تحرير الإنسان: المعركة الكبرى التي لا تحتمل التأجيل

د. محمد السنوسي

نعيش اليوم زمن الانكسار العظيم، حيث تحاصرنا مشاهد الدم والدمار في غزة وكل فلسطين، تقف أرواحنا مشدوهة أمام المجازر، وقلوبنا تنزف مع كل شهيد، لكن أيادينا مكبلة وعقولنا مسجونة داخل أسوار العجز. نحن أمة تملك كل مقومات النهوض، لكننا نفتقد شيئًا جوهريًا: الإرادة. الإرادة التي تحررنا من عقد الهزيمة النفسية، وتوقظ فينا تلك القوة الكامنة التي دفعت شعوبًا عبر التاريخ إلى التحرر والانتصار.

لم يعد بإمكاننا البقاء في هذا الوضع، مجرد متفرجين نحصي الضحايا ونندب الحظ ونشجب بأصوات مخنوقة. هذا الضعف لم يكن قدرًا، بل كان خيارًا تكرس عبر عقود من الترويض والاستلاب، حتى أصبح الاستسلام عادة والهوان ثقافة، وأصبح العجز يلبس ثوب الواقعية. لكن الواقع ليس قدرًا، بل هو بناء بشري يمكن هدمه وإعادة تشكيله، شرط أن نمتلك الجرأة على التفكير خارج الصندوق الذي صنعته لنا قرون من الانحدار.

إننا اليوم بحاجة إلى ثورة حقيقية، ليست ثورة بيانات ولا شعارات، بل ثورة تبدأ من الداخل، من الإنسان نفسه. “إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ” (الرعد:11). علينا ادن، أن نعيد بناء الإنسان في مجتمعاتنا، لا من خلال تلقينه أفكارًا جديدة، بل عبر تحريره من كل القيود التي صاغت ضعفه وكرّست استسلامه. إنها معركة وعي قبل أن تكون معركة سلاح، معركة استعادة الثقة في الذات، معركة كسر الخوف الذي كبّلنا لعقود، معركة التحرر من الشعور بالدونية أمام عدو لم ينتصر علينا بقوته، بل انتصر علينا بضعفنا.

لا يمكن للأمم أن تنهض ما لم تؤمن بأنها قادرة على النهوض. لا حرية لمن لا يمتلك الشجاعة، ولا كرامة لمن قبل الذل، ولا استقلال لمن استبطن الهزيمة كحقيقة لا نقاش فيها. إذا كنا نبحث عن حل، فلن يكون في تكرار الأخطاء ذاتها، ولا في انتظار معجزات لن تأتي. الحل يبدأ حين نقرر أن لا شيء فوق إرادتنا، وحين ندرك أن العدو الأول ليس فقط من يقصف مدننا، بل من يسكن داخل عقولنا على هيئة خوف وعجز واستسلام.

المعركة الكبرى ليست هناك، في ميادين القتال فحسب، بل هنا، في كل عقل مكبل، في كل روح يائسة، في كل قلب تائه بين الإحباط والانتظار. لا خروج من هذا النفق إلا حين نخرج من أنفسنا كل ما زرع فينا من ضعف، حين ندرك أن الحرية لا تمنح، بل تُنتزع، وأن العدو لا ينهزم إلا حين نقرر أن نقاتل حتى النهاية، لا بالسلاح فقط، بل بالفكر، بالإرادة، بالإيمان العميق بأننا نستحق مكانًا بين الأمم القوية، وأن فلسطين، كما كل قضايا الحق، لن يحررها إلا الأحرار.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى