
د. محمد السنوسي
الرباط، يوم أمس الأحد (13 أبريل 2025)، لم تكن مدينة. كانت بركانًا. كانت نبضًا مشتعلًا في قلب الأمة، تصرخ بوجه القهر، وتجلجل كصوت الرعد في سماء الخنوع العربي. في لحظة ممطرة، كأنّ السماء تبكي غزّة، خرج المغاربة في مسيرة شعبية تهزّ الأرض تحت أقدامهم، لا ليعبّروا عن تضامن، بل ليعلنوا العصيان على الصمت، والتمرد على التواطؤ، والنفير ضد الإبادة.
الرباط اليوم، كما الأمس، تحفر اسمها من جديد على جدار الكرامة. لم يكن المطر مطرًا فقط، كان كأنّه تطهير، وكأنّ السماء تعمّد المدينة لتقود النداء:
“من الرباط… إلى كل أرض العرب: انهضوا! فالموت الذي يعبر غزّة لن يتوقّف عند حدودها.”
غزّة لا تُقصف فقط. غزّة تُذبح. تُخنق. تُمحى من الوجود.
ما يحدث في فلسطين ليس استثناءً عابرًا. إنه امتداد لجوهر المشروع الصهيوني منذ أن فُرض على هذه الأرض بتآمر الاستعمار الغربي، زرعًا لخلية سرطانية هدفها تفكيك الأمة وتكسير إرادتها. الكيان الصهيوني لم يُبنَ على حلم، بل على مذبحة. لم يتأسس على شرعية، بل على إبادة ممنهجة، كان الفلسطيني أول ضحاياها، والعرب جميعًا في دائرة الاستهداف التالي.
في الرباط، اختلطت الهتافات بنداءات الثكالى في غزة، وتحوّل الشارع إلى منبر حيّ يجلد الخنوع العربي والتطبيع المذلّ، ويعلن أن الشعوب ما زالت حية، وأن من تحت الرماد جمرًا لم ينطفئ. من طنجة إلى الكويرة، صدح صوتٌ واحد:
“غزة لستِ وحدكِ… فلسطين، نحن معكِ حتى النصر أو الشهادة.”
لم تكن التظاهرة حدثًا عابرًا. كانت تذكيرًا بأن الرباط لا تتخلى عن دورها التاريخي: رباط العروبة، رباط الكرامة، رباط الكفاح. مدينة لم تخضع يومًا، ولن تقبل أن تتحوّل إلى شاهد زور على جريمة العصر.
في الزمن العربي المنكسر… الرباط تُنذر وتُنير: من قلب المغرب، صوتٌ لا يُشترى ولا يُكسر
في هذا الزمن الرديء، حيث تمشي الأمة بثوبها الممزق فوق جراحها، وحيث الصهاينة يحكمون بالنار والإبادة، خرجت الرباط كأنها توقظ الموتى وتبعث الذاكرة العربية من بين الركام.
في المطر، كأنّ السماء تكتب وصيتها الأخيرة، خرج الأحرار يهتفون لا باسم المغرب فقط، بل باسم ما تبقّى من شرف هذه الأمة:
“نحن من تبقى… وسنحمل الراية ولو وحيدين!”
نعم، في الرباط، لم تكن التظاهرة لحظة غضب عابرة، بل كانت لحظة إعلان:
أننا لن نصمت بعد اليوم، وأن فلسطين لا تُختزل في خريطة ولا في قرار أممي، بل هي جوهر المعركة، وميزان العدالة، ومعنى الكرامة.
ما يجري اليوم في غزّة ليس مجرد عدوان عسكري عابر، بل هو استمرار لمشروع إبادة متجذّر، تأسّس عليه الكيان الصهيوني منذ اللحظة الأولى، يوم اجتمع سماسرة الاستعمار ليرسموا خريطة الدم، ويغرسوا خنجراً مسموماً في قلب الأمة.
هذا الكيان لم يُزرع ليحيا في سلام، ولا وُجد ليشارك الجوار والتعايش، بل وُجد ليقتل، ليهجّر، ليدوس على الحق والكرامة، وليمحو الذاكرة من جذورها.
منذ بدايته، كان سيفًا مرفوعًا على رقاب الأرض والإنسان…
واليوم، يواصل مهمّته نفسها، ولكن بأقصى درجات الفجور والوحشية، فيما العالم يتواطأ بالصمت، وبينما بعض العرب توغلوا أكثر في خيانة مقنّعة، خيانة لا تصرخ، بل تبتسم… وتسكت.
“لكن الرباط رفعت صوتها، باسم كل من لم تُسكِرهم أوهام “التعايش والسلام”، ولم تُخدِّرهم وعود الزيف :
نحن صدى دماء الأنبياء، وصوت غضب الأجداد، نحن أحفاد مغاربة لبّوا نداء صلاح الدين، نحمل ذاكرة القدس في وجداننا، ونقسم : لن ننسى، لن نغفر، ولن نغلق أعيننا ما دام فينا نفسٌ ينبض.”
فيا شعوب الأمّة…
انهضوا قبل أن تبتلعنا الهاوية، قبل أن تُعاد مآسي الأندلس بوجهٍ جديد، ومحاكم التفتيش بثوبٍ صهيوني، قبل أن يُصبح الصمتُ خيانةً والحيادُ لعنةً تطارد الأحياء والأموات.
لا تتركوا غزّة تنزف وحدها في ليلٍ بلا قمر،
حيث يُنتشل الأطفال من تحت الركام بلا روح،
وحيث العدو لا يكتفي بالقتل، بل يسحق حتى صدى النداء.
لا تتركوا صوت الرباط يتيماً يصرخ في صحراء الخذلان،
ولا تسمحوا لدماء الشهداء أن تُهدر لتُسكب في حبر بيانات باردة تُقال لتُنسى.
اجعلوها نارًا تُشعل الساحات، وتكسر جدران الصمت،
اجعلوها زلزالًا يهزّ الغافلين من سباتهم،
وصرخةً تشق جدار النسيان، تفتح بوابات العودة المغلقة، وترجّ عرش الطغيان في قلب عاصمة الاحتلال..
إنها لحظة الحقيقة…
إما أن نكون أمةً تُقاوم وتكتب قدرها بالنار والكلمة،
أو قطيعًا يُقاد إلى الذبح باسم الواقعية والاستسلام.
إما أن نكون الرباط…
أو نغدو رمادًا تُذروه رياح النسيان.
لتكن الرباط اليوم قدوةً لا تنحني،
لا تذرف دمعة في الخفاء، بل تصرخ في وجه الزمن العربي المكسور،
تنهض من تحت المطر، وتشعل ذاكرة الأمة التي أُريد لها النسيان،
توقظ ما خدرته العناوين المضلّلة، وتُعيد للشارع العربي صوته المجلجل.
ولتكن صرختها شرارة لا تنطفئ،
شرارة تكسر جدران الصمت، وتبعثر رماد الخوف،
شرارة تقول للعدو، ومن يرعاه:
احذروا… فإن غضب العرب حين يتأخر لا يعني أنه مات،
بل يعني أنه يختمر ليأتي إعصارًا لا يُبقي ولا يذر.
إعصارًا يأتي من الرباط التي لم تخن،
من تونس التي لم تُساوم،
من صنعاء التي قاومت رغم الجراح،
من بغداد التي تعرف معنى الاحتلال،
من عمّان التي لم تُنسِها المعاهدات شرف الانتماء،
من الجزائر التي ولدت من رحم التمرد،
من القاهرة التي ما زالت تتنفس الغضب،
من دمشق التي تنهض رغم الرماد،
ومن الرياض، التي تحتضن ذاكرة الوحي وخُطى الحبيب المصطفى، ومن أرضٍ لا تزال نار الكرامة مشتعلة في قلبها، حيث مكة تُناجي الله بملايين الحُجاج، والمدينة تُضمّ قبر الرسول عليه الصلاة والسلام… من هناك، يعلو النداء: لن تُنسى فلسطين، ولن تُطفأ جمرة الغضب حتى يُرفع الظلم عن غزّة.
من كل قلبٍ حرٍ في هذا العالم، لم يبع القضية بوهم السلام، ولم يساوم على الحق، ولم يستبدل الصمود بمنصبٍ عابر أو صفقةٍ مدنّسة.
ولتكن الرسالة صريحة كصرخة في وجه الخذلان: فلسطين ليست وحدها… وغزّة لا تموت، بل تولد من تحت الركام مقاومة لا تنكسر.
لها في الرباط، وفي كل عواصم العروبة، شعوب لا تنسى، وأصوات لا تخفت ،
وأمة… إن أُريقت دماؤها، اشتعلت من رمادها نارًا تحرق الذل وتبعث الكرامة من تحت الركام.




