الشباب المغربي والسياسة: من الصدام إلى التعبير البديل

قراءة استشرافية في التحولات والسياقات

بقلم: د. محمد السنوسي..

في زمنٍ تتعالى فيه الأصوات متسائلة عن “عزوف” الشباب المغربي عن السياسة، تبدو الإجابة الجاهزة مغرية: فقد الشباب اهتمامه. لكن الحقيقة أعمق وأكثر تعقيدًا. ما يُرى كابتعاد، ليس انقطاعًا، بل تحوّل جذري في معنى السياسة نفسها، في طريقتها، وفي فضاءاتها. فالشباب لم يغادر الساحة، بل غيّر تضاريسها، مفضّلًا التعبير عبر أدوات جديدة، ومسارات لم تعتدها الأحزاب والمؤسسات.

لفهم هذا التحوّل، لا بد من مقاربة تحليلية تنسج خيوط التاريخ، وتُصغي لتحولات المجتمع، وتتطلع إلى آفاق المستقبل. لأن ما يحدث ليس مجرد فتور سياسي، بل إعادة تشكيل حقيقية لتمثلات الفعل السياسي لدى جيل جديد لم يجد نفسه في اللغة الخشبية، ولا في نخب فقدت بوصلة المعنى.

الشباب المغربي لم يتخلَّ عن السياسة، بل انتزع منها أقنعتها المهترئة، وصاغها من جديد: سياسة رقمية، سريعة، عفوية، حادة حينًا، ساخرة حينًا، لكنها صادقة في كل الأحوال. من جمود الأحزاب إلى نبض الشوارع، ومن صمت المؤسسات إلى ضجيج المنصات… هنا يُعاد تعريف السياسة لا كممارسة سلطوية، بل كفعل مقاومة، كصرخة فردية تتحول إلى وعي جماعي.

من الحماسة الثورية إلى العزوف الواعي: ثلاث محطات شكلت الوعي السياسي المغربي الشاب

لم تكن علاقة الشباب المغربي بالسياسة علاقة خطية، ولا مجرد تقلب بين الحماسة والخذلان. بل هي مسار معقد، تتخلله الانفجارات، الانكسارات، ثم محاولات لإعادة البناء من رماد التجربة. ثلاث لحظات مفصلية ساهمت في تشكّل وعي سياسي فريد من نوعه، يشبه هذا الجيل، ويعكس هشاشته، وقوته، وجرأته في آنٍ معًا.

  1. زمن الحلم والصدام (1970–1985): حين كانت السياسة امتدادًا للهوية

في سبعينيات القرن الماضي، لم تكن السياسة ترفًا ولا مجرد خيار نخبوي، بل كانت معركة حياة أو موت. الشباب المغربي آنذاك لم يكن فقط يتعاطى السياسة، بل كان يعيشها كحالة وجودية، كجزء من تعريفه لذاته وهويته.

في الجامعات، في الأزقة، في الساحات… تشكلت نوى مقاومة فكرية أيديولوجية، تنهل من الماركسية، القومية، اليسارية، وتؤمن بأن التغيير ممكن، وواجب.

كانت الحركات الطلابية أشبه بخلايا حيّة تنبض بالغضب والوعي، وكان النضال النقابي مدعومًا بطموح جماعي لتقويض سلطات الاستبداد، وإعادة صياغة المشهد الاجتماعي والسياسي من الجذور.

لكن النظام لم يكن غافلًا. فجاء الرد عنيفًا: قمع، اختطاف، سجون، ومحاكمات قاسية. فكانت انتفاضة 1981 رمزًا لصدام دموي بين الدولة وشبابها، خلّف أثرًا نفسيًا لا يُمحى.

لم يكن التراجع خيارًا، بل كان قدرًا مؤلمًا فرضته القوة العارية. ومع ذلك، لم تُقتل الفكرة، بل دُفنت مؤقتًا تحت ركام الصدمة.

  •  زمن الانكسار والانكماش (1985–2000): حين تلاشى الأمل في التغيير من الداخل

دخل المغرب سنوات الرصاص، ولكنها كانت، للشباب، سنوات اللاجدوى. ساد شعور بأن السياسة لم تعد سوى مسرحية مكرّرة، بأبطال خذلوا جمهورهم، وأدوار لم تعد تُقنع أحدًا.

كان الانكسار مزدوجًا: من جهة، القمع السلطوي، ومن جهة أخرى، خيانة بعض القوى الحزبية لروح النضال بانخراطها في “اللعبة “. نشأ جيل جديد يرى في السياسة مؤامرة مستمرة على ذكائه، على مستقبله، على ذاكرته.

وهكذا، اختار كثيرون الانسحاب… لكن انسحابًا حذرًا، متأمّلًا، لا غافلًا. لم ينكفئ الشباب عن طرح الأسئلة، بل فقط توقف عن توجيهها للمنابر التقليدية. كان الصمت حينها موقفًا، لا ضعفًا.

وربما لأول مرة، ظهرت نُذر الوعي الفرداني كأداة مقاومة داخلية، حيث باتت السياسة فعلًا لا يُعلن، بل يُفكّر فيه سرًّا، وربما يُعاد اختراعه لاحقًا.

  •  زمن التعبير البديل (2000–اليوم): حين تغيّر شكل الفعل السياسي دون أن يموت

مع دخول الألفية الثالثة، انفتح باب جديد لا يشبه ما سبق. جيل جديد، لا ينتمي للماضي إلا كدرس، ولا للمؤسسات إلا كمصدر شك، بدأ يصوغ أدواته الخاصة للتعبير والاحتجاج والتأثير.

لم يعد ينخرط في الأحزاب، بل يصنع لنفسه أحزابًا غير مرئية على الإنترنت، في الشارع، في الأغنية، في الفيديو، في السخرية.

الراب السياسي أصبح نشيدًا غاضبًا، يُوزّع خارج كل رقابة، ويضرب في الصميم.
الهاشتاغات والحملات الرقمية تحوّلت إلى “برلمانات” رمزية تصنع أجندة الرأي العام.
مبادرات مدنية تنبت في الهامش، تصنع التغيير بالممارسة، لا بالخطابات.
حتى الكوميديا تحوّلت إلى أداة تفكيك للسلطة… بلغة يفهمها الجميع.

كل ذلك بلغ ذروته في محطات مفصلية: من حركة 20 فبراير (2011) إلى حملة المقاطعة (2018)، حيث أثبت الشباب أنه لا يحتاج إلى منصة رسمية ليُسمع صوته، بل يحتاج فقط إلى وعي، وهاتف، وجمهور عطشان للصدق.

في هذه اللحظة، لم يعد الشباب مجرد متفرج. بل أصبح هو من يحدد قواعد اللعبة، حتى وإن رفض الاعتراف بها كلاعب رسمي.

خلاصة المرحلة: الشباب لم يغادر السياسة… بل هو من طرد السياسة القديمة من حياته

ما بين الحماسة الثورية والانكسار ثم الإبداع، تمتد مسافة طويلة من الألم والاختبار. لكنها أيضًا لحظة وعي عميقة، تشكّلت فيها هوية سياسية هجينة: فردانية، متمرّدة، رقمية، ولا مركزية.

إنها ليست سيرة عزوف، بل سيرة مقاومة بأساليب جديدة… وأكثر دهاءً.

ثانيًا: سوسيولوجيا العزوف – بين خيانة الوساطة وتحولات الوعي

لا يمكن قراءة العزوف السياسي لدى الشباب المغربي كحالة عزلة أو تبلّد سياسي. إنه موقف، لا هروب. إنه صرخة صامتة ضد وسائط تقليدية فقدت شرعيتها. العزوف هنا ليس فراغًا، بل امتلاء بالنقد والرفض وإعادة التقييم. فما الذي حدث بين الشاب والسياسة حتى باتت الثقة مكسورة؟ كيف تحوّلت الوساطة السياسية إلى عبء بدل أن تكون جسرًا؟

  1.  أزمة الوساطة السياسية: حين صار الحزب هو المشكلة بدل أن يكون الحل

تبدو الأحزاب، في عين الجيل الجديد، كيانات هرمية جامدة، غارقة في حسابات ضيقة، ومنفصلة عن نبض الشارع. لم تعد تطرح البدائل، بل تكرّر خطابًا منهكًا، فارغًا من المعنى، غارقًا في التكتيك.

الزعامات تتناسل من بعضها، لا من صناديق الاقتراع، والوجوه تتكرّر كما لو أن الزمن السياسي لا يتحرك. الحزب الذي كان يومًا “مدرسة في الوطنية والنضال”، أصبح في عين الشاب شركة توظيف، أو سلمًا اجتماعيًا مُشوّهًا.

ومع هذا الانطباع، تهاوت فكرة “الانتماء”، وتحول العمل السياسي من مشروع جماعي إلى عبء فردي لا طائل منه.

  •  فجوة التمثيل: الخطاب لا يصل… لأنه لا يُخاطب أحدًا

الخطاب السياسي في المغرب يعاني من انقطاع تام عن الواقع اللغوي والرمزي للجيل الشاب. اللغة الخشبية، الوجوه المكررة، القضايا المطبوخة على عجل… كلها علامات على أن المؤسسات تتحدث إلى نفسها، لا إلى المجتمع.

البرلمان – في نظر كثير من الشباب – تحوّل إلى مسرح يُعاد فيه مشهد لا يضحك أحدًا، بل يثير الشفقة أحيانًا.

غياب التعددية الحقيقية، والتنوع الجيلي، والرقمي، والثقافي، جعل من هذه المؤسسات واجهات شكلية لا تشبه الواقع. من هنا، تتعزز قناعة أن السياسة لا تُمثلهم… بل تُمثّل ضدهم.

  • قضايا غائبة… أو مغيّبة

عندما ينظر الشاب المغربي إلى أولوياته، يجدها واضحة: البطالة، التعليم، الحريات، العدالة الاجتماعية، الهجرة، المساواة. لكن عندما ينظر إلى الخطاب السياسي، لا يجد سوى سجالات حول قوانين انتخابية، توازنات حزبية، ولغو بيروقراطي لا يمس معيشه ولا كرامته.

هناك قطيعة صارخة بين “جدول أعمال المؤسسات” و”أجندة القلق اليومي للشباب”. هذه الفجوة لا تصنع فقط نفورًا، بل تولد شعورًا باللاانتماء… وكأن السياسة تدور في عالم آخر لا يخصه، ولا يعنيه.

بل إن بعض القضايا التي تشغل الجيل الشاب – مثل الحريات الفردية، العدالة الثقافية، والتحرر الرمزي – يتم التعامل معها إما بالتجاهل أو بالشيطنة.

خلاصة هذا المحور: العزوف موقف سياسي بامتياز… لا حالة سلبية

الشباب المغربي لا يكره السياسة، بل يكره ما آلت إليه. إنهم جيل قرر أن يسحب اعترافه الرمزي من مؤسسات لم تعد تعنيه، ولم تعد تتحدث بلغته، ولم تعد تحمي أحلامه.

وإذا كنا نعتقد أن “العزوف” هو انسحاب، فعلينا أن نُعيد التفكير. ربما هو فقط رفض واعٍ للمشاركة في لعبة يرى أنها مزيّفة من الأساس.

ثالثًا: الشباب يصنع السياسة على مقاسه الخاص

السياسة، في نظر الشباب المغربي اليوم، لم تعد تمرّ عبر صناديق الاقتراع وحدها. لقد انزاحت عن ممراتها القديمة، وولجت طرقًا غير تقليدية، تتخذ من الهاتف المحمول منبرًا، ومن الإبداع سلاحًا. لم يعد الشاب يطلب إذن الدخول إلى المشهد السياسي، بل صاغ مشهده الخاص على مقاسه، بلغته، وبأدواته.

أغنية راب تُلهب الوعي، تفضح الفساد، وتهزّ جدران الاستبداد بكلمات تخرج من الهامش لتصل إلى قلب السلطة. هاشتاغ بسيط يتحول إلى حملة رقمية شاملة، يفرض نفسه على الإعلام والنقاش العمومي، دون إذن من أحد. مبادرة ميدانية، تطوعية، بيئية أو فنية، تمارس السياسة كحياة يومية، لا كخطب موسمية. وسخرية لاذعة، في فيديو قصير، تُعرّي منظومة مترهلة بلطفٍ قاسٍ، وتوقظ وعيًا خدره الخطاب الرسمي طويلًا.

إنه عصر التعبير السياسي الذي لا يعترف بالحدود التقليدية. عصر تُصنع فيه السياسة من التفاصيل الصغيرة، من الإيماءة، من الجملة العابرة، من الفن، ومن التكنولوجيا. كما قال المفكر جون كين: “نحن نعيش عصر الديمقراطية التعبيرية”، حيث السياسة لم تعد حكرًا على النخب، بل غدت ملكًا لمن يملك الكلمة، الصورة، الفكرة… والرغبة في التغيير.

هكذا يعيد الشباب كتابة السياسة، لا كنسخة باهتة عن الماضي، بل كاحتمال جريء لمستقبل لا يشبه إلا ملامحهم.

Bas du formulaire

رابعًا: إلى أين؟ سيناريوهات تتصارع على المستقبل

من نافذة المستقبل، تلوح في الأفق ثلاث مشاهد محتملة

  1. سيناريو التجديد
    الدولة لا تبني الثقة بالشعارات، بل بالأفعال. والتجديد الحقيقي يبدأ من الجذور: أحزاب تملك وضوح المرجعية واستعدادًا صادقًا لتجديد خطابها، أو أحزاب جديدة تنبع من الأرض بوجوه نزيهة لم تحترق بعد. برلمان يعكس تنوّع المجتمع لا صوره المكررة، ويقوم على معيار الكفاءة ونبل الممارسة، لا على الولاء والصفقات. خطاب سياسي نابض بالحياة، يتحدث بلغة الناس، ويفهم نبضهم، وينفتح على أشكال التعبير الجديدة بدل مصادرتها. ما لم يتحقق هذا، فإن الهوة ستزداد عمقًا، وجراح الفقدان ستتحوّل من خيبة إلى قطيعة.
  2.  سيناريو الجمود
    الركود لا يترك فراغًا… بل يملأ المشهد بأعطاب متناسلة. نخبة تتآكل شرعيتها كل يوم، مؤسسات تتحرك بلا روح، بلا أفق، بلا نبض. والمواطن؟ لا يسمع إلا رجع صدى صوته في وادٍ من الإنكار والصمت المتعالي.

في هذا المناخ المتكلّس، يفقد الاحتجاج بوصلته. ينكسر وعيه تحت وطأة الخيبة، وقد يتحوّل من تعبيرٍ منضبط إلى انفجارٍ بلا ملامح، يغذّيه تراكم الغضب، ويحرّكه إحساس عميق بأن لا أحد استمع… قبل أن يصرخ.

  •  سيناريو الانفجار الرمزي
    حين تُغلق كل النوافذ، لا يتوقف الهواء… بل يبحث عن شقوق في الجدار. وقد تأتي اللحظة التي ينفجر فيها الصمت، لا بالصوت العالي، بل بالإيقاع الجديد. لحظة انفجار سياسي قد لا تحمل لافتات، بل هاشتاغًا. لا تتكئ على منابر، بل على شاشة هاتف في يد مراهق لا ينتظر الإذن ليعبّر، لأنه ببساطة… لم يعد يرى أحدًا يستحق الاستئذان.
    لغة جديدة، رموز غير مألوفة، واحتجاج لا يُحاكي الماضي، بل يكتبه من جديد.

خاتمة: السياسة خارج الصندوق… أو موت الفعل السياسي

الشباب المغربي ليس أبدًا متمردًا عشوائيًا أو ضائعًا في زحام الشوارع، بل هو حامل مشروع سياسي جديد لا تشبهه الأدوات التقليدية ولا تنسجم مع نماذج السلطة القديمة. إنه مشروع ينبض بالحياة والابتكار، يتجاوز الأحزاب الرسمية ويعيد رسم خريطة السياسة على مقاسه، بخطاب فرداني رقمي، ينبثق من عمق الواقع اليومي وليس من منابر مسقطة.

الشباب لا يرفض السياسة؛ بل يرفض سياسة الصمت والتمثيل الوهمي، يرفض أن يكون مجرد رقم في قائمة انتخابية أو عنوانًا في خطابات مكررة. يريد أن يُستمع إليه كفرد، أن تُقرأ معاناته، أن تُفهم أحلامه، أن تُحترم حريته في التعبير بوسائل تعكس عصره.وهنا تصبح المؤسسات الحزبية امام مسؤولية تاريخية، مطالبة بشكل استعجالي تجديد خطابها والعمل على اعادة النبل الى مفهوم السياسة مبدأ وممارسة.

إنها لحظة مصيرية، تتطلب منا جميعًا—نخبة وصناع قرار، مجتمعًا مدنيًا وفكرًا نخبويًا—أن نعيد بناء علاقة حقيقية مع هذا الجيل، لا عبر الخطابات المنمقة، بل عبر الانصات العميق والتفاعل الجاد مع طموحاته.

إذا فشلنا في ذلك، ستبقى السياسة أقفاصًا مفرغة من الحياة، والمجتمع على هامش القرار، والجيل الجديد غارقًا في الغضب والتمرد، ليس لأنه لا يريد المشاركة، بل لأنه لم يجد له طريقًا مقنعا أو بابًا مفتوحًا.

لعلّ أنسب ما نختم به، هو هذه العبارة التي تخلخل الثقة العمياء وتزيح القناع عن الحقيقة المصنّعة:
ما يُعرض كواقع سياسي رسمي، قد لا يكون في نظر المجتمع أكثر من مشهد تمثيلي بلا صدى في الواقع.”

فلنملك الشجاعة لإعادة تعريف السياسة: لا كأداة للهيمنة، بل كمجال للنبل، وفنّ للإنصات العميق لمن لا يُصغى إليهم. فالشباب المغربي لم يغادر السياسة، بل غادر فقط جغرافيتها التقليدية. رحل عن القاعات الباردة والمنابر الخشبية، ليؤسس مساحاته الخاصة، حيث يصوغ قضاياه بلغة جديدة، ويخطّ مستقبله بإبداع يقاوم التكرار.

هذا المستقبل لن يولد من رحم الخطب الجوفاء، ولا من تمثيل لا يعكس إلا ظلاله. إنه يحتاج إلى جسر من ثقة متبادلة، إلى حوار لا يعلو فيه صوت السلطة على صوت الناس، وإلى إيمان راسخ بأن من يصنعون السياسة حقًا… هم أولئك الذين لم يعودوا يقبلون بأن يُمثَّلوا، بل يريدون أن يُنصت إليهم، بصدق لا يحتمل التأجيل.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى