
د. محمد السنوسي
حين يصبح الصمت الدولي بنية مقصودة لا عَرَضًا عابرًا
حين تُباد مدينة مثل غزّة أمام أعين العالم، فإن السؤال لا ينبغي أن يقتصر على “ماذا يحدث هناك؟”، بل يجب أن يتسع ليشمل: “لماذا يحدث ذلك بهذه الطريقة؟ ومن يسمح له أن يحدث؟”. في قلب هذا التساؤل، نكتشف أن غزّة ليست فقط مسرحًا لمجزرة، بل هي أيضًا أداة تشريح تكشف بنية العالم، وتفضح حدود ما تبقّى من القيم الكونية المتوافق عليها نظريًا.
الحديث عن غزّة لا يمكن اختزاله في العاطفة، رغم كثافتها وضرورتها الأخلاقية. لا يمكن اختزاله في بيانات تنديد جوفاء، أو في توازنات جيوسياسية تذرّ الرماد في العيون. منهج التفكير خارج الصندوق يفرض علينا أن ننظر لما يحدث هناك بوصفه منظومة معقّدة من الاستهداف والصمت والتواطؤ البنيوي.
أولًا: هندسة الإبادة… حين تصبح الحرب وسيلة لإدارة السكان
ما تتعرض له غزّة ليس مجرد عدوان عسكري ظرفي، بل هو امتداد بنيوي لمنظومة الإبادة التي تأسس عليها الكيان الصهيوني منذ لحظة فرضه بالقوة وبالتآمر الغربي على المنطقة العربية. هذا الكيان لم يُبنَ على فكرة التعايش أو التسوية، بل على نفي الآخر، واقتلاعه، وإلغاء وجوده. ومنذ نشأته، كانت الإبادة، بكل صورها الرمزية والمادية، وسيلته الأساسية لتنظيم الجغرافيا وتطويع الديمغرافيا.
إن الحرب على غزّة ليست استثناءً في هذا السياق، بل هي التعبير الأكثر فجاجة عن وظيفة الإبادة كأداة سياسية دائمة، تُستخدم متى ما عجزت وسائل الحصار والتجويع والترهيب عن إخضاع الشعب الفلسطيني أو كسر إرادته. ما يجري هو عملية إدارة دورية “للفائض البشري غير المرغوب فيه”، بلغة استعمارية فاقعة، لا تجد حرجًا في إعادة إنتاج نفسها في وضح النهار، وتحت سمع وبصر عالم يكتفي بالمراقبة الصامتة إن لم يكن مشاركًا بالصمت والدعم.
الإبادة لا تتم فقط بالصواريخ. إنها أيضًا سياسة متكاملة تشمل:
- تدمير البنية التحتية كالمستشفيات والمدارس والمساجد.
- محاولة تفكيك الذاكرة الجمعية من خلال استهداف العائلات الكبرى ومحو الأنساب.
- نزع الأمل من المستقبل عبر قتل الأطفال والناجين ودفن الطفولة مع أجساد أصحابها.
هذا النمط من العنف يُدار بوعيٍ استراتيجي، ويُغلف بخطاب “محاربة الإرهاب”، لتبريره أمام الرأي العام العالمي، الذي تم تدريبه على تقبّل المجازر طالما كانت ملفوفة بلغة “الدفاع عن النفس”.
ثانيًا: بنية الصمت… حين يصبح التجاهل استراتيجية
الصمت الدولي إزاء ما يحدث في غزّة ليس نتيجة خلل طارئ، ولا عجز في التواصل. إنه خيار سياسي محسوب، قائم على منطق “الإدارة بالأزمات”. العالم لا يصمت لأنه لا يعرف، بل لأنه لا يريد أن يُربك نفسه بمواقف أخلاقية تُكلّفه مصالحه.
المفارقة أن هذا الصمت يُدار من خلال آليات “الحضور الزائف”:
- بيانات تنديد باردة لا تُغير شيئًا.
- قمم دبلوماسية شكلية تنتهي دائمًا بجملة: “نشعر بقلق بالغ”.
- مساعدات إنسانية مشروطة تأتي في اللحظة التي يكون فيها كل شيء قد تدمر.
في هذا السياق، تُختزل حياة الفلسطينيين إلى أرقام في تقارير الأمم المتحدة، ويُصبح الطفل الشهيد بندًا في جدول إكسل، لا أكثر.
ثالثًا: تواطؤ الأخوة… حين تغيب الجغرافيا الأخلاقية
أسوأ ما في المأساة، ليس فقط صمت العالم الغربي، بل تبلّد ضمير المحيط العربي والإسلامي. أنظمة كاملة اختارت الحياد، بل ذهبت أبعد من الصمت إلى تبنّي رواية المعتدي، عبر التطبيع، أو تجريم دعم المقاومة، أو الترويج لخطاب الواقعية السياسية.
التحليل خارج الصندوق يقودنا إلى القول الصادم: ليس العدو وحده من يقتل غزة، بل أيضًا:
- من يصمت وهو يملك التأثير.
- من يعوّل على الوساطات أكثر من الوقوف المبدئي.
- من جعل من “التضامن الإعلامي” سقفًا لما يقدمه للقضية.
تلك هي الخيانة الرمادية، التي لا تُشهر السلاح، لكنها تسحب غطاء الشرعية عن الدم الفلسطيني، وتُساهم في تحييد الضمير الجمعي للأمة.
رابعًا: غزّة كمرآة للمستقبل العالمي
ما يحدث في غزّة ليس فقط قضية فلسطينية، بل هو نموذج مصغّر لما قد يحدث لاحقًا في أي مكان، حين يسقط القانون الدولي، وتتآكل شرعية المؤسسات، وتُختزل القيم في المصالح.
غزّة اليوم تفضح زيف “النظام العالمي الجديد”، وتُحذّر من عالم لا تردعه الأعراف، ولا تهزّه الصور، ولا تحركه الضمائر. إذا قبل العالم بما يحدث هناك، فهو يُدرّب نفسه على قبول ما هو أبشع، في أماكن أخرى.
غزّة ليست “الاستثناء الفلسطيني”، بل هي نذير عمّا سيصبح قاعدة إن لم يُقاوم.
خاتمة: غزة لا تسقط… بل تسقط الأقنعة
في كل شهيد، لا تُزهق فقط روح، بل تُسقط ورقة توت من جسد هذا العالم المريض. في كل أم تبكي، تتكسر صورة “الضمير العالمي”. في كل بيت يُهدم، يُبنى وعي جديد يقول: العدو واضح، لكن الصديق المزيّف أخطر.
غزّة تُباد؟ نعم.
لكن الأهم من ذلك: من الذي ينجو من هذه الإبادة دون أن تتلطخ يداه؟
من يستطيع أن ينظر في المرآة ويقول: “كنت إنسانًا”؟
غزّة ليست مجرد مأساة. إنها اختبار عالمي لم ننجح فيه… بعد.




