د. محمد السنوسي
رئيس المجلس المغربي للشؤون الخارجية

أي عالم هذا الذي نعيش فيه؟ أي زمن هذا الذي أصبح فيه القاتل طليقًا، والضحية مدانة؟ الكيان الصهيوني ينقلب على اتفاق هدنة وقّعه بيده، لم يكن سوى استراحة لالتقاط أنفاس الجريمة، قبل أن يعيد ارتكابها بأشدّ بشاعة. أما الوسيط الأمريكي، الذي تظاهر برعاية الهدنة، فقد زوّد القاتل بالسلاح ليحصد أرواح الأبرياء.
500 شهيد في يوم واحد!
نساء وأطفال، كانوا نيامًا، يحلمون بأن يستيقظوا مع بزوغ الفجر، لكن صواريخ الموت كانت أسرع. لم تُمهلهم ليكبروا، لم تمنحهم فرصة للبكاء أو الهرب، مزّقت أجسادهم الصغيرة، دفنتهم تحت الأنقاض، وتركت أمهاتهم يبحثن عن بقاياهم بين الركام.
الصمت الذي يقتل أكثر من القنابل
في عواصم العالم، يجلس الساسة خلف مكاتبهم الفخمة، يكتبون بيانات باردة، كلمات جوفاء لا توقف نزيف الدم. يدعون إلى “ضبط النفس”، وكأن الفلسطيني، الذي يُذبح منذ أكثر من سبعين عامًا، هو المعتدي! ينظرون إلى المشهد كمتفرجين في مسرحية، حيث الموت مجاني، والقاتل فوق القانون، والضحية بلا صوت.
أما الأمم المتحدة، فهي كما كانت دائمًا: قلقة! تراقب، تحصي الجثث، تحذر من “التصعيد”، لكنها لا تملك الجرأة لقول الحقيقة: أن هناك مجرمًا، وهناك شعب يُباد أمام أعيننا.
أين العرب؟ أين النخوة؟
لكن السؤال الأشد مرارة: أين العرب؟ أين النخوة؟
أين الجيوش التي تتكدس أسلحتها في المخازن، لكنها لا تتحرك لوقف المجازر؟ أين الدول التي تغرق في ترف الاتفاقيات واللقاءات، بينما تُهدم البيوت فوق رؤوس أصحابها؟ أين من يدّعون أنهم حماة العروبة والإسلام، بينما المسجد الأقصى يُدنّس، ودماء الأبرياء تسيل كالنهر؟
كيف أصبحت قضيتنا مجرد خبر في نشرات الأخبار، تمرّ كأي مأساة عابرة؟ متى أصبح الدم الفلسطيني رخيصًا إلى هذا الحد؟ هل ماتت القلوب؟ هل ماتت الضمائر؟ أم أننا جميعًا أصبحنا جزءًا من هذه الجريمة، بصمتنا، بعجزنا، بقبولنا لهذا الوضع المخزي؟
ما هذا الجنون؟
هذا ليس عدوانًا عسكريًا فقط، هذه إبادة، هذه جريمة ضد الإنسانية، هذه وصمة عار على جبين العالم.
أن يُقتل الأطفال وهم نيام، ولا تهتز العروش، ولا تتحرك الجيوش، فذلك هو قمة الجنون.
أن يصبح القاتل فوق القانون، والضحية بلا نصير، فذلك هو قمة الظلم.
أن نصحو كل يوم على مشاهد المجازر، ونعتادها، فذلك هو قمة الانحدار الأخلاقي.
لكن، رغم كل هذا الظلام، هناك من لم يركع، من لم يستسلم، من لم يتخلّ عن كرامته. هناك شعب يقاوم بصدره العاري، وأم تبكي ابنها الشهيد، لكنها ترفع رأسها، لأنها تعرف أن القضية أكبر من موت فرد، إنها معركة وجود، معركة كرامة، معركة حياة أو موت.
فإلى متى سيبقى هذا الجنون مستمرًا؟
إلى متى سيبقى الدم الفلسطيني وقودًا لصمت العالم؟
إلى متى سننتظر أن يفيق الضمير الإنساني من غيبوبته؟
لكننا نعلم شيئًا واحدًا:
المجازر لا تقتل القضايا، بل تُحييها.
والشعوب التي تُقتل ولا تنكسر، تكتب مستقبلها بدمائها.




