
بقلم: د. محمد السنوسي..
منذ أكثر من سبعين عامًا، تعيش الجغرافيا السياسية للشرق الأوسط على مفارقة صادمة: دولة صغيرة وُلدت من رحم مشروع استعماري، بلا موارد ولا عمق جغرافي، تحكم قبضتها على قرار أعتى إمبراطورية عرفها التاريخ الحديث. إسرائيل – هذا الكيان المزروع قسرًا في فلسطين – تحوّلت من أداة في يد الغرب إلى مركز ثقل وهمي، تدور حوله واشنطن كما تدور التوابع حول نجمها، حتى صار من المشروع أن نسأل: من يقود من؟
كيف أمكن لدولة بحجم مدينة أن تملي إيقاعها على قوة عظمى تمتلك ترسانة نووية واقتصادًا يفوق قارات بأكملها؟ أي خلل هذا الذي جعل الولايات المتحدة، بقدراتها الجيوسياسية ومكانتها الكونية، تخدم أجندة كيان لا يتجاوز تأثيره حدود دباباته ودعايته؟
إن ما يجري ليس تحالفًا طبيعيًا بين دولتين، بل علامة اضطراب في ميزان العقل السياسي الأمريكي؛ انحرافٌ جعل الإمبراطورية تتصرف بعاطفة دينية وتاريخية لا بعقل استراتيجي. وهنا يكمن السؤال الحقيقي: ما الذي سلب أمريكا قدرتها على التمييز بين المصلحة والحقيقة؟ ومن الذي يقنعها، جيلاً بعد جيل، بأن خلاصها يمرّ عبر الدفاع عن إسرائيل مهما كلف الثمن؟
أولًا: إسرائيل – مشروع زرع استعماري في قلب المنطقة العربية
إسرائيل لم تولد من رحم التاريخ الطبيعي للمنطقة، بل وُضعت فيها كما تُغرس نبتة غريبة في تربة لا تخصها. لم تكن نتيجة تطور حضاري، ولا ثمرة صيرورة اجتماعية أو اقتصادية، بل اختراع سياسي بقرار إمبريالي بحت. وُقّع وعد بلفور سنة 1917 كأنما كان صكًّا بنقل قطعة من أوروبا إلى الشرق، لا حبًّا باليهود، بل استخدامًا لهم في لعبة السيطرة.
لقد كان الهدف أوضح من أن يُخفى: إنشاء كيان وظيفي يقوم بدور الحارس الدائم للمصالح الغربية في المنطقة العربية. كيان يقطع الجغرافيا العربية إلى نصفين، ويفصل مشرقها عن مغربها، ويمنع قيام أي وحدة أو استقلال حقيقي. لم تُزرع إسرائيل في فلسطين لأنها “أرض الميعاد”، بل لأنها أرض الموقع، ملتقى المتوسط والبحر الأحمر، القلب الذي يمكن التحكم به للتحكم بكل الجسد العربي.
منذ اللحظة الأولى، أدّت إسرائيل دورها بإتقان مذهل: دولة صغيرة بجيش كبير، مهمتها ليست أن تكون وطنًا بل أن تبقى خنجرًا. هي الثكنة المتقدمة للغرب في الشرق، رأس الحربة العسكرية والسياسية والثقافية في وجه أي مشروع تحرري عربي أو إسلامي. حتى بعد تراجع الإمبراطوريات الاستعمارية التقليدية، ظلت إسرائيل امتدادًا وظيفيًا لها، تنتقل من رعاية بريطانية إلى رعاية أمريكية، دون أن تتغير طبيعتها أو وظيفتها.
والأدهى من ذلك أن الغرب لم يكتفِ بزرعها، بل منحها شرعية أخلاقية مقلوبة، إذ تحولت الضحية الحقيقية (الشعب الفلسطيني) إلى متهم دائم، والمعتدي إلى رمز للحداثة والديمقراطية. هكذا اكتمل النموذج: احتلال مغلّف بالأسطورة، وعدوان مغسول بلغة القيم.
إن إسرائيل ليست “دولة طبيعية” بالمعنى السياسي، بل مشروع هندسة جيوسياسية صُمّم بعناية ليعيد تشكيل المنطقة على مقاس القوة التي أنشأته. هي أداة، لا غاية. وحين تُفهم على هذا النحو، يمكن إدراك سرّ بقائها رغم كل تناقضاتها، وسرّ تعلق الغرب بها رغم انعدام قيمتها المادية. فوجودها ليس مسألة حدود أو أيديولوجيا، بل مسألة وظيفة: أن تبقى قاعدة دائمة تمنع الشرق الأوسط من أن يستقر أو يستقل.
ثانيًا: لماذا تكرّس أمريكا طاقتها لإسرائيل؟
لا يمكن لأي تحليل منطقي أن يفسّر كيف تُسخّر قوة عظمى كأمريكا جزءًا ضخمًا من مواردها وسمعتها الدولية لخدمة دولة صغيرة بلا ثقل اقتصادي أو ديمغرافي ولا جيوسياسي حتى.
ومع ذلك، ظل الدفاع عن إسرائيل بندًا ثابتًا في كل إدارة أمريكية منذ عقود، حتى غدا إجماعًا فوق حزبي لا يجرؤ أحد على كسره. هذه المفارقة ليست نتاج عاطفة سياسية، بل نتيجة منظومة نفوذ معقّدة أعادت صياغة مفهوم “المصلحة الأمريكية” نفسها، حتى باتت تتماهى مع المصلحة الإسرائيلية.
- من تحالف المصلحة إلى سردية القداسة
منذ الخمسينيات، روّجت المؤسسة الأمريكية لفكرة أن إسرائيل تمثل “الركيزة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”، وهي صياغة أيديولوجية أكثر منها استراتيجية.
تحوّلت إسرائيل في المخيال السياسي الأمريكي إلى مرآة أخلاقية للغرب: رمز الحداثة في محيط “شرقي فوضوي”. وبهذا جرى تبرير أي دعم، مهما كان الثمن، تحت شعار “الدفاع عن الديمقراطية”.
النتيجة أن الولايات المتحدة لم تعد تقيم سياستها في الشرق الأوسط على أساس المصالح الواقعية – النفط، الاستقرار، التجارة – بل على أسطورة أخلاقية تجعل إسرائيل رمزًا للفضيلة نفسها، وكل من ينتقدها يصنّف ضمن “أعداء الحضارة”.
- هندسة النفوذ داخل القرار الأمريكي
لم تعد المسألة مجرد لوبي ضغط، بل بنية تأثير مؤسسية تمتد أذرعها من الكونغرس إلى الجامعات ومراكز التفكير والإعلام.
منذ السبعينيات، أسست منظمات مثل ايباك AIPAC ورابطة مناهضة التشهير (ADL ) وThe Washington Institute شبكة تمويل وسياسات وإعلام متكاملة تعمل على تثبيت سردية واحدة للصراع العربي–الإسرائيلي.هذه الأدوات ليسوا مجرد جماعات ضغط، بل شبكة نفوذ مؤسسية تضغط على السياسة الأمريكية داخليًا عبر التمويل، الإعلام، والإطار القانوني.
أصبح السياسي الأمريكي يعلم أن أي خروج عن “الإجماع الإسرائيلي” يعني عزلة فورية في الإعلام، وانقطاع التمويل الانتخابي، وتهمًا جاهزة بمعاداة السامية. وهكذا وُلدت رقابة ذاتية عميقة داخل الطبقة السياسية، لا يفرضها القانون بل الخوف من الإقصاء.
أمثلة عديدة تؤكد ذلك: أعضاء في الكونغرس مثل Paul Findley وCynthia McKinney وCharles Percy خسروا مواقعهم بعد مواقف ناقدة لإسرائيل؛ صحافيون وأكاديميون استُبعدوا من مؤسسات كبرى بعد تصريحات اعتُبرت “غير ودّية” لتل أبيب.
- التحالف الإعلامي–الاقتصادي
تتحكم المؤسسات الإعلامية الكبرى وشركات الإنتاج الثقافي في الولايات المتحدة في رسم صورة العالم أمام الرأي العام. ومع مرور العقود، نجحت النخب الموالية لإسرائيل في تحويل هذه المنصات إلى أداة ترويج دائم لرواية واحدة: إسرائيل دولة محاصَرة تدافع عن نفسها، والعرب تهديد وجودي دائم.
في المقابل، حُجبت الرواية الفلسطينية والعربية، أو قُدمت في سياق أمني يجرّدها من بعدها القانوني والإنساني. هذا التحيز لا يفسّر فقط انحراف السياسة الخارجية الأمريكية، بل أيضًا الجهل الشعبي الأمريكي الفادح بطبيعة الصراع.
وحين تتكرر هذه الرواية في الإعلام والسينما والجامعات، تتحول إلى وعي جمعي مبرمج يصعب نقضه، لأن المجتمع يُغذَّى بالرمز نفسه جيلاً بعد جيل.
- الدين كأداة تعبئة سياسية
في العمق الثقافي الأمريكي، وبالأخص لدى التيار الإنجيلي المحافظ، ترسّخ اعتقاد بأن دعم إسرائيل واجب ديني، بل شرط روحي لخلاص الأمة.
أكثر من 70 مليون أمريكي إنجيلي يرون في إسرائيل تحقيقًا لنبوءة توراتية، ويصوّتون بناء على هذا الإيمان. ولهذا يصبح الخطاب السياسي في واشنطن محكومًا بـهالة لاهوتية تجعل من إسرائيل قضية إيمانية، لا سياسية.
السياسيون يدركون أن مهاجمة هذا الإيمان تعني خسارة قاعدة انتخابية هائلة، فيتجنبون المساس به حتى عندما يتعارض مع المصلحة القومية.
هكذا تقدّس التحالف: من شراكة سياسية إلى عقيدة تُعامل كجزء من الهوية الأمريكية نفسها.
- ثمن الارتباط: عبء لا حليف
منذ السابع من أكتوبر 2023، أنفقت الولايات المتحدة أكثر من 30 مليار دولار لدعم إسرائيل عسكريًا، بينها مليارات لأنظمة دفاع لم تُختبر إلا في صراع واحد.
لكن التكلفة الحقيقية ليست مالية فقط؛ إنها تآكل المصداقية الأمريكية في العالم. فالدولة التي ترفع شعار “حقوق الإنسان” تموّل سياسات الاحتلال والاستيطان، وتبرر الحروب الجماعية باسم الدفاع عن “الحليف الديمقراطي”.
إنها مفارقة تُعرّي ازدواجية أخلاقية لم تعد تخفى على أحد، وتُفقد واشنطن مكانتها كقوة “قائدة للنظام الدولي”.
لقد تحوّلت إسرائيل من “أصل استراتيجي” إلى عبء استراتيجي يستهلك موارد أمريكا، ويقيد حركتها، ويفرض عليها الدفاع عن سياسات لا تصبّ في صالحها الاقتصادي أو الأمني.
ومع كل أزمة جديدة في الشرق الأوسط، يتضح أن أمريكا لا تدير سياستها بل تُقاد إليها.
ثالثًا: طبقة النفوذ – كيف تمت هندسة الارتباط؟
لم تكن العلاقة بين واشنطن وتل أبيب ثمرة “تحالف طبيعي” بين ديمقراطيتين، كما تروّج الخطابات الرسمية، بل نتيجة هندسة ممنهجة لبنية النفوذ داخل الدولة الأمريكية نفسها.
فقد جرى، منذ منتصف القرن العشرين، تشييد منظومة متكاملة من التأثير تعمل على ثلاثة محاور مترابطة: السياسي، الإعلامي–الاقتصادي، والديني–الثقافي.
والنتيجة أن الولايات المتحدة لم تعد فقط حليفًا لإسرائيل، بل امتدادًا سياسيًا لنفوذها الداخلي.
- النفوذ السياسي المنظّم: من التمويل إلى صناعة القرار
كما أشرنا الى ذلك سابقا، نجحت جماعات الضغط المؤيدة لإسرائيل، في بناء شبكة نفوذ معقدة داخل الكونغرس والإدارة الأمريكية.
تعتمد هذه الشبكة على تمويل الحملات الانتخابية، وتقييم المرشحين بناء على مواقفهم من إسرائيل، واستخدام الإعلام لتشكيل صورة “السياسي الصديق” و”السياسي المعادي”.
لقد تحوّل دعم إسرائيل إلى شهادة ولاء سياسي. من يعارض التمويلات العسكرية أو ينتقد السياسات الإسرائيلية يواجه خطر الإقصاء من المشهد السياسي.
ولم تعد الرقابة تفرض من فوق، بل من داخل النظام السياسي ذاته؛ إذ بات السياسي الأمريكي يمارس الرقابة على نفسه خوفًا من الوصم بمعاداة السامية أو الخروج عن “الإجماع الوطني”.
تتجاوز قوة هذا النفوذ فكرة الضغط المباشر إلى إعادة صياغة الخطاب السياسي الأمريكي. في الحملات الانتخابية، يُطرح الأمن القومي الأمريكي بوصفه امتدادًا للأمن الإسرائيلي، ويُربط “الخطر على إسرائيل” بتهديد مباشر للمصالح الأمريكية، حتى في ملفات لا صلة لها بالشرق الأوسط.
- التحالف الإعلامي–الاقتصادي: هندسة الوعي لا مجرد تغطية
من الصعب فهم رسوخ الانحياز الأمريكي لإسرائيل دون النظر إلى الدور الذي لعبه الإعلام والاقتصاد الثقافي في ترسيخ الرواية الإسرائيلية.
في العقود الأخيرة، تداخل رأس المال الإعلامي مع رأس المال السياسي، بحيث أصبحت كبريات المؤسسات الإخبارية ومراكز التفكير تسير وفق سردية واحدة للصراع:
إسرائيل دولة محاصرة تدافع عن نفسها، والفلسطينيون تهديد دائم للأمن الإقليمي.
في كل حرب أو تصعيد، تُستخدم المفردات نفسها: “الدفاع الذاتي”، “مكافحة الإرهاب”، “التهديد الوجودي”، في حين تُمحى الكلمات التي تشير إلى الاحتلال أو الاستيطان أو التهجير اوالابادة.
إنه تصميم لغوي متعمد يغيّر إدراك الرأي العام، لا مجرد خطأ في التغطية.
هذا التحكم في اللغة جعل النقاش الأمريكي حول إسرائيل محكومًا بمفردات محددة مسبقًا.
وحين يُسيطر الخطاب، يُسيطر الوعي. هكذا غدت إسرائيل، في المخيلة الشعبية الأمريكية، تجسيدًا للضحية الأبدية، لا للفاعل السياسي الذي يملك جيشًا واحتلالًا ونظامًا استيطانيًا.
وقد عززت هوليوود بدورها هذا التصور، من خلال مئات الأفلام التي أعادت إنتاج صورة “البطل الإسرائيلي” و“الإرهابي العربي”، لترسخ في اللاوعي الجمعي هرمية أخلاقية تبرر الانحياز السياسي.
- البعد الديني–الثقافي : من الإيمان إلى التشريع
أما الركيزة الثالثة – والأعمق أثرًا – فهي التحالف الديني–الثقافي بين الفكر الصهيوني والتيار الإنجيلي الأمريكي.
منذ بدايات القرن العشرين، رُسخت في الوعي البروتستانتي فكرة أن قيام إسرائيل تحقيق لنبوءة توراتية تمهّد “لعودة المسيح”.
هذا الإيمان اللاهوتي لم يبقَ في الكنائس، بل تسلل إلى الكونغرس والبيت الأبيض.
الرئيس الأمريكي Harry Truman، الذي اعترف بإسرائيل عام 1948، قال بوضوح: “لقد فعلت ما أمرني به الرب”.
ومنذ ذلك الحين، صار دعم إسرائيل جزءًا من الهوية السياسية للمحافظين الإنجيليين الذين يشكلون اليوم قاعدة انتخابية تفوق 70 مليون ناخب.
هكذا تحوّلت العلاقة مع إسرائيل من تحالف مصالح إلى التزام عقائدي.
ولأن العقيدة لا تُناقش بل تُؤمن، صار أي نقد لإسرائيل يُقرأ كإهانة للإيمان ذاته.
النتيجة أن السياسة الأمريكية باتت مشدودة إلى محور لاهوتي–انتخابي يجعلها أسيرة مزيج من المعتقد والخوف، لا من الحسابات الواقعية.
هذه العقيدة تُترجم اليوم إلى قوانين وتشريعات: عشرات الولايات الأمريكية تبنّت قوانين تُجرّم مقاطعة إسرائيل، في سابقة غير معهودة في تاريخ التشريعات الأمريكية.
بهذا المعنى، أصبح الإيمان اللاهوتي سياسة دولة، وحُوّلت المعتقدات الدينية إلى أدوات ضغط داخلية تقيّد حرية التعبير والسياسة الخارجية في آن واحد.
- النتيجة: دولة داخل الدولة
من تفاعل هذه المستويات الثلاثة – السياسي، الإعلامي، الديني – وُلدت ظاهرة فريدة:
تغوّل نفوذ دولة صغيرة على قلب القرار الأمريكي.
إسرائيل لا تملي الأوامر رسميًا، لكنها تمسك بخيوط السردية والتمويل والشرعية.
وما كان يفترض أن يكون تحالفًا متوازنًا أصبح تبعية أيديولوجية مغلفة بخطاب “القيم المشتركة”.
الولايات المتحدة، التي قامت على مبدأ استقلال القرار والسيادة العقلانية، تجد نفسها اليوم تُبرّر جرائم موثقة دوليًا، وتدفع مليارات الدولارات لدعم سياسات تُضعف مكانتها العالمية.
وبدل أن تكون إسرائيل أداة لخدمة المصالح الأمريكية في الشرق الأوسط، أصبحت أمريكا هي الأداة لحماية المشروع الإسرائيلي من الانكشاف والمساءلة.
رابعًا: المجتمع الأمريكي بين الخداع والخوف
المفارقة الصادمة أن المجتمع الأمريكي، الذي يقدّم نفسه للعالم بوصفه الأكثر حرية ووعيًا، يعيش واحدًا من أكبر أشكال الخداع الجمعي في التاريخ السياسي الحديث.
فمعظم الأمريكيين لا يدركون حجم الانحراف في سياسات حكوماتهم تجاه الشرق الأوسط، لأنهم محاصرون داخل منظومة وعي مُوجّهة، تُحدّد لهم ما يجب أن يعرفوه، وكيف يجب أن يشعروا، ولمن يجب أن يتعاطفوا.
الإعلام، الذي يفترض أنه سلطة رابعة، تحوّل إلى غرفة صدى ضخمة تكرّر الرواية الرسمية نفسها: إسرائيل الضحية الأبدية، والعرب مصدر الخطر الدائم.
في نشرات الأخبار، في الأفلام، في الكتب المدرسية، تُعاد صياغة الوعي الأمريكي يومًا بعد يوم وفق منطق بسيط ومضلّل: الخير في جانب، والشر في الآخر.
وهكذا، جرى بناء حاجز معرفي يفصل المواطن الأمريكي عن الحقائق الميدانية، ويمنعه من رؤية التناقض بين القيم التي يتغنّى بها وواقع سياسات بلاده.
لكن الخداع وحده لا يكفي لتفسير الصمت الأمريكي الواسع.
فما يغذّي هذا الخداع ويُثبّته هو ثقافة الخوف المزروعة بمهارة في الوعي الجمعي.
منذ سبعينيات القرن الماضي، جرى تحويل تهمة “معاداة السامية” من توصيف قانوني لحماية الأقليات الدينية إلى سلاح أيديولوجي يُشهر في وجه كل من يتجرأ على مساءلة إسرائيل أو نقدها.
وبهذا، تمّ إخضاع النقاش العام داخل أمريكا لا بالقمع المباشر، بل بالرعب المعنوي.
الأستاذ الجامعي الذي ينتقد الاحتلال يُطارد بتهمة الكراهية.
الصحافي الذي يكتب تقريرًا موضوعيًا عن غزة يُتهم بانحياز سياسي.
الطالب الذي يرفع لافتة تطالب بالعدالة للفلسطينيين يُفصل من جامعته أو يُدرج اسمه في قوائم سوداء.
بهذه الطريقة، لم تعد الرقابة أداة سلطة حكومية، بل أصبحت رقابة مجتمعية تطوعية يمارسها الأمريكيون على أنفسهم خوفًا من النبذ أو التشويه أو فقدان الوظيفة.
إنّ هذا المناخ من الترهيب الثقافي حوّل المجتمع الأمريكي إلى رهينة خطاب واحد، لا يجرؤ على اختراقه إلا قلّة من الأصوات المستقلة.
ولأن الخوف دائم، تحوّل إلى نمط تفكير: المواطن الأمريكي العادي يتجنب طرح الأسئلة التي قد تهزّ “الطمأنينة المصطنعة” التي يعيش داخلها.
وهكذا، تمّ تدجين مجتمع كامل — لا عبر القمع، بل عبر إعادة برمجة الضمير.
في العمق، لم تعد المشكلة في الجهل بالمعلومة، بل في تحييد القدرة على التفكير النقدي.
فالحقائق موجودة، والوثائق متاحة، لكن الجرأة على رؤيتها مفقودة.
لقد نجحت ماكينة الدعاية في تحويل إسرائيل من قضية سياسية إلى تابو مقدّس، حتى بات انتقادها يعادل التجديف في وعي كثير من الأمريكيين.
إنّ هذا الوضع يكشف خللاً أخلاقيًا وفكريًا عميقًا في صلب الحضارة الأمريكية المعاصرة:
حضارة تقدّس حرية التعبير في الخطاب، لكنها تخنقها في الممارسة حين تقترب من المسألة الإسرائيلية.
وما لم يُكسر هذا الطوق الخفي من الخداع والخوف، فلن تتمكن الولايات المتحدة من رؤية نفسها بصدق، ولا من استعادة عقلها السياسي من قبضة الدعاية التي كبّلته.
خامسًا: نتائج هذا الاختلال — حين تفقد القوة عقلها
إنّ استمرار هذا الانحراف في العلاقة بين واشنطن وتل أبيب لم يعد مجرد خلل دبلوماسي، بل أصبح مرضًا بنيويًا ينخر في صميم الدولة الأمريكية.
لقد انعكست نتائجه على أربعة مستويات متداخلة: القرار، والمصداقية، والاقتصاد، والسيادة نفسها.
- تآكل استقلال القرار الأمريكي
لم تعد واشنطن تتصرف وفق ما تراه صالحًا لمصالحها القومية، بل وفق ما تعتبره تل أبيب مقبولًا.
في كل أزمة شرق أوسطية، تتحرك الإدارة الأمريكية كردّ فعل على خطاب الحكومة الإسرائيلية، لا كمبادر مستقل.
الأخطر من ذلك أن أجهزة الدولة الأمريكية — من الكونغرس إلى البنتاغون — باتت تتعرض لضغوط مباشرة من أطراف مرتبطة بالمؤسسة الإسرائيلية، عبر القنوات السياسية والإعلامية والمالية.
هذا التداخل جعل القرار الأمريكي في قضايا المنطقة مكبّلًا بشروط خارجية، حتى غدا الدفاع عن إسرائيل بندًا فوق سيادة الدولة الأمريكية نفسها.
- سقوط المصداقية الأخلاقية
لقد بنت الولايات المتحدة، منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، صورتها كـ”حامية للقانون الدولي” و”صوتٍ للحرية”.
لكن دعمها غير المشروط لإسرائيل، رغم ما يرتكبه الاحتلال من انتهاكات موثقة، جعل تلك الشعارات قشرة لفظية تغطي ازدواجية فادحة.
حين تموّل واشنطن الحروب التي تدينها في الأمم المتحدة، وتبرر الانتهاكات التي تعاقب عليها دولًا أخرى، فإنها تفقد حقها الأخلاقي في قيادة العالم.
لم تعد أمريكا تمثل “الحرية”، بل “الانتقائية الأخلاقية” التي تبرر كل ما يخدم حليفها، مهما كان الثمن الإنساني والسياسي.
- استنزاف اقتصادي وسياسي
منذ السابع من أكتوبر 2023، أنفقت واشنطن أكثر من 30 مليار دولار لدعم إسرائيل عسكريًا، في وقت يواجه فيه الداخل الأمريكي أزمات تضخم وبطالة وتراجع في الخدمات.
إنها أموال تُنزف خارج الحدود لتغذية صراع لا نهاية له.
وكلما تورطت أمريكا أكثر في الدفاع عن إسرائيل، تراجع موقعها في الجنوب العالمي، وتآكلت ثقة حلفائها الأوروبيين والآسيويين بها كقوة متزنة.
لقد أصبحت إسرائيل بالنسبة للولايات المتحدة استثمارًا خاسرًا سياسيًا واقتصاديًا، يدفعها نحو عزلة دولية متزايدة.
- من الحليف إلى العبء — المساس بالسيادة الأمريكية
ما كان يُقدّم بوصفه “تحالفًا استراتيجيًا” تحوّل إلى عبء سيادي.
فقد تجرأت إسرائيل، في أكثر من مناسبة، على تجاوز حدود الشراكة لتتدخل في الشأن الأمريكي الداخلي.
عمليات التجسس التي كشفتها الصحافة — مثل قضية الجاسوس جوناثان بولارد الذي سلّم لإسرائيل معلومات استخباراتية سرية من داخل البحرية الأمريكية — ليست حادثًا عابرًا، بل إشارة إلى اختلال في ميزان القوة داخل التحالف نفسه.
بل وصل الأمر إلى استخدام ضباط أمريكيين سابقين في حملات ضغط على وزارة الدفاع (البنتاغون) لتبرير صفقات تسليح أو تغطية عمليات عسكرية تخدم المصالح الإسرائيلية أكثر مما تخدم أمن أمريكا.
بهذا المعنى، لم تعد إسرائيل “الحليف الصغير” الذي تحميه القوة العظمى، بل الشريك الجريء الذي يملي على القوة العظمى أولوياتها.
سادسًا: الترياق — كيف يمكن تصحيح المسار؟
إنّ الخروج من هذا الارتهان لا يمرّ عبر شعارات عاطفية، بل عبر إعادة بناء الوعي الأمريكي من الداخل.
فالمشكلة ليست فقط في إسرائيل، بل في البنية التي سمحت لها أن تتحوّل من حليف إلى مركز ثقل داخل القرار الأمريكي.
والتحرر من هذا الوضع يتطلب ثورة فكرية ومؤسسية، تقودها الفئات الحية في المجتمع الأمريكي — الأكاديميون، الصحافيون، النقابيون، والمفكرون المستقلون ، الطلبة — الذين يملكون القدرة على إعادة تعريف الوطنية الأمريكية بعيدًا عن الولاءات الخارجية.
- تحرير النقاش العام
لا يمكن تصحيح المسار ما لم يُكسر احتكار الرواية الواحدة.
ينبغي أن يُفتح المجال العام أمام النقاش الصريح حول العلاقة مع إسرائيل بوصفها قضية سياسية لا دينية، تُخضع للمساءلة مثل أي علاقة دولية أخرى.
الإعلام والمؤسسة الاكاديمية مطالبان باستعادة استقلالهما، لا كأدوات معارضة بل كمنصات وعي، تُعيد للعقل الأمريكي قدرته على رؤية الحقائق دون وساطة أيديولوجية.
إنّ كسر “التابو الإسرائيلي” هو الخطوة الأولى نحو استعادة حرية الفكر التي قامت عليها أمريكا نفسها.
- إعادة تعريف المصلحة الأمريكية
على الولايات المتحدة أن تعود إلى منطق الدول الكبرى:
دعم ما يخدم السلام، لا ما يبرر الاحتلال.
أن تكون العلاقة مع إسرائيل علاقة مصالح متبادلة، لا ولاءً أعمى لمشروع أحادي.
هذا يتطلب شجاعة في مراجعة السياسات الخارجية، ووضع محددات واضحة لذلك. فالمصلحة الأمريكية لا تُقاس بما يرضي حليفًا، بل بما يحقق أمن وازدهار الشعب الأمريكي نفسه.
- فصل الدين عن السياسة الخارجية
أخطر ما شوّه العلاقة بين واشنطن والعالم هو اللاهوت السياسي الذي تسلل إلى القرار.
دولة حديثة مثل أمريكا لا يمكن أن تُدار وفق سرديات توراتية أو وعود دينية.
لقد آن الأوان لإعادة الدين إلى مجاله الطبيعي — الضمير الفردي — وفصل النصوص المقدسة عن حسابات الاستراتيجية.
حين تتحرر السياسة الأمريكية من القداسة الزائفة، ستستعيد عقلها البراغماتي الذي جعلها ذات يوم قادرة على إدارة التوازنات بدل الانجرار وراءها.
نحو وعي جديد
إنّ تصحيح المسار يعني تحرير أمريكا من عبء الوهم الذي كبّلها لعقود.
إنه نداء لإعادة بناء السردية الأمريكية على أسس المصلحة والعدل، لا على الخوف والأسطورة.
وحين يدرك الأمريكيون أن القوة الحقيقية ليست في حماية “دولة صغيرة” بل في حماية قيمهم الكبرى من الابتذال والتناقض، عندها فقط يمكن أن تبدأ صحوة جديدة — صحوة أمة تستعيد وعيها، وتعود إلى العالم كقوة عقل لا كقوة عمياء.
خاتمة
العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل اليوم ليست مجرد تحالف خارجي، بل اختبار صارخ لعقلانية الدولة الأمريكية نفسها.
فدولة تُضع سياسات دولة أخرى فوق مصالحها الوطنية، لا تفقد استقلالها السياسي فحسب، بل تتآكل معنويًا وأخلاقيًا، ويصبح القرار الأمريكي رهينًا لسردية خارجية وللقوى الداخلية التي تفرضها.
تصحيح هذا المسار يعني استعادة التوازن المنطقي والسيادي للقرار الأمريكي.
إنه يعني أن تُقاس العلاقات الدولية بالمصلحة القومية، لا بالولاءات العقائدية، ولا بالخوف المزروع، ولا بالدعاية المهيمنة.
إنه يعني أن يُتاح للرأي العام الأمريكي أن يرى الواقع بلا رقابة، وأن يُمارس المسؤولية السياسية دون تهديد أو وصاية.
هذا هو الترياق الحقيقي لخلل طال أمده: جرعة صادقة من الشجاعة الفكرية، وجرأة على مواجهة الحقائق، وقرار بالتحرر من التأثيرات التي حولت القوة العظمى إلى تابع.
فالأمة التي تستعيد وعيها، وتعيد السياسة إلى عقلها، هي وحدها القادرة على أن تعود قوة فاعلة وحقيقية، لا مجرد صوت مكرّر لسرديات الآخرين.




