
بقلم: د. محمد السنوسي..
لم تعد الجرائم الإسرائيلية في غزة مجرد وقائع مأساوية في سجل صراع طويل، بل باتت تكشف عن تحول نوعي في طبيعة العنف الصهيوني. نحن أمام ما يمكن تسميته بـ”هاوية الوحشية الجديدة“، وهي ليست تعبيرًا بلاغيًا، بل وصف تحليلي لبنية عنف عقائدية/ممنهجة، تستبطن مشروع إفناء شامل، لا يستهدف الإنسان الفلسطيني كعدو سياسي، بل كـ”فائض بشري” يجب شطبه من معادلة الوجود.
- مفهوم “الهاوية”: انحدار القيم نحو العدم
تحليل مصطلح “الهاوية” كما ورد في هذا السياق لا ينتمي إلى اللغة المجازية أو الشعرية، بل يُمثّل مفهومًا تحليليًا مركزيًا لفهم التحول النوعي في طبيعة العنف الصهيوني. نحن لا نتحدث فقط عن عنف مفرط أو فاشية مستترة، بل عن انهيار كامل للمعايير الأخلاقية والإنسانية، وتحول الكيان الصهيوني إلى فضاء وجودي بلا قاع، بلا ضمير، بلا حدود.
أولًا: “الهاوية” كسقوط أخلاقي كامل
مصطلح “الهاوية” لا يُشير إلى حدث مفاجئ، بل إلى منحدر استراتيجي عميق، ينزلق فيه الفاعل السياسي – هنا الكيان الصهيوني – من كل المعايير التي تضبط الفعل في إطار القانون الدولي الإنساني أو الأخلاق الكونية.
فعندما تُباد أسر بكاملها في غزة، وتُمنع سيارات الإسعاف من المرور، وتُقصف المدارس والمساجد، وتُقطع الكهرباء والماء، ويُجوع الناس، وتُحوّل المستشفيات إلى أهداف حربية، فإن ما نواجهه ليس عملية عسكرية بل إلغاء للشرط الإنساني في جوهره. لم يعد الفلسطيني يُرى كخصم سياسي أو كيان قومي، بل كجسم فائض يجب شطبه بيولوجيًا من الخارطة.
وهنا يكمن جوهر “الهاوية”: نحن أمام دولة أعادت تعريف الحرب على أنها فعل تطهيري، يستهدف الوجود لا المواقف، الهوية لا الفعل، ويُمارس القتل كواجب وجودي لا كخيار سياسي.
ثانيًا: عنف المشروع لا عنف الظرف
لا بد من الإشارة إلى أن هذا الانحدار الوحشي ليس انفعالًا ظرفيًا نتيجة عملية طوفان الاقصى أو غيرها، كما يُروج. بل هو امتداد بنيوي لطبيعة المشروع الصهيوني منذ لحظاته الأولى. وقد جاءت نشأته على يد عصابات مثل “الهاجانا” و”الأرغون” و”شتيرن”، التي تأسست في ظل الانتداب البريطاني، واشتغلت على فرض الواقع بالقوة من خلال عمليات:
- الاغتيال السياسي (مثل اغتيال اللورد موين)
- المجازر الجماعية (دير ياسين، الطنطوره..).
- التهجير القسري (الخطة دالت، 1948)
هنا يتبدّى أن “الدولة الإسرائيلية” لم تُبْنَ كدولة قانون، بل كـ امتداد وظيفي للعصابات المسلحة التي تلبست لاحقًا لباس الدولة: جيش، استخبارات، شرطة… وكلها تأسست على قاعدة واحدة: الإرهاب بوصفه أداة لتفريغ الأرض وإحلال شعب محل شعب.
ثالثًا: التركيبة العقائدية للفعل الصهيوني
لا يمكن فهم الهاوية دون تفكيك المنظومة الفكرية والعقدية التي ألهمت هذا المشروع. الصهيونية، في جوهرها، لم تكن يومًا حركة قومية بحتة، بل أيديولوجيا هجينة جمعت بين:
- الأساطير التلمودية التي تُمجّد التطهير الديني والجغرافي (كما في إبادة الكنعانيين في سفر يشوع).
- والفكر الاستئصالي الأوروبي الذي ترسّخ خلال صعود النازية، واستُورد منه خطاب “تفوق العرق”، و”حق الأمة المختارة” في أن تكون فوق القانون.
من هذا المنظور، يمكن القول إن الصهيونية دمجت بين أسوأ ما في ذاكرة اليهود الاضطهادية، وأسوأ ما في العقل الغربي الإمبريالي/الفاشي، وخلقت بذلك كيانًا يرى في وجوده مبررًا لإبادة الآخر.
رابعًا: هندسة المجتمع على أسس العسكرة والعقيدة
حين نُمعن النظر في “المجتمع الإسرائيلي”، نجد أن الأمر لم يقتصر على بناء جيش أو أجهزة مخابرات، بل على إعادة تشكيل الوعي اليهودي المهاجر ضمن بنية استيطانية إحلالية مبرمجة:
- جُلب اليهود من أوروبا الشرقية، من اليمن، من العراق، من أثيوبيا، من المغرب … ودُجّنوا ضمن رؤية “الآخر العربي كتهديد وجودي”.
- المُؤسسة التربوية غرست في الطفل “أن كل أرض تطؤها قدمه هي ملكه، وكل من يرفض ذلك، إرهابي يجب شطبه”.
- الخدمة العسكرية لم تكن فقط تدريبًا أمنيًا، بل تكوينًا أيديولوجيًا على العنف باعتباره أداة بقاء.
هكذا تحوّل المجتمع الإسرائيلي من تجمع مهاجرين، إلى مجتمع قُدّت هويته من خيوط التوراة السياسية، وأنياب التاريخ الأوروبي الأسود.
خامسًا: من هاوية الهمجية إلى تفكيك خطابها
ما يجب فهمه بعمق هو أن “الهاوية” ليست فقط ما يحدث في غزة اليوم، بل ما يتم تبريره، وتدريسه، والسكوت عنه، وتقديمه للعالم بوصفه طبيعيًا. لذلك، لا يكفي أن نُدين المجازر، بل يجب أن:
- نفكّك خطاب الوحشية الصهيونية، ونُسقط أسطورة “الدولة الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط”.
- نُعرّي الفاشية العقائدية التي ترى في الفلسطيني مجرد “عدد زائد” أو “تهديد ديموغرافي”.
- نُفضح التواطؤ الغربي الذي يُديم هذا العنف ويموّله، سواء بالصمت، أو بالدعم العسكري، أو بالإعلام المنحاز.
في المجمل، يمكن القول، انه إذا استمرت البشرية في التعايش مع هذا النوع من “الوحشية المنهجية”، فإننا نُكرّس نموذجًا جديدًا للعالم ما بعد الأخلاق: عالم يُبرّر فيه القتل بالأساطير، وتُصنّف فيه المجازر كـ”إجراءات دفاعية”.
إسرائيل اليوم تُجسّد هاوية الوحشية الجديدة، ولكن خطرها لا يقتصر على الفلسطينيين، بل يُهدد الإنسان كقيمة، والقانون كمرجعية، والتعايش كإمكانية.
ومن هنا، فإن محاربة هذه الهاوية ليست فقط مهمة الفلسطيني، بل واجب كوني، يُحدّد من يستحق البقاء في سجل الإنسانية، ومن قرّر أن يدفن نفسه طواعية في قاع التاريخ.
2. هاوية الوحشية الجديدة: الصهيونية كعقيدة إبادة شاملة
إن تحليل الوحشية الصهيونية في زمن غزة لا يقف عند حدود الإدانة، ولا يتوقف عند رصد الجرائم، بل يستوجب مقاربة بنيوية واستشرافية، تكشف كيف تحوّل هذا الكيان من مشروع سياسي استعماري إلى منظومة إبادة متكاملة، يتضافر فيها الدين المحرّف مع الوظيفة الأمنية، والخيال التوراتي مع الآلة العسكرية، والدعم الدولي مع التواطؤ الإعلامي. لم نعد أمام “ردود فعل” أو “أخطاء في التقدير”، بل أمام منظومة إنتاج موت، تشبه النازية من حيث الشكل، وتتفوق عليها في قدرتها على التنكر والتبرير والتكرار بلا مساءلة.
الوحشية هنا ليست لحظة انفلات، بل هي نظام. عقيدة متأصلة تتغذى من نصوص دينية محرّفة، يُعاد تأويلها في المدرسة والجيش والسياسة، لتصوغ مشهدًا قاتمًا يُعطى فيه الضوء الأخضر لقنص الأطفال وقصف المستشفيات، لا بوصفها تجاوزات، بل كأعمال مشروعة في خدمة “أمن الدولة اليهودية”. أساطير مثل “أرض الميعاد” و”إبادة الكنعانيين” تحولت من روايات توراتية إلى دلائل عملياتية تُدرس وتُطبق. القتل هنا مبرّر لاهوتيًا، محمي سياسيًا، وممول دوليًا.
أما المفارقة الأكثر فتكًا، فهي انتقال الصهيونية من موقع الضحية إلى تمثيل دور الجلاد. الكيان الذي بُني على أنقاض “ذاكرة المحرقة” استنسخ أدواتها، وأعاد إنتاج معسكرات العزل، وأسلاك الحصار، وخطاب “الخطر الوجودي”، ليحوّل الفلسطيني إلى يهودي أوشفيتز جديد، يُعزل، يُجوّع، يُقتل، ثم يُطلب منه أن يعتذر. غزة اليوم لا تختلف عن غيتو وارسو، لكن الفرق أن العالم الذي صرخ حينها، يمول السكين هذه المرة.
الأخطر أن هذه الوحشية ليست جسدية فقط، بل رمزية أيضًا. فالهدف لم يعد الجسد وحده، بل الرواية. يجري تفكيك اللغة، شيطنة المفردات، وتحريف المعاني: المقاومة تصبح إرهابًا، الدفاع عن النفس يصبح عدوانًا، والضحية يُصوَّر كجلاد. الإعلام العالمي لا يغطي المأساة، بل يعيد إنتاجها بلغة مزيّفة تُحوّل المجازر إلى “حق سيادي”، وتجعل من الاحتلال “أمرًا واقعًا”. إنها إبادة مزدوجة: جسد يُمزق، وسرد يُشوَّه.
السكوت الدولي، في هذا السياق، ليس صمتًا عابرًا، بل تواطؤ صريح. حين تُقصف المدارس أمام عدسات العالم، وتُدفن الجثث تحت الأنقاض، وتُبرَّر المجازر في مؤتمرات العواصم الكبرى، فإن الجريمة لم تعد فعلًا محليًا بل أصبحت بنية كونية. وهنا تصبح الآية القرآنية فاضحة:﴿ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ مِنۢ بَعْدِ مَا بَيَّنَّـٰهُ لِلنَّاسِ فِي ٱلۡكِتَٰبِۙ أُوْلَٰٓئِكَ يَلۡعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلۡعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾ (البقرة: 159). هذه الآية لا تلعن القاتل فقط، بل تلعن من كتم، من أخفى، من سوّى بين الجلاد والضحية.
هذه الوحشية لا تهدد الفلسطينيين فقط، بل تهدد مجمل البناء الأخلاقي للعالم الحديث. فإذا تم قبول ما يجري في غزة على أنه “جزء من صراع”، فهذا يعني انهيار القانون الدولي، وانهيار إنسانية المؤسسات الأممية، وانطفاء ما تبقى من الضمير العالمي. الصمت لم يعد حيادًا. التواطؤ لم يعد خفيًا. الدعم السياسي والعسكري المباشر يجعل من “العالم الحر” شريكًا فاعلًا في أكثر مشاريع التطهير العرقي وقاحة في التاريخ الحديث.
في مواجهة هذا، تصبح المقاومة متعددة الوجوه: نعم، هناك مواجهة بالسلاح، لكن الأهم هو تفكيك أسطورة الدولة الصهيونية. علينا أن ننزع عنها قناع “الطبيعية”، ونسقط أسطورة “الاستثناء اليهودي” الذي يحصنها من النقد، ونفضح تحالف الدين المحرّف بالقومية العنصرية، ونُعيد تأطير الصراع باعتباره معركة إنسانية كونية ضد التوحش المنظم.
الصهيونية ليست دولة تسعى للسلام، بل مشروع دموي ممتد. ليست تعبيرًا عن “حق تاريخي”، بل عن نكوص ميتافيزيقي يتغذى من ذاكرة مضطهدة ليصنع اضطهادًا جديدًا. وكل من يسكت، أو يتواطأ، أو يبحث عن التوازن بين القاتل والقتيل، هو شريك في هذه الجريمة التي لم تعد تطلب من العالم الاعتراف بها… بل تمارسها علنًا، وتطلب التصفيق.
غزة اليوم ليست فقط ضحية. إنها مرآة. من لم يرتجف ضميره أمامها، فقد سقط من شرف التاريخ. ومن لم يسمِّ الوحشية باسمها الحقيقي، لم يكن مجرد متخاذل… بل انضم إلى جوقة الجلادين.
- . استنتاجات استراتيجية استشرافية ما بعد “هاوية الوحشية الجديدة”
بناءً على تفكيك بنية الوحشية الصهيونية، وتجلياتها الرمزية والفيزيائية، وتواطؤ السياق الدولي معها، يمكن الخروج بـ استنتاجات استراتيجية واستشرافات غير مسبوقة تتجاوز رد الفعل إلى الفعل التأسيسي، وتحاول إعادة تعريف طبيعة المواجهة، وموقع فلسطين في المعادلة الحضارية العالمية، ووجهة الصراع في الزمن القادم:
- نهاية وهم القانون الدولي:
لم تعد المواثيق الأممية صالحة كمظلة للقيم أو كضامن لحقوق الإنسان، ما يعني أن النظام العالمي القائم على مفهوم “الدولة القانونية” قد انهار فعليًا أمام أول مجزرة بثّ مباشر يُبرَّر باسم “حق الدفاع”. الاستشراف هنا يحيلنا إلى صعود منطق جديد في العلاقات الدولية:
🔻 من شرعية القانون، إلى شرعية القوة العارية.
وعلينا في هذا السياق أن نُعيد بناء أدواتنا، لا وفق ما ينبغي أن يكون، بل وفق ما هو آتٍ: عالم بلا مرجعية إنسانية، إلا من يفرضها بالفعل، لا بالنصوص. - غزة بوصفها نقطة ارتكاز كونية جديدة:
لم تعد غزة مجرد مدينة محاصرة، بل تحوّلت إلى نقطة فرز حضاري. إنها اليوم ليست جغرافيا فلسطينية، بل مرآة أخلاقية للعالم. ومن هنا فالدفاع عن غزة لم يعد دعمًا لقضية، بل دفاعًا عن شرط استمرار الإنسان ككائن أخلاقي.
✅ الاستشراف السياسي هنا يوجب تحويل غزة من رمز للمظلومية، إلى مركز لمشروع مقاوم عابر للحدود، يتقاطع فيه النضال التحرري مع بناء منظومة بديلة للقيم الكونية. - الصهيونية: من مشروع استعمار إلى نمط حضاري للسيطرة:
المشروع الصهيوني لم يعد استعمارًا استيطانيًا محصورًا في فلسطين، بل صار نموذجًا عامًا يُراد تعميمه على بقية العالم:
▪️ التحكم عبر التضليل.
▪️ الشرعنة عبر الدين.
▪️ العنف المؤسسي كمصدر للشرعية.
وهي مواصفات نجدها اليوم تتسرب إلى دول كبرى، وإلى شبكات تكنولوجيا المراقبة، وخطابات اليمين المتطرف في الغرب.
🔻 الاستشراف هنا يحذّر من عالم قادم تُصبح فيه الصهيونية نموذجًا لنظام السيطرة العالمي الجديد… إذا لم يُهزم في قلبه: فلسطين. - اللغة: ساحة المعركة المقبلة
طالما أن الإبادة تُمارس أيضًا بلغة نظيفة، وأن الطفل القتيل يُسمى “درعًا بشريًا”، فإن المعركة الرمزية باتت أولوية. المطلوب اليوم ليس فقط كشف الجريمة، بل تفكيك اللغة التي تخفيها.
✅ الاستشراف الاستراتيجي يقتضي:- تأسيس خطاب عالمي بديل، يعيد تعريف المصطلحات.
- تحرير الحقل اللغوي من احتكار بروباغندا القوة.
- بناء شبكة خطابية مقاومة تشارك فيها نخب العالم.
- فلسطين ليست ملفًا… بل اختبار حضاري عالمي:
من لا ينهض اليوم مع فلسطين، لن ينهض مع أي مظلوم في العالم. فالمعركة لم تعد فقط حول الحق التاريخي، بل حول مستقبل “الإنسانية كقيمة”.
🔻 الاستشراف هنا يُعيد تصنيف الصراع الفلسطيني: ليس فقط صراعًا مع الاحتلال، بل صراعًا ضد مستقبل يُعاد فيه تشكيل العالم على مقاس الإبادة الناعمة.
ولهذا، فإن دعم فلسطين يجب أن يتحول إلى:- محور لبناء تحالف عالمي جديد.
- نقطة توحيد بين قوى الشعوب المستضعفة.
- مركز لتجديد المشروع الأخلاقي الكوني.
- نحو دبلوماسية أخلاقية موازية:
الأنظمة الرسمية فشلت، والمؤسسات الدولية صمتت، والصمت صار جريمة موثقة. من هنا، يجب الانتقال إلى صيغة جديدة من الفعل:
🔸 دبلوماسية شعبية – حقوقية – ثقافية- علمية عالمية، تتجاوز العواصم إلى الضمائر.
تُبنى على:- تحالف شبكي بين نخب فكرية وفنية وصحفية وأكاديمية.
- استهداف الرأي العام العالمي لا الحكومات فقط.
- توثيق الجرائم وبناء أرشيف رقمي، قانوني، أخلاقي، عابر للحدود.
- حسم الاصطفاف: لا مناطق رمادية بعد اليوم
منطق “الحياد” سقط. نحن أمام معادلة صارمة:
🔴 إما أن تكون مع الضحية بوضوح، أو تصير جزءًا من الجريمة بصمتك.
والاستشراف هنا لا يعني التنبؤ فحسب، بل إنتاج أدوات جديدة للفعل، للخطاب، وللمواجهة.
✅ خلاصة استشرافية:
«هاوية الوحشية الجديدة» ليست مجرد لحظة مأساوية في تاريخ الصراع الفلسطيني–الصهيوني، بل هي إعلان غير رسمي عن دخول العالم مرحلة ما بعد الأخلاق. إنها اللحظة التي تسقط فيها آخر الأقنعة، وتُحوَّل فيها الدولة القاتلة إلى حامل لشرعية الدفاع عن “النظام الدولي”، بينما يُشيطن المظلوم ويُحاسب على حقه في البقاء.
ما يجري في غزة ليس نموذجًا استثنائيًا. بل هو بروفة مفتوحة لمستقبل دموي قد يُعمم. مستقبل لا يُقاس فيه الإنسان بمكانته الأخلاقية، بل بمدى توافقه مع خرائط الهيمنة. إذا لم يتم كسر هذا النموذج الآن، فسيُكرَّر لاحقًا في:
- القرن الإفريقي ضد الشعوب المهمشة.
- جنوب شرق آسيا ضد الأقليات غير المتماهية مع الأجندات الغربية.
- داخل الغرب نفسه ضد كل من يُصنَّف كـ”تهديد داخلي” ثقافي أو ديني.
غزة، إذًا، ليست “حدثًا فلسطينيًا” محليًا، بل نافذة استشراف كاشفة لمسار العلاقات الدولية إذا ما استسلمت لمنطق “حق القوة” بدلًا من “قوة الحق”. فهي تمثل نموذجًا تحذيريًا لما قد تؤول إليه المنظومة العالمية حين يُستبدل العدل بالغلبة، والشرعية بالهيمنة، والمواثيق الإنسانية بالإفلات من العقاب. ما يجري في غزة يُنذر بتحول خطير: من نظام دولي يفترض أنه قائم على القانون والعدالة، إلى عالم بلا ضوابط، تُدار فيه المجازر كقرارات سيادية، ويُكافأ فيه القاتل بالصمت الدولي والدعم السياسي. وهذا ما يجعل من صمود غزة لحظة مفصلية تتجاوز الجغرافيا، لتُصبح اختبارًا لضمير البشرية جمعاء، ولإرادة الحفاظ على المعايير الأخلاقية التي بُنيت عليها فكرة التعايش الإنساني بعد الحرب العالمية الثانية. هذا معناه:
- صعود صهيونية عالمية ما بعد الدولة
الكيان الصهيوني، كما نعرفه، لن يظل محصورًا في فلسطين. بل ستتحول “العقيدة الصهيونية” إلى منظومة فكرية/أمنية عابرة للحدود، تُوظّف:
- التكنولوجيا (الذكاء الاصطناعي، المراقبة الرقمية).
- الأمن السيبراني
- التحالفات الدينية والسياسية مع اليمين المتطرف وقوى الهيمنة الجديدة.
كل ذلك لإعادة تشكيل العالم على نمط «دولة حصار» كونية.
- نهاية الشرعية الأخلاقية للديمقراطيات الغربية
بوقوفها الصريح مع الإبادة، لم تعد الديمقراطيات الغربية تحتفظ إلا بواجهة قيمية فارغة. وهذا سيُعجّل:
- بنهاية ما يسمى بـ”القيادة الأخلاقية للعالم”
- بنهوض تكتلات جنوب–جنوب جديدة، تبني شرعية بديلة قائمة على مقاومة التوحش، لا على محاكاته
- بروز المقاومة الرمزية كأولوية استراتيجية
في ظل اختلال ميزان السلاح، ستكون المعركة المقبلة في:
- اللغة
- المفاهيم
- الرموز
- تمثلات الضحية/الجلاد
- القانون الدولي البديل
هذه المعركة الرمزية ليست ترفًا، بل أحد آخر خطوط الدفاع عن المعنى.
- تشكل ضمير كوني مضاد
غزة تُعيد تشكيل خريطة الضمير الإنساني، حيث:
- المثقف الحر يقف مع الحياة لا مع البيانات.
- الإعلامي الشريف يُخاطب التاريخ، لا قنوات التمويل.
- الأكاديمي المستقل يُفكك المفاهيم لا يبرر المجازر.
هذه القوى، إذا ما تناغمت عالميًا، ستُشكّل نواة ضمير كوني بديل، يفتح الطريق لنظام عالمي جديد، غير خاضع للابتزاز الأخلاقي الصهيوني والغربي.
إذا لم تُهزم الوحشية الصهيونية اليوم — رمزيًا، أخلاقيًا، قانونيًا، وميدانيًا — فسنعيش في زمن يصبح فيه القتل الذكي فضيلة، والسكوت بطولة، والمقاومة جريمة عالمية.
حينها، لن تُقصف غزة فقط… بل سيُقصف معناها.




