بيان الوعي المقاوم: حين يسقط الحياد الاخلاقي

اُستُنزِفنا في تحليل ما يفعله العدو، ونسينا أن نواجه ما يفعله الصمت بنا

بقلم: د. محمد السنوسي..

في زمنٍ تُمارَس فيه الإبادة جهارًا، وتُقصف فيه براءة الطفولة تحت عدسات البث المباشر، لم يعد للحياد مكان، ولم يعد للصمت غطاء. لقد سقط القناع، وظهر وجه العدو بلا مساحيق، لكن الأخطر من وجه العدو، هو عيوننا التي لا تريد أن ترى، وضمائرنا التي تعودت أن “تفهم كل شيء”… ثم لا تفعل شيئًا.

ما تفعله إسرائيل اليوم في غزة ليس مجرد حرب، بل فصل دموي من فصول الانقراض السياسي والأخلاقي لكل من لا يزال يبرر، أو يصمت، أو يبحث عن صياغة “معتدلة” للإدانة.

هنا، لم نعد أمام مجرّد وصف لعدوان، بل أمام لحظة تفكيك عميقة لوعيٍ تآكلت مفرداته، وخُدّر تحت وقع الواقعية السياسية، حتى صار يرى في المجازر “جزءًا من اللعبة”. هذه ليست لعبة. هذه محرقة تُنقل على الهواء، ومعها تُحرق شرعيتنا نحن كأمة.

كفى تكيّفًا… لقد انتهى زمن الحياد

نحن لا نحتاج إلى بيان شجب جديد. نحن بحاجة إلى انقلاب جذري في الوعي. لا يمكن أن نستمر نناقش المذابح كأننا نحلل سوق الأسهم. العدو تجاوز كل منطق، ونحن لم نعد نملك ترف التفسير… بل وجوب النصرة والانحياز.

وإذا كان الزمن قد صقل فينا القدرة على الاحتيال اللغوي، فإن هذه اللحظة تقتلع منا تلك الحيَل. نحن أمام سؤال صارخ كحد السكين:

أين نقف؟ ومع من؟

وليس هذا السؤال من باب العاطفة، بل من صميم الفقه الأخلاقي والسياسي للأمة.

شرعنة الغضب… لا استثمار الفوضى

إن تأسيس خطاب جديد لا يعني الانزلاق في العشوائية، بل يعني بناء موقف يرتكز على فقه الغضب الشرعي، لا جنونه، وعلى استدعاء المصطلحات الكبرى التي طال تغييبها عن اللسان والوجدان:
الجهاد، النصرة، الولاء، العدو.
مصطلحات كانت تُحاكم بتهمة التطرف، وها هي اليوم تعود بشرعية الدم، وبفصاحة النار، وبتوقيع التاريخ.

هذه ليست كلمات قديمة أُعيد تدويرها. بل هي بذور وعي جديد، وخارطة عبور من عصر الانكسار إلى زمن الفعل. نحن لا نطالب بعودة الجهاد فقط كمفهوم شرعي، بل كمركز ثقل في تشكيل القرار الجمعي، والخطاب السياسي، ونمط الاصطفاف الحضاري.

تفكيك الخديعة… واسترداد المعنى

لقد اُستُنزِفنا في تحليل ما يفعله العدو، ونسينا أن نواجه ما يفعله الصمت بنا. العدو لم يعد بحاجة لتبرير مذابحه، يكفيه أن تظل النخب صامتة، والأنظمة متواطئة، والشعوب مشوشة.

وهنا، تُكسر المعادلة الخطيرة التي تريدنا ضحايا بلا غضب، أو شهودًا بلا موقف. ما يجري اليوم ليس فقط احتلال أرض، بل احتلال سرديّ للمعنى، واغتيال ممنهج للرموز، وتشويه دائم للمفاهيم. وكل ما لا يُفكّك يُعاد إنتاجه كأداة ترويض.

ولهذا، فإن استعادة المصطلحات المخذولة ليست ترفًا لغويًا، بل فعل مقاومة رمزي وفكري، يقلب الطاولة على قاموس الواقعية الذي جعل الخيانة “سيادة”، وجعل النكوص “حكمة”، وجعل الصمت “توازنًا”.

بيان تأسيسي في زمن التعرية

الآن، نحن في مرحلة تُستدعى فيها الكلمات الأخيرة، القرارات الفاصلة، الخطابات التي لا تُكتب لتُقرأ بل لتُعاش.
لا يكفي أن نستنكر، بل يجب أن نشرعن النفير، نُؤصّل الغضب، ونعيد الاعتبار للفريضة التي جُرّدت من معناها: الجهاد.

ليس بالضرورة أن يكون الجهاد بندقية. لكنه حتمًا لا يمكن أن يكون تغريدة رمادية، أو منشورًا يائسًا، أو صلاةً بدون موقف.
إنه الاصطفاف في خندق الوضوح، حيث لا توجد مناطق رمادية.

نحو لحظة صدق شاملة: من الانفعال إلى الفعل، ومن الشعارات إلى الوعي

لم تعد اللحظة التي نعيشها مجرّد اختبار سياسي، بل هي امتحان وجودي شامل، يكشف الشقوق العميقة في البنية النفسية والثقافية والروحية للعالم العربي والإسلامي. فما حدث — وما زال يحدث — في غزة ليس حدثًا طارئًا، بل مرايا حارقة تعكس أزمتنا نحن، لا فقط مأساة شعب محاصر.

أولاً : أزمة وعي قبل أن تكون أزمة سياسة

إن ما تعرّيه المجازر ليس فقط إفلاس الأنظمة، بل إفلاس السرديات الكبرى التي ظلّت تُرَوَّج في المجتمعات العربية والاسلامية :

  • سردية “الواقعية السياسية” التي برّرت الصمت والتطبيع.
  • سردية “الحكمة” التي تساوي بين الحذر وبين الخيانة.
  • سردية “الحياد” التي تتظاهر بالنزاهة بينما تُعقّد جراح الضحية.

هذه السرديات لم تعد كافية حتى لتخدير الضمير. لقد تجاوزها الدم، وهزمتها الحقيقة المجردة. وما نحتاجه اليوم هو تفكيك جذري لهذه البُنى الرمزية التي كبّلت العقل العربي.

ثانيًا : لحظة غزة كـ”كشف حساب أخلاقي

غزة ليست فقط جغرافيا أو حالة طوارئ. إنها أصبحت:

  • محرارًا أخلاقيًا يفضح الشرعيات الزائفة.
  • نقطة فرز حاسمة بين من بقيت له بصيرة، ومن باع إنسانيته.
  • كاشفًا حاسمًا لموقع كل فرد وكل مؤسسة وكل نظام من سؤال الحق والعدالة.

إن الموقف من غزة لم يعد يُقاس بعدد البيانات، بل بجرأة الانحياز. وكل صمت اليوم هو صمت موصوف، يُسجل في محكمة التاريخ، ويُلعن في نصوص الوحي.

قال تعالى:
﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ ٱلْبَيِّنَٰتِ وَٱلْهُدَىٰ… أُوْلَٰٓئِكَ يَلْعَنُهُمُ ٱللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ ٱللَّٰعِنُونَ﴾
(البقرة: 159)

الآية هنا ليست وعيدًا دينيًا فقط، بل تأطير وجودي لطبيعة المعركة: من يكتم الحقيقة، يُقصي نفسه من فضاء النور، ويصبح شريكًا في الظلمة.

ثالثًا : من مقاومة السلاح إلى مقاومة المعنى

حين نُعيد تعريف المقاومة، لا نقفز على المقاومة المسلحة أو نختزلها. بل نُكملها. نحن بحاجة إلى:

  • مقاومة معرفية تُفكك الخطاب المروّض والمُفرّغ.
  • مقاومة رمزية تعيد تحرير المفاهيم (الصبر، الجهاد، الواقعية، الخوف، النصرة، الخ.)
  • مقاومة روحية تعيد بناء الوجدان الجمعي الذي انطفأ أو خُدّر.

المقاومة ليست فعلًا مؤقتًا، بل هوية. ليست ردّ فعل، بل بناء بديل. لهذا نحتاج اليوم إلى فقه جديد للمقاومة:

  • فقه لا يرى في الجهاد عنفًا، بل تحرّرًا.
  • لا يرى في الصبر خنوعًا، بل إصرارًا.
  • لا يرى في الواقعية قبولًا بالهزيمة، بل وعيًا بطبيعة الصراع.

رابعًا: المعابر كرمز لا كحدث — من الحصار الجغرافي إلى الحصار الأخلاقي

ما يجري عند معابر غزة ليس مجرد حدث إنساني مؤلم، بل هو مشهد رمزي فاضح، تتكثف فيه أزمة الأمة بكاملها. المعابر لم تعد نقاط عبور، بل نقاط انكسار. لم تعد ممرات إنقاذ، بل مرايا عميقة تكشف الحقيقة العارية، وتضع الجميع أمام امتحان لا مجال فيه للمناورة أو الإنكار.

المعابر كمرايا للأنظمة : سقوط قناع السيادة

المعابر هي اليوم المختبر الحقيقي لشرعية الأنظمة:

  • فكل نظام يدّعي السيادة، تُكذّبه وقائع الحصار الذي يجري تحت سمعه وبصره.
  • وكل خطاب عن “الكرامة الوطنية” يسقط حين يُمنع الجرحى من عبور بوابة، أو تُدفن طفلة على عتبة حدود مغلقة.
  • المعبر هو السؤال الذي لا يُمكن الإجابة عنه بالبيانات، بل بالأفعال فقط.

أصبح الموقف من فتح المعابر أو إغلاقها مقياسًا وجوديًا:
إما أن تكون الحاكم الذي يملك قراره، أو أن تكون مجرد حاجب لدى المحتل.

المعابر كمرآة للمجتمعات : لحظة فرز للضمير الجمعي

لم تعد المعابر تكشف فقط عن سياسات الدول، بل عن ضمائر الشعوب أيضًا:

  • من يحتجّ لصورة طفل يموت على بوابة المعبر، هو من بقي له قلب.
  • من يصمت بحجة “عدم التدخل”، هو من اختار أن يخلع جلده الإنساني.
  • من يُبرّر الإغلاق بحسابات السياسة، هو من فقد بوصلة الأخلاق.

المعبر هنا لا يُحاصر الجسد فقط، بل يُحاصر الفكرة والكرامة والذاكرة. كل لحظة انتظار أمامه هي شهادة إدانة لمن يملك المفاتيح ويغلق الأبواب.

المعابر كحدود فاصلة : بين ما تبقى من إنسان وبين ما تآكل من آلة

في لحظة المجازر، يتحوّل المعبر إلى حدود أخلاقية فاصلة:

  • بين من ينحاز إلى المستضعف، ومن يساوي بين الضحية والجلاد.
  • بين من يرى المعبر بوابة نجاة، ومن يراه أداة ضغط ومساومة.
  • بين من بقي إنسانًا، ومن تحوّل إلى جهاز بيروقراطي بلا روح.

المعبر، بهذا المعنى، هو أداة تشخيص للداء العميق: داء التواطؤ الذي لم يعد صامتًا فقط، بل بات يُدار عبر “إجراءات رسمية” و”ختم إداري” و”أوامر سيادية”، كأنّ الموت صار يحتاج إلى تنسيق.

المعابر ككاشف للتاريخ : مَن سيُذكَر؟ ومن سيتحوّل إلى لعنة؟

في زمن لاحق، سيُسأل الناس:

  • من فتح بواباته حين استنجدت غزة؟
  • من أغلقها بينما كانت المجازر ترتكب؟
  • من استعمل المعبر كسلاح، لا كمنفذ للرحمة؟

الزمن سيخلّد أسماءً بفتحها، وسيلعن أخرى بصمتها أو تواطئها. فالمعابر اليوم ليست فقط موقعًا جغرافيًا، بل نصًا تاريخيًا يُكتب أمامنا، وتُدوّن فيه أسماء من عبروا ومن أغلقوا، من أسعفوا ومن ساوموا.

المعبر كاختزال للانهيار الأخلاقي

المعبر هو رمز الحصار، نعم، لكنه أيضًا:

  • رمز لسقوط العروبة الرسمية.
  • رمز لفشل الشرعية السياسية.
  • رمز لموت الإنسان فينا.

وعليه، فإن المعبر في هذا النص لم يعد مجرد بوابة بين داخل وخارج، بل:

بوابة بين زمنين: زمن الخيانة المتنكرة في الواقعية، وزمن اليقظة الأخلاقية القادمة لا محالة.
بوابة بين هويتين: هوية مأجورة بالسيادة الشكلية، وهوية منتمية لمعنى الأمة.
بوابة بين صورتين: صورة الأمة كما يجب أن تكون، وصورتها كما نراها في المرآة اليوم.

فهل نعبر المعبر — نحن — إلى أنفسنا؟
أم نظل واقفين على بوابات التاريخ، ننتظر دورنا في اللعنة القادمة؟

Bas du formulaire

خامسًا : نهاية التواطؤ الناعم

نحن لا نعيش فقط في زمن المجازر والتجويع المميت ، بل في زمن التواطؤ المُمَنهج، الذي لم يعد يُعلن نفسه كخيانة، بل يُلبسها لباس المصلحة والاتزان والحكمة. هنا:

  • التطبيع لم يعد خيانة سياسية فقط، بل صار خيانة للمعنى.
  • الصمت لم يعد ضعفًا، بل صار جريمة مشاركة.
  • الحياد صار انحيازًا للقاتل، حتى لو لم يُعلَن.

كل هذا يُحتّم علينا قطع الحبل السرّي مع من روّج هذه الخطابات، والبدء في كتابة بيان فكري جديد، يُعيد تأسيس الوعي.

خاتمة: نحو بيان تأسيسي للنهضة الأخلاقية

إن النصّ الذي تكتبه الأمة الآن — عبر دماء غزة — ليس نداءً عاطفيًا، بل نصًّا تأسيسيًا لنهضة معرفية وروحية وسياسية. لقد سقطت كل الأقنعة، ولم يبقَ سوى وجه الحقيقة المجردة، يسأل:

هل ما زلتم تؤمنون أن الحق حق؟
هل ما زال في عروقكم نبض يرفض أن يتعوّد؟
هل تجرؤون على تسمية الأشياء بأسمائها؟

في لحظة كهذه، لا ينفع الخطاب المهادِن. ولا يُجدي التوازن البارد.
ما نحتاجه هو بيان من نار، يُكتب:

  • بلغة الفعل لا التحليل فقط،
  • بلغة الانحياز لا الحياد،
  • بلغة إما… أو لا رمادية “ربما”.

إما أن نكون حيث المعنى يُصاغ، أو نُلقى في مزبلة التاريخ.

وما لم نكتب هذا النص في ضمير كل جيل، سيتحوّل الصمت إلى لعنة، والخذلان إلى ميراث.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى