الصراع على المعادن النادرة: حين تُصاغ حروب المستقبل تحت الأرض

د. محمد السنوسي..

في عالم يُعاد تشكيله على وقع الأزمات المناخية، والتحولات التكنولوجية، والحروب المعلنة والسرّية، برزت المعادن النادرة كأحد أخطر بؤر الصراع الجيوسياسي في القرن الحادي والعشرين. ليست البنادق ولا الدبابات ولا المسيرات وحدها من تحدد ملامح النفوذ العالمي اليوم، بل أيضًا تلك المواد الخفية المختبئة في المناجم والوديان وأعماق المحيطات، والتي تدخل في صُنع كل شيء: من الهواتف الذكية إلى أنظمة التوجيه الصاروخي.
المعادن النادرة: السلاح الجيواقتصادي الجديد
يشير تقرير الوكالة الدولية للطاقة (IEA, 2021) إلى أن الطلب العالمي على المعادن الاستراتيجية (مثل الليثيوم، النيوديميوم، الكوبالت) سيرتفع بمقدار أربعة أضعاف بحلول 2040، مدفوعًا بالتحول نحو الطاقات المتجددة، والمركبات الكهربائية، وتقنيات الاتصالات العسكرية والمدنية.
لكن وراء هذه الأرقام، تُخاض معارك صامتة على منابع القوة. فـالصين اليوم تسيطر على أكثر من 60% من إنتاج المعادن النادرة وتُهيمن على 85% من سلاسل التكرير والتصنيع العالمية، مما يمنحها قدرة استثنائية على توجيه سوق التكنولوجيا العالمي. وقد استخدمت هذه السيطرة كورقة ضغط في أزمات سابقة، مثل ما حدث في 2010 حين أوقفت تصدير المعادن لليابان بسبب نزاع في بحر الصين الشرقي، وهو ما أدى إلى ارتباك صناعي واسع في طوكيو .(Brookings Institution, 2022)
حرب غزة: البعد الخفي لموارد الأرض
في الوقت الذي يتركز فيه الخطاب الإعلامي والسياسي حول عدوان إسرائيل على غزة على الجوانب الإنسانية والسياسية، يغيب عن التداول بُعد استراتيجي أكثر خطورة: الصراع على الموارد الجيولوجية، والموقع الجيوسياسي بالغ الأهمية لغزة، الذي تحوّل من مجرد ساحة صراع إقليمي إلى مفترق طرق لخطط طموحة للتحكم في موارد وممرات الطاقة والتجارة.
تشير دراسات جيولوجية أولية ، إلى احتمال وجود احتياطات من الغاز الطبيعي والمعادن الأرضية النادرة على سواحل غزة، بما في ذلك امتداد محتمل لحقل الغاز البحري “غزة مارين”. كذلك، تُعد المنطقة المحيطة بالبحر الميت من أغنى المناطق عالميًا بالفوسفات والمعادن مثل البوتاس والليثيوم، الضرورية لصناعة البطاريات والتقنيات النظيفة.
تشير دراسة اخرى نُشرت في عام 2016 إلى وجود تركيزات من المعادن الأرضية النادرة في مياه الأمطار المحصودة في قطاع غزة، مما يدل على إمكانية وجود هذه المعادن في التربة أو الصخور المحلية. تضمنت الدراسة تحليلًا لعناصر مثل اللانثانوم والسيريوم، والتي تُستخدم في تطبيقات تكنولوجية متنوعة.
هذا يعزز فرضية أن غزة ليست فقط مساحة “مقاومة” أو “نزاع حدودي”، بل حلقة مركزية في معركة مستقبلية على الموارد الطبيعية والطاقة النظيفة، وهي معركة تتقاطع فيها المصالح الأمريكية والإسرائيلية ضمن رؤية أوسع لإعادة تشكيل الخريطة الاقتصادية للمنطقة.
في هذا السياق، مشروع “قناة بن غوريون” – الذي يعود إلى مخططات إسرائيلية منذ خمسينيات القرن الماضي – يعود للواجهة من جديد، لا باعتباره مشروعًا إنشائيًا فقط، بل ورقة استراتيجية لتقويض دور مصر الجيوسياسي وتحجيم قناة السويس. القناة المخططة، التي تهدف لربط البحر الأحمر بالمتوسط عبر صحراء النقب، قد تستفيد من النفوذ الإسرائيلي على مناطق الجنوب الفلسطيني وتثبيت سيطرة طويلة الأمد على حدود غزة.
وفق تقرير لمركز Global Research (2023)، فإن إسرائيل، بدعم أمريكي، تعيد تفعيل دراسات الجدوى لهذا المشروع، مع ربطه بمشاريع استخراج موارد الطاقة والمعادن، وتحويل المنطقة إلى محور لوجستي واستثماري بديل عن مصر، ومرتبط مباشرة بالموانئ الإسرائيلية، ما يشكل خطرًا جيوسياسيًا كبيرًا على القاهرة، وأداة ضغط إقليمي .
الولايات المتحدة لا تدعم إسرائيل فقط لأسباب أيديولوجية أو بدافع “التحالف الليبرالي”، بل لأن إسرائيل تؤدي دور الوكيل الجيوسياسي الأميركي في منطقة حيوية غنية بالموارد وممرات التجارة والطاقة. هذا التحالف يُفسَّر على ضوء:
• الرغبة الأمريكية في تقليل الاعتماد على سلاسل التوريد الآتية من الصين وروسيا.
• تأمين مصادر بديلة للمعادن الحيوية اللازمة لصناعات البطاريات والطاقة المتجددة، في ظل تصاعد التوترات مع بكين وموسكو.
• وضع اليد على المناطق الاستراتيجية قرب البحر المتوسط كمراكز توزيع للطاقة.
تُظهر هذه المؤشرات أن ما يجري في غزة يتجاوز التصور التقليدي “لحرب الاحتلال”، ويكشف عن أشكال استعمار جديدة أكثر تعقيدًا وهدوءًا، تُمارس باسم “الأمن” و”التحالفات الاستراتيجية”، لكن جوهرها الحقيقي هو الهيمنة على الأرض وما في باطنها.
تمامًا كما حذّر فرانتز فانون في كتابه “معذبو الأرض”: الاستعمار الحديث لا يحتاج إلى رفع علم فوق التراب بقدر ما يحتاج إلى توقيع عقود، تحالفات، وحروب بالوكالة، تضمن للهيمنة الغربية السيطرة على الموارد دون تكلفة بشرية مباشرة لها.
التحكم في قطاع غزة لا يُختزل في مجرد اقتلاع شعب من أرضه أو إخضاع مقاومة سياسية أو عسكرية، بل يتجاوز ذلك ليُعبّر عن محاولة لفرض إرادة اقتصادية شاملة على واحدة من أكثر المناطق حساسية جيوسياسيًا في العالم. فغزة تقع في مفترق طرق استراتيجي يربط بين مصر، التي تحتضن قناة السويس كممر تجاري عالمي بالغ الأهمية؛ وإسرائيل، التي تسعى لتكريس دورها كبوابة إقليمية للطاقة والتكنولوجيا بدعم أمريكي مباشر؛ وأوروبا، التي تُعد المستهلك الأول للطاقة النظيفة في سياق انتقالها الأخضر؛ فضلًا عن بعض الفاعلين الاقليميين الذين يلعبون دور الشريك المالي والاستثماري في مشاريع البنية التحتية والطاقة بالمنطقة.
من هذا المنطلق، فإن أي “هدنة” أو “مبادرة سلام” تُطرح في المحافل الدولية لا ينبغي أن تُفهم في بعدها الإنساني والحقوقي فقط، بل يجب قراءتها ضمن منظومة أوسع من الصراع على الممرات والموارد الاستراتيجية. فالمعركة الحقيقية تدور على مستقبل الهيمنة الاقتصادية، وموازين النفوذ في مرحلة ما بعد النفط، حيث باتت غزة تمثّل، من حيث لا يدري كثيرون، إحدى البوابات المفصلية في لعبة الأمم القادمة
أسئلة لا بد من طرحها:
• لماذا تتجاهل المؤسسات الدولية بشكل ممنهج التقارير المرتبطة بموارد غزة وسواحلها؟
• من يموّل فعليًا الدراسات الجيولوجية في البحر المتوسط، ومن يملك بياناتها؟
• هل ما نشهده هو بداية إعادة رسم الخرائط الاستعمارية تحت شعارات الاقتصاد الأخضر والأمن الإقليمي؟
• ما دور القوى الإقليمية مثل تركيا والسعودية ومصر وإيران في هذا التحول، وهل تملك أدوات فعالة للتصدي له؟
إننا أمام واقع جديد، يُظهر أن الصراعات العسكرية ليست فقط حول من يحكم الأرض، بل حول من يتحكم بما تحتها. وإذا استمر تجاهل هذا البعد، فإن الانتقال الجيواقتصادي نحو ما يُسمى “عصر الطاقة النظيفة” قد يتحول إلى نسخة محدثة من الاستعمار القديم، تُمارس باسم التنمية، وتُبرَّر تحت راية “تحقيق الاستقرار”.
لذلك، من واجب المفكرين، والباحثين، وصناع السياسات في العالم العربي، أن يخرجوا من أسر “التحليل السياسي التقليدي”، ويتبنوا رؤية جيواستراتيجية استشرافية شاملة تكشف المستور وتحفز على بناء بدائل سيادية مستقلة.
أوكرانيا وأفريقيا: المسرحان الآخران للحرب الجيولوجية
في أوكرانيا، تكشف وثائق صادرة عن وزارة الطاقة الأمريكية عن توجه استثماري مباشر نحو تطوير سلاسل توريد المعادن الاستراتيجية، وعلى رأسها التيتانيوم والنيكل، لما لهما من أهمية حيوية في صناعات الطيران والطاقة. هذه الحرب لا تُختزل في نزاع جغرافي، بل تمثل صراعًا أوسع على موارد نادرة كانت تُعد حيوية لسوق أوروبا، سواء القادمة من روسيا أو العابرة لأوكرانيا.
أما السعي الأميركي لإبرام اتفاقيات مع الحكومة الأوكرانية بهذا الشأن، فيعكس أهدافًا تتجاوز الدعم السياسي والعسكري، لتشمل تثبيت النفوذ في سوق الموارد الحيوية عالميًا. فما يبدو دعمًا اقتصادياً لإعادة الإعمار، يخفي وراءه سباقًا استراتيجيًا لضمان السيطرة على مصادر المعادن النادرة، وتقليص نفوذ كل من الصين وروسيا في هذا المجال. يُطرح هنا تساؤل مشروع حول توازن المكاسب بين الطرفين، وما إذا كانت أوكرانيا ستحافظ على سيادتها الكاملة على هذه الموارد في ظل حاجتها الماسة للدعم الغربي.
تواجه القارة الإفريقية اليوم شكلاً جديدًا من أشكال الاستعمار، يتخفى تحت شعارات الاقتصاد الأخضر والاستثمار النظيف. ففي الوقت الذي تتسابق فيه الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي لتوقيع اتفاقيات استغلال الموارد مع دول مثل النيجر، الكونغو، وزامبيا، يتكرّر نمط السيطرة القديمة على مقدّرات القارة، ولكن بأدوات أكثر نعومة، مثل تمويل التنمية، والترويج للشراكات المستدامة. غير أن الواقع يكشف وجهًا مغايرًا، كما أوضحت تقارير دولية، من أبرزها تقرير “المعادن الملطخة بالدم” الصادر عن منظمة العفو الدولية عام 2019، والذي سلّط الضوء على الانتهاكات الجسيمة التي تُرتكب في سبيل تأمين المعادن الحيوية اللازمة لصناعة بطاريات السيارات الكهربائية.
ففي الكونغو الديمقراطية، يعمل آلاف الأطفال في مناجم الكوبالت دون أي حماية صحية أو اجتماعية، بينما تُنقل المعادن إلى الأسواق العالمية لتغذية الصناعات الخضراء في أوروبا وأميركا. أما الشركات متعددة الجنسيات، فهي تنهب هذه الموارد مقابل أثمان زهيدة، مستفيدة من تحالفها مع نخب محلية فاسدة تضمن استمرار هذه الدائرة من النهب والتبعية. هذا المشهد لا يمكن فصله عن الصراع الجيوسياسي الأوسع على القارة، إذ تُعد إفريقيا اليوم ساحة تنافس محتدم بين القوى الكبرى، خاصة بين الصين من جهة، والدول الغربية من جهة أخرى، للهيمنة على الموارد الاستراتيجية التي باتت تتحكم في مستقبل الطاقة العالمي.
المعادن مثل الكوبالت، الليثيوم، والنيكل أصبحت تشكّل العمود الفقري للتحول العالمي نحو الطاقة النظيفة. ومن يملك السيطرة على هذه الموارد، يملك مفتاح القوة الاقتصادية والسياسية في العقود القادمة. ولذلك، فإن ما يجري في إفريقيا ليس مجرد صراع على الثروات، بل محاولة لإعادة رسم موازين القوى العالمية، على حساب شعوب القارة.
لكن رغم هذا الواقع، تظل أمام إفريقيا فرص حقيقية للتحرر من هذه القيود. أولى هذه الخطوات تتمثل في بناء تكتل إفريقي موحّد لإدارة الموارد الاستراتيجية، على غرار نموذج “أوبك”، بحيث تُحدد الأسعار وشروط التصدير بشكل جماعي. كما أن فرض الشفافية والرقابة على عقود التعدين والتدفقات المالية سيساهم في كسر الحلقة المفرغة من الفساد والتبعية. إلى جانب ذلك، يجب أن تتحول إفريقيا من مجرد مصدر للمواد الخام إلى مركز لصناعة تحويلية قادرة على إنتاج القيمة محليًا، من خلال بناء مصانع ومعامل لمعالجة المعادن داخل القارة.
ولن يتحقق هذا إلا بالاستثمار الجاد في التعليم، التحكم في التكنولوجيا، وخلق أجيال من الأفارقة القادرين على الدفاع عن مواردهم وإدارة ثرواتهم بكفاءة. كذلك، ينبغي لإفريقيا أن تعيد رسم خريطة تحالفاتها، من خلال شراكات متوازنة مع قوى صاعدة في الجنوب العالمي، تتيح لها شروطًا أكثر عدلاً واحترامًا للسيادة.
إن الخروج من عباءة التبعية ليس بالأمر السهل، لكنه ليس مستحيلاً. فالقارة التي كانت في الماضي ساحة للنهب، يمكنها أن تكون في المستقبل مركزًا لصياغة نموذج عالمي جديد في إدارة الموارد والتنمية المستقلة.
المحيطات: الجبهة الجديدة للصراع
مع اشتداد التنافس على الموارد البرية، بدأ السباق نحو أعماق المحيطات لاستخراج معادن مثل الموليبدينوم والكوبالت من قاع البحر، خاصة في مناطق مثل “حزام كلاريون كليبرتون” في المحيط الهادئ. غير أن تقارير علمية تحذر من أن هذا التوجه قد يدمر الأنظمة البيئية البحرية بشكل لا رجعة فيه، وسط غياب تشريعات دولية منظمة.
هل نُعيد إنتاج استعمار الماضي بثوب بيئي حديث؟
ما يحدث اليوم، كما يشير مؤلف كلاسيكي “الاستعمار الجديد”، هو أن القوى الإمبريالية لم تختفِ، بل أعادت صياغة أدواتها لتناسب خطاب التنمية والاستدامة. فأصبحنا نرى في أفريقيا قواعد عسكرية تُنشأ تحت ذريعة محاربة الإرهاب، واستثمارات ضخمة في التعدين ضمن أجندات “الاقتصاد الأخضر”، بينما الواقع يُعيد إنتاج نفس أنماط الهيمنة القديمة.
نحو بدائل أخلاقية وتقنية
في ظل هذا المشهد القاتم، هناك بارقة أمل في الأفق. مقالات منشورة في مجلات محكمة، تؤكد أن الابتكار الصناعي قادر على تغيير قواعد اللعبة، من خلال:
• إنتاج مغناطيسات وشرائح بدون معادن نادرة.
• تحسين تقنيات إعادة التدوير لاستخراج هذه المعادن من المخلفات الإلكترونية.
• استبدال المعادن النادرة بمواد عضوية أو هجينة أقل تكلفة بيئية وجيوسياسية.
لكن هذا التغيير لن يتحقق فقط من خلال التكنولوجيا. نحن بحاجة إلى تفكير سياسي جديد يعيد ترتيب الأولويات، ويضمن عدالة الوصول للموارد دون تكرار الكارثة الاستعمارية.
في الختام: من “الانتقال الأخضر” إلى “العدالة الخضراء”
إذا أردنا أن ننتقل من عالم يُعاد تشكيله وفق منطق الهيمنة إلى عالم قائم على التوازن، فإننا بحاجة إلى ما هو أكثر من مجرد طاقة نظيفة أو سيارات كهربائية. نحتاج إلى عدالة تقنية وبيئية، تنبع من أسئلة حقيقية:
• من يملك الموارد؟
• من يتحكم في التكنولوجيا؟
• ومن يدفع الثمن البيئي والاجتماعي لهذا التقدم؟
المعادن النادرة نادرة في التربة، نعم. لكنها ليست نادرة في عقول الذين يفكرون خارج صندوق الجشع والهيمنة.

مراجع
. IEA), The Role of Critical Minerals in Clean Energy Transitions, 2021.

  1. Brookings Institution, China’s Critical Mineral Dominance, 2022.
    3 . Dr. Elai Rettig and Benny Spanier, Why Israel Approved Development of the Gaza Marine Gas Field
    ,July 17, 2023, consulted on https://besacenter.org/why-israel-approved-development-of-the-gaza-marine-gas-field/?hovn
    4,.Ari Rabinovitch ,Israel says gas exports to Egypt, Jordan rose 25% in 2023, February 26, 20243:36 PM , consulted on .https://www.reuters.com/business/energy/israel-says-gas-exports-egypt-jordan-rose-25-2023-2024-02-26/?utm

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى