
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
من نيويورك، يأتي هذا المقال كمحاولة تحليلية لقراءة الدلالات الاستراتيجية لزيارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بكين خلال الفترة ما بين 13 و14 مايو 2026. إذ لم تكن هذه الزيارة مجرد محطة دبلوماسية عابرة تُفهم ضمن الإيقاع التقليدي للعلاقات الثنائية، بل شكّلت لحظة كاشفة لتحول أعمق في توازنات القوة داخل نظام دولي يتجه نحو مستويات أعلى من التعقيد وعدم اليقين.
فقد تزامنت هذه الزيارة مع انخراط الولايات المتحدة في صراع عسكري مفتوح مع إيران، في سياق يُنظر إليه على نطاق واسع باعتباره نتيجة تفاعلات إقليمية معقدة تتداخل فيها أدوار القوى الحليفة والوسيطة، وعلى رأسها إسرائيل. وقد شكّل هذا التطور، الذي تجاوز حدوده الجغرافية المباشرة، انتقالًا من مجرد أزمة إقليمية إلى متغير بنيوي أعاد إعادة تشكيل هندسة التفاعلات بين القوى الكبرى.
وبناءً على ذلك، لم تعد هذه التفاعلات تُدار ضمن منطق الاستقرار النسبي أو قواعد التوازن التقليدي، بل دخل النظام الدولي مرحلة أكثر سيولة، تُفرض فيها على مختلف الفاعلين عمليات إعادة تموضع مستمرة، استجابةً لديناميات أزمات عابرة للأقاليم، بات تأثيرها يمتد إلى البنية الكلية للنظام الدولي وإيقاعه العام.
ضمن هذا الإطار، لم تعد واشنطن تتحرك باعتبارها قوة قادرة على ضبط إيقاع التفاوض من موقع الهيمنة المريحة، بل انتقلت إلى وضعية “الفاعل المُقيَّد استراتيجيًا”، حيث تتقاطع ضغوط الميدان العسكري مع اختلالات الاقتصاد السياسي للطاقة، ومع تحديات الحفاظ على المصداقية الردعية في بيئة دولية شديدة التشابك. هذا التحول لا يعكس مجرد ظرف ظرفي، بل يكشف عن انزياح نسبي في تموضع القوة، ناتج عن التورط في صراعات مرتفعة الكلفة ضمن نظام لم يعد يسمح بإدارة الأزمات بمنطق الانفراد أو التحكم الكامل.
وتكمن القيمة التحليلية لهذه اللحظة في أنها تعيد تفعيل إحدى القواعد العميقة في الذكاء الاستراتيجي: ليس كل استخدام للقوة يُنتج قوة، بل قد يتحول—إذا ما افتقد لاقتصاد التوازن—إلى آلية غير مباشرة لإعادة توزيع النفوذ. فالحرب، في هذه الحالة، لا تؤدي وظيفة الحسم بقدر ما تعيد تشكيل بنية الصراع، وتفتح المجال أمام فاعلين آخرين أكثر قدرة على استثمار التعقيد من خارج مسرح المواجهة.
من هذا المنظور، لا تُطرح زيارة بكين كسياق تفاوضي تقليدي، بل كاختبار لقدرة الصين على تحويل موقعها من “قوة صاعدة تكيّفية” إلى “فاعل مُهيكل للبيئة الاستراتيجية”. وعليه، يبرز السؤال الجوهري: هل نجحت بكين في استثمار الانخراط الأميركي في الحرب كرافعة استراتيجية تُمكّنها من توسيع هامش تأثيرها في إدارة الأزمات الدولية، دون أن تتحمل كلفة الانخراط المباشر فيها؟ أم أن حدود هذا الاستثمار تظل مقيدة بتوازنات أعمق تحكم بنية النظام الدولي؟
أولا: حرب إيران كآلية استنزاف استراتيجي
لا يمكن تفكيك السلوك التفاوضي للولايات المتحدة في بكين دون إعادة تعريف الحرب مع إيران بوصفها “آلية استنزاف استراتيجي متعدد الأبعاد”، تتجاوز بكثير منطق المواجهة العسكرية المباشرة. فهذه الحرب، رغم تمظهرها الخارجي كصراع تقليدي، تعمل في العمق كحقل ضغط مركّب يعيد توزيع عناصر القوة الأميركية عبر مستويات متداخلة، ويؤثر بشكل مباشر في قدرتها على إنتاج النفوذ.
أول هذه المستويات يتمثل في الاقتصاد السياسي للقوة، حيث لم يعد ارتفاع أسعار الطاقة مجرد انعكاس ظرفي لتقلبات السوق، بل تحوّل إلى عامل بنيوي ضاغط يعيد تشكيل العلاقة بين الداخل والخارج في القرار الأميركي. فكل زيادة في كلفة الطاقة تُترجم إلى ضغوط اجتماعية وسياسية داخلية، ما يقيّد هامش الحركة الاستراتيجية للإدارة، ويجعل قراراتها الخارجية محكومة باعتبارات الاستقرار الداخلي بقدر ما هي مرتبطة بحسابات القوة.
أما المستوى الثاني، فيتعلق بـإعادة توزيع الموارد الاستراتيجية، حيث أدى الانخراط في مسرح عمليات جديد إلى خلق حالة من التشتت الوظيفي للقدرات العسكرية والاستخباراتية. هذا التشتت لا يُقاس فقط بحجم الموارد المنقولة، بل بتكلفته الفرصية: أي ما تخسره واشنطن من قدرة على التركيز في مسارح أكثر أولوية، وعلى رأسها الفضاء الآسيوي-الهادئ، الذي يُعد المجال الحيوي للمنافسة مع الصين. وهنا يظهر أحد أوجه المفارقة: الانخراط في صراع ثانوي قد يضعف القدرة على إدارة الصراع الرئيسي.
أما المستوى الثالث، فهو تآكل الرأسمال الردعي، وهو عنصر غير مادي لكنه حاسم في حسابات القوة. فحين تتحول الحرب إلى مواجهة ممتدة وغير محسومة، تتآكل صورة القوة القادرة على الحسم السريع، ما يعيد تشكيل إدراك الخصوم والحلفاء على حد سواء. الخصوم يصبحون أكثر جرأة في اختبار الحدود، والحلفاء أكثر حذرًا في التعويل على الضمانات.
ضمن هذا التفاعل المركّب بين هذه المستويات الثلاثة، يتغير الموقع التفاوضي للولايات المتحدة بشكل نوعي. فهي لم تعد تتصرف كـ“فاعل مهيمن” يفرض شروط اللعبة، بل كـ“فاعل منخرط في أزمة” يسعى إلى إدارة كلفة الانخراط أكثر مما يسعى إلى توسيع مكاسبه. وهذا التحول، رغم دقته، يحمل دلالة استراتيجية عميقة: إذ يشير إلى انتقال مركز الثقل في السلوك الأميركي من منطق المبادرة إلى منطق الاحتواء، ومن إنتاج الخيارات إلى تقليص الخسائر.
ثانيا: الصين كفاعل “خارجي مُهيكل” لمسارات الأزمة
لا يمكن تفسير سلوك الصين في هذه اللحظة باعتباره مجرد استجابة ظرفية لفرصة عابرة، بل يعكس نمطًا متقدمًا من الفعل الاستراتيجي يقوم على ما يمكن تسميته بـ“التموضع خارج الصراع مع القدرة على تشكيل مخرجاته”. فبكين لم تدخل الحرب بوصفها طرفًا مباشرًا، لكنها نجحت في إعادة تعريف موقعها كفاعل لا يمكن تجاوزه في إدارة تداعياتها، وهو ما يمثل انتقالًا من الحضور إلى التأثير، ومن المراقبة إلى إعادة توجيه المسارات.
هذا النمط من السلوك يستند إلى ثلاث ركائز مترابطة تشكّل في مجموعها ما يشبه “منظومة نفوذ غير مباشر”:
أولًا، النفوذ الطاقي بوصفه أداة تأثير صامتة. فارتباط الصين الهيكلي بسوق الطاقة الإيرانية لا يمنحها فقط موقع الشريك الاقتصادي، بل يوفّر لها قناة تأثير غير مباشرة على القرار الإيراني. هذا النوع من النفوذ لا يعمل بمنطق الإكراه، بل بمنطق الترابط، حيث تتحول العلاقات الاقتصادية إلى رافعة لضبط الإيقاع السياسي دون الحاجة إلى تدخل صريح.
ثانيًا، الحياد الوظيفي كأصل استراتيجي. امتناع الصين عن الانخراط العسكري لا يعكس موقفًا سلبيًا، بل يمثل اختيارًا واعيًا يهدف إلى الحفاظ على موقع يسمح لها بالتحرك كوسيط محتمل. هذا “الحياد النسبي” يمنحها ميزة مزدوجة: الحفاظ على مصداقيتها أمام مختلف الأطراف، وتفادي كلفة الاستنزاف التي تتحملها القوى المنخرطة في الصراع.
ثالثًا، القدرة على هندسة الترابط بين الملفات. فالصين لا تتعامل مع الأزمة الإيرانية كوحدة مستقلة، بل تدمجها ضمن مصفوفة تفاوضية أوسع تشمل قضايا التجارة، والتكنولوجيا، والأمن الإقليمي، وتايوان. هذا الربط يحوّل كل أزمة جزئية إلى عنصر داخل معادلة شاملة، ويمنح بكين قدرة على إعادة توزيع الأوراق عبر مسارات متعددة في آن واحد.
وهنا يتجلى التحول الاستراتيجي الأعمق: لم تعد الأزمات تُدار ضمن حدودها الجغرافية أو الموضوعية الضيقة، بل أصبحت تُوظّف كـ“أصول تفاوضية” قابلة للتسييل داخل لعبة القوة الكبرى. وبهذا المعنى، لم تعد الأزمة الإيرانية مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى “عملة استراتيجية” تُستخدم لإعادة ضبط التوازنات بين الفاعلين الدوليين.
ثالثا: من منطق الردع إلى بنية الاعتماد المتبادل القسري
تكشف زيارة بكين عن تحوّل بنيوي في طبيعة العلاقة بين الولايات المتحدة والصين، يتجاوز مجرد تغير في أساليب التفاعل إلى إعادة تعريف القاعدة التي تحكم هذه العلاقة. فخلال العقود الماضية، تأسس السلوك الأميركي على فرضية مركزية مفادها أن صعود الصين يمكن احتواؤه عبر مزيج من الردع العسكري والضغط الاقتصادي، بما يحافظ على فجوة القوة ويمنع تحوّلها إلى منافس مكافئ.
غير أن ما أظهرته هذه اللحظة هو تآكل فعالية هذا المنطق في بيئة دولية باتت أكثر تشابكًا وتعقيدًا. إذ لم يعد الردع، بصيغته التقليدية، كافيًا لضبط سلوك قوة صاعدة تمتلك أدوات تأثير متعددة، ولا يمكن احتواؤها دون كلفة مرتفعة أو تداعيات عكسية.
في هذا السياق، يبرز نمط جديد من التفاعل يمكن توصيفه بـ“الاعتماد المتبادل القسري”، حيث لا ينبع التنسيق بين القوتين من إرادة تعاونية بقدر ما يُفرض عليهما بحكم طبيعة الأزمات المعولمة. فالولايات المتحدة، رغم استمرار تفوقها النسبي، تجد نفسها مضطرة للانخراط مع الصين كشرط لإدارة أزمات لا يمكن حلها بشكل أحادي، وهو ما يحوّل العلاقة من مجال للمنافسة الصرفة إلى فضاء للتشابك الوظيفي.
هذا التحول يحمل دلالتين استراتيجيتين عميقتين:
أولًا، تآكل القدرة على الانفراد بإدارة النظام الدولي، حيث لم تعد أي قوة—بما في ذلك الولايات المتحدة—قادرة على إنتاج حلول مستقلة للأزمات الكبرى دون المرور عبر قوى أخرى تمتلك أدوات تأثير موازية.
ثانيًا، صعود نمط توازن قائم على التشابك بدل الفصل، حيث تتداخل مجالات التعاون والصراع، وتصبح أدوات الضغط نفسها مرتبطة بدرجة من الاعتماد المتبادل، ما يحدّ من إمكانية التصعيد غير المحسوب.
وبهذا المعنى، لم تعد العلاقة بين واشنطن وبكين قابلة للاختزال في نموذج “اللعبة الصفرية”، بل تحوّلت إلى علاقة مركّبة تتعايش فيها مستويات متعارضة: تنافس استراتيجي حاد من جهة، واعتماد متبادل لا يمكن الفكاك منه من جهة أخرى. وهذا التداخل هو ما يحدد، بشكل متزايد، قواعد اللعبة في النظام الدولي المعاصر.
رابعا: الثقة الصينية كنتاج لتراكم استراتيجي طويل الأمد
لا يمكن فهم مستوى الثقة الذي أبدته بكين خلال هذه الزيارة باعتباره انعكاسًا ظرفيًا لميزان قوى لحظي، بل هو تعبير عن تراكم استراتيجي ممتد، نتج عن إعادة بناء منهجية لعناصر القوة الشاملة عبر الزمن. فالصين لم تصل إلى هذه المرحلة عبر قفزة مفاجئة، بل من خلال مسار تدريجي أعاد تشكيل قدراتها الاقتصادية، وعزّز استقلالها التكنولوجي، ورفع من جاهزيتها العسكرية، ضمن رؤية طويلة الأمد لإعادة التموضع داخل النظام الدولي.
في هذا الإطار، لا يُقرأ إصرار القيادة الصينية على إدراج ملفات حساسة—وفي مقدمتها تايوان—ضمن أجندة التفاعل، كخطوة تصعيدية بقدر ما يُفهم كإشارة مدروسة إلى تغير إدراكها لميزان القوة. فبكين لم تعد تتصرف من منطلق تفادي الاحتكاك، بل من فرضية أن اختلال التوازن الذي حكم العلاقة سابقًا قد تقلّص، وأن اللحظة الدولية الراهنة تتيح توسيع المجال التفاوضي واختبار حدود القوة المقابلة.
غير أن العنصر الحاسم في هذا التحول لا يكمن فقط فيما راكمته الصين من قدرات، بل في دقة قراءتها للبيئة الاستراتيجية المحيطة بخصمها. فقد أدركت بكين أن الولايات المتحدة، رغم احتفاظها بتفوق نوعي، باتت مقيدة بجملة من الإكراهات: انخراط في حرب عالية الكلفة، حاجة ملحّة لاستقرار الأسواق العالمية، وتجنّب فتح جبهات إضافية قد تُضاعف من الضغط الاستراتيجي عليها.
هذا الإدراك المزدوج—لتراكم الذات وحدود الآخر—هو ما سمح للصين بالانتقال من موقع “القوة الصاعدة الحذرة” إلى موقع “الفاعل الواثق الذي يعيد ضبط إيقاع التفاعل”. فهي لم تعد تكتفي بالتكيف مع قواعد اللعبة، بل بدأت تساهم في إعادة صياغتها، عبر فرض أولوياتها وإعادة ترتيب جدول التفاوض بما يخدم تموضعها الاستراتيجي.
خامسا: حدود الفاعلية الصينية ضمن إكراهات البنية الدولية
رغم المؤشرات التي توحي بتعاظم الموقع النسبي للصين، فإن توصيف هذه اللحظة باعتبارها “انتصارًا استراتيجيًا” يظل تبسيطًا مخلًا بطبيعة التوازنات الحاكمة. فالصين، بخلاف القوى التصحيحية الكلاسيكية (revisionist powers) ، لا تتحرك وفق منطق القطيعة مع النظام الدولي، بل وفق استراتيجية أكثر تركيبًا تقوم على إعادة تشكيله من الداخل، وبوتيرة محسوبة تراعي حدود القوة كما تستثمر فرصها.
هذا السلوك لا ينبع فقط من خيار إرادي، بل يخضع لمنظومة من القيود البنيوية التي تضبط إيقاعه وتحدد سقفه:
أولًا، الاندماج العميق في الاقتصاد العالمي. فالصعود الصيني، في جوهره، نتاج تفاعل كثيف مع نظام تجاري ومالي مفتوح، ما يجعل أي اضطراب واسع في هذا النظام يرتد مباشرة على دينامية النمو الداخلي. بهذا المعنى، لا تستطيع بكين المجازفة بإحداث صدمات كبرى دون أن تتحمل كلفتها.
ثانيًا، هشاشة التوازنات في المجال الأمني، ولا سيما في القضايا السيادية الحساسة مثل تايوان التي تُعدها الصين خطًا أحمر غير قابل للتجاوز. في هذا السياق، يتداخل البعد الرمزي مع الاعتبارات العسكرية المباشرة، ما يجعل هامش الخطأ محدودًا للغاية. فأي انزلاق غير محسوب قد يدفع التنافس إلى مواجهة مفتوحة، تتجاوز قدرة جميع الأطراف على ضبط مسارها أو التحكم في نتائجها النهائية.
ثالثًا، الرهان على الزمن كأصل استراتيجي. فباعتبارها قوة صاعدة، تستفيد الصين من منطق التراكم البطيء، حيث يعمل عامل الزمن لصالحها طالما حافظت على الاستقرار النسبي. وهذا ما يجعلها تميل إلى إدارة التوازنات بدل كسرها، وإلى توسيع نفوذها تدريجيًا بدل البحث عن لحظة حسم قد تكون مكلفة وغير مضمونة النتائج.
في ضوء هذه القيود، يتضح أن الاستراتيجية الصينية لا تستهدف تحقيق اختراق حاسم، بل تقوم على تعظيم المكاسب عبر التراكم المرحلي، وتحويل كل أزمة إلى فرصة لتعزيز الموقع دون الانزلاق إلى منطق المجازفة العالية.
خلاصة: نحو نظام دولي تحكمه السيولة الاستراتيجية
ما تكشفه زيارة بكين، في جوهره، ليس انتقالًا مباشرًا لمركز القيادة العالمية من واشنطن إلى بكين، بل تحوّلًا أعمق في طبيعة النظام الدولي ذاته. نحن أمام انتقال من بنية صلبة قائمة على الهيمنة الأحادية، إلى حالة أكثر سيولة، تتداخل فيها مراكز القوة وتُعاد صياغة قواعد التفاعل بشكل مستمر.
في هذا السياق الجديد، تتراجع قدرة أي فاعل على الانفراد بإدارة النظام، وتتحول الأزمات من مجرد اختلالات ظرفية إلى أدوات لإعادة توزيع النفوذ. كما تتلاشى الحدود التقليدية بين الصراع والتعاون، ليحل محلها نمط مركّب تتعايش فيه المنافسة الحادة مع أشكال مختلفة من الاعتماد المتبادل.
ضمن هذه البيئة، لا يمكن الحديث عن “انتصار” صيني بالمعنى الكلاسيكي، بقدر ما يمكن رصد تحسن نوعي في موقعها الوظيفي داخل النظام الدولي. فقد نجحت بكين في تكريس نفسها كفاعل لا يمكن تجاوزه في إدارة الأزمات الكبرى، دون أن تتحمل كلفة قيادتها المباشرة.
في المقابل، تكشف هذه اللحظة عن تحول موازٍ في السلوك الأميركي. فرغم احتفاظ الولايات المتحدة بعناصر قوة حاسمة، إلا أنها وجدت نفسها—لأول مرة منذ عقود—في موقع يُفرض عليها التفاعل من داخل الأزمة، لا من موقع التحكم الخارجي بها.
وهذا التحول، في حد ذاته، لا يعكس مجرد إعادة توزيع للقوة، بل يؤشر إلى إعادة تعريف عميقة لقواعد إنتاجها واستخدامها في النظام الدولي المعاصر.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
