المساءلة الدولية الغائبة: هل ما زال لمجلس الأمن شرعية قانونية؟

د. محمد السنوسي..

منذ أكثر من 18 شهراً، تتعرض غزة لقصفٍ متواصل، حيث تُهدم المنازل فوق رؤوس ساكنيها وتُرتكب المجازر بدمٍ بارد. وفقاً لوزارة الصحة الفلسطينية، يقترب عدد القتلى 60,000 شخص، بينهم أكثر ثلث هذا العدد من الاطفال، مع إبادة مئات العائلات بالكامل دون ناجين يروون القصة. تحولت المدارس إلى مقابر، والمستشفيات إلى أهداف عسكرية. شبكة الكهرباء مشلولة، والمياه نادرة، والمجاعة تُستخدم كسلاح. يعيش أكثر من مليوني وثلاثة مائة ألف إنسان تحت الحصار، حيث لا تفرق آلة الحرب بين مقاوم ورضيع. في خضم هذا الجحيم، يقف مجلس الأمن الدولي، الهيئة المفترض أنها المعنية بحفظ السلم والأمن الدوليين، متفرجاً، عاجزاً، بل متواطئاً بصمته وتخاذله الممنهج.

أين كان مجلس الأمن عندما تحوّل مستشفى الشفاء إلى ساحة للقتل والدمار؟ أين كان حين قُصفت مدارس الأونروا التي احتمى بها آلاف المدنيين؟ بل أين كان عندما استهدفت إسرائيل قوافل الإغاثة التابعة للأمم المتحدة نفسها، واغتالت موظفيها؟ لماذا لم يُحرّك ساكناً عندما هوجم سفراء ودبلوماسيون خلال زيارتهم الأخيرة إلى جنين؟ والأدهى من ذلك، حين تعترف إسرائيل علناً بأنها تعمدت قصف خيام النازحين في رفح، وقتلت أكثر من 45 مدنياً حرقاً، بينما العالم يراقب، والمجلس يلتزم الصمت.

هذا الصمت ليس حياداً، بل تواطؤ محمي قانونياً عبر “الفيتو”، الذي تستخدمه دول دائمة العضوية – وعلى رأسها الولايات المتحدة – كدرع يحمي إسرائيل من أي إدانة أو محاسبة، مهما كانت الجريمة بشعة أو موثّقة.

الخلل ليس ناتجاً عن نقص في الأدوات أو النصوص القانونية. بل العكس، النظام القانوني الدولي يملك ترسانة من القواعد التي تجرّم استهداف المدنيين، تدمير البنية التحتية المدنية، استخدام المجاعة كسلاح، والقتل الجماعي. اتفاقيات جنيف، النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، ميثاق الأمم المتحدة، كلها تنص على حماية المدنيين أثناء النزاعات. لكن كل هذه المرجعيات تُجمد حين يتعلق الأمر بفلسطين.

في مارس 2024، أسقطت الولايات المتحدة مشروع قرار يطالب بهدنة إنسانية فورية في غزة، رغم دعم 13 عضواً وامتناع عضو واحد فقط. هذا السلوك المتكرر يُفرغ المجلس من أي معنى. لم يعد مكاناً لاتخاذ القرار الجماعي، بل رهينة في يد من يملك “حق النقض”. إنه مجلس لا يطبق قراراته، ولا يُنفذ توصياته، ولا يحاسب منتهكي القانون الدولي. حتى عندما أصدر المجلس قرارًا بوقف إطلاق النار المؤقت في أبريل 2024، تجاهلته إسرائيل علناً دون أي تبعات.

ما تبقى من شرعية مجلس الأمن تآكل بفعل الانتقائية والفشل الأخلاقي. تجاهله لتقرير لجنة التحقيق الأممية، الذي أكد وجود “أسس معقولة للاعتقاد بارتكاب إسرائيل جرائم إبادة جماعية في غزة”، دليل آخر على التواطؤ. فلو أن دولة أخرى، غير إسرائيل، ارتكبت ربع ما ارتكبته في غزة، لقامت الدنيا ولم تقعد، ولتم تحريك المحكمة الجنائية الدولية على الفور.

إن ازدواجية المعايير التي يُدار بها مجلس الأمن، وفشله المزمن في حماية الشعب الفلسطيني رغم صدور عشرات القرارات الأممية ذات الصلة—مثل القرار 242، و338، و497—تُثير سؤالاً وجودياً عميقاً حول جدوى هذه المؤسسة الأممية. كيف لمجلسٍ أُنشئ لحفظ السلم والأمن الدوليين أن يقف عاجزاً أمام جريمة إبادة تُبثّ على الهواء مباشرة؟

لقد خصصتُ فصلاً كاملاً لتحليل هذا التناقض الصارخ، معززاً بنصوص القانون الدولي ومبادئ العدالة الكونية، في كتابي الأخير عالم ما بعد طوفان الأقصى: مفارقات الغرب ونهاية النظام الدولي، الصادر في مارس الماضي. وفيه بيّنت أن ما نشهده اليوم لا يُعد فقط إخفاقاً وظيفياً لمجلس الأمن، بل انهياراً أخلاقياً لمنظومةٍ دولية لم تعد قادرة حتى على حماية أبسط الحقوق الإنسانية.

ما نعيشه اليوم ليس مجرد فشل سياسي، بل سقوط أخلاقي وقانوني مدوٍّ لمجلس الأمن، يستدعي من المجتمع الدولي كله إعادة النظر في موقع هذه المؤسسة من النظام العالمي. لقد أصبح المجلس عقبة أمام السلم لا أداة لحمايته. أصبح أداة لإدارة النزاعات بدلاً من حلها، وفق مصالح الدول الكبرى لا وفق مبادئ القانون الدولي.

يحقّ للمنتظم الدولي، وفي طليعته الدول المتضررة من هذا الخلل البنيوي، أن تطالب بتجميد دور مجلس الأمن، وفتح نقاش واسع حول إصلاح جذري أو استبداله بهيئة أممية جديدة تعكس ميزان القوى الحقيقي، وتضمن عدالة القرارات، ومحاسبة كل من ينتهك القانون الدولي دون استثناء.

يمكن الاستناد قانونياً إلى المادة 109 من ميثاق الأمم المتحدة، التي تتيح الدعوة إلى مؤتمر عام لإعادة النظر في الميثاق نفسه. كما يمكن للدول الأعضاء، أو حتى المنظمات الإقليمية (كالاتحاد الإفريقي أو منظمة التعاون الإسلامي)، أن تقود مبادرات جماعية تطالب بآليات بديلة لضمان الأمن والسلم، بعيداً عن هيمنة مجلس بات رهينة المصالح الجيوسياسية.

محاكمة مجلس الأمن ـــ ولو سياسياً وأخلاقياً ـــ ليست فقط ضرورية، بل واجبة. منظمات المجتمع المدني، التحالفات الحقوقية الدولية، المحاكم الرمزية، والدول التي تملك الشجاعة السياسية، عليها جميعاً أن تضع هذا المجلس في قفص الاتهام، وتُحمّله المسؤولية عن شلل النظام العالمي تجاه الإبادة الجارية.

ولعل المحكمة الجنائية الدولية، رغم كل القيود، مطالبة بفتح تحقيق لا يقتصر فقط على مرتكبي الجرائم الميدانية، بل على كل من سهّل أو شرعن استمرارها، بمن فيهم الدول التي عطّلت صدور القرارات الرادعة.

إن الساكت عن الجريمة شريك فيها، ومجلس الأمن، بكل وضوح، شريك كامل في الجريمة المستمرة في فلسطين. هذا الصمت لم يعد صمتاً دبلوماسياً، بل صار غطاءً قانونياً ودعماً سياسياً موثّقاً. آن الأوان لكسر هذا الصمت، لا بالبكاء على الضحايا، بل بتحطيم أدوات الإذعان الدولي التي جعلت من العدالة سلعة تُدار من غرف مغلقة، لا حقاً تحفظه القوانين.

شلل مقصود ومؤسساتي: قراءة قانونية في تعطل مجلس الأمن وفقدانه للشرعية الأخلاقية

ما نشهده اليوم في مجلس الأمن لا يُعد مجرد فشل عرضي أو تعثر في اتخاذ القرار، بل هو شللٌ مؤسساتي مقصود، ناتج عن هيمنة سياسية ممنهجة، تُعطل الأدوات القانونية وتُفرغ المبادئ الإنسانية من محتواها، خصوصاً حين يتعلق الأمر بفلسطين.

أولاً: النصوص القانونية واضحة ولا لبس فيها

الخلل لا يكمن في غياب القواعد القانونية الدولية، بل في إرادة تفعيلها. فالمجتمع الدولي، عبر عقود من التراكم القانوني، أسّس لنظام صلب لحماية المدنيين في النزاعات المسلحة، من أبرز دعائمه:

  • اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949 والبروتوكولات الإضافية، التي تنص بوضوح على تجريم استهداف المدنيين، وتدمير البنية التحتية المدنية، وحرمان السكان من المواد الأساسية، وفرض الحصار بقصد التجويع.
  • النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية (نظام روما لعام 1998)، يدرج في مادته الثامنة استهداف المدنيين، تدمير الممتلكات دون ضرورة عسكرية، والتجويع المتعمد، ضمن “جرائم الحرب”، كما تندرج المجازر الواسعة في إطار “جرائم ضد الإنسانية” بل و”الإبادة الجماعية”.
  • ميثاق الأمم المتحدة في مادته 24 يلزم مجلس الأمن بحفظ السلم والأمن الدوليين، ويمنحه السلطة لإصدار قرارات ملزمة تحت الفصل السابع، بما في ذلك التدخل لوقف المجازر، وفرض العقوبات، وتشكيل محاكم خاصة.

ثانياً: مجلس الأمن يعلق أدواته حين يتعلق الأمر بفلسطين

لكن هذه المرجعيات القانونية تُجمد عندما يكون الضحية فلسطينياً، والجاني طرفاً مدعوماً من دولة دائمة العضوية في المجلس. ففي مارس 2024، أسقطت الولايات المتحدة مشروع قرار يدعو لهدنة إنسانية فورية في غزة، رغم دعم 13 عضواً وامتناع عضو واحد. هذه ليست المرة الأولى؛ بل هي جزء من سلسلة من الفيتوهات الأميركية التي أجهضت أكثر من 40 مشروع قرار منذ عام 1972 يخص الوضع في فلسطين.

والأدهى أن حتى عندما يُصدر المجلس قراراً، كما حصل في أبريل 2024 بوقف إطلاق نار مؤقت، تتجاهله إسرائيل علناً دون أي تبعات، ما يعني أن المجلس لا يملك لا آلية للتنفيذ، ولا إرادة لفرض احترام قراراته، ولا رادع لمَن ينتهكها.

ثالثاً: العطل البنيوي وفقدان الشرعية

أصبح مجلس الأمن، فعلياً، رهينة في يد من يمتلك “حق النقض”، وهو ما يُشكل عطباً بنيوياً يقوّض المبادئ التي قامت عليها الأمم المتحدة. كيف يمكن الحديث عن “مساواة بين الدول” أو عن “العدالة الدولية” إذا كان طرف واحد يمكنه نسف أي قرار مهما كانت شرعيته الأخلاقية والقانونية؟

إن هذا الوضع يجعل من مجلس الأمن شريكاً ضمنياً في الجريمة، ليس فقط بتقاعسه، بل بمنعه صدور قرارات تمنع استمرار الإبادة. هنا نكون أمام مسؤولية جنائية وسياسية لا ينبغي أن تظل في دائرة التنديد، بل يجب أن تُفعّل.

رابعاً: إجراءات تنفيذية مقترحة

في ضوء هذا التعطيل الممنهج لأدوات القانون الدولي، وسكوت مجلس الأمن عن جريمة موثّقة بأدلة دامغة، لم يعد الاكتفاء بالتنديد كافياً، بل بات من الضروري الانتقال إلى خطوات عملية وبدائل مؤسسية، تضع حداً للإفلات من العقاب وتعيد الاعتبار للعدالة الدولية. وفي هذا الإطار، نُقدّم جملة من الإجراءات التنفيذية المقترحة :

  1. اللجوء إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة وفق مبدأ “الاتحاد من أجل السلم (القرار 377 لعام 1950)، الذي يسمح للجمعية باتخاذ تدابير جماعية إذا فشل مجلس الأمن في التحرك بسبب “الفيتو”. الجمعية يمكنها إصدار توصيات قوية، وتشكيل لجان تحقيق دولية، وفرض عزلة سياسية على الدول المعرقلة.
  2. تفعيل اختصاص المحكمة الجنائية الدولية، التي يمكنها النظر في الجرائم المرتكبة في غزة، استناداً إلى اعتراف فلسطين بها كدولة طرف. كما يمكن للمدعي العام للمحكمة، بموجب المادة 15، فتح تحقيق من تلقاء نفسه.
  3. تأسيس تحالف دولي خارج إطار مجلس الأمن على غرار تحالف “أصدقاء المحكمة الجنائية”، للضغط على تطبيق القانون الدولي، وفرض عقوبات سياسية واقتصادية على المسؤولين عن العرقلة والجرائم.
  4. الدعوة إلى مؤتمر دولي استثنائي لإعادة النظر في ميثاق الأمم المتحدة، استناداً إلى المادة 109، للحدّ من تعسف استخدام “الفيتو”، أو فرض آليات تقيّد استعماله في قضايا الإبادة وجرائم الحرب.
  5. رفع دعاوى أمام المحاكم الوطنية والدولية بناءً على مبدأ “الاختصاص العالمي”، لمحاكمة مسؤولين إسرائيليين أو داعمين لهم، في الدول التي تسمح قوانينها بذلك، كما فعلت سابقاً بلجيكا وإسبانيا في قضايا جرائم حرب.

من الصمت إلى التواطؤ… نحو محاكمة مجلس الأمن
ما يحدث في مجلس الأمن الدولي لم يعد مجرد خلل عرضي أو عثرة دبلوماسية، بل هو عطب ممنهج، يجعل من القانون الدولي أداة انتقائية تخدم مصالح الأقوياء، وتمنح الإفلات من العقاب غطاءً مؤسسياً. هذا الشلل المقصود لا يُهدد الفلسطينيين وحدهم، بل يقوّض ما تبقى من شرعية النظام الدولي الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية على أنقاض الفاشية وتحت راية العدالة وحقوق الإنسان.

إن صمت مجلس الأمن عن الإبادة الجارية في غزة، أمام أعين العالم وبأدلة موثقة، لم يعد مجرد سكوت دبلوماسي، بل تواطؤ واضح، يرقى إلى المشاركة في الجريمة. فالمتفرج على جريمة مستمرة، وهو يمتلك أدوات وقفها ولا يفعل، لا يمكن اعتباره إلا شريكاً كاملاً في الجريمة.

لقد آن الأوان لطرح السؤال الجريء: هل ما زال لمجلس الأمن شرعية أخلاقية وقانونية؟
وإذا ثبت عجزه البنيوي، بل مساهمته الفعلية في إدامة المآسي، فالمطلوب ليس فقط إصلاحه، بل محاكمته ككيان مسؤول عن تعطيل العدالة الدولية.
محاكمة لا تتم بالبكاء على الضحايا، بل بكسر أدوات الإذعان الأممي، واستعادة المعنى الإنساني للقانون الدولي، بعيداً عن الغرف المغلقة التي تُدار فيها العدالة كسلعة.
إنها ضرورة حضارية، لا ترفاً سياسياً.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى