فلسطين ليست قضية شعب.. بل قضية مصير: كيف أن التفريط فيها هو ضربة قاتلة للأمن القومي العربي

د. محمد السنوسي..

في عالم تتحرك فيه الجغرافيا كقطع شطرنج، وتُرسم فيه خرائط القوة لا بالحبر بل بالدم، من يفرّط في عقدته الاستراتيجية، يكون قد سلّم مفاتيح مصيره لخصومه، وربما إلى الأبد. وفلسطين، بهذا المعنى، ليست مجرد أرض محتلة أو صراع حدودي. إنها “نقطة التوازن الكبرى” في النظام الإقليمي العربي. من يتنازل عنها، لا يقدّم تنازلًا في ملف، بل يوقع على تفكك أمنه، وهويته، ونموذجه الحضاري.

فلسطين كالقلب النابض للأمن القومي العربي: لماذا ضربها هو شلّ للجسد كله؟

حين قيل إن فلسطين “قلب الأمة”، لم يكن ذلك مجازًا بل توصيفًا دقيقًا لوظيفة جيو-استراتيجية عميقة. فلسطين ليست “دولة بين دول”، بل تموضع في مركز مفصلي: تطل على المتوسط، تجاور سيناء ودمشق، وتشكل حلقة الوصل بين أفريقيا وآسيا. إنها رئة الجغرافيا العربية. ولهذا، لم تكن الحروب عليها من أجل الأرض فحسب، بل من أجل التحكم في نبض المنطقة.

زرع المشروع الصهيوني في هذه البقعة لم يكن اعتباطيًا، بل خطوة محورية لخلق “مسمار جيوسياسي” يفصل مشرق العرب عن مغربهم، ويفكك إمكانية التواصل بين العمق الاستراتيجي المصري، والشامي، والمغاربي. لقد اختير الموقع بدقة، كي يكون إسرائيل أداة احتكاك دائم، تُبقي المنطقة في وضع الغليان المزمن، وتستنزف طاقتها في صراعات لا تنتهي.

وإن كان البعض يشكك في هذه المقولة، فليعد إلى التاريخ: لماذا شدّ المغاربة الرحال، وقطعوا آلاف الكيلومترات ليقاتلوا إلى جانب صلاح الدين الأيوبي في تحرير القدس؟ أليس ذلك أبلغ دليل على أن فلسطين لم تكن يومًا “قضية محلية”؟ ألم تُبنَ “حارة المغاربة” قرب المسجد الأقصى كتعبير حي على وحدة القضية والمصير؟ لقد فهم أولئك أن الدفاع عن فلسطين هو دفاع عن روح الأمة، قبل أن يكون عن جغرافيا.

حين تتفكك فلسطين، تنهار المناعة الاستراتيجية للعرب بأكملهم

ليست فلسطين مجرد أرض تحت الاحتلال، بل هي خط التماس الأخير بين العرب ومشروع الإخضاع الكامل. فمنذ نكبة 1948، وكلما أُصيب الجسد الفلسطيني بطعنة، تداعت أوصال الجغرافيا السياسية العربية. لم تبدأ الحروب ولا الفتن من الخليج ولا من الأطراف، بل من ذلك “الجرح المستمر في الخاصرة” الذي اسمه فلسطين. وكلما اتسعت هوة التفريط، تسلل منها سمّ الانقسام، والارتهان، واللاجدوى.

تراجع القضية الفلسطينية لم يُفرّغ فقط ساحة النضال، بل فرّغ العقل العربي من فكرة المصير المشترك. ارتفعت الأنانيات القُطرية، وتسعرت الهويات الطائفية والعرقية، وانهارت فكرة الأمة. صار العربي ينظر إلى فلسطين كما لو كانت مشكلة “بعيدة”، فدخلت القوى الدولية عبر هذا الفراغ، وصارت تُدير القرار العربي من غرف خارجية، لا من ساحات عربية.

زرع إسرائيل في قلب الأمة لم يكن زرع دولة، بل زرع قاعدة استعمارية دائمة، بمضمون صليبي قديم، وبوظيفة إمبريالية معاصرة. هذه القاعدة لا تحرس حدودها فقط، بل تُراقب، وتُخترق، وتُعيد تشكيل ملامح المنطقة من الداخل. وعندما تُطبّع بعض العواصم مع الاحتلال، فهي لا “تسوّي نزاعًا”، بل تفتح أبوابها طوعًا لاستباحة قرارها وسيادتها.

السؤال لم يعُد: “أين العرب؟” بل: “من يملأ فراغهم؟”
والجواب، كما نراه في غزة، في صنعاء، في طرابلس، في بغداد، في الخرطوم … يوجع، ويكاد يصرخ: حين يُهمل القلب، ينهار الجسد.

التاريخ لا يغفر من ينسحب من لحظاته الحاسمة

عندما سقطت بغداد عام 1258، لم تكن سيوف المغول وحدها من مزّقت الجغرافيا، بل كانت الخيانة والتشرذم والأنانية هي السكاكين التي طعنتها من الداخل. لم تُهزم عاصمة الخلافة لأنها ضعيفة، بل لأنها تُركت وحدها في لحظة مفصلية، بينما كان “الأشقاء” ينظرون من خلف الأسوار، ينتظرون من يسقط أولًا. وعندما اجتاح الصليبيون القدس، لم يكن العرب مغلوبين في العدد، بل مغلوبين في الوعي، غارقين في نزاعات لا معنى لها، يتقاتلون على الهوامش بينما كانت القِبلة الأولى تُدنس.

واليوم، يعود المشهد أكثر فداحة… غزة تُخنق، تُحاصر، تُقصف، وتُدفن أحياؤها تحت الركام، لا لأن العدو لا يُقهر، بل لأن الوعي الجمعي العربي انهار. لم نعد نخسر معارك، بل نخسر أنفسنا. لم نعد فقط نغيب عن الجغرافيا، بل نغيب عن التاريخ. فلسطين لا تُذبح فقط بصواريخ العدو، بل بصمت الأخوة، بفتور الغضب، ببرودة الشعور، بترف التطبيع.

السيناريو يتكرر… وكأننا لا نتعلم، وكأن اللحظة لا تعنينا، وكأننا ننتظر دورًا قادمًا في مسلسل الانهيار. لكن الفرق اليوم أن ما يُهدد ليس مدينة أو عاصمة، بل ما تبقى من روح أمة تُطفأ شمعتها الأخيرة.

Haut du formulaire

فمن لا يرى في فلسطين أولوية، لا يرى في نفسه شيئًا يستحق البقاء. الأمة التي تفرّط في مفاتيح قدسها، ستُسلب عواصمها الأخرى واحدة تلو الأخرى. هكذا تسير السنن الجيوسياسية.

فلسطين هي مرآة القوة… أو الهوان

في كل قصفٍ على غزة، لا يُقصف فقط بيتٌ أو شارع، بل يُقصف ما تبقى من سيادة العرب. كل صاروخ يسقط هناك، يُسقط معه ورقة توت كانت تستر عورة القرار العربي. كل طفل يُنتشل من تحت الركام، يصرخ فينا جميعًا: من بقي له حق أن يتكلم باسم الكرامة؟ من بقي له وجه ليرفع شعارات التحرر؟ من بقي له قلب لم يتكلّس أو ضمير لم يُخصخص؟

غزة ليست اختبارًا للفلسطينيين. غزة مرآة نُعلّقها على وجه النظام العربي كلّه. فيها يُقاس منسوب الرجولة السياسية، ومؤشر السيادة، ودرجة المناعة في جسد تتآكله التبعية. من يملك اليوم أن يقول “لا”؟ من يمتلك زمام المبادرة؟ من يستطيع أن يضغط، أن يهدد، أن يربك، أن يُوقف نزيف الخضوع؟ الجواب فاضح… والصمت أفصح.

والكارثة ليست فقط في العجز، بل فيما بعده. حين يُقبل التنازل في فلسطين، يُكرّس منطق “قابلية التجزئة”، يُصبح كل جزء من هذا الوطن العربي قابلاً للتفاوض، للمقايضة، للمساومة. اليوم فلسطين، وغدًا سيناء، وبعد غدٍ الموصل، وربما دمشق أو بيروت أو الجزائر أو طرابلس أو سبتة ومليليه … حين يُنتزع القلب، هل تظن أن الجسد سيبقى سليمًا؟

ما يجري ليس فقط احتلالًا للأرض، بل احتلالٌ للمعنى. تفريغٌ للهوية. تفكيكٌ للعقل الجماعي العربي حتى يُصبح عاجزًا عن أن يشعر، قبل أن يُصبح عاجزًا عن أن يفعل. نحن لا نخسر فقط شعبًا يُقتل، بل نخسر حقًا تاريخيًا في أن نكون أمة.

العار ليس في هزيمة نخوضها، بل في الهروب منها، وترك من يقاوم، يواجه وحده، ونحن نمارس التحليل والحياد، بينما المقصلة تعمل.

فهل بقي فينا ما يُنقَذ؟

خاتمة: فلسطين ليست قضية… إنها اختبار التاريخ

فلسطين ليست مجرد قضية تُناقش في وسائل الإعلام، او في المحافل الدولية ، بل هي مرآة تُظهر حقيقة وعي الأمة وكرامتها. إنها امتحان مستمر لمدى فهمنا لذاتنا، ولحدود قوتنا، ولما نحن مستعدون للدفاع عنه. من يقبل بانكسار القدس، لا يتنازل فقط عن قطعة أرض، بل عن فكرة الأمة نفسها. من يرضى بتدمير رمزها، يفتح الطريق أمام تدمير روحها، وكل خطوة نحو التفريط هي خطوة نحو موت الأمة.

العدو يعرف تمامًا أن فلسطين هي البوصلة التي تحدد شرف وكرامة العرب والمسلمين. ولذلك، يسعى بكل قوة لتفكيك الوعي الجماعي، لتمزيق الصورة الحقيقية لفلسطين وتحويلها إلى قضية حدودية ضيقة أو نزاع على الارض. هو يعلم أن تدمير فلسطين في عقولنا يعني تفكيك الأمة من الداخل، وتآكل قوتها، وتفريطها في هويتها، مما يجعلها تسقط أمام أول اختبار حقيقي.

لكن أولئك الذين يستطيعون النظر أبعد من حدود الظرف الراهن، أولئك الذين يمتلكون القدرة على التفكير خارج الصندوق، أولئك الذين يملكون عينًا ترى ما وراء الضباب، والجرأة على كسر القوالب الضيقة، يدركون الحقيقة العارية: فلسطين ليست مجرد رقعة جغرافية، بل هي البوصلة التي ترسم اتجاه الأمة، وتحدد معنى وجودها. من يفرّط في فلسطين، لا يخسر أرضًا فقط، بل يهدر تاريخه، ويحرق مستقبله، ويقوّض وجوده من الجذور. من يُسقط فلسطين من حسابه، يُسقط الأمة من التاريخ. فبلا فلسطين، لا أمة تُبنى، ولا هوية تُصان، ولا إنسان يظل حرًّا، ولا دولة تبقى واقفة

التاريخ لا يصفح. وكل لحظة تغفل فيها الأمة عن قضيتها المركزية، هي لحظة تكتب فيها فصلاً جديدًا في مسلسل التآكل والانهيار. فلسطين ليست مجرد معركة عسكرية، بل اختبار أخلاقي ووجودي. والخسارة فيها لا تكون على يد العدو وحده، بل على يد من يفضلون الصمت على الصمود، والخذلان على المواجهة.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى