
بقلم: د. محمد السنوسي (*)..
مدخل سياقي: من التلويح بالحرب إلى مأزق التفاوض في ضوء الوهم الاستراتيجي الأمريكي
في تصريح لافت، أفصح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في إحدى تغريداته أمس، أنه كان “قاب قوسين أو أدنى” من العودة إلى خيار الهجوم على إيران، قبل أن يتراجع في اللحظة الأخيرة بناءً على نصيحة بعض حلفائه الإقليميين، مع منحه في الوقت نفسه مهلة قصيرة لا تتجاوز يومين أو ثلاثة لإعادة تحديد موقفها من مسار المفاوضات.
هذا المعطى، من منظور الذكاء الاستراتيجي، لا يمكن قراءته بوصفه مجرد تذبذب تكتيكي أو رد فعل ظرفي لحظة الأزمة، بل باعتباره مؤشرًا دالًا على اختلال أعمق في بنية الإدراك الاستراتيجي الأمريكي. فالتنقل السريع بين خيارين متناقضين—الحرب والتفاوض—يعكس غياب إطار ناظم يربط بشكل متماسك بين الوسائل والأهداف، ويُظهر أن إدارة الأزمة تتم ضمن منطق “اللايقين المُدار” أكثر مما تتم ضمن رؤية استراتيجية مستقرة تتحكم في مسار الأحداث وتوجّهها.
من هذا المنطلق، تبرز إشكالية مركزية: كيف يمكن لقوة تمتلك فائضًا من أدوات الإكراه—العسكرية والاقتصادية—أن تعجز عن تحويل هذا التفوق إلى مكاسب تفاوضية مستقرة؟ الإجابة لا تكمن فقط في توازنات القوة أو في سلوك الخصم، بل فيما يمكن تسميته بـ“الوهم الاستراتيجي الأمريكي”، بوصفه بنية إدراكية متجذرة في الثقافة الاستراتيجية للولايات المتحدة.
هذا الوهم يقوم على افتراض ضمني مفاده أن امتلاك القوة يعادل القدرة على التحكم في مخرجات التفاعلات الدولية. أي أن واشنطن لا ترى في القوة مجرد أداة ضمن منظومة معقدة، بل تعتبرها محددًا حاسمًا وقادرًا بذاته على إعادة تشكيل سلوك الآخرين. غير أن هذا التصور يتجاهل عنصرًا حاسمًا في الذكاء الاستراتيجي: أن الفعل الدولي ليس خطيًا، وأن استجابة الخصوم لا تُبنى فقط على حسابات الكلفة، بل على إدراكاتهم للشرعية، والهوية، وقدرتهم على امتصاص الضغط وإعادة توظيفه.
في حالة إيران، اصطدم هذا الوهم بواقع مختلف. فبدل أن يؤدي التلويح بالحرب إلى تعزيز الموقع التفاوضي الأمريكي، ساهم في تعقيد البيئة الاستراتيجية عبر إدخال عامل عدم اليقين، ليس فقط لدى الخصم، بل داخل منظومة القرار الأمريكية نفسها. فالتراجع في “اللحظة الأخيرة” لا يُقرأ من زاوية تجنب التصعيد فقط، بل من زاوية تآكل مصداقية التهديد، وهو ما يُضعف أحد أهم مرتكزات القوة: القدرة على الإقناع بجدية الاستخدام.
هنا يتجلى أحد دروس الذكاء الاستراتيجي: القوة التي لا تُدار ضمن تصور متماسك تتحول من رصيد إلى عبء. فالتلويح المتكرر دون ترجمة، أو التراجع دون إعادة تعريف للإطار، يخلق فجوة بين الخطاب والفعل، وهي الفجوة التي تستثمرها الأطراف الأخرى لإعادة ضبط مواقفها. وبهذا المعنى، لم يعد السؤال متعلقًا بامتلاك الولايات المتحدة للقوة، بل بقدرتها على “تأطير استخدامها” ضمن استراتيجية متماسكة.
وعليه، فإن مأزق التفاوض مع إيران لا يعكس فقط تعقيد الملف، بل يكشف عن حدود نموذج إدراكي قائم على المبالغة في فاعلية القوة، وعلى التقليل من شأن العوامل غير المادية في تشكيل السلوك الدولي. ومن هنا، يصبح “الوهم الأمريكي” ليس مجرد خطأ في التقدير، بل إطارًا بنيويًا يفسر العجز عن تحويل التفوق إلى نتائج، ويعيد تعريف العلاقة بين امتلاك القوة والقدرة على توظيفها.
وانطلاقًا من هذا التحديد، تنتقل الإشكالية من مستوى توصيف الإخفاق إلى مستوى تفسيره: فإذا كان الوهم الاستراتيجي قد أعاد تشكيل إدراك الولايات المتحدة لذاتها كقوة قادرة على فرض الشروط، فإن السؤال الذي يفرض نفسه هو كيف تحوّل هذا الإدراك ذاته إلى قيد على الفعل، بدل أن يكون مصدرًا لتعظيمه؟
حين تصبح الثقافة الاستراتيجية قيدًا على المصلحة
تُقدَّم السياسة الخارجية الأمريكية، في أدبياتها الرسمية كما في كثير من التحليلات، بوصفها تعبيرًا عقلانيًا عن “المصلحة القومية”، حيث تُفهم القرارات باعتبارها حصيلة موازنة دقيقة بين الكلفة والعائد. غير أن مسار المفاوضات مع إيران يكشف أن هذا التصور—رغم ما يقدمه ظاهريا من وجاهة —يبقى قاصرًا عن تفسير لحظات التعثر البنيوي. فالدول لا تتحرك فقط وفق ما تُمليه المصالح المادية، بل وفق ما تُشكّله ثقافتها الاستراتيجية من تصورات مسبقة عن طبيعة القوة، وحدود الهيمنة، وإمكانات التنازل.
من هنا، لا تعود الإشكالية مجرد سؤال عن سبب فشل التفاوض، بل تتحول إلى مساءلة أعمق لطبيعة العلاقة بين الإدراك والفعل: كيف يمكن لقوة تمتلك فائضًا من الأدوات أن تعجز عن تحويلها إلى مكاسب؟ وكيف تتحول هذه الأدوات ذاتها—التي يُفترض أن تعزز الموقع التفاوضي—إلى عناصر تقييد تقلّص من فعالية الفعل الاستراتيجي؟
تكمن أهمية هذه الإشكالية في أنها تكشف أن “المصلحة القومية” ليست معطى جاهزًا أو موضوعيًا، بل هي بناء إدراكي يتشكل داخل منظومة ثقافية تحدد ما يُرى مصلحة أصلًا، وكيف تُرتَّب الأولويات، وما هي الحدود المقبولة للتسوية. وبذلك، فإن الخلل لا يكمن فقط في سوء تقدير الوسائل، بل في طريقة تعريف الغايات نفسها.
وفق منهجنا في التفكيك والتحليل، يصبح من الضروري التمييز بين مستويين متداخلين:
- مستوى القدرة الموضوعية: أي امتلاك أدوات القوة بمختلف أشكالها (اقتصادية، عسكرية، دبلوماسية)
- ومستوى القدرة الإدراكية: أي كيفية فهم هذه الأدوات، وتقدير شروط استخدامها، واستيعاب حدود فعاليتها
وفي الحالة الأمريكية، لا يظهر العجز كنتيجة لنقص في الموارد أو الأدوات، بل كنتيجة لسوء تموضع هذه القوة داخل نموذج إدراكي مغلق، يفترض مسبقًا أن التفوق كافٍ لإنتاج الامتثال. هذا النموذج لم يكتفِ بتوجيه السلوك، بل قيّده، إذ حوّل القوة من وسيلة لتحقيق نتائج إلى أداة لإثبات الهيمنة، ومن ثمّ أضعف قدرتها على التكيّف مع واقع تفاوضي أكثر تعقيدًا.
وعند هذه النقطة تحديدًا، تنقلب الثقافة الاستراتيجية من إطار مرجعي موجّه إلى قيد بنيوي يعيد إنتاج الإخفاق: فهي لا تكتفي بتفسير العالم، بل تفرض على صانع القرار نمطًا محددًا في الفعل، حتى عندما تتغير شروط الواقع. وهكذا، يصبح الفشل ليس حادثًا ظرفيًا، بل نتيجة منطقية لانغلاق إدراكي يحول دون إعادة تعريف الأدوات والأهداف في آن واحد.
مقاربة “الضغط الأقصى”: تعبير ثقافي أكثر منه خيارًا مصلحيًا
من منظور تحليلي، لا يمكن مقاربة استراتيجية “الضغط الأقصى” بوصفها خيارًا ظرفيًا أملته لحظة سياسية معينة، بل باعتبارها تعبيرًا مكثفًا عن بنية إدراكية عميقة تحكم الوعي الاستراتيجي الأمريكي. فهي لا تنطلق فقط من حسابات مصلحية آنية، بل من منظومة افتراضات ضمنية تشكّل ما يمكن تسميته بـ“الوهم الأمريكي” في إدارة الصراع، أي ذلك الاعتقاد الراسخ بأن التفوق في الأدوات يفضي بالضرورة إلى التحكم في النتائج.
هذا الوهم يتأسس على ثلاث فرضيات مركزية تبدو في ظاهرها عقلانية، لكنها في عمقها تعكس تبسيطًا مفرطًا لتعقيد السلوك الدولي. أول هذه الفرضيات هي أن القوة الاقتصادية قادرة على إنتاج تحولات سياسية مباشرة، وكأن الفاعلين الدوليين يستجيبون بشكل آلي للضغوط المادية، متجاهلين أن الأنظمة السياسية—خصوصًا تلك التي تمتلك سرديات مقاومة—قد تعيد تأويل الضغط وتحويله إلى عنصر صمود بدل أن يكون مدخلًا للانهيار. أما الفرضية الثانية فتقوم على أن الخصوم يتحركون وفق نفس منطق “الكلفة والعائد” الذي تتبناه واشنطن، بما يعني إسقاط نموذج عقلاني واحد على بيئات ثقافية وتاريخية مختلفة، وهو ما يؤدي إلى سوء تقدير عميق لطبيعة الاستجابة المتوقعة. في حين تفترض الفرضية الثالثة أن الزمن يعمل بالضرورة لصالح الطرف الأقوى، في تجاهل لإمكانية أن يتحول الزمن ذاته إلى مورد استراتيجي بيد الطرف الأضعف، إذا ما أحسن توظيفه في امتصاص الصدمة وإعادة ترتيب الأولويات.
في هذا المستوى، لا تعكس هذه الفرضيات مجرد أخطاء في التقدير، بل تجسد ما يمكن وصفه بـ “التماثل الإدراكي”، حيث تميل واشنطن إلى إسقاط بنيتها الذهنية الخاصة على خصم لا يشترك معها في نفس المرجعيات، ولا في نفس تعريفات الربح والخسارة، ولا حتى في نفس العلاقة مع الزمن. وهنا يكمن الخلل الجوهري: ليس في نقص المعلومات، بل في طريقة تأويلها داخل إطار إدراكي مغلق.
وبناءً على ذلك، لم تعد العقوبات أداة مرنة تُستخدم لفتح قنوات التفاوض، بل تحولت إلى إطار حاكم مسبقًا لمسار التفاعل، حدّد نتائجه قبل أن تبدأ العملية التفاوضية فعليًا. فقد تم تصميمها على افتراض أن الضغط سيؤدي إلى انكسار الإرادة السياسية لدى إيران، دون أخذ ثلاثة عناصر حاسمة بعين الاعتبار: أولها قدرة النظام الإيراني على إعادة توزيع الكلفة داخليًا بما يمنع تحولها إلى تهديد وجودي، وثانيها استعداده لتحويل الضغط الخارجي إلى رافعة تعبئة سياسية تعزز من تماسكه الداخلي، وثالثها اعتماده على منطق الصمود والتكيّف بدل منطق الامتثال السريع.
بهذا المعنى، لم يكن فشل “الضغط الأقصى” مجرد إخفاق أداة، بل كان نتيجة منطقية لاشتغالها داخل نموذج إدراكي غير ملائم. بل أكثر من ذلك، فإن هذه الاستراتيجية لم تكتفِ بعدم تحقيق أهدافها، بل أسهمت في إعادة تشكيل البيئة الاستراتيجية نفسها بطريقة أضعفت من فعالية القوة الأمريكية، إذ منحت الطرف المقابل الوقت لإعادة التموضع، ووسّعت من هامش مناورة إيران، وقلّصت في المقابل من قدرة واشنطن على تحويل تفوقها إلى نتائج ملموسة.
وهنا تتجلى المفارقة الأساسية: حين تُستخدم القوة داخل إطار إدراكي مغلق، فإنها لا تفقد فعاليتها فقط، بل قد تتحول إلى عامل يعيد إنتاج حدودها، ويكشف أن المشكلة ليست في مقدار القوة، بل في كيفية تصورها وتوظيفها.
الحنكة الإيرانية: إدارة التفاوض كمسار إدراكي-زمني
تكمن القوة التحليلية للمقاربة الإيرانية في كونها لم تتعامل مع التفاوض بوصفه حدثًا معزولًا أو لحظة تقنية قابلة للضبط، بل باعتباره عملية استراتيجية ممتدة، متعددة الطبقات، تتداخل فيها الأبعاد الزمنية والسياسية والنفسية. ومن هذا المنظور، يمكن تفكيك السلوك الإيراني إلى ثلاث آليات مركزية مترابطة، شكلت في مجموعها ما يشبه “هندسة صمود تفاوضي”:
أولًا، تفكيك أثر الضغط: لم تتعامل طهران مع العقوبات كصدمة آنية يُفترض أن تُحدث انهيارًا سريعًا، بل عملت على إعادة توزيعها عبر الزمن، بحيث تفقد كثافتها السياسية والنفسية. فبدل لحظة الانكسار، يتحول الضغط إلى مسار طويل من التآكل التدريجي، يمكن امتصاصه وإعادة تدويره داخليًا.
ثانيًا، إدارة التوقعات التفاوضية: اعتمدت إيران سياسة ضبط سقف الاستجابة، ليس عبر الرفض المباشر فقط، بل عبر التحكم في الإشارات الصادرة عنها. فالغموض هنا لم يكن عجزًا عن تحديد موقف، بل أداة وظيفية تهدف إلى إبقاء الخصم في حالة ترقب دائم، بما يمنعه من تثبيت معادلة تفاوضية مستقرة أو حاسمة.
ثالثًا، إعادة تعريف الزمن التفاوضي: أخطر ما قامت به إيران هو نقل الزمن من كونه عامل ضغط يعمل لصالح الطرف الأقوى، إلى كونه موردًا استراتيجيًا قابلًا للاستثمار. فكلما طال أمد التفاوض، تقلّصت فاعلية أدوات الإكراه، وازدادت قدرة إيران على إعادة التموضع.
غير أن البعد الأعمق في هذه المقاربة يتمثل في أنها لم تكتف بإدارة أدوات التفاوض، بل أعادت صياغة معنى التفاوض ذاته: فلم يعد مسارًا تقنيًا نحو تسوية سريعة، بل أصبح إطارًا لإدارة توازن غير متكافئ مع قوة تفوقها ماديًا، لكنها أقل مرونة إدراكية. وهنا يتجلى ما يمكن تسميته بـ**“الذكاء التكيفي الاستراتيجي” **، الذي يقوم على ثلاث قواعد ضمنية:
- أن القوة لا تُقاس فقط بقدرة الإكراه، بل بقدرة التحمل وإعادة التموضع تحت الضغط.
- وأن النجاح لا يُقاس بتحقيق مكاسب فورية، بل بقدرة منع الخصم من تحقيق أهدافه القصوى.
- وأن الصمود، في بيئات غير متكافئة، قد يكون أكثر فاعلية من المبادرة.
ضعف الفريق المفاوض الأمريكي: قصور في الذكاء الثقافي الاستراتيجي
لا يمكن اختزال محدودية الأداء الأمريكي في الجانب التفاوضي في نقص الخبرة التقنية أو ضعف إدارة الملفات، بل في غياب ما يمكن تسميته بـ**“الذكاء الثقافي الاستراتيجي” **؛ أي القدرة على تفكيك منطق الخصم الداخلي، وفهم بنيته العميقة، لا مجرد سلوكه الظاهر.
فقد تعامل الفريق الأمريكي مع إيران بوصفها فاعلًا “عقلانيًا اقتصاديًا” يستجيب لمعادلة الكلفة والعائد، متجاهلًا أنها في الواقع فاعل مركب يتأسس على ثلاث طبقات متداخلة:
- طبقة تاريخية: مشبعة بتجارب التدخل الخارجي وفقدان الثقة في النوايا الدولية.
- طبقة رمزية سيادية: تجعل من الكرامة والاستقلال عناصر غير قابلة للمساومة.
- طبقة سياسية-أيديولوجية: تربط شرعية النظام الداخلي بخطاب المقاومة وعدم الخضوع.
هذا القصور الإدراكي أنتج ثلاث اختلالات مركزية:
- سوء تقدير الخطوط الحمراء لدى الطرف الإيراني، عبر افتراض قابلية التمدد في مساحة التنازل.
- المبالغة في فعالية الضغط الاقتصادي بوصفه أداة حسم، وليس أداة إدارة صراع طويل.
- العجز عن بناء مقايضات واقعية تأخذ في الاعتبار منطق الخصم الداخلي، لا فقط حسابات واشنطن.
وبذلك، لم يكن الخلل في النتائج فقط، بل في الفرضيات المؤسسة للتفاوض نفسه، والتي انطلقت من تصور غير مكتمل لبنية الفاعل المقابل.
ترامب داخل “الخندق التفاوضي”: ديناميات الانغلاق الاستراتيجي
ما يميز تجربة إدارة ترامب هو تحوله التدريجي من فاعل يحدد شروط اللعبة إلى فاعل محكوم بإيقاعها. ويمكن تفسير ذلك من خلال مفهوم “فخ الالتزام التصعيدي”، حيث يتحول الخطاب السياسي من أداة دعم للقرار إلى قيد بنيوي عليه.
هذا الانغلاق جاء نتيجة تفاعل ثلاث ديناميات مترابطة أعادت تشكيل مساحة القرار بشكل تدريجي:
- تضخيم التهديد في الخطاب السياسي، بما أدى إلى رفع سقف التوقعات داخليًا وخارجيًا على نحو متواصل.
- تصعيد شروط التفاوض إلى مستويات قصوى، جعل أي تسوية جزئية تُقرأ كتنازل أو تراجع سياسي.
- ربط الإنجاز السياسي الداخلي بنتائج حاسمة تُقاس بمنطق “الانتصار الكامل”، بدل منطق المكاسب التدريجية أو الجزئية.
وفي ظل هذا التراكم، أصبحت الخيارات المتاحة أقرب إلى الشكل منها إلى الفعل الحقيقي:
- فالتراجع بات مكلفًا سياسيًا داخليًا، مع ما يحمله من تآكل في المصداقية.
- والاستمرار في التصعيد لم يعد يضمن الوصول إلى الحسم، بل يفتح مسار استنزاف ممتد.
وهكذا، لم يعد القرار الاستراتيجي يُدار بحرية كاملة، بل أصبح محكومًا بهندسة خطابية سبق لصانع القرار أن بناها بنفسه، لتتحول الاستراتيجية في النهاية إلى شكل من أشكال الإكراه الذاتي.
وهذا الوضع يفتح مباشرة على مستوى أكثر عمقًا في التحليل، حيث لا يعود الإشكال مرتبطًا فقط ببنية القرار، بل بطريقة إنتاج المعنى السياسي نفسه. فحين تتراكم التوقعات المتناقضة داخل الخطاب، وتختلط الرسائل بين التصعيد والانفتاح، تصبح الإشارة الاستراتيجية فاقدة لانسجامها وقدرتها على التوجيه، وهو ما يقود إلى تفككها بدل فعاليتها.
تناقضات الخطاب الامريكي: تفكك الإشارة الاستراتيجية
في بيئة التفاوض الدولي، لا تُقاس القوة بمجرد حجم الأدوات المتاحة أو شدة الضغوط الممارسة، بل بقدرة الفاعل على إنتاج إشارات استراتيجية متماسكة وموثوقة، تسمح للطرف الآخر بفهم اتجاه السلوك وحدود التوقع. ومن هذا المنظور، تكشف الحالة الأمريكية عن خلل بنيوي عميق يتمثل في تآكل الاتساق بين الخطاب والممارسة، بما أفقد الإشارة الاستراتيجية وظيفتها التوجيهية.
فمن جهة، كان الخطاب السياسي يعلن الانفتاح على التفاوض وإمكانية التوصل إلى تسويات. ومن جهة ثانية، كانت الممارسات الميدانية تميل إلى التصعيد المستمر وتوسيع أدوات الضغط. وفي الوقت نفسه، كانت الشروط التفاوضية تُعاد صياغتها بشكل متكرر وفق إيقاع اللحظة السياسية، بدل أن تستند إلى إطار استراتيجي ثابت أو رؤية تفاوضية مستقرة.
هذا التناقض لم يكن مجرد تفصيل ثانوي أو خلل تكتيكي محدود، بل أنتج آثارًا استراتيجية عميقة انعكست على بنية التفاعل بين الأطراف:
- تآكل الثقة لدى الطرف الإيراني، الذي أصبح غير قادر على التمييز بين ما هو تكتيك ظرفي وما هو توجه استراتيجي ثابت، ما عزز من نزعة الحذر وإدارة الوقت بدل الاستجابة.
- إرباك الحلفاء، نتيجة غياب وضوح في اتجاه السياسة الأمريكية، وتعدد الرسائل المتناقضة التي صعّبت بناء موقف جماعي متماسك.
- إضعاف وظيفة الردع ذاتها، لأن فعالية الردع لا تقوم فقط على القوة، بل على وضوح الرسالة واتساقها، وهو ما تآكل تدريجيًا.
ومن منظورنا، فإن الإشكال لا يكمن في وجود درجة من التناقض أو الغموض، فالقوى الكبرى كثيرًا ما توظف الغموض كأداة لإدارة الخصوم. غير أن الفارق الحاسم يكمن في كيفية إدارة هذا الغموض. فالغموض الاستراتيجي الفعّال يفترض ثلاثة شروط أساسية: أن يكون محسوبًا بدقة، وأن يُوجَّه نحو هدف واضح، وأن يظل قابلًا للتفسير من قبل الطرف الآخر دون أن يتحول إلى ضوضاء مربكة.
غير أن الحالة الأمريكية أظهرت انزياحًا تدريجيًا عن شروط إدارة الغموض الاستراتيجي، حيث لم يعد هذا الغموض يعمل كأداة ضبط محسوبة تُستخدم لتوجيه سلوك الخصم، بل تحول إلى حالة من التشويش البنيوي داخل بنية القرار نفسها. ونتيجة لذلك، تراجعت القدرة على إنتاج رسالة استراتيجية مستقرة وواضحة، كما انخفضت فعالية التأثير في سلوك الطرف المقابل، الذي أصبح يتلقى إشارات متناقضة أكثر مما يتلقى توجهًا استراتيجيًا متماسكًا.
هذا التفكك في الإشارة الاستراتيجية لا يمكن عزله عن بيئة أوسع من التفاعلات الضاغطة التي أعادت تشكيل فضاء القرار الأمريكي من الخارج، وفي مقدمتها العامل الإسرائيلي الذي مثّل عنصرًا حاسمًا في إعادة هندسة مسار التفاوض.
الدور الإسرائيلي: إعادة تشكيل فضاء القرار الأمريكي
في هذا السياق، لا يبدو العامل الإسرائيلي مجرد مؤثر جانبي في مسار التفاوض، بل أقرب إلى ما يمكن وصفه بـ “الضغط الخارجي المُهيكل للقرار” ؛ أي ذلك النوع من التأثير الذي لا يكتفي بالمرافقة أو الدعم، بل يتدخل في صياغة حدود الممكن السياسي نفسه.
فقد أسهم هذا العامل في:
- إعادة تعريف أولويات التفاوض، بحيث لم يعد الملف النووي وحده مركز الثقل، بل توسع الإطار ليشمل قضايا أكثر تعقيدًا وحساسية.
- توسيع نطاق التفاوض ليطال ملفات تتجاوز قابلية التسوية الواقعية، ما زاد من صعوبة الوصول إلى نقاط التقاء محددة.
- تقليص هامش المناورة التكتيكية للإدارة الأمريكية، عبر رفع كلفة المرونة السياسية وإعادة ضبط سقف الخيارات المتاحة.
ومن هنا، لا تكمن الإشكالية في مجرد وجود تأثير خارجي في حد ذاته، فكل قرار دولي هو بطبيعته حصيلة تفاعل شبكي معقد بين مستويات متعددة من الفاعلين والضغوط. لكن الإشكال الحقيقي يظهر عندما يتجاوز هذا التأثير حدود الإسناد أو التأثير غير المباشر، ليتحول إلى عنصر متداخل مع البنية الداخلية نفسها لصناعة القرار، بحيث يفقد الفصل النسبي بين الداخل والخارج وضوحه ووظيفته التنظيمية.
وتتعاظم المخاطر تحديدًا في الحالات التي:
- يتداخل فيها هذا التأثير مع الخطاب السياسي الداخلي الأمريكي، بحيث يُعاد إنتاجه داخل النقاشات الداخلية وكأنه جزء من الإجماع الوطني، لا مجرد عامل خارجي.
- ويتحول تدريجيًا إلى محدد غير معلن لإيقاع التفاوض وحدوده، أي أنه لا يُصرَّح به رسميًا، لكنه يشتغل فعليًا كإطار ضابط لما يمكن وما لا يمكن التفاوض حوله.
- ما يؤدي في النهاية إلى تقليص هامش الاستقلالية في القرار، وجعل عملية صناعة السياسة أكثر خضوعًا لتوازنات غير مرئية وغير مُعرّفة بشكل واضح للرأي العام أو حتى لبعض دوائر القرار نفسها.
وقد لمستُ شخصيًا، خلال لقاءاتي مع عدد من النخب الأمريكية أثناء زيارتي الأخيرة إلى الولايات المتحدة (17 أبريل–18 مايو 2026)، وجود قدر متزايد من القلق داخل بعض الدوائر الفكرية والسياسية من هذا النوع من التشابك، حيث يُنظر إليه باعتباره عاملًا يحدّ تدريجيًا من مرونة القرار الأمريكي ويُضعف استقلاليته الاستراتيجية.
وبهذا المعنى، لم تعد واشنطن تتحرك ضمن منطق مصلحي خالص قائم على حسابات داخلية مستقلة، بل أصبحت تعمل داخل شبكة مركبة من الضغوط المتقاطعة، يتداخل فيها الداخلي بالخارجي، والاستراتيجي بالسياسي، بما يعيد تشكيل بنية القرار نفسها، ويحدّ من قدرتها على إنتاج مسار تفاوضي متماسك، واضح الاتجاه، ومستقل في منطقه النهائي.
من فرض الشروط إلى إدارة المأزق: انقلاب في الموقع الاستراتيجي
لم يكن التحول الأهم في هذه الحالة مرتبطًا بالنتائج التفاوضية في حد ذاتها، بل بموقع الفاعل داخل بنية الفعل الاستراتيجي نفسه. فقد انتقلت الولايات المتحدة تدريجيًا:
- من موقع فاعل يسعى إلى تحديد قواعد اللعبة وإعادة صياغتها
- إلى موقع فاعل بات يضطر إلى التكيف مع تداعيات خياراته السابقة وإدارة آثارها
هذا التحول لا يمكن فهمه إلا في إطار ما يُعرف بـ “فشل تحويل القوة، أي العجز عن تحويل التفوق المادي والقدرات الصلبة إلى مكاسب سياسية ملموسة ومستقرة على أرض الواقع.
ولا يرتبط هذا الفشل بعامل واحد أو بتفوق الخصم فقط، بل بتراكم مجموعة من الاختلالات البنيوية، من أبرزها:
- سوء تقدير البيئة الدولية وتعقيد توازناتها الفعلية
- قصور في الفهم الثقافي للخصم وأنماط تفكيره الاستراتيجي
- جمود في الأدوات وعدم القدرة على تكييفها مع سياقات متغيرة وسريعة التحول
وفي هذا الإطار، لم يعد التفاوض مجرد وسيلة كلاسيكية لتسوية النزاعات أو إنتاج الحلول، بل تحول تدريجيًا إلى آلية لإدارة أزمة ممتدة، تُبقي التوتر قائمًا وتؤجل الحسم بدل أن تنتجه.
خلاصة استراتيجية: حين تتحول القوة إلى عبء
تكشف هذه الحالة عن مفارقة مركزية في التفكير الاستراتيجي المعاصر: فالمعضلة ليست في حجم القوة المتاحة، بل في طريقة إدراكها وتوظيفها داخل بيئة دولية شديدة التعقيد.
وفي الحالة الأمريكية تحديدًا:
- تحولت القوة من أداة تأثير مرن إلى أداة لإثبات الهيمنة الرمزية
- أصبح الضغط هدفًا قائمًا بذاته، لا مجرد وسيلة لتحقيق نتيجة تفاوضية
- وتراجع منسوب الذكاء الاستراتيجي لصالح منطق الأدوات المباشرة والاندفاع التكتيكي
وبذلك، لم تفشل الولايات المتحدة فقط في فرض شروطها بالشكل الذي أرادته، بل وجدت نفسها أمام ما يمكن تسميته بـ “مفارقة القوة”: فكلما ازداد الاعتماد على أداة واحدة بوصفها مركز الاستراتيجية، تراجعت فعاليتها وتقلصت قدرتها على إنتاج نتائج سياسية مستقرة.
وفي عالم يتسم بالتعقيد والسيولة وتعدد مراكز الفعل، لم يعد التفوق المادي وحده كافيًا، بل أصبحت القدرة على الفهم العميق، وإدارة التعقيد، والتكيف الذكي، هي المحدد الحاسم للنجاح الاستراتيجي.
(*) أستاذ الدراسات المستقبلية والشؤون الدولية ورئيس مركز مكين للذكاء الاستراتيجي – الرباط
