نحو تصحيح المفاهيم قبل تصحيح السياسات: الدولة الاجتماعية بين الشعارات والواقع

تسعى الدولة الاجتماعية إلى القطع مع الامتيازات غير المشروعة

بقلم: د. محمد السنوسي..

في زمن تتكثف فيه الأزمات وتتسع فيه هوة اللامساواة، تُطرح المفاهيم الكبرى في النقاش العام بوصفها أدوات للإنقاذ وأفقًا للإصلاح. لكن في المغرب، يبدو أن بعض هذه المفاهيم، بدل أن تكون بوابة لتغيير حقيقي، أُفرغت من مضمونها وتحوّلت إلى خطاب مموَّه يُدير الأزمة بدل حلها.

في هذا المقال، أتناول بالنقد والمساءلة واحدًا من أبرز المفاهيم التي شاعت في الخطاب السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة، وهو مفهوم “الدولة الاجتماعية”. فقد بات هذا المصطلح يُستَخدم بكثافة ويُقدَّم كعنوان بارز لمرحلة يُنتظر منها أن تُحقق توازنًا اجتماعيًا جديدًا، وتُعيد الاعتبار لمبدأ العدالة، إلى جانب تصحيح الاختلالات المتجذرة في مجالات حيوية كالصحة والتعليم والتشغيل والحماية الاجتماعية.

لكن حين نتوقف عند السياق الذي يُروَّج فيه هذا المفهوم، وعند هوية من يرفعه على لسانه، سرعان ما يظهر التناقض الصارخ: نحن لا نعيش تحولًا في البنية الاقتصادية والسياسية للدولة، بل نعيش لحظة تسويقية لمشروع إصلاحي شكلي، تتجمّل فيه السياسات القديمة بألوان خطابية جديدة، فيما تستمر المصالح نفسها في إعادة إنتاج امتيازاتها.

إن أكبر مفارقة اليوم أن الخطاب حول الدولة الاجتماعية يُبشّر به ممثلون مباشِرون للرأسمالية الريعية في المغرب: فاعلون راكموا ثروات هائلة في قطاعات استراتيجية (المحروقات، العقار، الأبناك، التعليم الخاص…)، ويملكون نفاذًا مزدوجًا إلى السلطة الاقتصادية والسياسية، ويتمتعون بإعفاءات وتسهيلات يصعب تبريرها أخلاقيًا أو اقتصاديًا.

فكيف يمكن لمن بنى ثروته على بنية غير عادلة أن يحمل مشروع العدالة الاجتماعية؟ وكيف يُنتظر من مَن يحتكر مفاصل القرار أن يُطلق مشروعًا يعيد توزيع القوة والثروة؟ أليس هذا هو الوجه الأكثر وضوحًا لإعادة إنتاج الهيمنة تحت غطاء اجتماعي ناعم؟

ما نراه في الواقع هو عملية تأميم للخطاب”، لا تأميم للمصالح: تُستعار مفردات تقدمية من أدبيات الدولة الاجتماعية كما نشأت تاريخيًا في سياقات ما بعد الحرب، لكنها تُركّب على منظومة ليبرالية قائمة على:

  • خصخصة الخدمات العمومية الحيوية،
  • تجميد التوظيف العمومي،
  • إضعاف الاستثمار الاجتماعي المباشر،
  • وتشجيع شراكات مع القطاع الخاص دون مساءلة أو رقابة.

وهكذا تتحول الدولة من ضامن للعدالة إلى مُسهّل للرأسمال، ومن موزع للثروة إلى وسيط للربح.

إن المطلوب اليوم ليس فقط تفكيك هذا التناقض الصارخ، بل إعادة تعريف ما تعنيه الدولة الاجتماعية في السياق المغربي. فإما أن تكون مشروعًا جذريًا يعيد الاعتبار للعدالة التوزيعية والمواطنة الاجتماعية، أو تتحول إلى مجرد واجهة لغوية تُخفي استمرار منطق التفاوت الطبقي واحتكار القرار.

بهذه الروح، ينطلق هذا المقال: لا من رغبة في النقد من أجل النقد، بل من ضرورة كشف المفاهيم المغشوشة، وتصحيح المسارات قبل أن يُحسم مستقبل البلاد لصالح أقلية تستثمر في الأزمة، لا في الحل.

الدولة الاجتماعية في المغرب : أكبر خدعة تُسوّق للمواطنين !”

ما يُروَّج له اليوم في المغرب تحت مسمى “الدولة الاجتماعية” ليس سوى غلاف حريري لنظام خشن لا يؤمن إلا بتكريس الامتيازات وتوزيع الفُتات. هو خطاب مصقول بعناية، يُمرَّر بدهاء في الإعلام الرسمي والمنصات الحكومية، بينما الواقع يصرخ: لا عدالة، لا مساواة، لا كرامة. إنها خدعة محبوكة، لا تهدف إلى بناء مجتمع متضامن، بل إلى تهدئة الغضب، تأجيل الانفجار، وتلميع صورة نظام عاجز عن تحقيق أبسط شروط الكرامة للغالبية.

الدولة الاجتماعية، كما عرفتها الشعوب في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، لم تكن يومًا “مشروعًا تقنيًا”، بل ثمرة معارك اجتماعية طاحنة، دفع فيها العمال والفقراء ثمنا باهظا من أجل انتزاع الحق في الصحة، والتعليم، والسكن، والعمل، والعيش بكرامة. كانت مشروعًا تحرريًا بامتياز، عماده توزيع الثروة، فرض الضرائب التصاعدية على الأغنياء، وتوفير خدمات عمومية مجانية تُعامِل المواطن لا كرقم في قاعدة بيانات، بل ككائن له حقوق غير قابلة للتفويت.

في المغرب، يُقدَّم لنا “السجل الاجتماعي” وتعميم “التغطية الصحية” على أنها ثورة اجتماعية. لكن ما يجري في العمق لا يرقى حتى إلى إسعاف المصابين، ناهيك عن معالجة الأسباب. أين نحن من الضرائب على الثروة؟ من فرض ضرائب على المضاربة العقارية والأرباح الكبرى؟ أين نحن من مجانية التعليم والصحة؟ من أجور تحفظ كرامة العامل؟ الواقع أن الضغط الضريبي يُمارس على الفئات الضعيفة، بينما تُغدَق الامتيازات على الكبار. الخدمات العمومية تنهار أمام أعين الجميع، تُهمل المدارس والمستشفيات، وتُدفع الطبقات الوسطى والدنيا نحو براثن القطاع الخاص الجشع.

من يُدير “الدولة الاجتماعية” في نسختها المغربية؟ نخبة تكنوقراطية برجوازية لا صلة لها بحياة البسطاء. رجال ونساء لم يعرفوا الجوع، لم يختبروا الانتظار في طابور المستشفيات، ولا شعروا بالإهانة في مكاتب الإدارة. يصوغون السياسات في غرف مُعقّمة، ويتحدثون عن “الرؤية” و”الإصلاح” بلغة باردة لا تحرّك ساكنًا في حياة المنهَكين تحت ضغط الأسعار والبطالة وانعدام الأفق.

هل الدولة الاجتماعية تُبنى بإقصاء النقابات؟ بتجاهل صوت الشباب، والمعطلين، والنساء في الهامش، والفلاحين في البوادي؟ هل الدولة الاجتماعية هي أن نُحوّل كل حق إلى منتوج، وكل خدمة إلى صفقة، وكل علاقة إلى تعاقد فردي؟ لقد تحوّل مفهوم الدولة الاجتماعية إلى ستار دخاني، يُخفي انسحاب الدولة من التزاماتها، لا توسّعها. يُخفي إدارة الخوف، لا نشر الأمل.

قارنوا هذا المشهد بما يحدث في السويد أو الدنمارك أو حتى ألمانيا وفرنسا. هناك، تتحمل الدولة مسؤوليتها كاملة: ضرائب عادلة، خدمات صحية وتعليمية محترمة، حماية اجتماعية لا تستثني أحدًا، ومشاركة سياسية حقيقية للطبقات العاملة في صياغة القرار. في تلك الدول، الدولة لا تُدير الفقر، بل تُنهي أسبابه. في المغرب، نُدار نحن… مثل أرقام في ملف، أو مشكل يجب احتواؤه.

أخطر ما في هذه الخدعة أن من يُسوّقها هم أنفسهم من راكموا الثروات في ظل اقتصاد ريعي، لا يريدون تغييره بل تجميله. يتحدثون عن “العدالة” و”الإصلاح”، بينما يبنون لأنفسهم أسوارًا من امتيازات لا تطالها ضرائب، ولا يراقبها أحد. يتحدثون باسم الشعب دون أن يمنحوا الشعب صوتًا، ويدّعون القرب من الفقراء وهم لا يعرفون أسماء أحيائهم ولا آهاتهم.

في النهاية، كل ما يُقدَّم اليوم باسم “الدولة الاجتماعية” ليس سوى غطاء ناعم لإعادة إنتاج نفس المنظومة: دولة تحرس مصالح الكبار، وتُرقّع جراح الصغار. دولة تُسوّق الوهم، وتُعمِّق اللامساواة، وتُخدّر الوعي بخطابات براقة لا تُطعم جائعًا ولا تُداوي مريضًا. ولن يتحقق أي تحول حقيقي، ما لم تُقلب المعادلة: أن تُستعاد السلطة من يد نخبة مغلقة، إلى مجتمع حي يقرر مصيره. أن تُستبدل ديمقراطية الواجهة بديمقراطية حقيقية. أن يُعاد بناء الوطن لا على ركام الشعارات، بل على أسس العدالة، والكرامة، والحرية.

وحتى يتحقق ذلك، فلن تكون الدولة الاجتماعية سوى شعار مفرغ من مضمونه، يُستخدم للتضليل، لا للتحرير.

 الدولة الاجتماعية ليست مجرد شعار بل معركة من أجل التحول الجذري

إن الدولة الاجتماعية ليست ترفًا لغويًا ولا غلافًا بلاغيًا تُغلف به السلطة وعودها، بل هي مشروع تحولي عميق يستهدف البنية الاقتصادية والسياسية والاجتماعية للمجتمع. كل محاولة لتسويقها في غياب هذا العمق ليست سوى تزييف سياسي وأخلاقي للوعي، وذر للرماد في العيون. إن ما يُطرح اليوم في المغرب تحت هذا المفهوم لا يرقى بأي شكل من الأشكال إلى الدولة الاجتماعية كما نشأت تاريخيًا في أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، أو كما تجسدت في التجارب التقدمية لأمريكا اللاتينية في العقود الأخيرة.

من السوق إلى العدالة: جوهر التحول

أساس الدولة الاجتماعية هو قلب منطق السياسات العامة: من منطق السوق والربح والخصخصة، إلى منطق العدالة التوزيعية، والتدخل العمومي لضمان الحقوق الأساسية. هذا التحول لا يتم بالشعارات ولا بالقرارات التقنية المعزولة، بل بقرارات سياسية شجاعة تمس جوهر اللعبة الاقتصادية.

ففي النموذج النيوليبرالي الذي يسود المغرب، تسود المقاربة المحاسباتية بدل المقاربة الحقوقية. تُقاس فعالية الدولة بمدى تقليصها للنفقات، لا بمدى توفيرها للكرامة الاجتماعية. تتم خوصصة القطاعات الحيوية بحجة الفعالية، بينما الحقيقة أن الدولة تنسحب تدريجيًا من أدوارها، وتترك المواطن فريسة للقطاع الخاص المتوحش.

الإرادة السياسية الغائبة

الدولة الاجتماعية ليست ممكنة دون إرادة سياسية صلبة لتفكيك الامتيازات البنيوية. وهذا ما تغيب عنه السياسات العمومية المغربية اليوم. لا وجود لإصلاح ضريبي جاد يعيد التوازن بين رأس المال والعمل، بين الأغنياء والفقراء. الضرائب المباشرة والتصاعدية شبه غائبة، مقابل الاعتماد على ضرائب الاستهلاك التي تثقل كاهل الطبقات الدنيا.

حسب تقرير مجلس المنافسة لسنة 2023، فإن نحو 80% من الشركات في المغرب تصرّح بخسائر مالية مزمنة، في ما يشبه حالة عجز دائم، ما يكشف عن نمط تهرب ضريبي منظم، تمارسه بالأساس الشركات الكبرى تحت غطاء قانوني وإداري. في المقابل، تُشدّد الدولة الخناق على صغار التجار والمقاولين الذاتيين، وتُحمّلهم أعباءً ضريبية مرهقة، ما يجعل من النظام الجبائي أداة لشرعنة التفاوت لا لتقليصه. لسنا أمام عدالة ضريبية، بل أمام هندسة قانونية للظلم، حيث تُحاط الامتيازات بسياج تشريعي محكم، ويُدفع الثمن من جيوب الفئات الأكثر هشاشة، خدمةً لنخبة مالية صغيرة تحتكر السوق، والسلطة، والامتياز.

الانخراط الشعبي: الغائب الأكبر

ما يجعل النموذج المغربي بعيدًا كل البعد عن الدولة الاجتماعية هو غياب المشاركة الشعبية الحقيقية في صياغة السياسات. تُصاغ البرامج من أعلى، من مكاتب تكنوقراطية لا علاقة لها بالشارع، وتُفرض على المواطنين كحقن إجبارية. أين النقابات؟ أين منظمات الشباب؟ أين صوت الفلاحين، والنساء، والمعطلين، والطبقة الوسطى ؟ المشاركة تُختزل في آليات استشارية شكلية لا تُفضي لأي تأثير فعلي.

في التجربة الإسكندنافية، لا تُتخذ أي خطوة اجتماعية كبرى دون توافق بين الدولة والنقابات وأرباب العمل، لأن التماسك الاجتماعي هناك قائم على التفاوض لا الإملاء. في فنلندا أو السويد، تُعتبر النقابات فاعلًا مركزيًا، تراقب، وتفاوض، وتُحاسب. أما في المغرب، فالدولة تتعامل مع المجتمع ككتلة صامتة، يُفترض أن تستهلك ما يُصنع في المكاتب، دون مساءلة.

السياقات العالمية: من أوروبا إلى أمريكا اللاتينية

لنتأمل بعض التجارب المرجعية:

  • ألمانيا ما بعد الحرب: بعد دمار الحرب العالمية الثانية، انطلقت عملية إعادة الإعمار وفق نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي”، الذي جمع بين دينامية السوق وحماية اجتماعية صارمة. تم فرض ضرائب تصاعدية، وتأسيس نظام تأمين شامل، وتعزيز دور النقابات. لم تكن تلك الإصلاحات ممكنة دون اعتراف الدولة بمسؤوليتها عن إعادة توزيع الثروة.
  • السويد والنرويج: لم تكن مجرد دول غنية، بل دول اختارت منذ عقود مسار العدالة كركيزة للحكم. تمول خدمات الصحة والتعليم بالكامل من ضرائب مرتفعة تُفرض على الدخل والثروة، ويُعاد توزيع الناتج القومي بشكل يحد من التفاوتات الاجتماعية.
  • أمريكا اللاتينية: في بوليفيا تحت حكم إيفو موراليس، أو في البرازيل خلال فترة لولا دا سيلفا، تم دمج ملايين من الفقراء في الاقتصاد عبر سياسات دعم مباشر، وتأميم جزئي للموارد، وتعزيز التعليم والصحة العمومية. لم تكن تلك نماذج مثالية، لكنها كانت محاولات جادة لمواجهة النيوليبرالية ببدائل اجتماعية.

المغرب: النموذج المعكوس

ما يجري في المغرب لا علاقة له بهذا المسار. نُطبّق برامج “الحماية الاجتماعية” وفق منطق البنك الدولي: شبكات أمان فئوية، دعم مشروط، وتحويلات مالية محدودة، كل ذلك دون مساس بالبنية الاقتصادية الريعية، ودون فرض أي ضريبة جادة على الثروة أو الأرباح العقارية.

بل إن الواقع يكشف انسحابًا متسارعًا للدولة: خصخصة التعليم، مخاطرتفكيك أنظمة التقاعد، سوقنة الصحة، تقليص الإنفاق الاجتماعي. وفق تقرير للبنك الدولي (2022)، فإن المغرب يُنفق على التعليم أقل من المتوسط الإقليمي، ورغم تعميم التغطية الصحية، فإن 60% من الإنفاق الصحي يتم من جيوب الأسر، ما يفضح زيف المجانية.

المعركة المفهومية : بين التزييف والتحرير

مفهوم الدولة الاجتماعية هو مفهوم تقدّمي جذري في جوهره، يعيد تعريف العلاقة بين الدولة والمجتمع، بين السلطة والثروة، وبين المواطن وحقوقه الأساسية. بطبيعته، يناقض هذا المفهوم الطرح التقني البيروقراطي الذي يحوّل الدولة إلى جهاز إداري بارد، كما يناقض تمامًا المقاربة الرأسمالية الريعية التي تختزل الدولة إلى وسيط لخدمة مصالح مالية ضيقة. الدولة الاجتماعية ليست مجرد تقنية إدارية، بل هي اختيار سياسي طبقي جريء يقوم على قرار أن تكون الدولة في صف الأغلبية، في صف من يعمل لا من يملك. ليست مشروعًا يُصمّم في مختبرات تكنوقراطية أو تقارير خبراء، بل هي مشروع مجتمعي ينبثق من صراع تاريخي بين العمل ورأس المال، بين التراكم والعدالة. أما المقاربة التقنية فتفرغ الدولة من بعدها السياسي، وتحول الفقر والبطالة والمعاناة إلى معطيات إحصائية أو إدارية تُعالج عبر برامج جزئية معزولة، دون رؤية شاملة لتحويل بنية العلاقات الاقتصادية والاجتماعية.

تسعى الدولة الاجتماعية إلى القطع مع الامتيازات غير المشروعة من خلال ضرائب تصاعدية على الثروة والدخل، إلغاء الإعفاءات الجبائية غير المبررة، محاربة الاحتكار والمضاربة، وتوزيع عادل للفرص والموارد. أما المقاربة الرأسمالية الريعية، فتمضي في تكريس هذه الامتيازات عبر شركات لا تدفع ضرائب، لوبيات تهيمن على الأسواق، ونخب تعيد إنتاج نفسها في الاقتصاد والسياسة والإعلام، وطبقات تعتمد على المضاربة العقارية والمالية بدلاً من العمل والإنتاج. الدولة الاجتماعية في جوهرها تقف ضد منطق الامتياز الوراثي والريع المحمي، وتنتصر لمنطق الجدارة والعدالة الاقتصادية.

الدولة الاجتماعية تقدم رؤية شاملة للعدالة، لا حلولًا ظرفية قصيرة المدى مثل إعانات محدودة أو دعم مشروط أو رقمنة الخدمات. هي مشروع كامل لإعادة توزيع الثروة والسلطة، يشمل مجانية التعليم والصحة، حماية اجتماعية شاملة للعاطلين والمسنين والمرضى، أجرًا عادلاً وعملًا كريمًا، خدمات عمومية ذات جودة، ومشاركة ديمقراطية حقيقية في القرار. هي لا تدير الفقر فقط، بل تسعى لتفكيك أسبابه البنيوية.

تفترض الدولة الاجتماعية مشاركة شعبية حقيقية وليست تمثيلًا شكليًا أو قرارًا يصدر من فوق للنخب. في المقابل، تعمل الرأسمالية الريعية بمنطق “الاسترضاء من فوق” حيث تُتخذ القرارات في دوائر مغلقة بعيدًا عن النقابات والجمعيات والمواطنين. تجارب مثل الدول الإسكندنافية توضح أن القوة الحقيقية للدولة الاجتماعية تنبع من توازن حقيقي بين الدولة والمجتمع المدني.

الدولة الاجتماعية تضع الإنسان في مركزها، وتُخضع السوق لخدمة المجتمع لا العكس. في المقابل، تجعل المقاربة النيوليبرالية السوق سيدًا والإنسان مجرد مستهلك، حيث يتحول التعليم والصحة والسكن إلى سلع تُسوق وتُسعّر، مما يُفقد الإنسان كرامته. الدولة الاجتماعية لا تعادي السوق بحد ذاته، لكنها تفرض عليه قيم العدالة والمساواة وحق الحياة الكريمة، فتُضبط وفق معايير المجتمع، لا أن يخضع المجتمع لمصالح السوق.

مفهوم الدولة الاجتماعية ليس مجرد وصفة تقنية أو سياسة قطاعية، بل هو رؤية تقدمية شاملة تتناقض تمامًا مع المنطق الرأسمالي الريعي السائد. إنه مشروع يعيد الاعتبار للإنسان كمواطن له حقوق، يضع العدالة في قلب الاقتصاد، ويجعل الدولة أداة لتحرير الناس لا لتدجينهم. في زمن تتراجع فيه المفاهيم الكبرى إلى شعارات بلا مضمون، تصبح معركة الدولة الاجتماعية معركة أخلاقية وفكرية أيضاً: هل نبقي على المفهوم قناعًا يزين الواجهة؟ أم نعيد له روحه الأصلية كمشروع للتحرر الاجتماعي والعدالة الحقيقية؟

أخطر ما في خطاب الدولة الاجتماعية الذي يُسوّق اليوم في المغرب أنه يزيّف المفهوم نفسه ويحوّله إلى أداة تضليل سياسي تُستخدم لتبرير تدخلات شكلية وتدبير الهشاشة لا لتفكيك منظومة الظلم. هنا تصبح معركة المفهوم معركة سياسية بامتياز. هل نرضى بتحويل حلم العدالة إلى ديكور إداري، أم نعيد له معناه كمعركة شعبية لتحرير الإنسان من هيمنة المال والسلطة غير الخاضعة للمساءلة؟

الخلاصة

بناء الدولة الاجتماعية الحقيقي ليس مجرد شعارات أو وعود جوفاء، بل هو معركة حاسمة تنبني على ثلاثة أعمدة لا تقبل المساومة: عدالة ضريبية حقيقية، حيث يُفرض على الثروة والمضاربة الضرائب التصاعدية، ليُموَّل من خلالها مستقبل مشرق لخدمات عمومية تضمن الكرامة لكل إنسان؛ استعادة الدولة لدورها الفاعل، ليس كمنظّم بارد للسوق، بل كقوة استراتيجية تحمي الحقوق، وتساند الضعفاء، وتعيد التوازن للمجتمع بأكمله؛ وأخيرًا ديمقراطية تشاركية حقيقية، تعيد السيادة للشعب، تُشرك كل قوى المجتمع في صناعة القرار، لا تكتفي بالاستشارات الشكلية التي تُسوّق كتمثيل زائف.

ما يُسوَّق اليوم باسم “الدولة الاجتماعية” ليس سوى خدعة باهتة، قناع يخفي وراءه أزمة عميقة وجذرية؛ خطاب ينوّم الضمائر ويغري الناس بوهم التحول، بينما الحقيقة تقول إن الواقع لا يخرج من دائرة الوهم. وإذا لم تنهض قوى الشعب الحية في تحالف تاريخي يجمع بين شباب واعٍ، وعمال صامدين، وفلاحين مقهورين، ومثقفين ملتزمين وطبقة وسطى مستهدفة لاستعادة هذا المفهوم من قبضة سلطة المال التي استحوذت عليه، فسنبقى أسرى إدارة الفقر، عالقين في حلقة مفرغة من المعاناة، نعيش في وهم اجتماعي زائف، يخفي خلف بريقه جرحًا طبقيًا ينزف بلا شفاء.هذا هو نداء الحقيقة: إما أن نعيد للدولة الاجتماعية روحها الثورية، أو نستسلم لأن تصبح مجرد أسطورة تُروى في زمن الاحتياج، بينما تستمر المأساة على أرض الواقع.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى