ترامب وغزة: هل هو وعد بالإنقاذ أم إنذار بالخراب؟

د. محمد السنوسي..

حين نطق دونالد ترامب بجملته المختصرة التي أطلقت كالقنبلة قبل مغادرته الخليج: أمور جيدة ستحدث في غزة خلال الشهر المقبل، لم يكن يتحدث بعفوية أو تفاؤل ساذج، بل كان يطلق رسالة سياسية مشفرة، تضع مستقبل قطاع غزة على مفترق طرق قاتم. جملة تبدو صغيرة، لكنها محملة بكل المعاني التي ترفضها ضمائر العالم، وتصرّ على استمرار معاناة شعب يُعاقب على صموده.

العبارة لم تكن مجرد وعد عابر أو تعبيرًا دبلوماسيًا، بل إعلان ضمني عن إعادة ترتيب واقع غزة، ليس بناءً على حق الفلسطينيين في العيش بكرامة أو تقرير مصيرهم، بل وفق أولوية أمنية تخدم المصالح الأمريكية والإسرائيلية، وتُصادر الطموحات الفلسطينية في الحرية والاستقلال. وهذا التوقيت، في ظل مأساة غزة التي تدكها طائرات الاحتلال بلا هوادة، ويقتل أطفالها الجوع والمرض، وتخنقها الحصارات الخانقة، يؤكد حجم الاستراتيجية الجديدة التي تُعدّها واشنطن لإعادة صياغة المشهد في القطاع..

ترامب، العائد بقوة إلى المشهد السياسي، يعرف جيدًا كيف يصنع الحدث بكلمة واحدة. هو الذي غادر الخليج مثقلاً بأخبار مأساة غزة، يأتي ليقول إن “الأمور الجيدة” قادمة، وكأنها بشائر خلاص تلوح في الأفق. لكن السؤال الأهم: من يحدد طبيعة هذا “الخير”؟ وهل هو في صالح من؟
في قاموس ترامب، “الأمور الجيدة” ليست أكثر من غطاء زائف لشرعية الاحتلال المستمر؛ ليست رفعًا للحصار الظالم، ولا وقفًا لقصف دموي يقتل الأطفال والنساء، ولا حتى فسحة لإنهاء الحصار السياسي والاقتصادي الذي يحاصر غزة منذ سنوات كابوس لا ينتهي. هي ببساطة مصطلحٌ باردٌ يختصر هدفًا واحدًا: إرضاء إسرائيل، تخفيف وطأة الضغط على جيشها، وضمان أمن حدودها، مهما كان الثمن بشريًا قاسياً على أكثر من مليوني ونصف فلسطيني محاصر في السجن المفتوح.

فمهما بدت الخلافات الظاهرة بين ترامب ونتنياهو كصراع على قمة السلطة والقرار، يظل من الصعب جداً تصديق أن البيت الأبيض قادر على التحرر من قبضة اللوبي الصهيوني الذي يسيطر على مفاصل السياسة، المال، والإعلام في الولايات المتحدة. هذه السيطرة ليست مجرد نفوذ عابر، بل هي استعمار حديث يستعبد إرادة القرار الأمريكي، يفرض أجندته على العالم، ويقتل العدالة والحرية تحت ستار مصالح ضيقة وحصرية.

وهذا ما بدأ يحرّك المياه الراكدة داخل الولايات المتحدة، حيث تتصاعد دعوات متنامية للتحرر من قبضة الهيمنة الصهيونية، تنطلق من الجامعات، أصوات المثقفين، وبعض أعضاء الكونغرس، مطالبة بفكّ هذا الارتهان الخانق، وتحرير القرار الأميركي من براثن استعمار صهيوني أسود، بات جرحًا نازفًا في قلب الديمقراطية الأمريكية، ومصدرًا دائمًا للإرهاب السياسي والظلم العالمي.

إنها ليست مجرد مواجهة بين شخصين أو صراع بين حزبين، بل صدام بين إرادتين: إرادة استعمارية تسعى إلى فرض الهيمنة وسحق الشعوب، تقود العالم نحو المزيد من الخراب والظلم، وإرادة حرة تقاوم من أجل الكرامة والعدالة، وتكافح لتحرير فلسطين ومعها إنسانية بأكملها من قبضة هذا الاستبداد المسنود بالمال والنفوذ.
ترامب، رغم ما يبدو عليه من تذبذب، يظل صوتًا ناطقًا باسم هذه المنظومة المهيمنة، وتجسيدًا واضحًا لواقع سياسي قاتم، حيث تتحول “الأمور الجيدة” إلى شعارات مسمومة، تُساق في لحظة تاريخية تحترق فيها غزة بنيران الاحتلال، وتُذبح بدعم سياسي وعسكري أمريكي معلن..

ما وراء هذه العبارة الغامضة، قد تكون خطة كبرى لتفكيك أو تقليم أظافر المقاومة في غزة، فرض سلطة بديلة تمثّل قوى إقليمية أو السلطة الفلسطينية نفسها، أو حتى إدارة دولية مؤقتة تُعلن تحت يافطة “الإنقاذ الإنساني”، وكل ذلك يتمّ دون العودة للفلسطينيين أنفسهم، ودون أدنى اعتبار لمطالب العدالة والقانون الدولي. هذا يعني أن غزة قد تتحول إلى مجرد كيان وظيفي، يُدار أمنياً واقتصادياً تحت نفوذ إسرائيلي مباشر أو غير مباشر، برعاية دول عربية تتعاون، أو تُضطر، لتمويل هذه الترتيبات.

أما السؤال المقلق فهو: من سيدفع ثمن هذه “الأمور الجيدة”؟
أولاً، الفلسطينيون في غزة، الذين سيُطلب منهم التخلي عن حقوقهم في مقابل استمرار تلقيهم الكهرباء وبعض المساعدات الإنسانية، مقابل فتح المعابر المشروطة، ودون أي ضمانات حقيقية للحرية أو الكرامة.
وثانيًا، الدول العربية التي، رغم مجازر الحصار والتجويع اليومي الذي يطال ملايين الفلسطينيين، ستُضغط لتكون شريكًا في التمويل السياسي والاقتصادي لهذه الترتيبات، تحت شعار “إعادة الإعمار” و”دعم الاستقرار”، بينما تقبع القضية الفلسطينية في مأزق جديد من التهميش والتصفيه.

الجزء الأكثر فداحة في هذا المشهد هو الصمت الرسمي العربي، والارتباك الواضح في المواقف، مما يجعل الإدارة الأمريكية تشعر بثقة مفرطة بأنها قادرة على تطويع هذه الأنظمة لاحقًا، سواء عبر الإغراءات الاقتصادية أو الضغوط السياسية المعروفة. حتى حين تُذكر المبادرة العربية للسلام بشروطها، يتجاهلها ترامب كأنها طيّ النسيان، متخطياً القانون الدولي وحقوق الإنسان، ومعلناً بداية فصل جديد من الصراع تحت سقف الاتفاقيات السرية.

في النهاية، وبينما نأمل أن نكون مخطئين في هذا التقدير، لا يمكننا تجاهل الحقيقة القاسية التي تحملها عبارة “الأمور الجيدة” التي يتحدث عنها ترامب. هذه الكلمات قد تخفي وراءها ما هو أبعد من مجرد وعود فارغة أو تحركات إنسانية، فقد تكون جزءًا من ترتيبات سياسية معقدة تُرسم في أروقة الغرف المغلقة، حيث تُصاغ القرارات على أسس من القوة والهيمنة، لا من مبادئ الحق والعدالة التي تنشدها الشعوب.

إن ما ينتظر غزة قد لا يكون انفراجًا حقيقيًا لحصارها أو انتصارًا لقضيتها، بل انقلابًا جذريًا في طبيعة الصراع ومستقبل القطاع. فبينما تتحطم البيوت وتتساقط أرواح الأطفال، وبينما يعم الصمت المطبق من قبل المجتمع الدولي، يبدو أن العالم يراقب دون أن يملك القدرة أو الإرادة على تغيير مسار هذا النزيف المستمر والابادة الجماعية المقيتة .

تصريحات ترامب ليست مجرد كلام عابر، بل قد تمثل مقدمة لمرحلة جديدة من التغيير القسري، مرحلة تُبنى على ركام الخراب، وعلى دماء الأبرياء، وعلى صمت ينسف كل دعوات العدالة والحرية. في هذه المرحلة، سيكون السؤال المؤلم: هل ستُكتب “الأمور الجيدة” على حساب حقوق غزة وشعبها، أم أنها ستبقى مجرد وعود تتلاشى وسط ظلال الاحتلال والدمار؟

الشهر المقبل قد يحمل مفاجآت سياسية “جيدة” للبعض، لكن الفلسطينيين لن يكونوا من بينهم. فهل يمكن فرض هذا “الخير المسموم” على شعب غادر كل أحلامه إلا الحرية؟ وهل ستقبل غزة بأن تصبح مختبرًا للتجارب السياسية الأميركية ؟
القضية ليست فقط في كلمات ترامب، بل في السياسة التي تحملها هذه الكلمات، والمآلات التي ستقود إليها. غزة صمدت طوال عقود أمام آلة القهر، ولن تنكسر أمام محاولات التلاعب الجديدة، مهما كانت الظروف.

في عالم يسعى إلى السلام الحقيقي، لا مكان لوصفات الظلم التي تُعلن بالبيانات، وتُنفذ على الأرض بالدم والدموع. غزة ليست صفحة بيضاء تُعاد كتابتها بيد الاحتلال، أو بصفقات تُبرم خلف الأبواب المغلقة. غزة قضية شعب، وصمود، وكرامة، لا تُقاس “بالأمور الجيدة” التي قد تحملها كلمة من سياسي يراهن على استمرارية معاناة الآخرين.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى