من قلب الحقول… صرخة الفلاح المغربي: بين مطرقة الجفاف وسندان الاستغلال

 ️ حين يموت الفلاح.. تموت الكرامة الوطنية

بقلم: د. محمد السنوسي..

في آخر الأسبوع، سافرت إلى مسقط رأسي، إلى تلك الأرض التي كنت أظنها تنام، فإذا بها تتألم في صمت. هناك، في عمق البادية، رأيت الفلاحين يحصدون ما زرعوه، لا فرحين بالثمر، بل مثقلين بالهمّ. وجوههم مجعدة لا من الزمن فقط، بل من القهر. أياديهم مشققة لا من التراب فقط، بل من الظلم.

كانوا هناك، يروون الأرض بعرقهم، ويسقون الحلم بالانتظار. لكن الحلم لا ينمو تحت شمس السوق الجائرة، ولا في ظل الجفاف القاتل. يزرعون البذور بـ18 درهماً، ثم يُجبرون على بيع المحصول بـ6 دراهم!
تتوالى مواسم الجفاف، ولا تأتي الدولة إلا بلغة اللوم: “الإنتاج ضعيف”!
ومن أين يأتي الإنتاج؟ من الغيم الجاف؟ أم من الدعم الغائب؟
من الوعود التي لا تصل إلى الحقول؟ أم من المعارض الباذخة التي تُقام في المدن وتُنظمها المؤسسات التي لا تعرف طريق الطين؟

إن ما يعانيه الفلاح المغربي ليس مجرد أزمة موسمية، بل جرح بنيوي غائر في قلب السياسات العمومية.
نظام فلاحي مفصل على مقاس الكبار، يوجه المياه والدعم إلى التصدير والمضاربين، ويترك من ينتجون القوت اليومي للناس يواجهون العطش والخسارة وحدهم.

نظام يُحتكر فيه السوق، وتُرفع فيه شعارات “العرض والطلب” على أنقاض العدالة، وكأن الفلاح سلعة، لا إنسان.
نظام تُسخّر فيه الأرض والماء والموارد لخدمة النخبة، ويُقصى فيه الفلاح الصغير والمتوسط، رغم أنه يشكل أكثر من 70% من الفاعلين في القطاع.

  البادية تنزف… من يراها؟

في صمت الجبال وسكون السهول، تختنق قرى بكاملها:

  • ثلاث سنوات من الجفاف المتواصل، دون خطة حقيقية للتعويض أو التكيّف.
  • غياب التأمين الفلاحي الفعّال، رغم التغيرات المناخية المتزايدة.
  • أسعار البذور والأسمدة والمحروقات تقفز كالصواعق، بينما أثمان المحصول تسقط تحت أقدام السماسرة.

تُخلق قوانين السوق لتكريس واقع الريع، لا لإنصاف المنتجين.
ويُفتح الباب أمام الشركات الكبرى لتصدير الفواكه والسكر والماء، بينما يستورد المغرب القمح، العدس، الحليب، والخبز!

هذه ليست فلاحة… هذا نزيف.

أي إصلاح نريد؟ وأي عدالة نستحق؟

ما تحتاجه الفلاحة المغربية اليوم ليس ترقيعًا ظرفيًا، ولا مساحيق تجميل لخطط تسويقية تُعرض في الندوات وتُنسى في الميدان.
ما تحتاجه هو انقلاب هادئ على منطق الريع، وإصلاح شجاع يضع الإنسان قبل الأرباح، والكرامة قبل الأرقام.

نحن بحاجة إلى ثورة زراعية وطنية، اجتماعية، وعقلانية.
إصلاح لا ينطلق من مكاتب مكيفة، بل من أسئلة يطرحها فلاح يائس على حافة الحقل:
أين حقي في الماء؟ في السوق؟ في السعر العادل؟ في الحماية من الجفاف؟

نريد فلاحة تخدم المغاربة، لا تُختطف باسم “التنافسية” لصالح قلة تتحكم في الأرض والماء والدعم.
نريد إصلاحًا يُعيد التوازن للميزان المختل بين من يملكون آلاف الهكتارات، ومن لا يملكون حتى البذور.

الإصلاح الحقيقي ليس شعارًا. بل منظومة عدل. وهذه مفاتيحه:

  1. عدالة التوزيع: كسر هندسة الامتيازات
  • لا تنمية بدون توزيع عادل للدعم العمومي، يوجه أولًا للفلاحين الصغار والمتوسطين، لا إلى كبار المستثمرين والمصدرين.
  • دعم البذور المحلية المقاومة للجفاف والتقنيات البيئية يجب أن يصبح أولوية، بدل التبعية للأصناف المستوردة المكلفة والهشة.
  •  تفكيك احتكار السوق: من الفلاح إلى المواطن
  • يجب إحداث صندوق تضامن فلاحي لتعويض الخسائر المناخية والتسويقية، بدل ترك الفلاح وحده في وجه التقلبات.
  • نحن بحاجة إلى قانون يحدد الأسعار الدنيا للمنتجات الأساسية ويمنع المضاربة الجشعة.
  • لا بد من خلق أسواق جهوية تضامنية تسمح للفلاح ببيع منتوجه مباشرة للمواطن، بدون وسطاء ولا سماسرة.
  •  تثمين الفلاحة التضامنية: فلاحة تخلق القيمة وتوزعها
  • دعم الزراعة المعيشية المحلية لم يعد ترفًا، بل ركيزة للسيادة والاستقرار.
  • نحتاج إلى وحدات تحويل صغيرة في كل جهة، تثمن المنتوج القروي وتخلق فرص العمل.
  • يجب الاستثمار في التكوين الزراعي التشاركي وتمكين الفلاح من أدوات التدبير الجماعي والتقنيات البيئية منخفضة الكلفة.
  • إصلاح العقار: الأرض للفلاح لا للانتظار
  • أراضي الدولة غير المستغلة يجب أن تُوزع على تعاونيات شبابية حقيقية، ضمن رؤية إنتاجية عادلة.
  • الفلاحة ليست نشاطًا فرديًا فقط، بل رافعة جماعية، ويجب تشجيع المشاريع التعاونية الجماعية في كل جهة.
  •  السيادة الغذائية: من التبعية إلى الاكتفاء
  • لا يُعقل أن نصدر الفواكه ونستورد القمح والحليب. هذا نموذج مختل يهدد الأمن الغذائي.
  • يجب وقف استنزاف المياه في زراعات تصديرية في مناطق قاحلة، وتوجيه الموارد إلى زراعات أساسية تُطعم الشعب.
  • إطلاق برنامج وطني للسيادة الغذائية يربط بين الأمن الغذائي، والصحة العامة، والماء، والعدالة المجالية.

هذا الإصلاح ليس ترفًا ولا مطلبًا نخبويا، بل شرط أساسي لبقاء الارياف، ولصون استقرار الوطن.
فمن دون فلاحة عادلة، لن تكون هناك سيادة. ومن دون فلاح حر، لا يكون هناك وطن منتج، ولا مواطن كريـم.

لن يكون هناك مغرب جديد… إذا استمرت الارياف في الغرق بصمت.
آن الأوان لنرفع الصوت، ونفتح الأفق. من الأرض تبدأ العدالة، ومن الكرامة تبدأ النهضة.

الدولة الاجتماعية تبدأ من الأرض: تفكيك المعنى وإعادة بناء الرؤية

الدولة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع في الحملات، ولا نصوصًا تُسكب في البرامج الرسمية. الدولة الاجتماعية الحقّة تُبنى من التراب، من حيث تُزرع بذور الحياة ويُصنع الخبز وتُروى الكرامة بعرق الفلاحين.

إذا أردنا فعلاً بناء وطنٍ متماسك ومستقر، فالبداية ليست من الأبراج العالية، بل من الحقول المنسية. من الأرض التي يُهملها صانع القرار، ويُستنزفها السوق، ويُهان فيها الإنسان.

 ️ الفلاح أولًا… لا في الخطابات، بل في السياسات

الفلاح لا يحتاج إلى “دعم موسمي” يُمنح بالقطّارة ثم يُسحب بصمت.
لا يحتاج إلى صدقات تُرمى عليه من فوق كما يُرمى العلف للماشية.
ما يحتاجه هو منظومة حقيقية تحميه، ترعاه، وتحفظ له كرامته في وجه العطش، السوق، والإهمال.

إنه لا يريد أن يُستعمل كورقة انتخابية تُستدعى حين تشتد الحملات وتُنسى بعدها. بل يريد أن يُعترف به كمؤسس للاستقرار، كحارس للسيادة الغذائية، وكفاعل اقتصادي حقيقي، لا ككائن هامشي في التقارير الوزارية.

 ️ حين يموت الفلاح… تموت الكرامة الوطنية

صرخة الفلاح ليست مجرد شكوى من الجفاف، بل هي نداء استغاثة من قلب الوطن.
هي إنذار مبكر لانهيار قادم، إذا لم يُسمع ويُلبَّ.
فالفلاح حين يُسحق، لا يسقط وحده، بل يسقط معه أمننا الغذائي، وسلامنا الاجتماعي، وحتى استقرار مدننا التي بدأت تستقبل أفواج النازحين من القرى اليائسة.

من الأرض تصنع الدولة… أو تُفكك

حين تفرغ البادية من سكانها، لا تفرغ فقط من اليد العاملة، بل من الثقافة، من الروح، من جذور المجتمع المغربي.
وحين يُهمل الفلاح، لا يُهمل فقط قطاع اقتصادي، بل يُهمل أساس الهرم الاجتماعي بأكمله.

 ️ فلنقف مع الفلاح… لا من باب العطف، بل من باب الوعي الوطني

ليست القضية قضية تضامن عاطفي.
إنها قضية وعي استراتيجي: –

  • لأجل غذائنا الذي لا يجب أن يبقى مرتهنًا للموانئ والأسواق العالمية.
    •  لأجل وطننا الذي لن يستقر ما دامت القرى تُهجَر، والحقول تُترك، والفلاح يُستنزف.
    •  لأجل مستقبل أبنائنا الذين يستحقون أرضًا تُنتج وتُثمر، لا أرضًا جافة منسية.

 ️ لقد آن أوان التغيير… وإلا فلا وطن يحمينا

لسنا بحاجة لوطن “يصدر” الطماطم ويستورد القمح.
لسنا بحاجة لدولة “تنظم معارض دولية” وتترك الفلاحين في القرى بدون ماء ولا تسويق.

نحن بحاجة لوطن لا يُبنى فوق المزارع، بل إلى جانبهم.
نحن بحاجة لسياسة ترعى الأرض لا تبيعها، وتكرّم الفلاح لا تهمشه.

 ️ خلاصة النداء: لا إصلاح بدون الفلاح، ولا كرامة بدون الأرض

من قلب الحقول، تنبع الحقيقة:
إذا مات الفلاح، ماتت الكرامة.
وإذا ضاعت الأرض، ضاع الوطن.
فلنبدأ الإصلاح من هناك… من حيث تبدأ الحياة.
وليس لنا وطن آخر… ولا نريد غيره.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى