ذ. محمد السنوسي
إلى متى سيظل العالم أعمى وأصم أمام مأساة شعب يُباد أمام مرأى الجميع؟
منذ أكثر من سبعة عقود، وفلسطين تنزف. أرضٌ سُرقت من أصحابها أمام أنظار الجميع، وبمباركة قوى استعمارية لم يكن لها من هدف سوى زرع كيان استيطاني وظيفي في قلب الأمة العربية، ليبقى خنجراً مغروساً في خاصرتها، يمنع وحدتها، ويمزّق نسيجها، ويقف سدًا أمام أي نهضة حقيقية.
واليوم، وفي القرن الحادي والعشرين، حيث تُرفع شعارات حقوق الإنسان، والشرعية الدولية، والديمقراطية، يقف هذا العالم نفسه موقف المتفرج، إن لم يكن موقف الشريك في الجريمة. إسرائيل، هذا الكيان القائم على القتل والاحتلال، لم تعد تعبأ بأحد، لا بالمواقف الدولية، ولا بالقرارات الأممية، ولا حتى بأصوات الغضب الشعبي في الشوارع الغربية والعربية. لقد أدركت أن الحكومات خاضعة، صامتة، مستكينة، وأنها تستطيع أن تقتل وتدمّر وتشرد دون أن تواجه أي عواقب.
العرب… بين العجز والتواطؤ
في هذا المشهد الدموي، أين العرب؟ أين الجامعة العربية؟ أين الأنظمة التي تملأ الدنيا ضجيجاً بشعارات التضامن والدفاع عن الحقوق؟ ما قيمة بيانات الشجب والإدانة، إن لم يكن لها أي أثر على الأرض؟ ما جدوى مؤتمرات تعِد بإعمار غزة، بينما إسرائيل تواصل قصفها وتدميرها للبنية التحتية؟ ما نراه اليوم هو عنوان واضح لمصير أي قرار عربي؛ يُلقى في سلة المهملات بمجرد انتهاء البيان الختامي.
لم يكن العدوان على غزة معزولًا، ولن يكون الأخير. بالأمس، قُصفت درعا السورية، وتم الاعتداء على لبنان، واليوم تُرسم سيناريوهات أكثر جرأة تستهدف الأردن، ومصر، والسعودية، وكل دولة عربية لا تزال تحلم بأن لها سيادة على أرضها. ما تقوم به إسرائيل اليوم ليس سوى تمهيد لما تسميه بـ”الحل النهائي” للقضية الفلسطينية، وهو الإبادة الشاملة، والتهجير القسري، وتصفية شعب بأكمله من أرضه.
نداء أخير قبل فوات الأوان
يا شعوب الأمة، يا من لا تزال فيكم بقايا من كرامة ونخوة، لا تسمحوا لهذه المجازر أن تمر كما مرت سابقاتها. لا تسمحوا لإسرائيل أن تواصل إهانة الأمة بلا ردّ، بلا عقاب. الشعوب العربية مطالبة اليوم بأن تتحمل مسؤوليتها أمام هذا المشهد التاريخي، أمام أطفال يقتلون بدم بارد، أمام مدن تُمحى عن الخارطة، وأمام خيانة دولية واضحة المعالم.
الخذلان لن يزيد إسرائيل إلا احتقارًا لكم، ولن يزيدها إلا إصرارًا على استكمال مشروعها التوسعي التلمودي. ومن يظن أن فلسطين وحدها هي المستهدفة فهو واهم؛ فبعد غزة، سيكون الدور على الأردن، ومصر، وسوريا، ولبنان، وحتى السعودية. لا تراهنوا على عدالة دولية كاذبة، ولا تنتظروا صحوة من عالم منافق لا يعرف سوى لغة المصالح والقوة.
بعد أيام، سيحتفل العرب والمسلمون بعيد الفطر، وسيرتدي الأطفال ملابس جديدة، وسيتبادلون التهاني، وسيفرحون كما هي العادة. لكن، كيف لكم أن تحتفلوا وأطفال غزة يُقتلون جوعًا وقصفًا وبردًا؟ كيف لكم أن تفرحوا، بينما هناك أطفال قطعت أطرافهم، وآخرون يُسحقون تحت الأنقاض؟ كيف يمكن لضمير حي أن يغض الطرف عن هذه المذبحة الجماعية؟
أيها العرب، ايها المسلمون، لا تغلقوا التلفاز هربًا من صور المجازر، لا تقلبوا الصفحات كي لا تواجهوا الحقيقة، لا تعيشوا في الوهم بأنكم بعيدون عن الخطر. إن لم تكونوا اليوم مع فلسطين، فانتظروا دوركم غداً. لا تقولوا لم نكن نعلم، لا تقولوا لم نحذر، لا تبرروا خضوعكم بالصمت، لأن التاريخ لا يرحم، ولأن الأجيال القادمة ستلعن كل من باع فلسطين أو تواطأ على ذبحها أو سكت على الجريمة.
اليوم هو يوم الموقف، إما أن تكونوا مع فلسطين، أو تكونوا جزءًا من المؤامرة عليها.
هذا ليس مجرد اختبار للأخلاق، بل اختبار للوجود نفسه. فإن لم نتحرك الآن، فلن نجد يومًا أرضًا ندافع عنها، أو قضية نناضل من أجلها. إما أن يكون لنا موقف، أو نتحول جميعًا إلى ضحايا مؤجلين لمشروع استعماري لم ولن يتوقف عند حدود فلسطين.




