
د. محمد السنوسي
استنادًا إلى ورقتي التحليلية السابقة، وفي خضم زحمة التحولات السياسية المتسارعة، تتفجر أمامنا أزمة ثقة غير مسبوقة بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. لكنها لا تندرج ضمن الخلافات التقليدية بين حليفين متعثرين، بل تكشف عن صدام جوهري بين عقلين: الأول، عقلية التاجر الذي لا يرى في السياسة سوى صفقة قابلة للربح أو الخسارة، والثاني، عقلية السياسي المخادع، الذي يحترف التلاعب والتوريط، ويجعل من الكذب أداة استراتيجية لتمرير أجنداته، مهما كان الثمن. هذا الاشتباك لا يعيد فقط تعريف العلاقة بين الرجلين، بل يفتح نافذة لقراءة جديدة في موازين القوى، واحتمالات إعادة رسم المشهد الإقليمي والدولي من زوايا غير مألوفة.
ترامب، براغماتي حتى النخاع، يزن الأمور بميزان الربح والخسارة، يحسب كل خطوة بمنطق السوق، لا بمنطق الدولة. لا تعنيه التحالفات إن لم تدر عليه فائدة ملموسة، ولا يلتفت إلى الشعارات ما لم تُترجم إلى أرقام في دفتر الصفقات. في الجهة المقابلة، يقف نتنياهو، السياسي المخادع، يتقن فن التضليل، ويرى في أي حليف أداة مؤقتة لخدمة مشروعه القومي المتطرف، مهما كلف ذلك من خداع، أو استنزاف، أو توريط في صراعات لا تعود على الشركاء بشيء سوى الخراب.
بين تاجر لا يؤمن إلا بالمكسب، وسياسي لا يتورع عن الغدر، تتصادم رؤيتان داخل معسكر يُفترض أنه موحد. هذا الاشتباك العميق بين منطق الصفقة ومنطق التمويه ليس هامشياً؛ إنه صدع استراتيجي، لحظة انكشاف نادرة، تفضح عمق التناقض داخل “التحالف الحديدي”، وتفتح ثغرة في جدارٍ لطالما بدا صلباً.
هذا الاشتباك بين عقلية الصفقة وعقلية التمويه يفتح الباب لقراءة جديدة لمعادلة القوة، ويمنح العرب—إن أحسنوا الفهم والتحرك—فرصة نادرة لإعادة رسم المشهد بشروطهم، فبين أيديهم لحظة قد لا تتكرر: لحظة لاقتحام المعادلة، لا للتماهي معها؛ لإعادة تشكيل مشهد القوة، لا للتفرج عليه من الهامش. اللحظة الآن، والمجال مفتوح ليس لرد الفعل، بل للمبادرة الجريئة التي تُعيد كتابة قواعد اللعبة—بالحبر العربي، وعلى الطاولة لا تحتها.
منذ لحظة عودته إلى البيت الأبيض، لم يُخفِ دونالد ترامب ولعه المتجذر بعقلية التاجر. هو لا يرى السياسة كفن إدارة دولة أو صياغة تحالفات طويلة المدى، بل كصفقة يجب أن تُبرم بشروطه: ما المقابل؟ وما الربح؟ هذا المنطق الصارم دفعه في ولايته الأولى إلى اعتبار إسرائيل أفضل صفقة على الطاولة. فبخطوات سريعة —نقل السفارة إلى القدس، الاعتراف بسيادة إسرائيل على الجولان، والترويج لصفقة القرن—قدّم هدايا تاريخية للقيادة الإسرائيلية، مقتنعًا أنه بذلك يضمن لنفسه دعمًا سياسيًا داخليًا واستثمارًا خارجيًا مضمون العائد.
لكن حسابات السوق لم تُثمر كما توقع. فاليوم، وفق تسريبات الإعلام الإسرائيلي وهمسات من داخل فريقه، بدأ ترامب يفيق من وهم الصفقة. الإدراك يتسلل ببطء: لقد استُدرج، لا تحالف بل استغلال، لا ربح بل خسائر متراكمة. نتنياهو، في عيون بعض المحيطين بترامب، لم يكن شريكًا نزيهًا بل سياسيًا ماكرًا مارس الخداع بإتقان، ودفع بترامب نحو حافة المواجهة مع إيران، دون أن يقدم له شيئًا سوى السراب والضغط والإحراج.
هذه اليقظة، إن صحّت، تُشكل لحظة تحول. فالتاجر حين يكتشف أنه خُدع، لا ينسحب بهدوء، بل يعيد التفاوض بشراسة. هنا تحديدًا يكمن مفتاح الفرصة أمام العرب: استثمار لحظة التململ هذه، والتعامل مع ترامب ليس كمصدر تهديد، بل كفرصة لإعادة صياغة المعادلة—بشروط جديدة، أكثر عدلاً، وأكثر توازنًا.
نتنياهو: السياسي المخادع وصانع المتاهات
بنيامين نتنياهو، سياسي مخضرم، يعرف جيدًا متى يُظهر الولاء ومتى يغرس الخنجر بابتسامة. أدمن لعبة شد الحبل مع الحلفاء، وجعل من أمريكا حائط دعم سياسي ودبلوماسي وأمني بلا سقف. يستخدم أدوات الضغط الصهيوني داخل واشنطن ببراعة: إعلام، لوبيات، تمويلات انتخابية، صناعة رأي عام. هدفه الدائم: إبقاء أمريكا رهينة المصالح الإسرائيلية، وتحويل أي رئيس أمريكي إلى أداة تنفيذ لأجندته.
اليوم، يبدو أن تلك اللعبة بدأت تفقد سحرها. وترامب، المعروف بانقلاباته المفاجئة، ربما يُفكر بجدية في إعادة التفاوض على شروط هذا التحالف.
فرصة عربية بين فرضيتين
أمام العرب اليوم مفترق طرق حاسم يتأرجح بين فرضيتين لا ثالث لهما: الأولى أن دونالد ترامب، وقد بدأت تتكشف أمامه ألاعيب نتنياهو، بات يشعر بالخيانة فعلاً، ويبحث عن صفقة جديدة تضمن له ربحًا أكبر وأقل كلفة. أما الثانية، فهي أن كل ما يجري ليس سوى فصل جديد من مسرحية مخادعة، غايتها استدراج العرب إلى تنازلات أعمق باسم “فرصة تاريخية” أو “تفاهم استراتيجي”.
في كلتا الحالتين، المطلوب ليس الترقب السلبي، بل حركة عربية ذكية، جريئة، ومبنية على وعي كامل بتبدل قواعد اللعبة. لا مجال الآن للانبهار بخطابات براقة أو وعود مُزينة. اللحظة التي نعيشها ليست لحظة مجاملة أو انفعال، بل لحظة هندسة دقيقة لعلاقة أكثر توازنًا مع واشنطن، قائمة على الندية، لا التبعية.
إذا كان ترامب، التاجر البارع، يبحث عن صفقة جديدة، فليكن. لكن هذه المرة، الصفقة يجب أن تُبرم بشروط عربية لا تملى من الخارج. فالعرب، إن هم أحسنوا القراءة، يملكون أوراقًا لم تُستخدم بعد، وأدوات قوة قادرة على قلب الطاولة:
- النفوذ الاقتصادي الهائل، من الاستثمارات الخليجية العملاقة إلى سوق الطاقة والسلاح.
- الموقع الجيوسياسي الفريد: من المضائق والموانئ إلى خطوط الإمداد الحيوية.
- الملفات الأمنية الإقليمية: من مكافحة الإرهاب إلى ضبط الهجرة والضغط على المحور الإيراني.
لكن هذه الأوراق، مهما بلغت قوتها، تفقد قيمتها إذا أُديرت بمنطق الاسترضاء، أو أُستخدمت كوسيلة لشراء الرضا الأمريكي. ما يجب أن يحكم استخدامها هو منطق الشراكة المتكافئة والمصالح المتبادلة. فالعلاقات الدولية ليست سوقًا للخضوع، بل ميدانًا لبناء معادلات جديدة، حين تتغير موازين القوة.
العرب أمام لحظة لا تتكرر: إما أن يحولوها إلى منصة لاستعادة المبادرة، أو يتركوها تضيع كما ضاعت فرص كثيرة قبلها.
ولأن اللحظة محفوفة بالمخاطر كما الفرص، فإن إدارة هذه الأوراق لا تكفي وحدها. فالتاريخ يعجّ بالأمثلة التي ضاعت فيها القوة بسبب سذاجة في التقدير أو استعجال في التنازل. لذلك، فإن التحرك الذكي يقتضي التسلح بثلاث قواعد ذهبية، لا غنى عنها لتجنب الوقوع في الفخ مجددًا:
أولًا، لا تنخدعوا بالخطابات الناعمة، فالسياسة الأمريكية ماهرة في تجميل الواجهة دون تغيير الجوهر. الكلمات المعسولة لا تصنع تحولًا حقيقيًا ما لم تُترجم إلى سلوك على الأرض.
ثانيًا، لا تقدموا أي تنازل دون مقابل ملموس. فالعطاء المجاني، خاصة في الملفات الحساسة، هو تكرار لأخطاء قاتلة دفعت المنطقة ثمنها باهظًا. كل خطوة تُمنح يجب أن تُقابل بثمن محدد، واضح، وقابل للقياس.
وثالثًا، اربطوا أي صفقة بمكاسب حقيقية وملزمة، لا بوعود شفوية تتبخر مع تغير الإدارات أو المصالح. الاتفاقات يجب أن تُكتب، وتُؤطر، وتُحاط بضمانات، لأن المراهنة على النوايا في لعبة المصالح الدولية تعني الانتحار السياسي.
بهذا الفهم، وبهذه القواعد، يمكن للعرب أن يتقدموا نحو صياغة صفقة تاريخية – لكن هذه المرة، بأيديهم هم، وبشروطهم، لا بشروط غيرهم. هل ترغب في تطوير هذا الجزء ضمن سياق مقال كامل؟
صياغة خطاب عربي جديد
في ظل هذا الوضع، لم يعد مقبولًا أن يبقى العرب أسرى خطاب هشّ، يقوم على ردود الفعل، ويُدار بمنطق الترقب والانفعال. اللحظة الراهنة، بما تحمله من تصدّع في التحالفات التقليدية، وعلى رأسها العلاقة الأمريكية-الإسرائيلية، تمثل فرصة نادرة لصياغة خطاب سياسي عربي جديد، لا يتودد، ولا يتوسل، بل يُعلن شروطه بوضوح، ويرسم حدوده بقوة.
الخطاب العربي المطلوب اليوم هو خطاب استراتيجي، ناضج، ينطلق من قاعدة المصالح لا الأوهام، ويرفض أن يكون الفضاء العربي ساحة لتصفية الحسابات بين القوى الكبرى أو صندوق بريد لصراعات لا ناقة له فيها ولا جمل. لم يعد من المقبول أن تُدار الملفات العربية بمنطق التجزئة والتفتيت، حيث يتفاوض كل طرف على حدة، ويوقّع ما يراه مناسبًا في زاويته الضيقة. لقد حان الوقت لتوحيد الموقف، وتثبيت مبدأ التعامل بندّية لا بتبعية، والمعاملة بالمثل لا بمنطق الامتنان.
الرسالة الأوضح التي يجب أن يحملها هذا الخطاب الجديد لأي إدارة أمريكية، سواء كانت بقيادة دونالد ترمب أو غيره، هي أن فلسطين تظل المعيار الأخلاقي والسياسي الأهم لأي علاقة عربية-دولية. لا استقرار في الشرق الأوسط دون عدالة للقضية الفلسطينية، ولا صفقة يمكن أن تمر من فوقها. هذه ليست مجرد قضية وطنية، بل بوابة الأمن القومي العربي برمّته، وضمانة تماسك شعوبه واستقراره الداخلي.
يمتلك العرب أوراقًا حقيقية، لكنها لم تُفعّل بعد كما يجب: النفوذ الاقتصادي الخليجي، الأسواق المتنوعة، الثقل الجيوسياسي في التحكم بالممرات الحيوية، والقدرة على التأثير في ملفات الأمن الإقليمي. هذه القوة الصامتة يجب أن تتحول إلى أدوات تفاوض، لا إلى مكامن ضعف يُستغل صمتها. فالعرب ليسوا مجرد مستهلكين في معادلة دولية بل يمكن أن يكونوا شركاء في صياغتها، إذا قرروا ذلك.
المطلوب ليس خطابًا جديدًا في الشكل، بل في الجوهر. خطاب يقوم على مبدأ أن المصالح تُحمى بالقوة لا بالتمنّي، وأن الاحترام الدولي لا يُنتزع بالولاءات، بل يُفرض بالمواقف والسياسات. إذا كانت الولايات المتحدة تريد صفقة، فعليها أن تعلم أن الشريك العربي لن يقبل بعد اليوم إلا بشروطه. لا انبهار بالخطاب الأمريكي، ولا تنازلات رمزية تحت مسمى التطبيع أو الأمن، ولا صفقات مغشوشة بثمن غائم. ما يُقدم يجب أن يُقابل بمكاسب حقيقية، قابلة للقياس، وملموسة على الأرض.
إنها لحظة مفصلية في التاريخ السياسي العربي، تُلزمنا بالانتقال من حالة الانتظار إلى موقع التأثير. اللحظة لا تحتمل مزيدًا من التردّد. إما أن نكون طرفًا فاعلًا يفرض منطقه في معادلة القوى، أو نواصل السير في دروب التبعية التي لم تنتج للعرب سوى الخسائر والانقسامات. خطاب عربي جديد، صلب وواضح، هو أول خطوة نحو واقع جديد، نكتبه بأيدينا، لا يُملى علينا من وراء البحار.
فلسطين مفتاح كل شيء
وهنا يجب أن تترسخ القناعة بأن فلسطين ليست مجرد قضية مركزية، بل هي بوابة المعنى العربي، مفتاح الجغرافيا السياسية، ونقطة الاتزان الحاسمة التي تفصل بين أن يكون للعرب صوتٌ يصنع المعادلات، أو أن يظلوا مجرد صدى يتردد في هوامش القرارات الكبرى. من يظن أن فلسطين ورقة قابلة للتجاوز لا يفهم منطق التاريخ، ولا ديناميكيات الجغرافيا. هي الاختبار الأكبر لمصداقية أي خطاب عربي، والمرآة التي تنعكس فيها جدية السياسات، وعمق الانتماء، ومتانة الهوية.
ضياع فلسطين لا يعني فقط خسارة أرض، بل فقدان البوصلة. معها يتفكك المعنى الجماعي، ويضعف الرابط الذي يربط بين الشعوب العربية، وتغدو مفاهيم الأمن القومي والوحدة الاستراتيجية مجرد عبارات مفرغة من مضمونها. إن أي خطاب سياسي عربي لا يجعل من فلسطين مركز ثقل، هو خطاب بلا جذور، وبلا أفق.
لكن اللحظة الحالية، بكل ما تحمله من تصدعات في تحالفات الماضي، تفتح نافذة غير مسبوقة: فرصة لا لصياغة صفقة، بل لإعادة تعريف قواعد اللعبة. لا شيء يُفرض بعد الآن، إلا ما يُنتزع بقوة الموقف، وحكمة التخطيط، واستثمار التوقيت.
الصفقة الذكية الوحيدة ليست تلك التي تُعرض علينا من الخارج، بل التي نبادر نحن بوضع شروطها. صفقة تُعيد صياغة العلاقة مع القوى الكبرى على قاعدة الاحترام المتبادل لا الإذعان، الشراكة لا التبعية، والندية لا الانبهار. لا ورقة أقوى يمكن أن يبدأ منها هذا المسار مثل ورقة فلسطين، إذا ما أُحسن توظيفها.
إما أن نعيد توجيه دفة التاريخ بأيدينا، أو نستمر في تدوير الخسائر، وتبرير التراجع، وصياغة بيانات الندم بأقلامنا. اللحظة عربية بامتياز، ومفتاحها فلسطيني خالص. فإما أن نرتقي إلى مستوى التحدي، أو نُمحى من سجل اللاعبين الفعليين في العالم.




