الفيتو الأمريكي ضد وقف إطلاق النار في غزة: تفكيك للمنطوق وتحليل للدلالات الظاهرة والخفية

بقلم: د. محمد السنوسي..

في ذروة واحدة من أكثر اللحظات دموية ووحشية في تاريخ العدوان الإسرائيلي على غزة، تُعيد الولايات المتحدة الأمريكية استخدام حق النقض (الفيتو) لإسقاط مشروع قرار أممي يدعو إلى وقف فوري لإطلاق النار، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وإنقاذ أرواح المدنيين الذين يُدفنون تحت الأنقاض ويُقتلون تحت القصف.

إن هذا الفيتو، في سياق يتصاعد فيه الغضب الدولي من المجازر المرتكبة، لا يمكن اعتباره مجرد اعتراض دبلوماسي أو خلاف إجرائي، بل هو موقف سياسي صارخ وانحياز استراتيجي مكشوف إلى جانب دولة الاحتلال. بهذا السلوك، تمنح واشنطن الغطاء السياسي والدولي لآلة الحرب الإسرائيلية، وتُعطّل واحدة من أهم آليات النظام الدولي، حين تجعل من مجلس الأمن عاجزاً عن القيام بدوره الأساسي في حماية السلم والأمن العالميين.

إنه موقف لا يُغتفر سياسيًا ولا أخلاقيًا، ويُعد إهانة مباشرة لضمير الإنسانية جمعاء. وما إن نتجاوز سطح هذا الفيتو الأمريكي حتى تتكشف خلفياته الاستراتيجية؛ فهو ليس مجرد تحفظ قانوني أو تباين دبلوماسي، بل تموضع سياسي متأصل يكشف عن منظومة مصالح مترابطة تشكل عمق السياسة الخارجية الأمريكية تجاه إسرائيل. هذا الدعم لم ينشأ صدفة أو بدافع آني، بل هو نتاج تراكمي لتحالف وثيق بُني على أسس اقتصادية وعسكرية وأيديولوجية، ترسّخت منذ عهد ترومان واستمرت عبر الإدارات المتعاقبة. فالولايات المتحدة تعتبر أمن إسرائيل امتدادًا لأمنها القومي، كما عبّرت عن ذلك مؤسساتها السيادية مرارًا، وكرسته في اتفاقيات التعاون العسكري التي تضمن لتل أبيب دعمًا ماليًا سنويًا ضخما يتجاوز 3.8 مليار دولار منذ 2016.

ويُستخدم الفيتو الأمريكي، في هذا السياق، كأداة فعّالة لحماية إسرائيل من أي مساءلة دولية. فمنذ 1972، تجاوز عدد مرات استخدامه لصالح إسرائيل حاجز الـ45 مرة، أُجهضت خلالها قرارات تدين الاستيطان والعدوان، وتطالب بحماية الفلسطينيين. هذا التكرار لا يمكن قراءته إلا كإلغاء متعمد لوظيفة مجلس الأمن، وتحويله إلى آلية خاضعة لمنطق الهيمنة لا للعدالة الدولية.

في الوقت نفسه، يتبنى الخطاب الأمريكي الرواية الإسرائيلية بلا تردد، مكرسًا مقولة “حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها” حتى عندما يكون العدوان موجّهًا ضد مدارس ومشافي ومخيمات للاجئين، بينما يُجرَّم النضال الفلسطيني ويُوصم بالإرهاب، رغم أن المواثيق الدولية، وعلى رأسها اتفاقيات جنيف، تُقرّ بحق الشعوب الخاضعة للاحتلال في المقاومة.

ولا يمكن فهم هذا الانحياز الأميركي دون الإشارة إلى تأثير اللوبي الصهيوني داخل مؤسسات صنع القرار الأمريكية، خصوصًا جماعة الضغط AIPAC التي تلعب دورًا حاسمًا في توجيه السياسات، ورسم خريطة الولاءات داخل الكونغرس، بل وفي تمويل الحملات الانتخابية للمرشحين الموالين لإسرائيل، ما يجعل الموقف الأمريكي جزءًا من شبكة نفوذ تتجاوز اعتبارات القانون أو الأخلاق.

وفوق كل ذلك، تعمل الولايات المتحدة على تقويض الشرعية الدولية من خلال احتكار ملف الوساطة في النزاع الفلسطيني–الإسرائيلي، وإقصاء الأمم المتحدة من أي دور فعلي. فهي لا ترفض القرارات الأممية فحسب، بل تعارض حتى المبادرات الإنسانية متى ما شعرت بأنها تضعف من سيطرتها المطلقة على مسار الحل. إن الفيتو هنا ليس لحماية “السلم الدولي”، بل لتعطيله حين يقترب من تهديد مصالح الحليف الإسرائيلي أو كسر ميزان القوى الذي تريده واشنطن ثابتًا لصالح الاحتلال.

في سياقٍ يُعد من أكثر اللحظات حرجةً في تاريخ العلاقات الدولية، يُعاد توظيف حق النقض (الفيتو) من قبل الولايات المتحدة في مجلس الأمن الدولي، لا بوصفه أداة تنظيمية للحفاظ على السلم، بل كسلاح سياسي ذي وظيفة مزدوجة: أولاً، حماية الحليف الإسرائيلي من أي مساءلة قانونية، وثانيًا، تحييد الآليات الأممية عندما تقترب من الاقتراب من خطوط المصالح الجيوسياسية للولايات المتحدة.

الخطاب الرسمي الأمريكي المصاحب لهذا الفيتو الأخير بُني على ثلاث حجج ظاهرية تمّ تسويقها كتبريرات قانونية :
أولًا، الادعاء بأن مشروع القرار “غير متوازن”، لكونه لا يحمّل حركة حماس مسؤولية صريحة، وهو بذلك يشترط ضمنًا تطابق القرارات الأممية مع السردية الأمنية الإسرائيلية، ما يمثل إلغاءً مسبقًا لأي وجهة نظر بديلة.

 ثانيًا، التمسك بمقولة “أمن إسرائيل أولوية”، التي تُستخدم كحجة لتأجيل وقف إطلاق النار، وتُظهر انحيازًا معياريًا يجعل حياة الفلسطينيين مرهونة بالمقاييس الأمنية لتل أبيب لا بالمعايير الإنسانية الدولية. ثالثًا، التأكيد على “الاستمرار في المسار الدبلوماسي”، وهو توصيف فضفاض لمسارات أمريكية أحادية فشلت تاريخيًا في إنتاج تسوية عادلة، وتُوظف اليوم كغطاء لتجميد أي تدخل أممي فاعل.

تحليل هذا الخطاب في ظاهره يُفضي إلى استنتاج واضح: الولايات المتحدة تُعيد إنتاج منطق الاحتلال الإسرائيلي داخل مجلس الأمن، عبر إعادة تعريف العدوان بوصفه دفاعًا مشروعًا، والمقاومة بوصفها إرهابًا، ورفض الاعتراف بالبيئة الاستعمارية البنيوية التي تحكم العلاقة بين إسرائيل والشعب الفلسطيني. بل أكثر من ذلك، هي تُفرغ القضية من بعدها السياسي والقانوني، وتحصرها في مجرد ملف أمني يستدعي “الإدارة” لا “المعالجة”.

لكن ما هو أخطر، وأكثر كشفًا لبنية الموقف الأمريكي، يكمن في الطبقات الخفية لهذا الخطاب؛ فهو يُكرّس، دون التصريح به، جملة من السياسات الممنهجة:

أولًا، تثبيت الرواية الإسرائيلية كمصدر تأويلي معتمد في النظام الدولي، عبر تجاهل التقارير الموثقة من هيئات أممية ومنظمات حقوقية دولية تصف ما يجري في غزة بالإبادة الجماعية وجرائم الحرب، ما يساهم في شرعنة آلة القتل، لا فقط عبر الصمت، بل بتوفير غطاء قانوني ودبلوماسي لها.

ثانيًا، استغلال العامل الزمني لصالح العمليات العسكرية، عبر خطاب يدّعي أن “الظرف غير مناسب لوقف إطلاق النار”، وهو في حقيقته تكتيك يهدف إلى منح إسرائيل متسعًا زمنيًا لاستكمال أهدافها الاستراتيجية على الأرض قبل فرض أي وقف خارجي محتمل للعمليات.

ثالثًا، تحويل الفيتو من أداة تنظيمية إلى آلية تعويق ممنهجة للقانون الدولي. فالولايات المتحدة تستخدمه حين يصبح القانون الدولي وسيلة محتملة لتقييد الحليف الإسرائيلي، ما يُظهر أن الالتزام الأمريكي بالقانون مشروط بمدى خدمته للأولويات الجيوسياسية وليس بمبدئيته.

رابعًا، احتكار مسارات الوساطة بهدف التحكم في شكل الحلول واتجاهاتها. فرفض القرارات الجماعية وتفضيل الوساطات الثنائية بقيادة أمريكية يُظهر أن الهدف ليس الوصول إلى سلام، بل ضمان إدارة للصراع تُبقي إسرائيل في موقع الهيمنة، وتحول دون أي تدخل خارجي يمكن أن يُنتج مخرجات غير منضبطة بالمعايير الإسرائيلية.

في المحصلة، نحن أمام خطاب لا يمكن فصله عن البنية العميقة للعلاقات الأمريكية-الإسرائيلية، حيث تُترجم “الشراكة الاستراتيجية” إلى انحياز مؤسسي يتجاوز السياسة اليومية، ليصل إلى حد تقويض منظومة العدالة الدولية نفسها. الفيتو الأمريكي لا يُجهض فقط مساعي وقف العدوان، بل يُعطّل مصداقية النظام الدولي، ويؤكد أن ميزان القوة، لا ميزان الحق، هو ما يحكم دوائر القرار في مجلس الأمن. وهذا ما يجب أن يُقال، بلا مواربة، دفاعًا عن الحقيقة، ورفضًا لتزييف الوعي تحت شعارات زائفة من “الحياد” و”الدبلوماسية”.

ثانيًا: الدلالة الجيوسياسية لموقف واشنطن

يأتي الفيتو الأمريكي في سياق دولي متحوّل، حيث يتزايد العزل السياسي لإسرائيل، ويتعالى صوت الرأي العام العالمي المطالب بوقف العدوان. إلا أن واشنطن، بإصرارها على دعم إسرائيل دبلوماسيًا وعسكريًا، توجّه رسائل استراتيجية متعددة:

  • رسالة إلى إسرائيل: “لن تُحاسبي دوليًا مهما فعلت، نحن سندك القانوني والدولي.”
  • رسالة إلى الخصوم الجيوسياسيين )روسيا، الصين، إيران): “الشرق الأوسط لا يزال تحت نفوذنا، وأمن إسرائيل غير قابل للتفاوض.”
  • رسالة إلى الأنظمة العربية: “مهما ارتفعت لهجتكم، فإن واشنطن لن تضحي بعلاقتها الاستراتيجية مع تل أبيب، فاختاروا موقعكم.”

الدلالة الأعمق هنا أن الولايات المتحدة لم تعد تُخفي ازدواجية معاييرها، بل أصبحت تُمارسها بوصفها سياسة رسمية، وهو ما يهدد مصداقيتها الأخلاقية عالميًا، ويزيد من تآكل الثقة في المؤسسات الدولية التي تتحكم فيها.

ثالثًا: تداعيات الفيتو على الشرعية الدولية

يُسجل التاريخ أن أمريكا، الدولة التي ساهمت في بناء النظام الأممي بعد الحرب العالمية الثانية، باتت تستخدم أدواته لتعطيل العدالة وحماية المعتدين. الفيتو لم يعد مجرد أداة قانونية، بل تحول إلى:

  • أداة تمييع للمحاسبة،
  • وعائق أمام أي إصلاح للمنظومة الدولية،
  • وسبب رئيسي في استمرار النزاعات.

في السياق الفلسطيني، يُساهم هذا الفيتو في إطالة عمر الاحتلال، وتشجيع سياسة الإفلات من العقاب، وإفشال أي إمكانية لحل سياسي عادل.

رابعًا: مسؤولية المجتمع الدولي والعربي

في ظل هذه الانحيازات السافرة، تقع مسؤولية كبرى على عاتق:

  • المجتمع المدني الدولي: الذي يجب أن يُكثف الضغوط عبر حملات المقاطعة، والتحقيقات، والتحشيد الحقوقي.
  • الدول العربية والإسلامية: التي ينبغي أن تخرج من موقف التنديد اللفظي، نحو سياسات أكثر جرأة: قطع العلاقات، تقليص التعاون، التوجه إلى محاكم دولية، والاعتراف الفوري والموحد بالدولة الفلسطينية.
  • الرأي العام العالمي: الذي بدأ بالفعل يتحرك، وواجب النخب والشباب والمثقفين تعزيزه ليكون رأيًا مؤثرًا وضاغطًا.

خامسًا: نداء إلى شعوب الامة وسائر الشعوب الحرة

أمام هذا الانحراف الخطير في العدالة الدولية، يجب أن يتواصل الدعم الشعبي والسياسي للنضال الفلسطيني. فشعوب الامة والشعوب الحرة بكل مكوناتها مطالبة اليوم أكثر من أي وقت مضى بتكثيف مساندتها السياسية والإنسانية، ورفض أي شكل من أشكال التطبيع مع الاحتلال، ودعم المقاومة الفلسطينية بمختلف أوجهها حتى تحرير الأرض والكرامة.

خلاصة تحليلية

الفيتو الأمريكي الأخير ليس مجرد تعطيل تقني في مجلس الأمن، بل مرآة واضحة لتحولات العالم نحو منطق القوة على حساب العدالة. ومع ذلك، فإن إرادة الشعوب، ووضوح القضية، وثبات الفلسطينيين، كفيلة بجعل هذا الفيتو ـ رغم قسوته ـ محطة إضافية في مسار نضال طويل سينتهي بالحرية.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى