صحافيو وكالة المغرب العربي للأنباء.. كنز معرفي ينبغي إنقاذه من الضياع


بقلم: محمد رضوان

في لقاء ودّيٍ خفيف، ضمَّ أمس بالرباط، ثُلة من قدماء صحافيي وكالة المغرب العربي للأنباء، من روادها وأبنائها البررة، جرى حديثٌ فيه شجونٌ وحنينٌ وانتشاءٌ بما تشهده الوكالة تحت إدارتها الجديدة من انفتاح وتقدير تُجاه من أشركُوا، بالأمس، الليلَ بالنهارِ في خدمة هذه المؤسسة الإعلامية الوطنية الكبرى.
في لحظة دعَةٍ من لحظات هذا اللقاء، سألتُ الجمعَ إن حان الوقت لاستخراج كنز يمتلكه كل واحد منهم، تبسّم بعضُهم ضاحكا، وتهكّم آخرون من السؤال وكلمة “الكنز” الخُرافية .
في حقيقة الأمر، أعتبر قدماء صحافيي الوكالة، ولا سيما من الجيل الذي جاء بعد رعيل المؤسسين، أقصد الجيل الذي اشتغل بالمؤسسة في سبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي، بمثابة ذاكرة تاريخية غنية، وأرشيف وطني حي لا ينبغي التفريط فيه، وشواهد على مرحلة أساسية من تاريخ المغرب المعاصر.
هذا الجيل من الوكالة تختبئ في ذاكرته، وجُعبة أوراقِه وصُورِه، معايناتٌ ومشاهداتٌ لأحداث وطنية ودولية جِسام، ولقاءات بشخصيات وطنية وعالمية عِظام؛ من ملوك وأمراء ورؤساء ومثقفين وفنانين.. وهي مشاهدات ولقاءات ينبغي استخراجها للاطلاع والعبرة والفائدة ..
للمثال فقط، شخصيا لي بعضٌ من هذا النوع من المشاهدات واللقاءات التي ما إِن أتحدثُ عنها لبعض أصدقائي الجامعيين إلا ويحثُني على تدوينها ونشرها، من ذلك؛

  • في فترة من أحلك فترات الحصار الجائر والقاتل الذي فرضته الولايات المتحدة ومعها دول التحالف على العراق في أواسط التسعينيات، حل نائب رئيس الوزراء العراقي الشهير طارق عزيز بالمغرب في مهمة كلفهُ بها الرئيس الراحل صدام حسين، وأثناء استراحته بالقاعة الشرفية بمطار الدار البيضاء الدولي وعقب انتهائه من تصريح صحافي طلبتُه منه للوكالة، لم يتردد الزائر عزيز من استخراج سجارة للتدخين من عُلبة ماركة “مارلبورو” ذات الرمزية الأمريكية المتغطرسة، مما ذهلَ لهُ الحاضرون الذين كان بعضُهم يُنادي بمقاطعة المنتوجات الأمريكية تضامنا مع الإخوة العراقيين، فإذا ببعض المسؤولين العراقيين لم يتضامنوا مع دعاة المقاطعة، فكان ذلك ربما واحدا من أسباب ما حصل بعد ذلك من أحداث جَللٍ.
  • هذه المرةّ في الخريف من العام 2003 بطرابلس الغرب، العاصمة الليبية، وأنا جالسٌ بمقهى فندق “الفاتح” الشهير المطلِّ على المتوسط أتصفح جرائد الصباح، إذا بي أرى أمامي الرئيس الجزائري الأسبق، الراحل أحمد بن بلة، وكان شبه مقيم بالجماهيرية في ضيافة صديقه الزعيم الليبي الراحل معمر القذافي، رأيته وهو يرتشف قهوته ويتأمل مياه المتوسط الزرقاء.
    بحركة عفوية وفضول صحافي، استأذنته بالجلوس بعد تحيته بتحية تليق برؤساء القوم، وبعد حديثه عن جذوره المغربية وإعجابه بسياسة النماء التي تشهدها المملكة، بَادرتُه بسؤال؛ سيدي الرئيس؛ تعترفون بأصولكم المغربية، وتمدحون ما وصلت إليه المملكة من ازدهار مع أنكم أول رئيس جزائري في عهده نشبت مواجهات مسلحة بين بلادكم والمغرب في أكتوبر 1963م، في ما عُرف ب”حرب الرمال”..؟
    أطرق الرئيس بن بلة بُرهة، وردّ بعبارة موجزة؛ تلك من أخطاء السياسة في ذلك الوقت والتي ما كان ينبغي أن تحصل.
    قلتُ ؛ هل يمكن أن أنشر هذا الحوار القصير.
    أجاب بنبرة حازمة؛ لا تنشر شيئا من هذا الحديث، سيتسببُ لي ذلك في متاعب إضافية بالجزائر.
    عاهدتُه أن يظل ما جرى بيننا طي الكِتمان.
    أكيد أن زملائي من صحافيي الوكالة لديهم مواقف ومشاهدات نادرة ينبغي الكشف عنها خدمةً للحقيقة والتاريخ، وقد تكون مادة ملائمة لكُتاب الحوليات والسيرة الذاتية للشخصيات.
    أليست الأرشيفات الشخصية لهؤلاء الصحافيين “كنزا” معرفيا حقيقيا ينبغي لمؤسسة “أرشيف المغرب” أن تفطن إليه، ولا تدعه للضياع في غياهب النسيان.

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى