اللعبة الصهيونية: حين تتعرّى الإمبراطورية الخفية

د. محمد السنوسي

منذ اللحظة التي زُرعت فيها نواة الكيان الصهيوني في قلب الجغرافيا العربية، لم يكن الهدف مجرد إقامة دولة لليهود، بل كان المشروع الحقيقي أكبر بكثير: إعادة تشكيل ميزان القوى العالمي لصالح كيان صغير قائم على الغزو والتطهير العرقي، لا يملك من عناصر البقاء شيئًا سوى اسلوب التلاعب، وسطوة التحالفات، ونفوذ المال، وقدرة خارقة على التسلل إلى مفاصل القرار العالمي.

ولأن المشروع الصهيوني لم يكن ليستقيم بلا حارس عملاق، فقد فتّش عن ذراعه الأقوى… فوجدها. بدأ في حضن بريطانيا، التي رعته حتى لحظة الولادة، ثم بحنكة ماكيافيلية، تحوّل صوب الولايات المتحدة، حيث القوة، والقرار، والمال، والإعلام. وهناك، تمدّد في مفاصل الدولة، حتى أصبح لا يُرى، لكنه يُحرك كل شيء.

لكن شيئًا بالغ الخطورة بدأ يتسرّب إلى السطح في الآونة الأخيرة: ذلك الانبهار الأمريكي المزمن بـ”الحليف الإسرائيلي” لم يعد كما كان. التصدعات بدأت، ونوافذ الشك تُفتح، والأقنعة تسقط… ليس من الخصوم فقط، بل من داخل البيت نفسه، من أولئك الذين كانوا بالأمس القريب درعه وحماة صورته.

ترمب ونتنياهو: التلميذ الذي تمرّد على المُعلم

ما تكشفه كبرى الصحف الإسرائيلية اليوم، حتى تلك المنتمية لأقصى التيارات اليمينية، لا يقلّ عن زلزال سياسي: الرئيس الأمريكي دونالد ترمب بات مقتنعًا بأنه كان ضحية تلاعب من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وأن الدعم الاستثنائي الذي منحه له لم يكن سوى ورقة استُخدمت ثم أُحرقت. ترمب، الذي قدّم لإسرائيل ما لم يكن في حسبان أكثر أنصارها تفاؤلًا — من الاعتراف بالقدس عاصمة لها، إلى السيادة على الجولان، وصفقة القرن، والدعم السياسي غير المشروط — بات اليوم يرى نفسه ضحية لمشروع صهيوني أراد تحويله إلى أداة في يد نتنياهو، ودمية تُحرّك لخدمة مصالح إسرائيل، لا مصالح الولايات المتحدة.

الرئيس الأمريكي، المعروف بعدم تسامحه مع من يحاول التلاعب به، بدأ يدرك أن نتنياهو تعامل معه كما يتعامل المبتزون السياسيون مع حلفاء ظرفيين. وإذاعة الجيش الإسرائيلي بدورها كشفت عن استياء عميق في أوساط مستشاري ترمب من سلوك وزير الشؤون الاستراتيجية الإسرائيلي، رون دريمر، السفير السابق في واشنطن، الذي تحدّث بغطرسة من قلب العاصمة الأمريكية وكأن القرار الأمريكي خُتم إسرائيلي.

هذا ليس خلافًا دبلوماسيًا عابرًا، بل مؤشر على أن المشروع الصهيوني لم يعد يرى حاجة لإخفاء رغبته في السيطرة على مفاصل القرار داخل واشنطن. لكن ترمب، الذي صعد إلى البيت الأبيض بشعار “أمريكا أولًا”، بدأ يدرك بوضوح أن هذا الشعار تم انتهاكه، وأن بلاده كانت، طوال الوقت، في المرتبة الثانية بعد إسرائيل.

الصهيونية في قلب واشنطن: دولة داخل الدولة

لنكن واضحين: ما يجري اليوم لم يبدأ اليوم.

اللوبي الصهيوني في الولايات المتحدة، وفي مقدمتهم منظمة AIPAC، هو الدولة العميقة الحقيقية في واشنطن. نفوذه لا يقل عن نفوذ البنتاغون أو الـCIA. بل في كثير من الأحيان، يفرض عليهم ما يفعلون.

  • هو من يقرر من يدخل الكونغرس ومن يُطرد.
  • هو من يحدد أجندات الرؤساء قبل انتخابهم.
  • هو من يكتب لهم خطاباتهم حول “أمن إسرائيل”.
  • هو من يهدد كل صوت يعارض أو ينتقد، كما فعلوا مع السيناتور بيرني ساندرز، والنائبتين إلهان عمر ورشيدة طليب.

كيف نفسر إذن أن دولة مثل أمريكا، بكل قوتها وجبروتها، تصوت عشرات المرات في مجلس الأمن ضد الإرادة الدولية، فقط لحماية إسرائيل؟ كيف نفهم أن مليارات الدولارات تُمنح سنويًا لإسرائيل في الوقت الذي يعاني فيه ملايين الأمريكيين من غياب الرعاية الصحية والتعليمية؟

التاريخ لا يكذب: هكذا دفعت أمريكا ثمن اللعبة الصهيونية

لم تكن علاقة الولايات المتحدة بإسرائيل مجرد تحالف استراتيجي، بل تحوّلت مع الوقت إلى علاقة تبعية مكلفة، دفعت فيها أمريكا الثمن الأكبر – سياسيًا، ماليًا، وأخلاقيًا – بينما جنت إسرائيل المكاسب وحدها.

  • غزو العراق 2003: أكبر كذبة في تاريخ السياسة الحديثة – “أسلحة الدمار الشامل” – لم تكن سوى صناعة مشتركة لأركان المحافظين الجدد، مثل بول وولفويتز وريتشارد بيرل، وكلهم على صلات وثيقة بإسرائيل. أمريكا دفعت الثمن: تريليونات من الدولارات، مئات آلاف القتلى، ودولة عربية تحولت إلى حطام، وزرعت الفوضى في المنطقة. أما إسرائيل؟ وقفت تراقب، بلا خسارة، بل حصدت فوائد استراتيجية.
  • الفيتو الأمريكي في مجلس الأمن: أكثر من 40 مرة، استخدمته واشنطن لوقف قرارات كانت ستدين جرائم إسرائيل ضد الفلسطينيين واللبنانيين. دماء المدنيين كانت تسيل، والعالم يطالب بالعدالة، لكن أمريكا كانت دائمًا الدرع الواقي لتل أبيب، مهما بلغ حجم الجريمة.
  • الدعم العسكري المفتوح: نحو 3.8 مليار دولار سنويًا من أموال دافعي الضرائب الأمريكيين تتدفق إلى إسرائيل، بلا شروط، بلا مراجعة، وبلا حساب. هذا الدعم لا يقتصر على المال فقط، بل يشمل أسلحة متطورة تُجرّب في الميدان على أجساد الأبرياء في غزة، ثم تُسوّق لاحقًا للعالم على أنها “أسلحة دفاع ذكي”.

هذه الحقائق لم تعد طي الكتمان. التاريخ يفتح دفاتره، وآن الأوان للعقل الأمريكي أن يراجع من الذي يقوده إلى الحروب… ومن الذي يجني الأرباح من دمار الآخرين.

هل حانت لحظة الحقيقة؟ ترمب قد يكون أول من يرى الصورة

ما كان يُقال همسًا، صار يُقال الآن بصوتٍ مرتفع: العلاقة بين أمريكا وإسرائيل لم تكن يومًا شراكة ندّية، بل علاقة استلاب كاملة. لم تكن واشنطن شريكًا بل أداة. لم تكن قائدًا بل مقيّدًا بخيوط خفية تُشدّ من تل أبيب. لقد خدعوا أمريكا، وحوّلوها إلى ذراعٍ يضرب، لا عقلٍ يقرر.

ولعل دونالد ترمب، بكل ما يُؤخذ عليه، كان أول رئيس أمريكي يصرّح – صراحةً أو تلميحًا – أنه لم يكن حليفًا بقدر ما كان ضحية خداع ممنهج. ظنّ أنه يعقد صفقات تخدم “أمريكا أولًا”، فإذا به يُدفع إلى تنفيذ أجندة “إمبراطورية غير مرئية”، تحكم من وراء الستار، لا تراها إلا إذا قرّبت العدسة على كل قرار خُذل فيه الشعب الأمريكي.

وهنا، يجب أن نتوقف عن التباكي. آن الأوان لخلع القناع. آن الأوان لنخرج من مربع التذمر… إلى مربع الفعل.

إلى العرب: لحظة نادرة… قد لا تعود

هذه ليست مجرد لحظة سياسية عابرة، بل مفترق تاريخي قلّ أن يجود به الزمن. العالم العربي، الذي اكتوى طويلاً بنار الانحياز الأمريكي لإسرائيل، يقف اليوم أمام فرصة استثنائية — فرصة قد لا تتكرر لعقود.

الرئيس الأمريكي دونالد ترمب، المعروف بشخصيته النرجسية الصدامية، لا يغفر لمن يتلاعب به، ولا ينسى من حاول تحويله إلى أداة بيد غيره. وها هو اليوم يشعر، وربما لأول مرة، أنه لم يكن رئيسًا يمسك بخيوط اللعبة، بل مجرد “بيادق” حركها لوبي صهيوني ماهر لخدمة مشروع لا علاقة له بمصالح الولايات المتحدة.

ترمب الذي صعد إلى البيت الأبيض بشعار أمريكا أولًا، بدأ يدرك أن إسرائيل كانت دائمًا أولًا، وأن أمريكا لم تكن سوى دولة تدفع الفاتورة — من دم جنودها، من ضرائب مواطنيها، ومن مكانتها الأخلاقية على الساحة الدولية.

والأهم: ترمب، الذي يتهيأ للعودة القوية إلى المسرح السياسي، مستعد اليوم أكثر من أي وقت مضى لسماع الرواية العربية… إذا قُدّمت لا بلغة العواطف، بل بلغة المصالح، بلغة الأرقام، بلغة “ماذا ستربح أمريكا لو أعادت التوازن في علاقاتها؟”

هذه ليست لحظة مجاملات… بل لحظة مكاشفة

في الأيام المقبلة، سيحل دونالد ترمب ضيفًا على القادة العرب. اللقاء يجب الا يكون كغيره، ولا الزمن كالسابق. وما يجب أن يُقال له، لا بد أن يكون جديدًا في نبرته، جريئًا في منطقه، ووازنًا في لغته:

سيدي الرئيس، إسرائيل تأخذ ولا تعطي. تبتز ولا تتحالف. تستنزف ولا تبني. أما نحن، فأمة ضاربة بجذورها في التاريخ، 400 مليون عربي، نحمل مفاتيح الطاقة، الأسواق، التوازن الجيوسياسي، والتأثير الثقافي. نحن شركاء يمكن الوثوق بهم، لا عبئًا يجب التحمل. نحن من يبني معكم المستقبل… أما إسرائيل، فهي حليف لا يرى إلا نفسه، ومقامرة سياسية كلفتكم غاليًا.”

مصلحة أمريكا معنا، لا معهم.”

خاتمة: فرصة لا تعرف الانتظار

في السياسة، كما في الحياة، لا تأتي اللحظات الاستثنائية كثيرًا. اللحظة التي نعيشها الآن، حين تبدأ أعمدة العلاقة الأمريكية–الإسرائيلية في الاهتزاز، ليست مجرد حدث عابر، بل فرصة ذهبية لإعادة تعريف مكانة العرب في المعادلة الدولية.

إذا استطاع العرب اليوم أن يتحدثوا بلغة المصالح لا العواطف، بلغة الأرقام لا الأمنيات، بلغة السيادة لا التبعية—فقد نكون أمام تحوّل تاريخي يعيد للعرب وزنهم في صياغة توازنات القوى.

فليُقال لواشنطن بوضوح: “تحالفكم مع إسرائيل لا يخدم أمنكم القومي، بل يهدده. لا يوسّع نفوذكم، بل يُقيّده. لا يصنع لكم أصدقاءً، بل يزرع أعداءً في كل بقعة من هذا الكوكب.”

وإذا كان ترمب، وهو من لا يُخفي عداءه لمن يُخدعه أو يتلاعب به، قد بدأ يرى الخديعة…
فلنكن نحن من يعرض عليه الطريق الآخر.

طريق المصالح المشتركة، لا المصالح المُختطفة.
طريق الشراكة مع أمة تمتد من الخليج إلى المحيط، لا التبعية لكيان صغير يبتز الجميع ولا يُرضي أحدًا.

إن لم نفعلها الآن… فمتى؟
وإن لم نكن نحن… فمن؟

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى