تكتمل إلا بفهم الحقيقة الكاملة: هناك مسار يفتح الأبواب وفرص حقيقية، ومسار آخر يحمل المخاطر والتحديات. الفرص واضحة وجلية في إمكانيات العمل الجديدة، وفي الانخراط الفعلي في مؤسسات تمكينية، وفي القدرة على الحفاظ على الهوية الثقافية والاجتماعية ضمن إطار سياسي وإداري متقدم، وفي المشاركة في مسار تنموي مستدام يشمل الجميع. هذه الفرص ليست شعارات أو وعوداً جوفاء، بل هي ثمار استثمارات متراكمة ومشاريع قابلة للتوسع إذا ما أُتيحت شروط المشاركة والاندماج الفعلي للسكان المحليين.
في المقابل، فإن الاستمرار في منطق الانتظار والارتهان الى ضغوط خارجية يعرّض الأجيال القادمة للضياع والحرمان من الزمن التنموي الثمين، ويترك الطاقات البشرية حبيسة الجمود، ويحوّل الهوية والانتماء من مصدر قوة إلى عبء ثقيل. فكل تأجيل للانخراط في مشروع الحكم الذاتي التنموي لا يكلف المجتمع فحسب، بل يعرقل الاستقرار الاجتماعي ويؤخر النمو الاقتصادي، ويجعل التنمية طموحاً مؤجلاً بدلاً من أن تكون حقيقة ملموسة يمكن لمسها في حياة الناس اليومية.
وهكذا يصبح النظر إلى المشروع التنموي في الأقاليم الجنوبية أكثر من مجرد قراءة للبنى التحتية والمشاريع؛ إنه تقييم استراتيجي للخيارات، بين البقاء في دائرة الجمود التي تُعيد إنتاج المعاناة، والانخراط في مسار يُفضي إلى الكرامة والفرص والتنمية والمشاركة. حضور السكان المحليين ومساهمتهم الفاعلة هو الذي يجعل الاعتراف بالهوية ممارسة يومية، ويحوّل الكرامة من قيمة مجردة إلى مدخل للعمل، والعيش الكريم، والمشاركة الحقيقية في بناء المستقبل. فالخيار اليوم واضح: إما الانخراط في مسار يثمر استقراراً وتنمية ومصالحة، أو البقاء على منوال يعيد إنتاج المعاناة ويؤخر أي أفق حقيقي للتقدم.
وفي هذا الاحتدام بين الخيارات، تتجلى مسؤولية كل فرد وكل مجتمع: أن يختار الانتماء إلى زمن يُنتج الفرص، ويحوّل الموارد والطاقة إلى قوة دافعة للتنمية، بدل أن يبقى رهين دائرة التهميش والانتظار، حيث يتحول الانتظار إلى عبء، والفرص إلى وهم، والهوية إلى عبء ثقيل. هذه الجدلية، بين بناء المستقبل أو استمرار الجمود، هي ما يحدد مصير المنطقة، وما يجعل من الانخراط الفعلي في المشروع التنموي ليس خياراً بل ضرورة حقيقية لكل من يريد أن يرى الأقاليم الجنوبية حاضرة وفاعلة، لا هامشية أو متأخرة.




