خناجر الاحتلال المغروسة في الجسد الفلسطيني… ولولاهم لكانت إسرائيل عمياء

د. محمد السنوسي..
من أجل الإسهام في رفع منسوب الوعي بخطورة الاختراق الصهيوني، ليس فقط داخل المجتمع الفلسطيني، بل في عمق المجتمعات العربية قاطبة، من مشرقها إلى مغربها، أخصص هذا المقال لتسليط الضوء على ظاهرتين بالغتي الخطورة: المستعربون والعملاء، الذين تعبئهم إسرائيل لخدمة مشروعها الاستئصالي. ففي كل حركة مقاومة، هناك جبهة صامتة، غير مرئية، قد تكون أكثر فتكًا من القصف العسكري وأشد أثرًا من الاجتياح المباشر: إنها جبهة الاختراق الداخلي. وفي الحالة الفلسطينية، يتجسد هذا الاختراق في أولئك الذين يتسللون إلى المجتمع بهيئة الأبناء، يتحدثون بلسانه، ويتقنون تفاصيل حياته اليومية، ليكونوا أعينًا للاحتلال وآذانًا له، وأيادي تضرب من الداخل دون أن تُرى. إنهم أذرع إسرائيل المستترة التي، لولاها، لعميت عن رؤية ما يجري في الأزقة والمخيمات والبيوت. تعتمد قراءتي لهذا المشهد على مقاربة تحليلية تتناول الظاهرة من خلال أربعة أبعاد مترابطة:
أولًا، المستعربون… السُمّ القاتل في عروق المجتمع الفلسطيني
يمثل المستعربون أو “المتخفون بلباس العدو”، إحدى أخطر الأدوات التي طوّرتها المؤسسة الأمنية الإسرائيلية لاختراق المجتمع الفلسطيني والتأثير فيه من الداخل. هم جنود مدربون لا يحملون شارة عسكرية، ولا يتحدثون العبرية، بل يتقنون اللهجات الفلسطينية، ويعيشون في أحيائهم، ويجيدون تقمص حياة الناس اليومية حتى في أدق تفاصيلها. المستعرب ليس جاسوسًا عاديًا؛ بل أداة ميدانية مدمجة في النسيج الاجتماعي الفلسطيني، يشاركهم أعراسهم وجنازاتهم، يدخل المساجد والأسواق، ويجلس في المقاهي، بينما يحمل في قلبه مهمة عسكرية واضحة: الاختراق، الاغتيال، الاعتقال، أو زرع الفتنة.
تعود جذور ظاهرة المستعربين إلى ثلاثينيات القرن العشرين، حين استعانت العصابات الصهيونية مثل «الهاغاناه» و«الشتيرن» بمرتزقة وأشخاص من ملامح عربية للعمل كجواسيس ميدانيين بين الفلسطينيين. منذ ذلك الوقت، أدركت المؤسسة الصهيونية أهمية السيطرة من الداخل، لا عبر الحدود فقط. بعد إعلان “دولة إسرائيل”، تطورت وحدات المستعربين لتصبح جزءًا من مؤسسات أمنية رسمية مثل الجيش، الشرطة، وجهاز الأمن العام (الشاباك). أبرز الوحدات التي تضم هؤلاء هي وحدة “دوفدفان” التي تأسست عام 1986 وتُعد من وحدات النخبة المتخصصة في العمليات الدقيقة داخل الضفة الغربية، و”شمشون” التي عملت في قطاع غزة، و”يمام” التابعة لحرس الحدود، إضافة إلى “غدعونيم” العاملة في القدس.
يُدرب المستعربون في منشآت خاصة تحاكي البيئة الفلسطينية، من حيث اللغة والعادات والتقاليد واللباس وحتى طريقة المشي والكلام. يتعلمون كيف يتحدثون مثل الفلسطينيين، كيف يشتكون من الاحتلال، كيف ينتقدون إسرائيل أمام الناس، وكيف يُظهرون تضامنًا ظاهريًا مع القضايا الوطنية. هذا التمويه ليس مجرد تمثيل، بل استراتيجية أمنية دقيقة تتيح لهم التوغل داخل المجتمع بأقل قدر ممكن من الاشتباه. وقد نفذ هؤلاء العديد من عمليات الاغتيال الدقيقة لقادة ميدانيين في فصائل المقاومة، مثل ما حدث في جنين ونابلس وبيت لحم، مستخدمين سيارات مدنية وأسلحة خفيفة، وفي بعض الحالات متخفين بزي أطباء أو صحفيين.
في حالة اكتشاف أحد المستعربين، تبادر إسرائيل إلى تنفيذ انسحاب سريع من الميدان، وقد توفر له غطاءً قانونيًا وإعلاميًا، بل وتكافئه أحيانًا على “الشجاعة في الميدان”. يتم بعد ذلك دراسة العملية بعمق داخل الأجهزة الأمنية لاستخلاص الدروس وتحسين وسائل التخفي والتسلل. وتُعد هذه الوحدات من بين أولويات الأمن القومي الإسرائيلي، لما لها من دور حاسم في جمع المعلومات الاستخباراتية، وتنفيذ العمليات دون إثارة الرأي العام الدولي كما يحدث في الغارات الجوية أو الاجتياحات العسكرية العلنية.
مع تطور التكنولوجيا، بدأت إسرائيل توظف مستعربين من نوع جديد: إلكترونيين. هؤلاء لا يتجولون في الشوارع، بل في الفضاء الرقمي. ينشئون حسابات بأسماء وصور وهمية، يتحدثون بلسان فلسطيني، يشككون في رموز المقاومة، ينشرون إشاعات، يزرعون الفتن، ويوجهون الرأي العام نحو الإحباط أو الانقسام. تقارير استخباراتية أكدت أن بعض هذه الحسابات ترتبط بوحدة 8200 التابعة للاستخبارات العسكرية الإسرائيلية، وتُدار باستخدام الذكاء الاصطناعي لتحليل سلوك الجمهور واستهدافه.
الأخطر أن هؤلاء لا يكتفون بالأدوار الأمنية؛ فهم يدخلون في تفاصيل المجتمع المدني، الإعلام، الجمعيات الخيرية، والهيئات الطلابية. يستثمرون نقاط ضعف الأفراد، من فقر وحاجة للعلاج أو ضغوط اجتماعية، لتجنيدهم أو ابتزازهم، وبالتالي خلق شبكة غير مرئية من العملاء المستترين. هؤلاء يُعتبرون أحيانًا أكثر خطورة من الجنود الذين يحملون السلاح علنًا، لأنهم يتحركون باسم الفلسطيني، ويتحدثون بصوته، وينقلون عنه ما لا يدري.
إن صعوبة اكتشاف المستعربين وتعقيد شبكاتهم لا يعني أنهم عصيون على المقاومة. فالتجربة الفلسطينية، خاصة في غزة والضفة، طورت أدوات مضادة، مثل الأمن الداخلي، والرقابة المجتمعية، ومراقبة سلوكيات مشبوهة، ونشر الوعي الشعبي بخطورة الحديث العلني عن التحركات والمقاومين. إن الوعي الجمعي هو خط الدفاع الأول، واليقظة الشعبية هي الحصن الذي يُفشل عشرات العمليات.
في النهاية، يظل المستعربون وجهًا قبيحًا لصراع غير متكافئ، يستخدم فيه الاحتلال كل الوسائل لتفتيت البنية الوطنية الفلسطينية من الداخل. لكن كلما تطور هذا التهديد، تطورت أيضًا أدوات الوعي والمقاومة والفرز المجتمعي، وهو ما يجعل من هذا الصراع معركة وعي بامتياز، لا تنتهي إلا بتحرر الإنسان من كل أشكال الاختراق والسيطرة.
ثانيا: العملاء …. السلاح الخفي الذي ينخر عظام المقاومة الفلسطينية من الداخل
لا يحمل العميل بندقية، لكنه قد يكون هو الذي يحدد أين ومتى ستُطلق. هو ليس جنديًا نظاميًا، بل أداة اختراق ناعمة، تُسخّر لتوجيه الرصاصة نحو القلب المقاوم في اللحظة الحاسمة. خطورته لا تكمن في سلاح ظاهر، بل في دوره الخفي الذي يتسلل به إلى النسيج الاجتماعي والأمني الفلسطيني، فيساهم من حيث لا يُرى في إفشال عمليات، واغتيال قادة، وتفكيك الثقة بين الأفراد، وهدم البيوت على من فيها.
تتعدد وسائل تجنيد هؤلاء العملاء، ولا تقتصر على الإكراه أو القوة. في كثير من الحالات، يُجنَّد العميل بالترغيب، أو تحت وطأة الابتزاز، أو بدافع الحاجة والفقر، أو كخيار وحيد أمام مريض يبحث عن علاج، أو سجين يواجه التعذيب والتهديد. يبدأ الأمر بخطوة صغيرة: التعاون لمرة واحدة، ثم سلسلة تنازلات لا تنتهي. وفي كثير من الأحيان، يعيش العميل بين أهله ومجتمعه لسنوات دون أن يُكتشف، حتى تُراق دماء المقاومين، أو يُفشل كمين، أو تنهار خلية مقاومة بكاملها.
العميل هو الجسر الأخطر الذي تبنيه الاستخبارات الإسرائيلية بين الأرض الفلسطينية وغرف العمليات العسكرية في تل أبيب. بواسطته، تصل الخرائط، وتُحدد الأهداف، وتُراقب الهواتف، وتُزرع الشرور. يقوم بزرع أجهزة التتبع في سيارات المقاومين، ويبلغ عن تحركاتهم، ويشيع أخبارًا كاذبة تثير البلبلة داخل الفصائل، وقد يكون هو من يشير بإصبعه – خفية – نحو الهدف في لحظة تنفيذ الاغتيال.
هذا النشاط لا يقتصر على البعد الأمني فقط. إسرائيل، بفهمها المعمق للحرب النفسية، تستثمر في «العميل الإعلامي» و«الرقمي». هؤلاء لا يتواجدون في الميدان بل في الفضاء الإلكتروني. يتقمصون أسماء وصورًا فلسطينية، وينشرون الشك، ويضعفون المعنويات، ويشككون في جدوى المقاومة، ويُهينون رموزها ويُفرغونها من رصيدها الشعبي. إنها عملية تفكيك صامتة، لا تحدث بصوت القنابل، بل بهمسات التشكيك والخيانة المغلفة بالوطنية الزائفة.
أما من حيث التنظيم، فإن شبكات العملاء تُدار من قبل أجهزة الاحتلال الأكثر سرية، وعلى رأسها “الشاباك” ووحدة الاستخبارات العسكرية “أمان”، إضافة إلى وحدات متخصصة بالتجنيد والاستثمار البشري. تتنوع أساليب التجنيد بين الضغط الاقتصادي، والملاحقات القانونية، والترهيب بالفضائح الشخصية، وحتّى عبر شبكات التواصل الاجتماعي حيث تتم مراقبة السلوكيات الرقمية للأفراد المستهدفين.
في قطاع غزة والضفة الغربية، أنشأت هذه الأجهزة شبكات متعددة المستويات، موزعة بين جواسيس محليين ومجندين موسميين ومندسين داخل الحراك المدني. بعضهم يُستخدم لتنفيذ مهام قصيرة الأجل، والبعض الآخر يُربّى كعميل طويل المدى، يُدجّن بعناية ليتسلل إلى مراكز اتخاذ القرار.
تشير تقارير متعددة، من بينها تقارير صادرة عن مركز “مدى الكرمل” ومعهد الدراسات الفلسطينية، إلى أن إسرائيل تخلّت بين عامي 2016 و2019 عن أكثر من 4000 عميل فلسطيني، بعد انكشاف تعاونهم مع الاحتلال، حيث طلب كثير منهم اللجوء أو الإقامة داخل إسرائيل خوفًا على حياتهم، لكن عددًا قليلاً فقط حصل على الحماية، مما يعكس استخفاف المؤسسة الأمنية الإسرائيلية بمن استخدمتهم كبطاقات احترقت في معركتها الاستخباراتية.
تبقى مواجهة هذا الخطر رهينة بقدرة المقاومة على تطوير أدواتها الأمنية، وبناء وعي مجتمعي محصّن ضد أساليب التغلغل النفسي والاجتماعي، وتعزيز ثقافة اليقظة، والمساءلة، والتماسك الداخلي. لأن الحرب مع العدو ليست فقط على الأرض، بل في الوعي والذاكرة والثقة بين الناس. العدو لا يحتاج لاقتحام المدن دائمًا، فبعض البوابات تُفتح له من الداخل.
ثالثا: العملاء في دول الجوار…. أذرع إسرائيل الممتدة خارج حدود فلسطين
لم تعد الجغرافيا حاجزًا أمام أنشطة الاستخبارات الإسرائيلية، بل تحولت دول الجوار العربي، وخاصة تلك التي تحتضن لاجئين فلسطينيين أو نشاطًا للمقاومة، إلى مسارح نشطة لاختراقات أمنية عبر شبكات عملاء منظمة ومدربة. في لبنان، وسوريا، والأردن، ومصر، وحتى في بعض دول الخليج والمغرب العربي، استطاعت إسرائيل أن تنسج خيوطًا خفية لجمع المعلومات، مراقبة القيادات، ونقل تفاصيل حساسة عن التحركات والمخططات، بل وتنفيذ اغتيالات أو عمليات تخريبية بأيدٍ غير مرئية.
في لبنان، حيث ينشط حزب الله والفصائل الفلسطينية، كشفت الأجهزة الأمنية اللبنانية خلال العقدين الأخيرين عددًا من الشبكات المرتبطة بالموساد. في عام 2009، فككت المديرية العامة للأمن العام واحدة من أخطر هذه الشبكات، التي ضمّت عسكريين ومهندسين، بل وحتى إعلاميين. وقد اعترف بعض أفرادها بأنهم جُنّدوا خلال سفرهم إلى الخارج أو عبر التواصل الإلكتروني، وأنهم زودوا إسرائيل بمعلومات عن مواقع لحزب الله، وشخصيات فلسطينية مقيمة في لبنان. وتكررت هذه الاكتشافات لاحقًا، كما حدث عام 2021 عندما تم ضبط خلية تتجسس على قيادات في حزب الله لصالح الموساد، مستخدمة تقنيات تنصت متطورة وكاميرات مخفية.
أما في سوريا، فقد استغلت إسرائيل حالة الحرب والانقسام الداخلي لتوسيع نفوذها الاستخباراتي. حيث عملت على تجنيد أفراد داخل الجنوب السوري، خاصة في المناطق الحدودية مع الجولان المحتل. ووفقًا تقارير صادرة عن قناة الميادين والوكالة العربية السورية للأنباء (سانا)، فإن الموساد جند عملاء محليين لتحديد مواقع تمركز قوات إيرانية وفصائل موالية لإيران، وهو ما مهد الطريق أمام سلسلة من الغارات الجوية الدقيقة.
في الأردن، ورغم العلاقات الرسمية مع إسرائيل، تبقى الساحة مراقَبة بعناية من الطرفين. ومع أن السلطات الأردنية لا تكشف بسهولة عن تفاصيل أمنية، إلا أن بعض الحوادث مثل المحاولة الفاشلة لاغتيال القيادي في حماس خالد مشعل عام 1997 – التي نفذها عملاء للموساد باستخدام السم – أظهرت وجود نشاط استخباراتي مباشر. وقد حاولت إسرائيل مرارًا التجنيد عبر مقيمين أردنيين أو فلسطينيين في المملكة، خاصة أولئك القادرين على التنقل بين الضفتين.
وفي مصر، وعلى الرغم من شراسة الجهاز الأمني المصري، تم ضبط شبكات تجسس إسرائيلية عديدة، كان أشهرها قضية عزام عزام في تسعينيات القرن الماضي، إلى جانب خلية كشفت في سيناء عام 2011 ضمت أفرادًا يتعاونون مع الموساد لجمع معلومات عن تحركات المقاومة الفلسطينية في قطاع غزة وعن الأنفاق.
ولا يقتصر نشاط العملاء في دول الجوار على الجانب العسكري فقط، بل يمتد إلى المجال الإعلامي والسيبراني. في دول الخليج، حيث يتزايد التطبيع، ظهرت تقارير عن محاولات تجنيد إلكتروني عبر شبكات التواصل الاجتماعي، وإقامة علاقات مع أفراد فاعلين في المجال الإعلامي لنشر محتوى موجّه، يخدم الرواية الصهيونية ويشوّه رموز المقاومة. كما كشف تقرير موقع “ذا إنترسبت (The Intercept) في 2021 عن وجود حسابات مموَّلة تعمل بتوجيه من شركات مرتبطة بأجهزة الاستخبارات، هدفها تفكيك التأييد الشعبي العربي للمقاومة والتشكيك في وحدة مصير المجتمعات العربية وخلق بيئة ناعمة لصورة إسرائيل.
تكشف هذه الأمثلة أن العملاء في دول الجوار ليسوا فقط أدوات تجسس، بل يمثلون بنية متكاملة من الأذرع السرية التي تعمل على تطويق المقاومة من خارج حدود فلسطين، عبر المعلومة، أو الاختراق، أو التشويه، أو حتى تنفيذ عمليات ميدانية. وهو ما يفرض تحديات جسيمة على فصائل المقاومة، تستوجب ليس فقط التحصين الداخلي، بل بناء شبكة أمن إقليمي مضادّة قادرة على فضح هذه الأدوات، وقطع مساراتها قبل أن تتحول إلى خناجر مغروسة في الخاصرة العربية.
رابعا: العيون المستترة …. معركة الوعي في مواجهة اختراق العملاء
في خضم صراع مفتوح ومعقد مع كيان احتلالي توسعي يمتلك منظومة أمنية فائقة التطور وشبكات تجسس تمتد من الضفة إلى غزة، وتتغلغل من داخل فلسطين إلى عمق الإقليم العربي، مرورًا بدول الجوار، تواجه المقاومة الفلسطينية تهديدًا من طبيعة مختلفة تمامًا، لا يأتي من فوهة البندقية فحسب، بل من شبكات خفية تنخر في الجبهة الداخلية وتحاول تقويض الصمود من الداخل:
العملاء. هؤلاء لا يواجهون المقاومة بالسلاح، بل بما هو أخطر؛ يفتحون الأبواب للعدو ليضرب من الداخل، يمررون له المعلومة، يرشدونه إلى الهدف، وقد يقودون البندقية إلى رأس المقاوم دون أن يطلقوها بأيديهم.
مواجهة هذه الفئة لا تندرج فقط ضمن الجهد الأمني الكلاسيكي، بل تتطلب هندسة أمنية مجتمعية جديدة، تضع الوعي الجمعي في قلب المعركة. من هذا المنطلق، أدركت الفصائل الفلسطينية، وفي مقدمتها حركتا حماس والجهاد الإسلامي، خطورة الظاهرة مبكرًا، فأنشأت أذرعًا أمنية متخصصة تُعنى بتعقب العملاء، مستخدمة أدوات حديثة تتراوح بين التحقيقات النفسية، والتحليل الرقمي، والتقنيات التكنولوجية المتطورة، لا سيما بعد اتساع رقعة التجنيد عبر الإنترنت وتطبيقات المراسلة.
واحدة من أبرز المحطات التي كشفت عمق هذا التهديد كانت عام 2019، حين أعلنت المقاومة عن كشف خلية تجسس تعمل تحت غطاء طبي وتتنقل في سيارة إسعاف، حيث كانت مهمتها زرع أجهزة تعقب ورصد تحركات المقاومين في قطاع غزة. التحقيقات أظهرت استغلالًا سافرًا للطابع الإنساني، الأمر الذي يؤكد على أن شبكات العملاء باتت تعتمد على التخفي المتقن لاختراق المجتمعات المحلية دون أن تُكشف بسهولة. وتشير تقارير مثل تقرير مركز الميزان لحقوق الإنسان (2020) إلى أن الاحتلال يُكثف تجنيده عبر وسائل خادعة تشمل عروض العمل الوهمية، والابتزاز الجنسي، والضغط على المحتاجين والمرضى والموقوفين.
ورغم أهمية الجهد الأمني، إلا أن محاربة هذه الشبكات تبدأ أولًا بالتحصين الداخلي. ليس عبر الشعارات وحدها، بل من خلال نشر وعي عميق داخل العائلات والمدارس والمجتمع المدني بأسره. المطلوب ليس فقط كشف الجواسيس، بل منع ولادتهم. والمطلوب أكثر من ذلك أن يشعر من يُستهدف بالتجنيد أن المجتمع لا يتركه وحيدًا، وأن هناك شبكة أمان تحميه وتدعمه وتمنحه البدائل الكريمة عن الخيانة.
الرد على هذا النوع من الحروب لا يكون فقط أمنيًا، بل معرفيًا وتكنولوجيًا. يجب تطوير أدوات رقمية ذكية قادرة على رصد أنماط السلوك المشبوه، وتحليل شبكات الاتصال المشبوهة، وتتبع محاولات الاختراق حتى قبل وقوعها. وفي المقابل، يجب أن تتغير الرواية المجتمعية: ألا يكون للعميل أي مبرر اجتماعي أو إنساني، بل يُفهم فعل الخيانة على أنه تفكيك لجدار الأمان الوطني والمجتمعي.
المقولة المتداولة في الأوساط الفلسطينية: “لولا العملاء، لكانت إسرائيل عمياء”، لم تعد مجرد تعبير غاضب، بل حقيقة أمنية. فالمحتل لا يرى ما يجري في الأحياء والمخيمات إلا بأعين مستعارة، ولا يسمع إلا بآذان مُجنّدة. هؤلاء قد يجلسون في المقاهي، وقد يشاركون في التظاهرات، وقد يتظاهرون بالمقاومة، وهم في الحقيقة طُعم مرسل لتفكيك الداخل من دون طلقة.
ولأن الاحتلال يطوّر أدواته باستمرار، فإن واجب المقاومة والمجتمع الفلسطيني هو أن يسبقه بخطوة، بتطوير عقل أمني جماعي يسبق العميل إلى هدفه، ويمنعه من التحرك بحرية. المطلوب ليس فقط أن نُحاسب من يسقط، بل أن نغلق أمامه طريق السقوط.
إن المعركة مع العملاء ليست فقط دفاعًا عن أمن المقاومة، بل هي معركة على هوية المجتمع الفلسطيني نفسه. مجتمع بلا مناعة داخلية، لا يمكنه الصمود أمام طوفان العدو، ومجتمع يعرف كيف يحصن ذاته، هو مجتمع قادر على أن ينتصر دون أن ينتظر المعونة من أحد. فحين يُحرر الفلسطيني وعيه، يكون قد حرر أرضه قبل أن يرفع السلاح.




