
د. محمد السنوسي..
من أرض المغرب الصامد، من بلاد الشهداء والرجال الذين لم يخنعوا يوماً ولم يساوموا على الحق الفلسطيني، نطلق نداءً حارقاً لا يعرف المواربة، نداءً لا يهادن ظالماً، ولا يغفر لخائن.
إلى كل فصائل العمل الفلسطيني، إلى كل فلسطيني حر، إلى كل ضمير حي في هذه الأمة:
فلسطين اليوم تُغتصب أمام أعين العالم.
غزة تُباد وأطفالها يموتون جوعاً قبل أن تفتك بهم قنابل الاحتلال.
الضفة تُحاصر، القدس تُهوّد، وفلسطينيو الداخل يُدفعون نحو التهميش والتهجير والاقتلاع.
ماذا تنتظرون لكي تضعوا حدًا لخلافاتكم؟ ماذا تنتظرون لتتجاوزوا الصراعات الصغيرة والتنافسات التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وتنتقلوا إلى مرحلة إعلان وحدة جميع التنظيمات؟ ماذا تنتظرون لتحقيق القيادة الموحدة التي تقود الشعب الفلسطيني إلى النصر الكامل؟
لقد حطمت المقاومة الفلسطينية اليوم الأسطورة التي لطالما روج لها الاحتلال الإسرائيلي ومن خلفه الغرب، تلك الأسطورة الزائفة التي كانت تقول إن جيش الاحتلال لا يُهزم. المقاومة أظهرت بوضوح أن الإرادة والحق أقوى من أي آلة عسكرية، وأثبتت أن نضال الشعب الفلسطيني لا يمكن أن ينهار أمام قوى الاحتلال مهما كانت قوتها العسكرية.
وفي ذات الوقت، عرت المقاومة نفاق المنظمات الدولية التي تقف متفرجة على جرائم الاحتلال، وكشفت عن مفارقات النظام الدولي الذي يدعي الحيادية، بينما هو في الواقع شريك متواطئ في كل ما يحدث في فلسطين. كم من مرة سمعنا عن بيانات الشجب والاستنكار، بينما الجرائم تُرتكب على الأرض، والعدوان يتواصل دون رادع؟ إن العالم، الذي طالما ادعى أنه يسعى للسلام، قد كشف عن حقيقته المتمثلة في دعم الظالم وترك المظلوم في حالة من التشرذم والتشتيت.
اليوم، فلسطين بحاجة أكثر من أي وقت مضى لوحدة حقيقية، وحدة لا تتوقف عند الكلمات والشعارات، بل تنبني على رؤية واحدة، على استراتيجية مشتركة، وعلى قيادة موحدة تكون قادرة على تنظيم وتوجيه كل الطاقات الفلسطينية نحو الهدف الأسمى: التحرير الكامل.
إذا كان لديكم اليوم فرصة حقيقية لتحقيق هذا النصر التاريخي، فإنها تكمن في تجاوز خلافاتكم والتركيز على الهدف المشترك. وحدة الفصائل الفلسطينية هي الخطوة الأولى نحو بناء قوة لا يمكن تجاوزها، قوة تستطيع أن تقلب المعادلة بالكامل وتفرض إرادة الشعب الفلسطيني على الأرض.
إما أن تكونوا شركاء في بناء هذا المستقبل، أو تكونوا ضحايا للانقسام والتشرذم الذي طالما سعى الاحتلال لاستثماره لصالحه. فلسطين تستحق منكم أكثر من الكلمات، وتستحق منكم أن تكونوا جميعًا يداً واحدة على درب النصر، وأن ترفعوا راية المقاومة والشرف بعيدًا عن أي تردد أو خوف.
كل لحظة انقسام بينكم هي رصاصة تخترق قلب طفل في غزة، وكل تسوية ملوثة يوقعها البعض هي خنجر يغرس أعمق في جسد فلسطين.
فلسطين اليوم لا تحتاج إلى خطب جوفاء ولا اجتماعات عقيمة أو بيانات فارغة، بل تحتاج إلى رجال حقيقيين يحمونها. تحتاج إلى مقاومة جامعة تحتضنها كافة مكونات الشعب الفلسطيني، مقاومة لا تعترف بالضعف أو التراجع.
فلسطين بحاجة إلى قلوب تتفجّر غضبًا في وجه الظلم، وأيدٍ توحّد البنادق بدل أن تكمّم الأفواه أو تتآمر على ما تحقق من مكتسبات.
العدو يقتل بلا رحمة، يحاصر الأطفال حتى يموتوا عطشًا وجوعًا، والعالم المنافق إما متواطئ أو متفرج، يرسل السلاح للقاتل، ويمنع حتى لقمة العيش عن الضحية.
أين أنتم؟
ألم تشفع لكم دماء الشهداء؟ تذكروا جيدًا تضحيات شهداء فلسطين الأبرار الذين بذلوا أرواحهم رخيصة من أجل تحرير الأرض واستعادة الحقوق.
من عز الدين القسام الذي أشعل أول شرارة للجهاد، إلى ياسر عرفات ورفاقه الذين أطلقوا ثورة التحرير الكبرى عام 1965، مرورًا بأبطال فتح الذين سطروا أروع ملاحم البطولة ورووا الأرض بدمائهم الزكية. تذكروا أبطال الجبهة الشعبية والديمقراطية، وشهداء حماس الذين رفعوا راية المقاومة، ومقاتلي سرايا القدس الذين قدموا دروسًا في الصمود، وأبناء لجان المقاومة الشعبية وكتائب المقاومة الوطنية الذين ثبتوا على الأرض رغم التحديات.
لا تنسوا أولئك الذين صنعوا التاريخ بدمائهم من جميع الفصائل، دون تمييز، من أجل فلسطين: الشيخ أحمد ياسين، عبد العزيز الرنتيسي، أبو علي مصطفى، غسان كنفاني، فتحي الشقاقي، خليل الوزير (أبو جهاد)، أبو إياد، جورج حبش، أحمد جبريل، إسماعيل هنية، يحيى السنوار، وغيرهم من القادة والمجاهدين الذين استشهدوا وهم ثابتون على العهد.
تذكروا هؤلاء الأبطال، فدماؤهم هي التي تحدد مساركم اليوم، وعهدهم يفرض عليكم أن ترفعوا راية المقاومة بكل قوة وعزم. حان الوقت لتجسدوا الوحدة في القيادة وتوحيد الصفوف للسير قدماً في طريق التحرير والنصر.
أين قسمكم يوم حملتم السلاح لأول مرة؟ أين رجولتكم يوم أطلقتم أول رصاصة؟
أما آن لكم أن تستفيقوا قبل أن تدوسكم الأقدام أنتم وأوهامكم معًا؟
أيها المتقاعسون المتصارعون على السراب:
اعلموا أن الذي ينتظر ليس سقوط غزة وحدها، بل ضياع الضفة الغربية، وتهويد القدس، وتهجير من تبقى من فلسطينيي الداخل.
كل فلسطين مستهدفة، شبرًا شبرًا، حجرًا حجرًا، إنسانًا إنسانًا.
ومن لم يوحّد الصف اليوم، فهو خائن! خائن لدماء الشهداء، خائن للأسرى، خائن للجرحى، خائن للأجيال القادمة التي لن تجد وطنا تحت أقدامها.
يا أبناء فلسطين،
الوقت ليس وقت المساومات، ولا زمن الحسابات الضيقة، بل وقت أن تتحركوا جميعًا كجسد واحد، وأن تعيدوا لفلسطين مجدها، بسواعدكم، وبندقيتكم، وبوحدتكم، وإيمانكم العميق بعدالة قضيتكم.
فلتكن بندقيتكم واحدة، وكلمتكم واحدة، وصفوفكم مرصوصة، قبل أن يغدو الوطن ذكرى تبكي عليها الأجيال.
تعالوا إلى كلمة سواء:
- وحدة بندقية لا تهادن،
- وحدة قرار لا يساوم،
- وحدة هدف: تحرير فلسطين كاملة، من النهر إلى البحر.
تعالوا إلى عهد جديد، عهد يمسح عار التخاذل ويفتح أبواب العزة. عهد تكتبونه بدمائكم لا بكلمات فارغة!
كفى عبثًا، كفى نفاقًا، كفى صمتًا!
كل يوم يمر دون وحدة هو انتصار إضافي للعدو، وكل خيانة جديدة يكتبها بعض المتواطئين بدماء الأبرياء تزيد من آلام فلسطين وجروحها.
يا أحرار فلسطين، يا أحرار الأمة:
في ظل مشاهد تجويع الأطفال والدماء التي تسيل بلا رحمة، اجعلوا من اليوم يوم غضب عارم، يوم قسم جديد لا رجوع فيه ولا تنازل، قسم لا قبول فيه إلا بالتحرير الكامل أو الشهادة في طريق النصر!
تذكروا جيدًا:
العدو لا يخاف من القادة المترهلين ولا من بيانات الشجب المتخاذلة،
لكن العدو يرتعد عندما يرى جيلاً مقاوماً، جيلاً يقاوم بالسلاح وبالكلمة الصادقة التي تنبع من الأعماق، جيلاً لا يلين ولا يخشى الموت من أجل وطنه.




