
د. محمد السنوسي..
لم تشهد البشرية في تاريخها الحديث، حتى في أحلك فصولها وأكثرها دموية، ما يُضاهي ما يقترفه “الصهاينة المهووسون بالدم“ من جرائم يومية في قطاع غزة. هؤلاء النازيون الجدد في إسرائيل، الذين أعادوا إحياء أبشع تقاليد الفاشية تحت غطاء “الدفاع عن النفس”، يمارسون الإبادة الجماعية بكل ما تحمله الكلمة من معنى، بل يتلذذون بها ويتباهون بها على المنابر، حيث لا يتردد وزراء في حكومة نتنياهو في الاحتفال بقتل الأطفال وتدمير البيوت على رؤوس ساكنيها.
وعندما أصف طغمة نتنياهو وحكومته الفاشية بـ”الصهاينة المهووسين بالدم”، فإنني لا أطلق وصفًا انفعاليًا، بل أعبّر بدقة عن واقع مرير تجسده أيديولوجيتهم الإقصائية، القائمة على التفوق العنصري والقتل العمد كأداة للهيمنة. هذا التوصيف لم يعد يحتاج إلى برهان، فقد لخّص يائير غولان، أحد كبار قادة الجيش الإسرائيلي سابقًا ورئيس حزب “الديمقراطيين”، مستوى الانحدار الأخلاقي الذي بلغته هذه الحكومة بقوله الصادم: “قتل الأطفال بات هواية لديها“.
إنها هواية دموية مَرَضية، متجذّرة في عقول ونفوس قادة هذا الكيان الفاشي، تدفعهم إلى سادية ممنهجة في ارتكاب المجازر بلا انقطاع، متحدّين كل القوانين الدولية، ودافنين كل ما تبقّى من الأخلاق والإنسانية. في هذا الجحيم المفتوح على غزة، تُحوَّل المستشفيات إلى مقابر، تُسحق المدارس فوق رؤوس أطفالها، وتُزهق أرواح الأبرياء بدمٍ بارد، بينما يغرق العالم إما في صمت معيب أو تواطؤ مفضوح. ومع ذلك، فإن الزلزال الشعبي بدأ يهزّ أركان الصمت الغربي، والبرلمانات، التي طالما غطّت على جرائم إسرائيل، بدأت ترتجف تحت ضغط الشارع، وتعيد – ولو بخجل – النظر في دعمها لهذا الكيان الإجرامي.
في هذا السياق الدموي الكاشف، بدأت تتبلور ملامح تحوّل حقيقي في الساحة الدولية، وإن كان بطيئًا ومتفاوتًا، إلا أنه يعكس دينامية جديدة لا يمكن تجاهلها. لكن هذا التحول لم يأتِ من فراغ، ولم يكن نتيجة مراجعة أخلاقية فجائية من قبل الدول الغربية، بل جاء نتيجة معادلة نضالية فرضها الشعب الفلسطيني والمقاومة على الأرض، وعلى الرأي العام العالمي، رغم الإمكانيات المتواضعة والحصار المستمر.
لقد انفجرت في الأسابيع الأخيرة معادلة جديدة، كأنها صفعة نارية على وجه نظام دولي أعماه النفاق والتواطؤ: شعب فلسطيني أعزل، محاصر، مهدور الحقوق، لكنه واقف بشموخ من لا يركع، ينزف كرامة ويكتب التاريخ بصبر من حديد. في غزة، وبعد أكثر من 18 شهرًا من حرب إبادة ممنهجة، تتحول المقاومة المسلحة إلى مدرسة عسكرية فريدة، تكشف عن أساليب ميدانية مذهلة: كمائن محكمة، أنفاق تمتد كالشرايين في قلب الاحتلال، عمليات استنزاف متقنة تُسقط ما تبقى من أسطورة “الجيش الذي لا يُقهر”. إنها مقاومة لا ترد فقط، بل تباغت وتربك وتعيد تشكيل الميدان والسياسة معًا. لم تعد مجرد صواريخ تُطلق، بل مشروع تحرر وطني يستهدف كيانًا هشًا في عمقه السردي والأخلاقي. وسقطت، أخيرًا، الأقنعة التي صنعها الإعلام الغربي، وتهاوت رواية “الضحايا الأبديين”، ليظهر الفلسطيني، لا كرقم في نشرات الأخبار، بل كقوة حية، فاعلة، تنسف الأكاذيب وتعيد كتابة معادلة الصراع بدم الشهداء وإرادة لا تنكسر
الرأي العام الغربي بدأ يتغير، مدفوعًا بحقائق ميدانية لا يمكن طمسها، وبفضل التغطية المباشرة للمجازر التي بثتها بعض المحطات التلفازية الوازنة ومنصات التواصل وفضحت نفاق المؤسسات الغربية. لم تعد المشاهد اليومية لانتشال الأطفال من تحت الأنقاض، أو مشاهد الأسر المفجوعة، مجرد “تفاصيل إنسانية”، بل تحولت إلى صدمة ضمير عالمي دفعت آلاف المواطنين الأوروبيين والأمريكيين إلى النزول إلى الشوارع في عواصم كبرى كـ”لندن، باريس، مدريد، أمستردام. برلين، نيويورك، وواشنطن“، رافعين شعارات صريحة تتهم إسرائيل بالإبادة وتدعو إلى وقف الدعم العسكري لها.
هذا الزخم الشعبي الجارف لم يكن مجرد حالة تعاطف عابرة، بل تحول إلى قنبلة ضغط انفجرت في وجه حكومات ظلت لعقود تتواطأ بالصمت أو تبرر جرائم الاحتلال. لقد اخترقت صيحات الشعوب جدران المؤسسات، فبدأت البرلمانات الغربية، الواحدة تلو الأخرى، تنفض عنها غبار التواطؤ وتقترب من اتخاذ خطوات غير مسبوقة.
في بريطانيا، علّق اليوم مجلس العموم اتفاقية التجارة الحرة مع الحكومة الإسرائيلية، في خطوة تمثل طعنة رمزية في خاصرة ما كان يُعتبر أحد أعتى التحالفات الاستراتيجية في أوروبا. قرار يعكس بوضوح حجم الغضب الشعبي البريطاني، ودرجة الإحراج الذي يعيشه صناع القرار تحت ضغط الرأي العام.
أما في إسبانيا، فقد بلغ التغيير حدًّا غير مسبوق، إذ يستعد البرلمان للتصويت على قانون يمنع تصدير أي نوع من الأسلحة لإسرائيل، وهو ما يشكل سحبًا علنيًا للشرعية الأخلاقية عن آلة القتل الصهيونية، ورسالة صريحة بأن أوروبا بدأت تدرك أن صمتها جريمة شراكة.
في الاتحاد الأوروبي، الذي ظل طويلًا حبيس لغة البيانات والبلاغات الرمادية، تلوح مؤشرات واضحة على أن ساعة الفعل قد دقّت. الحديث عن عقوبات على إسرائيل لم يعد همسًا في الأروقة الدبلوماسية، بل طرحٌ جدي يهدد بتقويض شبكة الحماية التي اعتادت تل أبيب الاحتماء بها.
في الولايات المتحدة، يشهد المشهد السياسي والأكاديمي تحولات لافتة في المواقف تجاه العدوان الإسرائيلي على غزة، تعكس انقسامًا متزايدًا داخل الحزب الديمقراطي، وتناميًا ملحوظًا في زخم الاحتجاجات الطلابية، فضلاً عن اهتزاز في مواقف بعض المثقفين. ففي داخل الحزب الديمقراطي، تتصاعد أصوات تطالب بوقف المساعدات العسكرية لإسرائيل وربطها باحترام حقوق الإنسان، وهو ما يمثل تحوّلًا نوعيًا في مواقف عدد من النواب الذين بدؤوا يجاهرون علنًا برفض الدعم غير المشروط لإسرائيل، مما يُحدث شرخًا داخل الحزب ويضع الإدارة الأمريكية أمام ضغوط متصاعدة لمراجعة سياساتها في الشرق الأوسط.
في الأوساط الجامعية، تحوّلت الجامعات الأمريكية الكبرى مثل هارفارد وييل وكولومبيا إلى ساحات مواجهة حقيقية، حيث شهدت وما زالت أكثر من 44 جامعة موجات احتجاج واسعة واعتقالات، ورفعت خلالها دعوات تطالب بوقف الحرب على غزة وسحب الاستثمارات من إسرائيل. هذه الانتفاضات الطلابية تعكس وعيًا متصاعدًا بين الجيل الجديد الذي لم يعد يرى في إسرائيل حليفًا ديمقراطيًا، بل كيانًا استعماريًا يمارس الفصل العنصري.
أما في الوسط الثقافي الأمريكي، فالصورة أكثر تباينًا، حيث يعبّر بعض المثقفين عن تضامنهم مع القضية الفلسطينية، بينما يلتزم آخرون الصمت أو يتخذون مواقف رمادية أو مؤيدة لإسرائيل، وهو ما أثار جدلًا متصاعدًا حول أخلاقيات الالتزام الإنساني ودور النخب الثقافية في التصدي لجرائم الإبادة.
كل هذه التطورات، على تعدد ساحاتها، تشير إلى بداية تحوّل في الوعي الأمريكي تجاه فلسطين. فالدعم الذي كان يُعدّ يومًا غير قابل للنقاش بات اليوم موضع مساءلة ونقاش داخل المؤسسات السياسية والأكاديمية والثقافية. لقد فرض صمود الشعب الفلسطيني، والمقاومة المستمرة، هذا التغيير التدريجي، ودفع بملف العدوان الإسرائيلي إلى قلب النقاشات الأمريكية، حيث لم يعد من الممكن التستر على فظائع الحرب أو تبريرها تحت مسمى “الدفاع عن النفس”.
هذه التحركات، وإن جاءت متأخرة، إلا أنها تمثل زلزالًا سياسيًا حقيقيًا. لقد أثبتت أن نبض الشعوب قادر على زعزعة صمت الحكومات، وعلى فرض مساءلة كانت حتى وقت قريب من المحرمات. إن لحظة انكشاف الأكاذيب قد حلّت، وما كان يُعتبر يومًا “تحالفًا مقدسًا” مع إسرائيل، بات الآن موضع مراجعة وتمحيص وتشكيك.
كل هذه الانقلابات الأخلاقية في المواقف الغربية ما كانت لتحدث لولا مشهد أسطوري من الصمود الفلسطيني. فالمقاومة لم ترفع فقط السلاح، بل رفعت منسوب الوعي العالمي، وكشفت زيف الإعلام المهيمن، وأحرجت العالم كله أمام دموع الأطفال وصرخات الأمهات تحت الركام. لقد فشل الاحتلال في كسر إرادة الفلسطينيين، بل هو اليوم من ينكسر، أخلاقيًا وسياسيًا، تحت عدسات الإعلام الحر وصفحات النشطاء.
وهنا، تتجلى المفارقة المهينة: بينما تتحرك شعوب أوروبا وأمريكا، وتضغط حتى بدأت حكوماتها تتأرجح في مواقفها، تقف الأنظمة العربية عاجزة، مترددة، غارقة في مستنقع التطبيع أو محاصرة لغضب شعوبها. الصمت العربي الرسمي، في وجه إبادة جماعية موثقة بالصوت والصورة، ليس مجرد تخاذل، بل تواطؤ معلن أو غير معلن، تُسقطه الشعوب في كل مظاهرة وكل موقف حر.
رغم الحرب والحصار الذي يعصف باليمن، يخرج الشعب اليمني كل جمعة إلى الشوارع متحديًا الصعاب، نصرة لغزة وأهلها. أما الشعب المغربي، فقد ملأ شوارع بلاده بمسيرات مليونية، يرفع فيها صوته عالياً منادياً بفلسطين، رافضاً الإبادة الجماعية ورافضاً التطبيع، مؤكداً أن الوجدان الشعبي لا يمكن ترويضه أو قمعه. وبقية الشعوب العربية، رغم قيود القمع التي تكتم أنفاسها، تظل تنبض بحرارة القضية الفلسطينية، تنتظر بصبر وانتصار لحظة الانفجار التي لا محالة ستأتي.
ما يحدث اليوم ليس مجرد تغيّر في المواقف، بل بداية انهيار جدار الصمت العالمي، وولادة ميزان وعي جديد تُعيد فيه الشعوب صياغة الموقف الأخلاقي من الاحتلال. لم يعد الفلسطيني الضحية الصامتة، بل أصبح الرقم الصعب الذي يقلب الطاولة ويُحرج المتواطئين، حتى داخل أكثر العواصم دعمًا لإسرائيل.
وفي مقابل هذا الوعي العالمي الصاعد، تبقى الأنظمة المتخاذلة وصمة عار على جبين التاريخ، بينما تسطر غزة ومقاومتها، بأشلاء أطفالها وأصوات أمهاتها، صفحة النصر الأخلاقي الأخير في وجه همجية القرن الحادي
إن ما يحدث اليوم ليس مجرد تحول سياسي عابر، بل هو لحظة كاشفة، فاصلة، تفضح المستور وتفضّح المتواطئين. لحظة سقطت فيها الأقنعة عن وجوه ادّعت الدفاع عن الحقوق والعدالة، فإذا بها غارقة حتى النخاع في دعم كيان يمارس أبشع صنوف الإبادة والتطهير العرقي. لقد أثبت الفلسطينيون – بمقاومتهم الباسلة وصمودهم الأسطوري – أنهم ليسوا ضحايا ساكنين في زوايا المأساة، بل هم اليوم الفاعل الأبرز في قلب معادلة الوعي العالمي. فبقوة إرادتهم، بدماء أطفالهم، وبأنقاض بيوتهم المدمّرة، قلبوا الطاولة على سردية زائفة رعتها الصهيونية، وباركها الغرب لعقود.
فرضوا حضورهم لا كقضية إنسانية مؤجلة، بل كندّ أخلاقي وسياسي لا يمكن تجاوزه. بأسلحتهم البسيطة وأرواحهم المشتعلة بالكرامة، فضحوا نفاق العالم وكشفوا أن الاحتلال ليس إلا تجليًا فاضحًا لفشل منظومة القيم التي يتغنى بها الغرب. أما الشعوب، فكانت على الموعد: من الجامعات الأمريكية إلى شوارع مدريد ولندن، ومن صنعاء إلى الرباط، نهض الوجدان الجمعي ليقول: كفى. لقد تحرّك نبض الشارع العالمي، وتحوّل إلى زلزال يهزّ كراسي الحكم الصامتة، ويقلق راحة الانظمة المتخاذلة.
وإذا كان العالم قد بدأ يصحو على وقع مجازر غزة، فإن هذه الصحوة ليست سوى بداية لعصر جديد، ترسم ملامحه شعوب قررت ألا تعود إلى أقفاص الصمت. عصر يُسقط الحصانة الأخلاقية عن الكيان الإسرائيلي، ويمدّ في آنٍ، جسور الأمل نحو تحوّل عالمي يُصنع من تحت، لا من فوق.
ويبقى السؤال، كطعنة في خاصرة العجز العربي: هل تتعلّم الأنظمة من شعوبها؟ أم أن لعنة التاريخ ستلاحق المتواطئين، كما لاحقت كل من برر الظلم وسوّق للقتل، وبارك الخراب؟
إنها “قرطاسة الرحمة” التي تطلقها الشعوب الحرة على مشروع استعماري يحتضر… وتكتب بها إشراقة مستقبل تصنعه الإرادة، وتُباركه دماء الشهداء.




