حين تُهدر النخب وتُغتصب السيادة الرقمية… من يحاسب؟

د. محمد السنوسي..

في ضوء ما تتناقله بعض وسائل التواصل الاجتماعي بشأن اختراق جديد لبيانات الوكالة الوطنية للمحافظة العقارية والمسح العقاري والخرائطية، وأثناء تواجدي في زيارة علمية بإحدى الدول الأوروبية، وجدت أن الصمت لم يعد ممكنًا.

سواء تعلّق الأمر باختراق مباشر لنُظم الوكالة، أو تم عبر حسابات موثقين ووكلاء يرتبطون بمنصّاتها الرقمية، فإن النتيجة واحدة: مسّ مباشر بأمننا المعلوماتي، واستهتار خطير بمفهوم السيادة الرقمية.

هذا المقال ليس ردّ فعل، ولا مجرّد تعليق.
إنه إنذار. صفّارة استيقاظ لمن لا تزال تعنيهم مصلحة هذا الوطن، إن كانوا يميّزون فعلًا بين معنى “السيادة”… وواقع “التسيّب“.

دولة تُخترق… ومسؤولون يتفرّجون

في عالم اليوم، السيادة لا تُقاس بعدد الدبابات، ولا بكمية الفوسفات. السيادة الحقيقية تُقاس بقدرتك على حماية معلومة واحدة. بايت واحد. قاعدة بيانات واحدة. ونحن، في المغرب، لا نزال نحارب تكنولوجيا القرن الواحد والعشرين بعقلية القرن التاسع عشر.

نكوّن نخبًا علمية بمال الدولة، نُصدرهم إلى جامعات النخبة، نفاخر بهم في المؤتمرات، ثم نتركهم يُستنزفون في مختبرات الغرب، بينما أنظمتنا تُخترق، وخوادمنا تُفرغ، وبيانات مواطنينا تُباع في أسواق الويب المظلم. كل هذا ونحن نائمون… أو بالأحرى، نتظاهر بالنوم.

نزيف العقول: التفوق عقوبة في المغرب

منذ عقود، يتخرج من جامعاتنا وكلياتنا طلبة نابغون، نمنحهم بعثات إلى MIT، Stanford، Polytechnique، Imperial College…  في الأمن السيبراني، الذكاء الاصطناعي، تحليل البيانات. نُشحنهم بمعرفة من ذهب… ثم نستقبلهم بصفعة.

هل يُعقل أن يعود خبير مغربي بأعلى درجات التأهيل السيبراني، ليُركن في أرشيف وزارة لا تفتح بريدها الإلكتروني إلا مرة في الشهر؟
هل يُعقل أن نخسر كفاءتنا لصالح وادي السيليكون، بينما تُنهك مؤسساتنا من اختراقات صبيانية؟
من يحاسب؟ من يجرؤ أن يسائل من حوّل هذه العقول إلى نفايات إدارية؟

سيادة تُغتصب… ولا أحد يُحاسب

اختراقات مؤسسات سيادية، تسريبات بالجملة، تعطيل للمواقع، بل تهديد صريح للأمن القومي. والنتيجة؟
لا تحقيق. لا محاسبة. لا استنفار. فقط صمت ثقيل… كأننا لا ندرك أننا نُعرّى رقمياً، ونُنهب رقمياً، ونُجرّد من سيادتنا، باختراق بعد اختراق.

أين المراكز الوطنية لأمن المعلومة؟ أين العقول التي فازت بالذهب في مسابقات دولية؟ هل عادوا؟ وإن عادوا، هل وجدوا وطناً يؤمن بهم؟
أم وجدوا وزارات مملوءة بمسؤولين آخر اهتماماتهم هو الأمن السيبراني؟

حين تتحرك الأمم… ونتجمد نحن: دروس من العالم في استثمار العقول وبناء السيادة الرقمية

في الوقت الذي لا تزال فيه بعض الدول، ومنها المغرب، تتخبط في دوائر مغلقة من التردد، البيروقراطية، وهدر الكفاءات، هناك أمثلة حيّة في العالم تُثبت أن التغيير ليس حكرًا على الدول الغنية، ولا رهنًا بالموارد الطبيعية، بل مرهونٌ بالإرادة، وبالاستثمار الذكي في الإنسان والعقل والرقمنة.

كوريا الجنوبية: من الرماد إلى الريادة التكنولوجية

بعد أن خرجت من أتون حرب أهلية مدمّرة في خمسينيات القرن الماضي، لم تملك كوريا الجنوبية ترف الانتظار. البلاد كانت على شفا الانهيار، لكن رهان الدولة كان واضحًا: الاستثمار في التعليم والتكنولوجيا. اليوم، لا تُذكر الابتكارات التكنولوجية دون ذكر أسماء كبرى مثل Samsung وLG. لم تأتِ هذه الإنجازات من فراغ، بل من رؤية تربط بين التكوين، والاستثمار، واستقطاب الكفاءات، وخلق بيئة تنافسية محفّزة. إنها دولة أدركت أن المستقبل يُصنع بالمعرفة لا بالندب على الماضي.

رواندا: من جراح الإبادة إلى مختبر إفريقي للرقمنة

رواندا، التي عرفت واحدة من أبشع صفحات الحروب الأهلية في التاريخ الحديث، كان يمكن أن تبقى غارقة في الندوب والانقسام. لكن القيادة هناك قررت أن تصنع من التكنولوجيا طريقًا للمصالحة والبناء. في أقل من عقدين، أصبحت كيغالي عاصمة إفريقية ناشئة في الرقمنة، حيث تستثمر في الابتكار، وتُدرّب جيلاً جديدًا على البرمجة، وتُطلق مشاريع للحكومة الإلكترونية تشمل جميع القطاعات. من مأساة كبرى، خرجت رواندا كدولة رائدة في السيادة الرقمية.

الهند: عندما عادت العقول المهاجرة، وُلدت القوة التقنية

الهند قدّمت للعالم أنجح نموذج في تحويل نزيف العقول إلى مورد وطني. بعد سنوات من هجرة العقول الهندية إلى الولايات المتحدة وأوروبا، أطلقت الحكومة خطة عودة الكفاءات وربطها مباشرة بمشاريع قومية في الذكاء الصناعي، أمن الشبكات، وخدمات البرمجيات. النتيجة؟ نشأة “وادي السيليكون الآسيوي”، وميلاد عمالقة مثل Infosys وTata Consultancy Services، واحتلال الهنود للمواقع الأولى في أكبر شركات التكنولوجيا العالمية. الهند أثبتت أن العقل لا يحتاج سوى من يؤمن به، ويمنحه الأدوات.

إستونيا: الدولة الصغيرة التي أصبحت عملاقًا رقميًا

حين نذكر إستونيا، نتحدث عن دولة يبلغ عدد سكانها بالكاد 1.3 مليون نسمة، خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي وهي تعاني من ضعف اقتصادي وهشاشة في البنية التحتية. لكنها لم تختر الطريق التقليدي للنهوض. بل أطلقت مشروعًا وطنيًا شاملًا للرقمنة، جعل كل الخدمات الإدارية متاحة إلكترونيًا، من التصويت إلى التعليم، من الصحة إلى القضاء. اليوم، تُعد إستونيا مرجعًا عالميًا في الحكومة الرقمية، وتُدرّس تجربتها في أعرق جامعات العالم.

أما نحن… فننظر، ونتحسر

هذه الأمثلة ليست معجزات، ولا نتاج صدفة. هي نتيجة إرادة سياسية صلبة، رؤية واضحة، وربط التكوين بالقرار.
أما نحن، في المغرب، فلا زلنا نتعامل مع الكفاءات كأنها عبء، ومع الرقمنة كأنها ترف، ومع الاختراقات السيبرانية كأنها إشاعات لا تستحق الرد.

ننظر إلى العالم يسبقنا… ونكتفي بالتحسر. نحتفل بخريجي الجامعات الكبرى في نشرات الأخبار… ثم ندفنهم إداريًا في مكاتب دون صلاحيات.

ما الذي يمنعنا من السير على درب كوريا ورواندا والهند وإستونيا؟
هل تنقصنا العقول؟ لا.
هل تنقصنا الميزانية؟ ليس بالكامل.
ما ينقصنا هو الجرأة في القرار، والصدق في الالتزام، والشجاعة في الاعتراف بأننا متأخرون… ولكن لا زال بإمكاننا أن نلحق الركب.

لكن الوقت لا ينتظر أحدًا. ومن لا يُبادر اليوم… سيُمحى غدًا.

معادلة الخيانة: تكوين بدون توظيف، توظيف بدون تخطيط، تخطيط بدون إرادة

اقول بكل جرأة ومسؤولية، ان هذه ليست أزمة تكنولوجيا، هذه أزمة قيادة.
المال يُصرف، التكوين يتم، ولكن النتيجة؟ فشل ممنهج. لماذا؟ لأن الحلقة المفقودة هي الإرادة.
من يراقب برامج التكوين؟ من يحاسب من بدّد ملايين الدراهم في بعثات علمية لم تؤتِ ثمارها؟
من يُقيّم من استفاد من برنامج 11 ألف إطار عالي التأهيل؟ وأين هم الآن؟
وهل لدينا الجرأة لنسأل: من قتل طموحهم بعد عودتهم؟ ومن دفنهم في ردهات إدارات تائهة؟

ما العمل؟ لا ترقيع بعد الآن

  1. إحداث هيئة سيادية عليا، فوق الوزارات، فوق الترضيات، بصلاحيات تنفيذية، لحماية السيادة الرقمية.
  2. برنامج “عَودة الكفاءات” لا بالشعارات، بل بعقود واضحة، برواتب تستحق، وبمشاريع تُنفّذ لا تُؤرشَف.
  3. تحويل التكوين الرقمي إلى أولوية وطنية، وربطه بمخطط وظيفي ذكي، لا برقيات إدارية باردة.
  4. تشريع قانون يُعاقب كل من يستهين بأمننا الرقمي، وكل من يتستر على فضيحة اختراق، باسم السرية أو الخوف على “السمعة”.

الخلاصة: من لا يملك أمنه السيبراني… لا يملك لا قراره، ولا كرامته

نحن لسنا في مرحلة تحليل أكاديمي. نحن في عين العاصفة. المعركة الآن رقمية: فيها تُباع الدول وتُشترى بملف ( PDF)  ب.د.اف.  واحد، وتُنهى أنظمة بحرف خبيث في كود برمجي.

من لا يملك كفاءته، يُستعبد.
من لا يحمي معطياته، يُبتز.
ومن لا يحترم نخبه، لا يستحق أن يحكم.

رسالة أخيرة

كفى من هدر الأدمغة.
كفى من دفن الشهادات في مقابر الإدارات.
كفى من “رد الجميل للوطن” دون أن يكون للوطن استعداد لرد الاعتبار.

المعركة المقبلة ليست في الحدود فقط، بل في الخوادم.
والجيش المطلوب ليس بالعُدد، بل بالعقول.
فإما أن نبني دولة ذات سيادة رقمية… أو نُمحى، رقميًا، وتدريجيًا، من خرائط القوة ؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى