هل تغيّر حرب غزة خريطة التحالفات في الشرق الأوسط؟

يبدو أن حرب غزة لم تُلغِ التحالفات القائمة لكنها أعادت ترسيم حدودها

بقلم: د. محمد السنوسي..

منذ اندلاع الحرب الأخيرة في غزة، دخل الشرق الأوسط مرحلة غليان دبلوماسي غير مسبوقة أعادت خلط الأوراق بين القوى الإقليمية والدولية. فبينما لم تنهَر التحالفات الكبرى، إلا أن الأدوار تبدّلت والتموضعات تغيّرت، لتفرز الحرب موازين جديدة تتأرجح بين التكيّف الحذر وإعادة التموضع السياسي.

في صدارة المشهد، برزت الوساطات الإقليمية كأحد أهم التحولات الجوهرية. فدول مثل قطر وتركيا ومصر لم تكتفِ بدور المراقب، بل تحوّلت إلى قنوات اتصال رئيسية بين إسرائيل وحماس، وأحيانًا بين الطرفين والولايات المتحدة.
قطر، بخيوط تواصلها المفتوحة مع جميع الأطراف، نجحت في تمرير اتفاقات إنسانية وصفقات تبادل للأسرى، مانحة نفسها موقع الوسيط الأكثر توازنًا وفعالية. أما تركيا، فاستثمرت علاقاتها الدبلوماسية المتجددة في المنطقة ومحاولاتها لاستعادة ثقلها الإقليمي، لتقدّم نفسها كفاعل قادر على التواصل مع الجميع دون أن تفقد رصيدها الشعبي في العالم الإسلامي.
أما مصر، فحافظت على موقعها المحوري بفضل سيطرتها على معبر رفح، لتظلّ الوسيط الأكثر تأثيرًا بين تل أبيب وواشنطن وحماس، تمسك بخيوط الأزمة الإنسانية والسياسية في آن واحد.

هذه الأدوار المتداخلة، كما سيحاول هذا المقال تفكيكها، أثبتت أن الوساطة لم تعد حكرًا على القوى الكبرى، بل تحوّلت إلى أداة نفوذ إقليمي يعاد عبرها رسم خرائط القوة في المنطقة.

في المقابل، كشفت الحرب عن تحوّل نوعي في مسار اتفاقات التطبيع التي أُبرمت ضمن اتفاقات “إبراهام” عام 2020. فالعلاقات لم تُقطع، لكنها دخلت مرحلة من “التطبيع الحذر” أو “التجميد الهادئ”.
الإمارات خفّضت من مستوى التعاون العلني، وأوقفت بعض الفعاليات الرمزية، مفضّلة التركيز على الأبعاد الإنسانية للأزمة. البحرين استمرّت في علاقاتها الرسمية لكن بصمت إعلامي ملحوظ. المغرب تبنّى خطابًا أكثر انحيازًا للقضية الفلسطينية مع استمرار محدود في التعاون الاقتصادي. أما السودان، الغارق في صراعاته الداخلية، فقد توقّفت عمليًا خطوات التطبيع التي بدأها.

وبحسب دراسات مراكز التفكير الأمريكية، فإن هذا التحوّل يعكس انتقال العلاقات من طور الحماس إلى طور الحسابات الباردة — تطبيع بلا دفء سياسي، قائم على المصالح الأمنية والاقتصادية، لكنه مثقل باعتبارات الشرعية الداخلية.

وفي موازاة ذلك، عادت ديناميكية الشارع العربي لتفرض نفسها بقوة بعد سنوات من الغياب. شهدت مدن مثل صنعاء، وعمّان والرباط والقاهرة وتونس موجات احتجاج تضامنية مع غزة، رفعت الصوت ضد التطبيع وضد ازدواجية المواقف الرسمية. هذه الموجات، مدعومة بزخم رقمي غير مسبوق على شبكات التواصل، أعادت تشكيل المزاج الجمعي العربي وأجبرت الحكومات على موازنة دقيقة بين حسابات الاستقرار ومطالب الشارع.

لقد بيّنت حرب غزة أن التحالفات في الشرق الأوسط لم تعد تُقاس فقط بالاتفاقات والمعاهدات، بل أيضًا بنبض الشارع، وموازين المصالح، وإيقاع الأزمات المتلاحقة. فوساطات جديدة برزت، واتفاقات التطبيع دخلت مرحلة المراجعة، وإيران وحلفاؤها وسّعوا مسار الضغط عبر جبهات متعددة، فيما تتنافس القوى الكبرى – واشنطن، موسكو، بكين، وبروكسل – لملء الفراغات الدبلوماسية.

هكذا تبدو خريطة التحالفات اليوم أكثر سيولة من أي وقت مضى:
تحالفات تتبدّل بسرعة، ووساطات تكتسب وزنًا استراتيجيًا، ورأي عام يعود ليشكّل ميزان شرعية جديد في قلب صراعات الشرق الأوسط.
إنها مرحلة ما بعد الجمود، حيث لم تعد الحرب تُغيّر الحدود فقط، بل تعيد أيضًا صياغة موازين النفوذ ومعنى التحالف نفسه.

المحور التركي ــ القطري: وساطة «ناعمة» وموقع تأثير متزايد

هنا يطرح السؤال الحاسم: كيف تدير الدوحة وأنقرة وساطتهما عمليًا، وما سرّ فاعليتهما في ساحة شديدة التعقيد كالساحة الفلسطينية؟

نجحت كلٌّ من قطر وتركيا في ترسيخ نفسيهما كوسيطتين محوريتين في خريطة أزمات الشرق الأوسط، ليس بفضل القوة العسكرية أو الاقتصادية، بل عبر مزيج محسوب من الأدوات السياسية والإنسانية والإعلامية جعل وساطتهما أكثر تأثيرًا من كثير من القوى الكبرى.

قطر، على وجه الخصوص، بنت نفوذها بهدوء وثبات. فمنذ سنوات، استضافت قيادات حركة حماس واحتفظت بقنوات تواصل مفتوحة مع مختلف الفصائل الفلسطينية، ما منحها رصيد ثقة استثنائي مكّنها من التحرك بين الأطراف المتنازعة بمرونة نادرة. خلال جولات التفاوض في عامي 2024 و2025، لعبت الدوحة دور الميسّر والمترجم في آن واحد — تنقل الرسائل، وتوازن بين الضغوط، وتبقي الخيوط مشدودة دون أن تنقطع.

لكن الوساطة القطرية لم تكن طريقًا مفروشًا بالورود؛ فقد واجهت مناورات إسرائيلية معقدة وتشددًا في المواقف، إضافة إلى تباينات داخل الساحة الفلسطينية نفسها. في لحظات التوتر، لم تتردد الدوحة في تجميد دورها مؤقتًا أو تحويله إلى ورقة ضغط دبلوماسية، ما جعل وساطتها ليست مجرد قناة تفاوض، بل أداة نفوذ مرنة تعرف متى تُستخدم ومتى تُحتجب .أما تركيا، فدخلت ساحة الوساطة من زاوية مختلفة — زاوية تجمع بين الطموح الإقليمي والحنكة السياسية. أنقرة لا تتعامل مع الملف الفلسطيني بوصفه قضية إنسانية فقط، بل كجزء من مشروع إعادة التموضع الاستراتيجي الذي تسعى من خلاله إلى استعادة دورها القيادي في الإقليم.

منذ اندلاع حرب غزة، تحركت تركيا بخطاب قوي، حادّ النبرة أحيانًا، يلامس الشارع العربي والإسلامي، لكنها في الوقت نفسه أبقت قنواتها مع واشنطن وتل أبيب مفتوحة، وإنْ تحت الطاولة. هذه الازدواجية المدروسة ليست تناقضًا بقدر ما هي تكتيك دبلوماسي محسوب: أنقرة تُدين إسرائيل علنًا لتثبيت شرعيتها في الوعي الشعبي، وتُفاوضها سرًّا لحماية مصالحها الاقتصادية والأمنية.

في العمق، تسعى تركيا إلى أن تكون البديل المسلم للوساطة الغربية — وسيطًا يفهم حساسية المنطقة ويملك أوراق تأثير متوازنة بين الشرق والغرب. فوجودها في ملفات الطاقة واللاجئين والبحر المتوسط يمنحها وزنًا إضافيًا يجعل وساطتها لا تقتصر على نقل الرسائل، بل على إعادة تعريف قواعد اللعبة الدبلوماسية في المنطقة.

ومع اتساع دور كلٍّ من قطر وتركيا، يمكن القول إنّ الوساطة الإقليمية تحوّلت من وظيفة ظرفية إلى أداة نفوذ بنيوية — وسيلة لإعادة توزيع موازين القوى دون اللجوء إلى الحرب المباشرة. وهذا التحوّل، في جوهره، هو أحد أبرز المؤشرات على أن حرب غزة لم تغيّر التحالفات فقط، بل أعادت تشكيل منطق التأثير ذاته في الشرق الأوسط.

حدود النفوذ والمخاطر: لماذا لا يعني هذا التحوّل سيطرة كاملة؟

بعد أن رسّخت كلٌّ من قطر وتركيا موقعهما كوسيطتين مركزيتين في أزمات الشرق الأوسط، خصوصًا في الحرب على غزة، يبرز سؤال محوري: هل يوازي توسّع النفوذ الوسيط السيطرة الفعلية على مجرى الأحداث؟ الجواب، على الأرجح، لا. إذ إنّ الوساطة، مهما بلغت من تأثير، تبقى محكومة بحدود بنيوية وسياسية تجعلها أداة نفوذٍ نسبية أكثر منها سلطة حاسمة.

في المقام الأول، يعتمد الوسيط على قبول الأطراف المتنازعة، وهذه النقطة تمثل جوهر هشاشته. فنجاح الوساطة لا يرتبط فقط بقدرة الدوحة أو أنقرة على التواصل، بل أيضًا باستعداد إسرائيل وحماس – ومعهما القوى الغربية – للتجاوب. إسرائيل، على وجه الخصوص، أدركت هذه الثغرة واستثمرتها بمهارة، إذ لجأت مرارًا إلى تشويه صورة الوسطاء باتهامهم بالانحياز أو بالتواطؤ مع أجندات خارجية. تجلّى ذلك بوضوح في مايو 2025 عندما عبّرت تل أبيب عن استيائها من “ازدواجية” الدور القطري، معتبرة أن وساطته منحت حماس مساحة تفاوض إضافية. هذا المثال يؤكد أن الوسيط، مهما كان فاعلًا، لا يمتلك سلطة القرار النهائي، بل يتحرك ضمن مساحة مشروطة برضا القوى الكبرى.

ثمّ إنّ الضغط الدولي والداخلي يُقيد حركة الوسيط نفسه. فتركيا وقطر ليستا خارج منظومة الحسابات الكبرى: كلتاهما تواجه قيودًا مصدرها التحالفات الغربية والاعتبارات الشعبية. فحين يتغير المزاج الداخلي أو تشتد الضغوط الخارجية، تضطران إلى تعديل نغمة الخطاب أو تجميد المسار التفاوضي، كما فعلت الدوحة حين أوقفت بعض وساطاتها احتجاجًا على تصلب الموقف الإسرائيلي. بذلك، يتضح أن نفوذ الوساطة يتغذى على التوازن لا على السيطرة، وأن أي خلل في هذا التوازن يمكن أن يشلّ فاعليتها.

يُضاف إلى ذلك أن الوسيط يفتقر إلى أدوات الردع الصلبة. فبينما تمتلك الدول الكبرى نفوذًا عسكريًا أو أمنيًا يفرض احترام مخرجات التفاوض، فإن أنقرة والدوحة لا تملكان سوى أدوات دبلوماسية وإنسانية، تجعل دورهما مكمّلًا لا مقرّرًا. لذا، تبقى كل نجاحات الوساطة قابلة للتراجع مع أول تصعيد ميداني أو تبدل في إرادة القوى المتصارعة.

لكن رغم هذه الحدود، لا يمكن التقليل من القيمة الاستراتيجية للتحوّل الوسيط. فالمسألة لا تتعلق بقدرة قطر وتركيا على فرض الحلول، بل بقدرتهما على صناعة المساحات السياسية حيث يتعذر على القوى الكبرى التحرك بحرية. لقد راكمتا ما يمكن وصفه بـ«رأسمال النفوذ الإقليمي» الذي يمنحهما قدرة على المناورة وبناء علاقات تبادلية مع الغرب، في ملفات تمتد من المساعدات الإنسانية إلى الأمن والطاقة. بهذا المعنى، تحوّلت الوساطة إلى أداة جيوسياسية، تمكّنهما من ممارسة نفوذ غير مباشر في رسم التوازنات.

وفي خطوة أكثر طموحًا، تعمل قطر وتركيا على تأطير وساطاتهما ضمن هياكل مؤسسية دائمة تشمل فرق مراقبة، صناديق إعادة إعمار، وشراكات إنسانية مستمرة. مثال واضح على ذلك إعلان تركيا استعدادها للمشاركة في قوة مراقبة دولية، وهو ما قابلته تصريحات رفض من قبل رئيس حكومة إسرائيل، ما يعكس التوتر الكامن بين النفوذ الإقليمي ومصالح الفاعلين التقليديين. هذا المسار يوضح بجلاء الرغبة في تحويل المكاسب المؤقتة إلى أدوات نفوذ مستدامة، تجعل الوساطة عنصرًا أساسيًا في هندسة القوة الإقليمية، لا مجرد ردّ فعل تكتيكي على الأزمات.

غير أن هذا التوسع لا يخلو من مخاطر التصادم الدبلوماسي. فكلما ازدادت استقلالية الوسيط، ازداد التوجس الأميركي والإسرائيلي من نواياه، ما قد يدفع إلى تهميشه أو الضغط عليه. لقد ظهر ذلك جليًا في الانتقادات الإسرائيلية المتكررة لدور قطر، والتي حملت ضمنًا رسالة تحذير لأي طرف يحاول تجاوز الخطوط الحمراء التي ترسمها واشنطن وتل أبيب.

في الخلاصة، أثبتت قطر وتركيا أنهما وسيطتان فاعلتان لا يمكن تجاهلهما، لكن نفوذهما يظل مشروطًا ومتحركًا: محكومًا بقبول الأطراف، وبمزاج الشركاء الإقليميين، وبقدرتهما على تحويل إنجازات اللحظة إلى مؤسسات دائمة. وإذا نجحتا في ذلك، فإن حرب غزة لن تكون مجرد محطة عابرة، بل لحظة مفصلية أعادت تعريف معنى الوساطة الإقليمية ودورها في إعادة تشكيل خريطة التحالفات ومستقبل موازين القوى في الشرق الأوسط.

المحور العربي الرسمي: استمرار التطبيع… بحذر تكتيكي واعتبارات استراتيجية

بعد أن برزت قطر وتركيا كقوتين وسيطتين جديدتين تعيدان تعريف دبلوماسية الشرق الأوسط من خلال “النفوذ الناعم”، ننتقل إلى محورٍ آخر لا يقل حساسية: المحور العربي الرسمي — أي الدول التي اختارت طريق التطبيع مع إسرائيل. وهنا يتجلّى وجهٌ موازٍ من التحول في خريطة التحالفات: ليس في اتجاه الانقطاع، بل في اتجاه الاستمرار المشروط و«الحذر التكتيكي».

رغم الدماء والدمار في غزة، لم تنهَر علاقات التطبيع التي أرستها اتفاقات إبراهام (2020)، بل صمدت أمام العاصفة، وإن كان ذلك بثمن سياسي واضح: تراجع البعد الرمزي العلني لصالح براغماتية أكثر حذرًا وتخفّيًا. فالتطبيع، الذي وُلد كطموح واسع واتخذ شعارًا لتغيير قواعد اللعبة الإقليمية، أصبح اليوم تطبيعًا محسوبًا، تحكمه ثلاثة محددات رئيسية: المصلحة الاستراتيجية، الشرعية الداخلية، والضغوط الشعبية.

فالإمارات، مثلًا، حافظت على قنواتها الاقتصادية والدبلوماسية مع تل أبيب، لكنها أوقفت الفعاليات الرمزية وخفّضت الظهور الإعلامي المشترك خلال الحرب، مفضّلة الإشارة إلى البعد الإنساني للأزمة لإرضاء الرأي العام المحلي. أما السعودية، التي تقف في موقع مركزي بين واشنطن والعالم العربي، فقد استخدمت الورقة الفلسطينية كشرط تفاوضي لربط أي خطوة تطبيعية قادمة بتحقيق تقدّم سياسي في مسار الدولة الفلسطينية، فيما يشبه إعادة تعريفٍ للتطبيع بوصفه عملية سياسية مشروطة لا صفقة منتهية.

في المقابل، واصلت مصر إدارة دورها كوسيط واقعي على الأرض عبر معبر رفح ومسارات المساعدات، لكنها اصطدمت بمعادلة دقيقة بين مقتضيات الأمن القومي وضغط الشارع المصري المتعاطف مع غزة. وقد رصدت تقارير غربية مظاهر احتجاج شعبي دفعت القاهرة لتبرير مواقفها وتقييد نشاطات مدنية خشية تحوّل الغضب إلى تهديد داخلي.

أما الدول الأخرى المنضوية في محور التطبيع – المغرب، البحرين، والسودان – فقد اعتمدت مقاربات أكثر تحفظًا وحذرًا. فالمغرب تمسّك بموقفه التقليدي من القضية الفلسطينية، مع إبقاء التعاون الاقتصادي محدودًا وبعيدًا عن الضوء الإعلامي. أما البحرين، فاختارت سياسة الصمت الإعلامي وتقليص أي مظاهر تطبيعية علنية، حفاظًا على توازن داخلي دقيق. في المقابل، السودان، المنشغل بأزماته الداخلية، أوقف عمليًا أي خطوات تطبيعية جديدة، مدركًا أن أي تحرك قد يثير ردود فعل شعبية يصعب احتواؤها.

هذا المشهد لا يمكن قراءته بمعزل عن التحولات التي أفرزتها وساطات قطر وتركيا. فبينما دفعت الوساطة الإقليمية إلى توسيع هوامش الاستقلال الدبلوماسي لبعض القوى، أجبرت الحرب الدول العربية المطبّعة على إعادة تعريف أولوياتها ضمن توازن معقّد بين الالتزام بالاتفاقات والإنصات للشارع. وهكذا تحوّل التطبيع من مشروع سياسي جريء إلى مسار براغماتي هش تحكمه الاعتبارات الإنسانية والشرعية الداخلية أكثر من الطموحات الاستراتيجية.

في العمق، نرى تناقضًا جوهريًا يطبع المشهد العربي الراهن: فبقاء قنوات الاتصال مع إسرائيل يعكس استمرار “المصالح الاقتصادية والأمنية”، لكنه في الوقت نفسه يفضح هشاشة البنية الرمزية للتطبيع. فكل توسع في هذا المسار أصبح مشروطًا بتوازن داخلي دقيق، حيث تتقاطع حسابات الشرعية الوطنية مع ضغوط الرأي العام، وتتنازع المصالح الأمنية مع الرموز السياسية.

إنها دبلوماسية السير على الحافة: فخطأ في التقدير قد يعني خسارة الشرعية الشعبية، وتصلّب الموقف قد يعني خسارة الدعم الغربي أو الاقتصادي. ومن ثم، فإن التطبيع العربي اليوم لم يعد إعلانًا سياسيًا بقدر ما أصبح إدارة معقدة لتناقضات الداخل والخارج، تخضع لحسابات دقيقة توازن بين مقتضيات الاستقرار الوطني ومتطلبات التحالف الإقليمي.

في النهاية، ومع اتساع أدوار الوسطاء الإقليميين من جهة، وتحوّل التطبيع إلى مسارٍ حذر من جهة أخرى، يبدو أن حرب غزة لم تُلغِ التحالفات القائمة لكنها أعادت ترسيم حدودها. فالمصالح مستمرة، لكن الرمزية تراجعت؛ والتحالفات باقية، لكن الثقة السياسية تتآكل. وهذا ما يجعل خريطة الشرق الأوسط اليوم أكثر هشاشةً، وأكثر استعدادًا لإعادة التشكل مع كل أزمة جديدة تندلع في المنطقة.

في سياق المشهد المتشابك نفسه، برز عامل خارجي حاسم أعاد ضبط موازين القوة: تدخل الولايات المتحدة المباشر لصالح إسرائيل لمواجهة الضغوط الإيرانية. فمع اتساع رقعة المواجهة التي فتحها محور طهران، وجدت واشنطن نفسها أمام معادلة بسيطة لكنها قاسية — إما ترك إسرائيل تواجه تعدد الجبهات وحدها، أو الانخراط فعليًا لمنع تآكل قدراتها العسكرية والدبلوماسية. وعمليًا اختارت الإدارة الأمريكية الخيار الثاني: تدخلت بطرق عسكرية ودبلوماسية مباشرة أحيانًا، شملت ضربات انتقائية ضد أهداف إيرانية أو تابعة لحلفائها، وحملات ضغط استخبارية وسيبرانية، إلى جانب تحركات دبلوماسية لاحتواء التصعيد.

هذا التدخل الأمريكي لم يكن صدفة، بل جاء كخطوة استراتيجية لاحتواء قدرة طهران على تحويل النزاع الاقليمي إلى أداة ضغط تستنزف إسرائيل وحلفاءها. اعتمدت واشنطن على مبدأ «خفض درجة التهديد» بدلًا من قبول واقع يتيح لإيران إدارة جبهات متعددة ضد حليف استراتيجي. عمليًا، ضاعف الرد الأمريكي تكلفة أي تصعيد مستمر لطهران، وجعل دعم محور المقاومة أو تعميم النزاع أكثر كلفة على المستوى العسكري والدبلوماسي، مؤثرًا على حسابات الحلفاء الإقليميين ومحدّدًا مؤقتًا هامش المناورة. ومع ذلك، يظل الضغط الأمريكي غير قادر على ثني إيران عن متابعة مشروعها في دعم المقاومة الفلسطينية المشروعة، الساعي لإعادة الأرض وحماية المقدسات الإسلامية من محاولات التهويد، ما يجعل مواجهة النفوذ الإيراني جزءًا دائمًا من ديناميات الصراع في المنطقة.

ومع ذلك، يحمل هذا المسار مخاطره. فالتصعيد الأميركي المباشر يسرّع دوران دولٍ كبرى (روسيا، الصين) في المشهد، ويقوّض هامش الوساطة الإقليمية التي حاولت الدوحة وأنقرة مدّه. كما أنه يطرح سؤالًا أخلاقيًا واستراتيجياً كبيرًا: إلى متى ستقبل واشنطن بأن تكون خط الدفاع الأول عن إسرائيل في مواجهة نفوذ إقليمي متصاعد، وما ثمن هذا الدفاع على مستوى العلاقات الدولية والاستقرار الإقليمي؟ في كل الأحوال، لم يعد الطرفان الإقليميان وحدهما — إسرائيل وإيران — من يقرران مصير المعركة؛ فالانخراط الأميركي المباشر جعل من الصراع نقطة التقاء ونقطة احتكاك جديدة بين اللاعبين الإقليميين والدوليين، مع آثار بعيدة المدى على خريطة التحالفات والتوازنات في المنطقة.

الولايات المتحدة بين الحماية والوساطة: زعامة مهدَّدة في شرق أوسط متحوّل

في قلب التحولات الإقليمية بعد حرب غزة، تتحرك الولايات المتحدة كقوة ثلاثية الوجوه: من جهة تحمي إسرائيل وتؤكد تفوقها العسكري والاستخباراتي، ومن جهة أخرى تتقمص دور الوسيط الدبلوماسي في مسار وقف النار، وفي الوقت ذاته تسابق الزمن لمنع أي منافس عالمي أو إقليمي — سواء الصين، روسيا، أو إيران — من ترسيخ موطئ قدم استراتيجي يهدد موقعها. باختصار، واشنطن تلعب بمنطق “المحمية”: هي الحارس، وهي المقرّر، وهي القوة التي تفرض قواعد اللعبة في كل معادلات الأمن والسياسة في الشرق الأوسط.

غير أن هذا التعدد في الأدوار يكشف مأزقًا بنيويًا: الولايات المتحدة لم تعد تمسك بخيوط اللعبة كما كانت، بل أصبحت تلهث خلف ديناميات إقليمية جديدة تُفرغ خطابها من مضمونه. حين تدعم إسرائيل بلا حدود عسكريًا واستخباراتيًا، ثم تدعو في الوقت نفسه إلى فتح الممرات الإنسانية ووقف إطلاق النار، فإنها لا تمارس وساطة بقدر ما تدير تناقضاتها بين منطق القوة ومنطق الصورة أمام الرأي العام العالمي.

لقد تحولت واشنطن من قوة تصنع النظام إلى قوة تحاول الحفاظ عليه من التآكل. فحضورها العسكري المكثف — من حاملات الطائرات إلى القواعد المنتشرة في الخليج والبحر المتوسط — لم يعد أداة لفرض الهيمنة بقدر ما هو وسيلة لمنع انزلاق السيطرة نحو قوى أخرى. بهذا المعنى، تمارس الولايات المتحدة نوعًا من “الإمبراطورية الدفاعية”، تحمي مصالحها الاستراتيجية في المنطقة وتحد من قدرة منافسيها على تثبيت نفوذ دائم، خصوصًا في مواجهة شبكة الضغط الإيرانية متعددة الساحات التي تهدف لإشغال إسرائيل ورفع تكلفة تدخلاتها.

إن هذا الدور المزدوج — بين الحماية والوساطة والاحتواء — يجعل واشنطن تتحرك على إيقاع متوتر يجمع بين الردع العسكري والدبلوماسية الانتقائية. وهي تُدرك أن خطابها الأخلاقي لم يعد مقنعًا كما كان، وأن صور الدمار في غزة تنخر في شرعيتها كقوة “ضامنة للاستقرار”. ومع ذلك، تواصل التمسك بدور الحارس القديم، في زمن بدأ فيه الشرق الأوسط يعيد رسم قواعد اللعبة، حيث تزرع الصين وروسيا جذور نفوذها الاقتصادية والأمنية بهدوء، فيما تحاول الولايات المتحدة الحفاظ على مركزها كقوة مهيمنة قادرة على ضبط التوازنات دون الانزلاق إلى خسارة موقعها الاستراتيجي.

الصين: من الاقتصاد إلى الجيوسياسة — ملامح البديل القادم في الشرق الأوسط

في خضمّ إعادة تشكيل موازين القوى التي فجّرتها حرب غزة، يتقدّم السؤال المركزي: من يملأ الفراغ الذي تركه تراجع القبضة الأمريكية؟ لم يعد الجواب مجرّد تكهّن سياسي، بل واقع يتبلور أمامنا بخطى محسوبة. فبينما تنشغل واشنطن بالدفاع عن إسرائيل وضبط الإقليم من الانفلات، تتحرك بكين بهدوء عبر بوابة الاقتصاد، حاملة مشروعًا مغايرًا في الشكل والمضمون: مشروع نفوذ لا يقوم على الهيمنة، بل على الترابط الاقتصادي والسيادة المتبادلة.

الصين تدرك أن الحروب التي أعادت رسم المشهد الإقليمي خلقت حاجة ماسة إلى نموذج شراكة بديل، يحرّر المنطقة من منطق “المحمية” الذي طبع العلاقات الأمريكية–العربية لعقود. لذا تعمل بكين على توسيع حضورها من خلال تحويل مبادرة “الحزام والطريق” إلى شبكة نفوذ عابرة للحدود، تمتد من الموانئ الخليجية إلى غرب المتوسط، بحيث تصبح اقتصادات المنطقة مرتبطة عضوياً بالبنية التحتية الصينية.

لكن طموح الصين لا يتوقف عند التجارة والموانئ؛ بل يتجه نحو كسر إحدى ركائز الهيمنة الأمريكية: السيطرة المالية والتكنولوجية. فهي تدفع لاعتماد التسويات التجارية بالعملات المحلية أو باليوان بدلاً من الدولار، ما يحدّ من سطوة النظام المالي الأمريكي. وفي الوقت ذاته، تزرع حضورها في البنية الرقمية والأمنية للمنطقة عبر شبكات الجيل الخامس، وتقنيات الذكاء الصناعي، والحلول السيبرانية الذكية، لتصبح شريكًا تكنولوجيًا لا غنى عنه، مقابل نفوذٍ غربيٍّ يشيخ تحت عباءة القواعد العسكرية وشركات السلاح.

أما روسيا، فتتحرك في الفضاء الأمني والعسكري، ساعية لترسيخ وجودها عبر التعاون في مجالات الطاقة والدفاع. لكنها تظل رديفًا تكتيكيًا بالمقارنة مع الحضور الصيني الأكثر بنيوية واستدامة، القائم على نفوذ ناعم يخلق اعتمادًا متبادلاً لا يصطدم مباشرة بالمصالح الأمريكية، بل يتسلل تدريجيًا إلى عمقها. فالصين لا تواجه، بل تعيد تعريف النفوذ ذاته: من منطق السيطرة إلى منطق الشراكة طويلة الأمد.

هكذا، تبدو حرب غزة لحظة كشف تاريخية: فقد بيّنت أن الشرق الأوسط لم يعد ساحة حصرية للولايات المتحدة، وأن التعددية الاستراتيجية باتت الإطار الجديد لإدارة القوة في الإقليم. فبينما تتشبث واشنطن بدور “الحارس التقليدي”، تمضي بكين وروسيا في زرع جذور نظام إقليمي جديد، حيث الاقتصاد والتكنولوجيا أصبحا أدوات النفوذ الحقيقية، لا حاملات الطائرات ولا الجيوش.

في اليوم التالي للحرب، لن تعود خريطة الشرق الأوسط كما كانت. فالصراع لم يُعد توزيع القوة العسكرية فحسب، بل غيّر منطق التحالفات ذاته. المنطقة الآن أمام مرحلة انتقالية تتقاطع فيها المشاريع الكبرى — الأمريكية، الصينية، الروسية، والإقليمية — في سباقٍ على من يرسم قواعد اللعبة الجديدة.

الولايات المتحدة ستبقى تسعى للحفاظ على موقعها كـ«ضامن للأمن»، لكنها تدرك أن قبضتها لم تعد مطلقة. أما الصين، فتتقدم بثقة لتكون البديل الاقتصادي والتكنولوجي القادر على بناء شبكة مصالح طويلة الأمد تربط المنطقة بها. وروسيا، من جانبها، تراهن على تثبيت حضورها الأمني والعسكري في ظل تشقّق الثقة بين العواصم العربية والغرب.

إنها خريطة جديدة تُكتب بالدم والاستثمار معًا؛ خريطة تؤشر إلى أفول الأحادية الأمريكية وبزوغ نظام إقليمي متعدّد الأقطاب، تتنافس فيه القوى على امتلاك مستقبل القرار لا ماضي السيطرة.

خاتمة

حرب غزة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية بين إسرائيل وحركة المقاومة، بل لحظة انكشاف تاريخي لمنظومة التحالفات التي حكمت الشرق الأوسط طوال عقود. لقد خلخلت هذه الحرب بنية الاصطفافات التقليدية، ودفعت القوى الإقليمية والدولية إلى إعادة تعريف أدوارها وأولوياتها.

من جهة، كشفت الحرب حدود القوة الأمريكية، إذ لم تعد واشنطن قادرة على فرض رؤيتها المطلقة كما في الماضي. فهي اليوم تتحرك كقوة مهيمنة مهدَّدة: تحمي إسرائيل، وتفاوض الخصوم، وتراقب بكين وموسكو في الوقت نفسه، خشية أن يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة نفوذ متعددة الأقطاب. ومع كل ضربة عسكرية أو وساطة دبلوماسية، يتضح أن منطق “الوصاية الأمريكية” يترنّح أمام واقع جديد يتشكّل ببطء ولكن بثبات.

في المقابل، بدأت الصين تتحرك بذكاء استراتيجي لتكون البديل الهادئ. فهي لا تدخل من بوابة السلاح بل من بوابة الاقتصاد والتكنولوجيا، مقدّمةً للعواصم العربية نموذجًا مختلفًا: شراكات طويلة الأمد، استثمارات بنى تحتية، واتفاقيات رقمية تضعها في موقع الشريك لا الراعي. وإذا نجحت بكين في ترسيخ هذا المسار، فإنها ستؤسس لتحالفٍ شرقيٍّ جديد يقوم على تبادل المنافع بدل التبعية السياسية، بما قد يُحدث زلزالًا ناعمًا في موازين القوة العالمية.

أما روسيا، فتلعب على ثغرات الفراغ الأمني الغربي لتعيد تثبيت وجودها في فضاء الشرق الأوسط، مستندة إلى حضورها العسكري في سوريا وشراكات الطاقة والسلاح مع دول المنطقة. هي تراهن على التموضع الذكي داخل الفوضى، لا على إدارتها من الخارج كما تفعل واشنطن.

في هذا السياق، يمكن القول إن حرب غزة كانت لحظة إعادة توزيع النفوذ، لا فقط بين الأطراف المتحاربة، بل بين القوى التي تدّعي إدارة النظام الإقليمي. فبينما أعادت قطر وتركيا ومصر إحياء أدوار الوساطة الإقليمية، وحافظت الدول العربية المطبّعة على علاقاتها وفق «حذر تكتيكي»، صعّدت إيران وحلفاؤها معركة “الضغط متعدد الجبهات”، ليصبح الشرق الأوسط اليوم ساحة اختبار حقيقية لتوازن جديد:
توازن بين القوة والمشروعية، بين الحليف والمنافس، وبين المركز والأطراف.

إن الإجابة على السؤال: هل غيّرت حرب غزة خريطة التحالفات في الشرق الأوسط؟
هي نعم — ولكن ليس بعد بالكامل. فالخريطة لم تكتمل ملامحها بعد، لكنها بدأت تُرسم من جديد، بخطوط متعرجة ترسمها الدماء والمصالح والبيانات الاقتصادية معًا. الشرق الأوسط يدخل زمنًا جديدًا لا تحكمه التحالفات الجامدة، بل شبكات نفوذ مرنة تتغيّر مع كل أزمة، وتُعاد صياغتها مع كل جولة تفاوض أو اشتباك.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى